هناك عروض لا تشبع منها ولا تريدها أن تنتهي، ليس لأن عدد القطع المعروضة قليل؛ بل لأنها تشد الأنفاس من اللحظات الأولى، وعندما تبدأ تلتقط أنفاسك وتستوعب فلسفتها وجمالياتها، تُفاجأ بانتهائها.
هذا بالتحديد ما حدث في عرض المصمم المغربي سعيد محروف في اليوم الثاني من «فاشين فوروود». للحظات مرت مرور البرق أنسانا المكان والزمان، لأنه أرسل عارضاته في فساتين ناعمة بطيات مدروسة يصعب على أي أحد أن يصوغها بالدقة والسهولة، بالنظر إلى أنها مصنوعة من أقمشة خفيفة وناعمة. كان هناك أيضا تفصيل لا يعلى عليه في بعض الفساتين التي تكونت من تنورات طويلة انسدلت على أقمشة الموسلين، بينما جاء الجزء الأعلى فيها من الساتان ومفصلا عند الأكتاف والياقات وكأنه توكسيدو. لكن ربما تكون الألوان التي تراقصت على كل درجات الرمادي، من الفضي إلى الرصاصي والداكن، هي المفتاح الذي يمكن أن يكشف لنا الفكرة التي انطلق منها المصمم.
خلف الكواليس، وبعد انتهاء عرضه، شرح المصمم ضاحكا أنه استلهمها من رواية «50 درجة من الرمادي».. الأمر الذي فسر تركيزه على هذا اللون، كما فسر الرومانسية التي كانت تقطر من كل جوانبها. وأضاف أن هذا اللون يمثل نفسا رائعا لأي مصمم؛ لأنه أكثر ما يبرز التفاصيل الصغيرة بشكل أنيق، حسب قوله.
والحقيقة أنه بعد عروض مال فيها البعض إلى محاكاة الـ«هوت كوتير» بشكل متوقع وغير جديد، إما من خلال دراما التطريزات أو فخامة التنورات المستديرة أو التفاصيل الغنية، كانت هذه التشكيلة مثل نسمة هواء في يوم حار جدا. راقية بهدوئها، درامية ببساطتها، رومانسية بأنوثتها، وبالتالي لن تحتاج فيها المرأة إلى بريق الأحجار والترتر لكي تتألق. إضافة إلى هذا فهي رحيمة على الجسم، تتيح له الحركة بسهولة من جهة، وتموه على الكثير من الأجزاء التي تحب المرأة عموما إخفاءها من جهة ثانية بفضل الطيات المتناثرة، على الصدر حينا وحول الخصر حينا آخرا.
الجميل فيها أيضا أنها رغم أنها تضج بالأنوثة، فإنها لم تتجاهل التوجه الذي يسود حاليا في ساحة موضة، ألا وهو اللعب على العنصر الرجالي، الذي ظهر هنا في التفصيل الراقي وفي الكثير من التفاصيل الصغيرة.
عرض رامي قاضي، في المقابل، كان على النقيض تماما. لم يستغرق وقتا أطول فحسب، بل تميز أيضا ببعض المبالغة، في دراميته وأحجامه وتطريزاته. بعبارة أخرى لم يعترف بالحل الوسط وفضل أن يكون سخيا في كل شيء، بدءا من عدد القطع إلى كميات الأقمشة المستعملة في التنورات خصوصا. ما من شك أن رامي قاضي مصمم موهوب أكد في السابق أنه قادر على أن يعطي الكثير، بدليل أن المصمم ربيع كيروز آمن بإمكانياته واحتضنه في مؤسسة ستارش، فضلا عن أنه صقل موهبته بالدراسة والممارسة، لكن المأخذ عليه هنا أنه لم يستطع أن يتجرد من تشكيلته بعد انتهائه من تنفيذها، ولم ينجح في أن يكون موضوعيا أو واقعيا، بحيث ينتقي منها الأفضل فقط لعرضه. عادة في مثل هذه الحالات، يحتاج المصمم إلى خبير أزياء مستقل تكون مهمته حذف القطع المكررة أو التي لا تخدم الموضوع، حتى يحافظ على قوتها وقدرتها على التشويق. أمر كان بالإمكان تداركه بسهولة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن أغلبية القطع كانت لافتة بجمالها وتخاطب امرأة أنيقة تتوخى الفخامة، كما أن القصة التي حاول أن يحكيها لنا لم تنقصها الرومانسية وعنصر الحلم؛ فهي تدور حول أميرة فائقة الجمال، كانت في سبات طويل عندما استيقظت منه وجدت نفسها في قصر فخم وشاسع. يشرح المصمم: «مشاعر كثيرة تنتابها في تلك اللحظة، تتباين بين المفاجأة والاستغراب، فتبدأ عملية الاستكشاف بأن تمشي بين أروقة القصر وأجنحته وحديقته، وفي كل مرة تكتشف ركنا جديدا أكثر جمالا وفخامة، والأهم أنه يتميز بأسلوب عصري ومثير».
نهاية القصة سعيدة جدا، لأن رحلتها اكتملت بفستان زفاف يجمع الفخامة برومانسية الأساطير القديمة، لخص فلسفته وأسلوبه وأنسانا للحظات كل القطع المكررة التي كان بإمكانه أن يستغني عنها.
9:41 دقيقه
اليوم الثاني من «فاشين فوروود».. يزيد سخونة وتناقضات
https://aawsat.com/home/article/76641
اليوم الثاني من «فاشين فوروود».. يزيد سخونة وتناقضات
بين هدوء سعيد محروف الراقي وحماس رامي قاضي الدرامي
عرض المصمم المغربي سعيد محروف (غيتي) - من عرض رامي القاضي (غيتي)
- دبي: جميلة حلفيشي
- دبي: جميلة حلفيشي
اليوم الثاني من «فاشين فوروود».. يزيد سخونة وتناقضات
عرض المصمم المغربي سعيد محروف (غيتي) - من عرض رامي القاضي (غيتي)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

