ديكارت دربنا على العزل المنهجي لمواجهة المعضلات

بأصالته وقوة منهجه وتأثيره على من جاء بعده

ديكارت
ديكارت
TT

ديكارت دربنا على العزل المنهجي لمواجهة المعضلات

ديكارت
ديكارت

تنبه العلماء بدءًا من القرن السابع عشر، إلى أهمية المنهج لسبر أغوار العالم الذي اتضحت ملامحه مع الفيلسوف ديكارت (1596 - 1650)، الذي وجد، بدوره، أن معيار الحقيقة هو الوضوح، مقلدًا في ذلك الرياضيات، ما دام أن هذه الرياضيات - كما اعتقد - مجمع عليها ومتفق حولها، نظرًا لوضوح وبداهة منطلقاتها. لهذا فحل أي مشكلة في القضايا الأخرى، يكمن في تقليدها، وذلك بتدريب عقلنا على ألا يقبل إلا الواضح كحقيقة، ويعلق الأحكام فيما هو غامض إلى أجل غير مسمى. وهذا ما دفع ديكارت إلى بدء مشروعه المنهجي بالقاعدة التالية: «يجب ألا أقبل شيئًا قط على أنه حق، ما لم يتبين لي، بالبداهة العقلية، أنه كذلك. ويجب ألا أحكم على الأشياء إلا بما يتمثله الذهن، بوضوح وتمييز، ينتفي معهما كل سبيل إلى الشك». هذه القاعدة، توضح أن معيار الحقيقة الذي ركز عليه ديكارت، يكمن في البداهة والوضوح. فما دامت الفكرة غامضة، فلا يمكن للعقل إصدار الحكم بصوابها، حتى يتم التقصي والضبط، وأخذ الوقت الكافي لجعلها تنجلي، وإلا على الأقل، تعليق الحكم احترامًا لهذا العقل. وبهذا، فأي مشكلة ملغزة تواجهنا في الحياة، ويختلط علينا أمرها، تكون أول خطوة منهجية للتعامل معها، هي ألا نسرع في إصدار أحكام طائشة تجعلنا لا نسيطر عليها.
لكن يبقى السؤال العالق، هو كيف السبيل إلى الوضوح؟ وما الطريقة الأقل كلفة التي يقدر عليها عقلنا وتتلاءم وقدراتنا نحن البشر؟ الجواب يكمن في التعامل مع العالم كآلة ميكانيكية، انطلاقًا من قاعدتي التحليل والتركيب. فكيف ذلك؟
إنه لكي نتمكن من القبض على المشكلة قيد الدراسة ومواجهتها وتبديد غموضها، وجب - حسب ديكارت - تحليلها وتفكيكها إلى أجزائها الواضحة. فذلك يعد بمثابة مهارة متاحة لنا كبشر، لفهم المعقّد وفك شفرة الألغاز. فالإنسان غير قادر على إدراك الأمور دفعة واحدة (فهو ليس إلهًا)، فليس له من خيار ما عدا هذه العملية التقسيمية إلى الوحدات الواضحة.
ويمكن أخذ أمثلة كثيرة تطبيقية تثبت قوة وصحة وكونية هذا المنهج التحليلي القائم على الفصل. فمحرك السيارة وهو يشتغل دفعة واحدة، يكون صعب التناول، لكن إذا قمنا بتحليله إلى أجزاء واضحة، سنتمكن من إزالة غموضه ومن ثم فهمه وهو السبيل للتحكم فيه. وكذلك نجد مفهوم القوة، فيزيائيًا، غامضًا، إلا إذا فككناه إلى وحداته الواضحة، وهي الكتلة والتسارع. الأمر نفسه يقال عن السرعة، فما هي إلا مسافة وزمن. والطاقة هي كتلة وسرعة ضوء، كما شرح ذلك آينشتاين. أما إذا قمنا بتفكيك الصوت فسنجده موجات بأطوال معينة.
