شكّلت انطلاقة العرض السينمائي الأول لمسرحية «فيلم أميركي طويل» لزياد الرحباني، موعدا استعاد معه اللبنانيون شريط ذكرياتهم لماض عمره 36 عاما. ففرحة الالتقاء بعمر الشباب مرة جديدة من ناحية، وبحنين لماضٍ غابر لم يحفظ منه الجيل الفتي سوى مسرحيات زياد الرحباني، كانت بمثابة العنوان العريض لأجواء الحفل الذي فرشت أرضه بالسجاد الأحمر استقبالاً لمدعويه. ويعدّ هذا الفيلم مسك ختام الإنتاج المصوّر لمسرحيات زياد الرحباني، الذي سبقه في العام الماضي عرض فيلم مسرحية «بالنسبة لبكرا شو؟».
وكانت الشركة المنتجة للفيلم «إم ميديا» قد دعت حشدا من الفنانين والإعلاميين، إضافة إلى جمهور غفير، لحضور العرض الأول للفيلم، الذي سيبدأ رسميا في الصالات اللبنانية في 20 من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. واكتظّت صالات (سينما سيتي) في أسواق بيروت بلبنانيين من جيلين مختلفين، جاءوا ليتابعوا أحداث المسرحية المذكورة بصريا، بعد أن ظلوا طيلة 36 عامًا يتخيّلون شخصياتها، ويرددون قفشاتها وأغانيها من على شريط تسجيل (كاسيت) أو أقراص مدمّجة، وكذلك من خلال إعادة بثّ لها عبر الأثير.
ويتناول هذا العمل المسرحي (تأليف وإخراج زياد الرحباني)، الذي عرض في عام 1980 على مسرح جاندارك في شارع الحمراء، موضوع الحرب اللبنانية في بداياتها، ليعكس صورة حقيقية عن المجتمع اللبناني في تلك الآونة. وتجري أحداث الفيلم في مستشفى للأمراض العقلية يتمّ فيه علاج مرضاه (يعانون من اضطرابات عصبية) بأساليب مختلفة تقليدية، لإعادة دمجهم في المجتمع المدني الطبيعي إذا أمكن القول، وليتمّ في النهاية اللجوء إلى حل جذري مبهم.
ويتابع المشاهد ضمن أسلوب المضحك المبكي الذي عرف به نجل فيروز وعاصي الرحباني، حيثيات الواقع اللبناني يومها، الذي يشبه إلى حدّ كبير حقبات سياسية مختلفة تعاقبت على لبنان. وقد أشارت بداية الفيلم التعريفية للمسرحية إلى هذه الناحية عندما يطالعنا صوت المعلّق بالقول: «تجري أحداث هذه المسرحية في شهر أكتوبر من عام 1980 أو أكتوبر 1979، أو أكتوبر 1978، حيث لم يتغيّر إجمالاً الوضع السياسي النفسي العام».
ومن هناك تبدأ رحلة المشاهد لمجريات القصة التي استغرق تحضيرها للسينما نحو السنتين. وجرت خلالها عملية مونتاج قامت بها المخرجة ريما الرحباني (شقيقة زياد الرحباني) للقطات كانت أختها ليال الرحباني (توفيت في عام 1988) قد التقطتها بكاميرا الفيديو. وقد تولّى رالف كسلر (تقني صوت مشهور) الإشراف على عملية تنقية الصوت مستخدما برنامجًا معلوماتيًا خاصًا، طوّره فريق بحث ألماني من جامعة هلموث شميت في هامبورغ.
وجاءت النتيجة جيدة مقارنة مع عمر هذه اللقطات وبدائية أسلوب تصويرها، فلاحظ المشاهد مرات قليلة من خلال تسجيلات صوتية مركّبة على الصورة تغييرات لوجه وملامح بعض الممثلين، وأبرزهم زياد الرحباني الذي ظهر ملتحيًا أحيانًا وحليق الذقن مرات أخرى.