وباتجاهنا صوب الجسم البشري، فإنه يصعب فهمه في كليته. ولا حل لدينا إلا تقسيمه إلى مجموعة أجهزة (جهاز عصبي، عضلي، هضمي، تنفسي...). ولنتأمل كم في كلمة جهاز من نزعة آلية. هذه الأجهزة هي أيضًا تحلل إلى أجزاء أصغر. ونحن نعلم الآن، أن العلماء فككوا الشفرة الوراثية، وبلغوا قواعدها الكيميائية الأساسية المشكلة لهوية الفرد البيولوجية. فلولا آلية التحليل، لما استطاع الإنسان فهم واستيعاب ألغاز ما حوله.
إن هذا هو المقصود بالنزعة الميكانيكية عند ديكارت، التي طبعت العلم ونموذج التفكير الحديث. إلى درجة أن العالم كله أصبح منظورًا إليه باعتباره آلة كبرى، مما أتاح فرصة إدراكه. فيكفي لفهمه، أن نقوم بتحليله إلى قطاعات وورش عمل نقدر عليها، الأمر الذي يبرر ظهور التخصصات في كل قطاعات الحياة. فالفيزيائيون تكفلوا بدراسة المادة، لكن المادة معقدة بدورها، مما جعل المهام تقسم إلى وحدات صغرى، بحيث نجد الآن، تخصصات داخل الفيزياء نفسها (دراسة المغناطيس، الحركة، الكهرباء، سقوط الأجسام، الحرارة...). أما البيولوجيون، فتكفلوا بدراسة الكائنات الحية، ومجال الأحياء بحر واسع يتطلب بدوره تحليلاً أعمق (حيوانات، حشرات، نباتات، إنسان... إلخ).
هكذا تناسلت التخصصات تلو التخصصات، إلى أن ظهر آخر تخصص، وهو العلوم الإنسانية التي أخذت على عاتقها دراسة الكائن اللغز، الكائن المنفلت: إنه الإنسان في جوانبه الروحية. فهو بدوره لم ينجُ من آلية التحليل، فتم تفتيته إلى: نفس، واجتماع، وإنثربولوجيا، وتاريخ، وجغرافيا، وسياسة، واقتصاد.
كل هذا يظهر أصالة ديكارت وقوة منهج العزل وتأثيره على اللاحقين، خصوصًا في مجال العلوم. فلا فهم ولا دراسة ولا إدراك إلا بالتحليل، فهو وسيلتنا الوحيدة ما دام، كما قلنا، أننا عاجزون عن إدراك الكون دفعة واحدة، فذاك أمر يتجاوزنا. إن ديكارت علمنا التواضع، علمنا ألا ندعي الحقيقة الجاهزة، فهي «إلهية». أما نحن فعملنا عمل النملة، عمل المختبرات، عمل الزمن الطويل، عمل المشعل المنقول جيلاً بعد جيل.
إن المنهجية التي تبلورت في القرن السابع عشر، والقائمة على العزل والفصل قصد الضبط والتحكم، ستسري في كل مناحي التخصصات ولن يسلم منها أي قطاع، إلى درجة يمكن أن نقول معها، إنها هي الثابت البنيوي الذي يمكن تلمسه كخيط ناظم لعقد المنظومة الحداثية. وتجدر الإشارة إلى أن خطوة التحليل خطوة محض منهجية، يقوم بها الإنسان عنوة، ويفرضها فرضًا على المشكلات والمعضلات التي تجابهه، كي تفشي سرها وتعطي شفرتها.
فهي عملية مصطنعة ومفتعلة، غرضها تبديد الغموض، وخلق الشفافية في كل شيء، على الرغم من أن هذا التحليل يشوه الحقيقة، لأنها تقدمها ممزقة الأوصال. علمًا بأن الأصل في الحقيقة، هو كونها لوحة كاملة تشتغل موحدة، الجزء فيها متصل بالآخر دونما بتر. بكلمة واحدة، التحليل يفقد الحقيقة جماليتها، مما يستدعي خطوة موالية سماها ديكارت بالتركيب، باعتبارها ترميمًا ولم شمل الأجزاء من جديد، في توليفة متناغمة، سيدعي الإنسان أنها الحقيقة ولو مؤقتًا. وهذا موضوع آخر يحتاج إلى دراسة بعينها.
إن مسألة هيمنة منهجية العزل في الزمن الحديث، كانت عبارة عن موجة عارمة اكتسحت كل النطاقات، وتوضحت عند كل مجايلي ديكارت. فمثلاً نجد أن فيلسوفًا من طراز توماس هوبز (1588 - 1679)، وهو من المؤسسين للفلسفة السياسية الحديثة، وصاحب الكتاب المشهور «التنين»، كان من المتشبعين بالنزعة الميكانيكية القائمة على التحليل والتركيب حتى النخاع. إذ كان يحلو له أن يوضح منهجه باستخدام مثال الساعة، وذلك كالتالي: إنه عندما نريد فهم كيف تعمل الساعة (لنعتبرها هنا هي المعضلة العالقة بين أيدينا)، نقوم بتفكيكها، وندرس مكوناتها المختلفة، وخواص هذه المكونات. ثم نجمع أجزاء الساعة، وبجمعنا الأجزاء بشكل يعيد الساعة إلى العمل من جديد، نتعلم كيف ترتبط الأجزاء بعضها بعضًا، وكيف تعمل الساعة، ونفهم ما هي الساعة.
ولقد حاول توماس هوبز، تطبيق هذا المنهج التحليلي والتركيبي على المجتمع، بحيث سيعمل على تقسيمه إلى أجزائه الواضحة. وجزؤه الجوهري، كما توصل إلى ذلك، هو الفرد بأهوائه وأنانيته. ثم إعادة جمع هذه الأجزاء، بحيث نرى روابطها وكيفية عملها. وبفعلنا ذاك، نفهم ما هو المجتمع. مع التذكير بأن هذا التقسيم ليس دائمًا قسمة واقعية، بل يتم خياليًا افتراضيًا أحيانًا.
إن الأمر نفسه سيتم وبالطريقة نفسها، مع العالم غاليليو (1564 - 1642). إذ سيعمل على عزل الطبيعة عن الإنسان. فغاليليو سيسير في الطريقة الجديدة نفسها في التفكير، والمسماة حداثية، حيث سينقلنا من النظرة التأملية الدافئة والساحرة للعالم، إلى نظرة باردة. فقد كان يرى أنه عندما تلمسك الريشة وتحدث لك دغدغة، فهذا الإحساس ينتمي لذاتك، وليس إلى الريشة. فغاليليو وكما يظهر من هذا المثال، كان يسعى لوضع فصل بين ما ينتمي للذات، وما ينتمي للعالم الخارجي. إذ لا يجب بحسبه، إسقاط ما هو إنساني على الطبيعة. فهذه الأخيرة، صماء وعاطلة، لا سبيل إلى فهمها إلا بتكميمها وترويضها، ووضعها في قوالب رياضية. فالكيفيات التي نسقطها على الطبيعة تشوه الموضوع المدروس، وتعطي صورة زائفة عنه. بكلمة واحدة معه، سيضرب سؤال الغايات والمقاصد عرض الحائط. أي أن أسئلة الخير والشر هي خارج اهتمام العلم.
إن المتأمل في الدرس الحداثي، بدءًا من القرن السابع عشر، وهو فجر العلم الحديث، يكتشف أن عملية الفصل هذه لم تتوقف أبدًا. ولعل أكبر من كان له النصيب الأكبر في العزل وبوضوح، ألقى بظله على الحياة البشرية إلى حد الساعة هو الدين، الذي تم فصله عن كل قطاعات الحياة، فأعطانا ما يسمى باللائكية أو الدنيانية بتعبير طه عبد الرحمن.



رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.


الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية
TT

الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد.

تحمل البطلة، وهى صحافية، اسماً لافتاً «نجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقفة في مطبخها الصغير وسط باريس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حوار خاص مع جندي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 تحت عنوان «أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء»، حينئذ وجدت نفسها أمام العالم بعد كل هذه السنوات وهي حافية باكية بملابس البيت في طرقات البلدة الحدودية الصحراوية «رفحاء».

على هذه الخلفية الصادمة يسعى المؤلف للغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها وإشكالياتها من خلال نموذج البطلة الحسناء نجلاء، مقتفياً تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة.

بدا شريف سعيد في هذا النص متأثراً بخلفيته مخرجاً وثائقياً يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماماً شديداً بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات.

من أجواء الرواية نقرأ:

«استطاعت العلامات الموسيقية المتصاعدة من فوق الرصيف وسط رذاذ المطر أن تختطفها من ذكريات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمام تحديداً نحو ذاك المساء الذي استحالت فيه مطلقة، في هذا اليوم كانت عقارب الساعة تشير إلى انتصاف ليل القاهرة حين دردشتْ معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء.

منذئذ حرصت نجلاء على ألا تجهر باسمه لأحد فوق هذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيراً ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمامه مثل دلو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانة منها ولم يبادلها شيئاً من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده.

فض الرسالة الإلكترونية ولأيام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن يُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حالياً في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية».


ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد
TT

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج بين المرض النفسي الذي أصيب به وجرائم القتل التي ارتكبها، فإن عنوان المعرض الذي يستمر حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) كان مدخلاً غير موفق لذلك المسعى. «ريتشارد داد: ما وراء المصحة» عنوان ينفتح على سرديات غير سارة؛ ذلك لأن المصحة العقلية التي شهدت عودته إلى الرسم بحماسة استثنائية ستكون بالنسبة للآخرين مناسبة للتنقيب في تفاصيل حياته التي يُعاد رسمها بطريقة تسلط الضوء على العلاقة المفترضة شعبياً بين الفنون والجنون.

في الخامسة والعشرين من عمره، كُلِّف بالسفر مع السير توماس فيليبس عبر أوروبا والشرق الأوسط، ورسم الأماكن التي زاروها. مع اقتراب نهاية الرحلة التي استمرت عشرة أشهر ظهرت عليه أعراض اضطراب عقلي حاد، فكان يعاني من أوهام ارتيابية عند عودته إلى الوطن. كان يعتقد أنه مُضطهد من قِبل الشياطين، وأنه يتلقى رسائل من الإله المصري أوزوريس. في 28 أغسطس (آب) 1843، طعن والده حتى الموت في حديقة كوبام، بالقرب من روتشستر في مقاطعة كينت، معتقداً أنه الشيطان متنكراً.

حين اعتُقل بعد فراره إلى فرنسا ومحاولته قتل أحد المسافرين نعته مجلة «آرت يونيون» تحت عنوان مؤثر «الراحل ريتشارد داد» بقولها: «الرجل اللطيف والودود ظاهرياً والذي كان قبل عام أو نحوه نجماً صاعداً في الأكاديمية الملكية بلندن. اليوم يُعرف داد، إن عُرف أصلاً، بقتله والده وهو يعاني من نوبة ذهانية حادة أُدخل على أثرها إلى مستشفى بيثليم، ثم إلى مصحة برودمور للمجرمين والمجانين، حيث مكث بقية حياته». خلصت «آرت يونيون» بعد ذلك إلى قولها: «مع أن القبر لم يُغلق عليه فعلياً، فإنه يُصنف بين الأموات».

من أعمال داد

نزهات المجنون في عالم شكسبير

في السنوات الأولى من حياته طالباً في مدارس الأكاديمية الملكية وعضواً مؤسساً لمجموعة من الفنانين الأصدقاء تُعرف باسم «الزمرة»، أحيط ريتشارد داد بهالات نجاحٍ تقليدي لفنان بريطاني موهوب. كان داد في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر قد بدأ يرسخ مكانته رساماً لمشاهد خيالية مستوحاة من مسرحيات شكسبير، لتليها رحلته عبر شرق البحر الأبيض المتوسط، التي ظلت مصدر إلهام له طوال حياته. بعدها انطفأ داد عقلياً. ما بين عامي 1843 و1886 عاش نزيلاً ما بين مستشفيي بيثليم وبرودمور، هناك أنتج معظم لوحاته الزيتية والمائية التي لا تعكس حالته المرضية لما تميزت به تلك اللوحات من دقة بصرية ووضوح في الرؤية والتعبير. فعلى الرغم من العزلة التي عاشها في نظام المصحات العقلية الفيكتوري، فإن داد استطاع أن يستلهم من ذاكرته وخياله وشغفه الدائم بالأدب والأساطير ليُبدع عوالم خيالية زاخرة بالتفاصيل الدقيقة. وليس مفاجئاً أن تعدُّ تلك اللوحات من بين أكثر الأعمال الفنية البريطانية أصالةً وإبداعاً. ولو لم تكن كذلك لما ألهمت لوحاته عدداً من الفنانين والكتّاب والموسيقيين، بمن فيهم فرقة «كوين» التي أطلقت اسم إحدى أشهر لوحات داد «ضربة قاضي الجنية» على إحدى أغانيها.