وفي مشاهد أخرى راح المشاهد يجمّع في ذاكرته حل لغز وجوه الممثلين لتوصله إلى اكتشاف أسمائهم. فيتعرف في مشهد معين إلى كارمن لبس ورينيه الديك (تلعبان دور ممرضتين) وفي آخر إلى بيار جماجيان وسامي حوّاط وغيرهم من المشاركين في المسرحية أيام الشباب.
وبقيت هذه الألغاز ملازمة له حتى المشهد الأخير من الفيلم، عندما أسدلت الستارة على شبه وصلة غنائية لمنى مرعشلي (إحدى نجمات برنامج «استوديو الفن» في السبعينات)، عندما أدت بطرب عبارة «ده فيلم أميركي طويل» على طريقة الراحلة أم كلثوم.
وطغى الصمت على الجمهور طيلة وقت عرض الفيلم (100 دقيقة)، فكان يتابع العمل بدقّة متفاعلاً معه بحيث لا يفوته أي مشهد منه مهما بلغت أو قلّت أهميته، تمامًا كمن يتابع عملية رسم أو نحت قطعة فنيّة نادرة. وكانت قمّة تفاعله مع العمل تظهر عليه بوضوح من خلال ضحكة مرتفعة يطلقها إثر حوارات تتضمن قفشات لزياد الرحباني مرات، وباقي الممثلين أمثال الفنان الراحل جوزف صقر مرات أخرى. فكانت وحدها المسموح لها بأن تكسر صمته هذا إضافة إلى أخرى، تمثّلت في ترداده كلمات أغاني الفيلم، التي سبق وحفظها عن ظهر قلب مثل «قوم فوت نام» و«راجعة بإذن الله» و«يا زمان الطائفية».
ويخلص الفيلم إلى فشل جميع طرق العلاج التقليدية للمرضى، ولينتهي إلى مشهد مبهم يترك للمشاهد استنتاج خواتيمه، بعد صرخة مدوية يطلقها رشيد (زياد الرحباني) ضمن مجريات المسرحية، وأثر العلاج الجماعي الذي تلقاه المرضى النفسيين في جلسات كهربائية قاسية ليتقبلوا الواقع الذي يعيشون فيه.
مو حمزة مدير البرامج في الشركة المنتجة للفيلم «إم ميديا» أكد أنه مع فيلم «فيلم أميركي طويل» تسدل الشركة الستارة على إنتاجات مسرحيات زياد الرحباني. «هي آخر ما نملكه من أعمال له، وأستطيع القول إننا فخورون بإنقاذ عملين مسرحيين كان سيقضي عليهما الزمن، لأن تسجيلاتهما المصوّرة وحالتهما التقنية لا تسمحان بالدوام لهما طويلا».
وتجدر الإشارة إلى أن شركة «إم ميديا» تنوي في المستقبل، عرض العمل الكامل لفيلم «فيلم أميركي طويل»، الذي تزيد مدته قليلا عن الذي تمّ عرضه، (المدة الأصلية للمسرحية ساعتان وخمسون دقيقة)، في عروض خاصة قد تكون عبر صفحات إلكترونية وأقراص «دي في دي» مدمجة.
8:51 دقيقه
مسرحية «فيلم أميركي طويل».. استعادة بصرية لذاكرة اللبنانيين
https://aawsat.com/home/article/760451/%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D8%A9-%C2%AB%D9%81%D9%8A%D9%84%D9%85-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D8%B7%D9%88%D9%8A%D9%84%C2%BB-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86
مسرحية «فيلم أميركي طويل».. استعادة بصرية لذاكرة اللبنانيين
بمناسبة إطلاقها في صالات السينما بعد 36 عامًا على عرضها
جانب من حفل إطلاق العرض السينمائي الأول لمسرحية «فيلم أميركي طويل» ({الشرق الأوسط})
مسرحية «فيلم أميركي طويل».. استعادة بصرية لذاكرة اللبنانيين
جانب من حفل إطلاق العرض السينمائي الأول لمسرحية «فيلم أميركي طويل» ({الشرق الأوسط})
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