في هذا المعرض الذي يضم أكثر من مائة عمل فني، يتمكن المشاهد من متابعة تفاصيل حياة غامضة عاشها رجل انفصل عن الواقع، غير أنه رسمه بطريقة ثورية كما لو أنه كان يتخيله. كان المرض حبل نجاة لداد من مواجهة عقوبة أقسى نظراً لتاريخه الإجرامي غير أنه في الوقت نفسه كان مبعث إلهام فريد من نوعه؛ ذلك لأنه فتح أمامه خيال عوالم، كان قد عاشها مباشرة أو عن طريق الأدب. ما بين رؤى شكسبير والمشاهد التي رآها في أثناء رحلته الشرق الأوسطية تجول المجنون وهو يتصفح أوراق ذاكرته.

سردية المصحة

في تقديمها للمعرض الذي يُقام بعد غياب أعمال الفنان عن العرض خمسين سنة، توضح القيّمة الفنية سيلفي بروسين أنه «بعد التحرر من سردية المصحة يُمكن النظر إلى مسيرة داد الفنية ككل متكامل»، وتضيف: «إن سردية ما قبل المصحة وما بعدها تُبسّط الأمور. فأسلوبه كان قد تغير، ولكن هذا أمر طبيعي لدى العديد من الفنانين في ظروف مختلفة. ويبقى عدد من موضوعاته كما هي».

تنفي بروسين بذلك التوضيح إمكانية أن يكون لانفصال داد عن الواقع، وهو تعبير مخفف عن مرضه، أي تأثير لما حدث من تغيرات في ميول الرسام فيما يتعلق بموضوعاته. فهي ترى أن اهتمام داد الدائم بشكسبير والذي نسج قصصه في خيالات مُتقنة كان بمثابة إشارة تمهيدية مبكرة لتفرغه لرسم موضوعات خيالية في أثناء حبسه في المصحة. ذلك ما تؤكده تجربة النظر مباشرة إلى لوحات داد وبالأخص لوحته «تيتانيا النائمة»، التي يقول دليل المعرض إنها عُرضت في الأكاديمية الملكية أول مرة عام 1841. تلك لوحة لا يرسمها إلا شخص يملك السيطرة الكاملة على حواسه، وبشكل أساس، على خيال يديه البارعتين. فهل يعني ذلك أن هناك قناعة لدى البعض بأن داد كان قد نجح في أثناء إقامته في المستشفى في الفصل بين فنه وجنونه؟ وهو ما لا يفعله إلا رجل عاقل. ما هذا التناقض؟

عندما أُعيد اكتشاف داد لأول مرة في منتصف القرن العشرين، عُومِلَ كحالةٍ طبيةٍ أكثر منه فناناً، وذلك في إطار اعتقادٍ كان سائداً آنذاك بأن الفن أداةٌ تشخيصيةٌ فعّالة. لم يُمعن أحدٌ التفكير في هذا الموضوع بعمقٍ وعمقٍ أكثر من نيكولاس ترومانس أحد أبرز خبراء داد والقيّم المشارك على المعرض. وقد نأى ترومانس بنفسه عن هذا النهج الذي فقد مصداقيته الآن في مقدمة كتابه الصادر عام 2011 بعنوان «ريتشارد داد: الفنان والمصحة»، حيث كتب «لم أدّعِ، كما لم أدّعِ عند الكتابة عن جيه إم دبليو تيرنر أو كلود مونيه، أنني أعرف تماماً ما كان يفكر فيه ويشعر به في أثناء رسم لوحاته».

بعكس ما انتهت إليه سيلفي بروسين، يؤكد ترومانس أن مرض الرسام لعب دوراً مهماً في خياراته الأسلوبية بقوله: «أودّ أن أشير إلى أن شخصياته لا تتفاعل أبداً. فشخصياته لا تتحدث مع بعضها ولا تنظر إلى بعضها ولا تتبادل أي كلمة. من المستحيل ألا نرى في ذلك انعكاساً لما نعرفه عنه، وهو أنه كان منعزلاً جداً ولا يميل إلى التحدث مع الآخرين كثيراً». لم يفقد ريتشارد داد ذاكرته البصرية في أثناء إقامته في مستشفى المجانين، بدليل لوحتيه «فانتازيا مصرية» و«نُزُل على جانب الطريق» غير أن ما لا ينكر في أسلوبه أنه قد تغير بتأثير من المرض.