جمال سليمان: ليس لدينا مشروع ثقافي.. و«أفراح القبة» من أهم أعمالي الفنية

الفنان السوري قال لـ«الشرق الأوسط» إنه حرم من زيارة وطنه في السنوات الأربع الماضية

جمال سليمان: ليس لدينا مشروع ثقافي.. و«أفراح القبة» من أهم أعمالي الفنية
TT

جمال سليمان: ليس لدينا مشروع ثقافي.. و«أفراح القبة» من أهم أعمالي الفنية

جمال سليمان: ليس لدينا مشروع ثقافي.. و«أفراح القبة» من أهم أعمالي الفنية

يرفض الفنان جمال سليمان أن يلعب دور الشيطان الأخرس في قضية بلده (سوريا)، كما يفعل العديد من الفنانين السوريين؛ فهو مهموم بقضية بلده ويعبر عن رأيه بمنتهى الوضوح والصراحة.
بصوت مليء بالحزن والأسى قال لـ«الشرق الأوسط»: «نحن الآن معرضون لخسارة وطننا بأكمله والبحث عن وطن بديل»، موضحا أنه يعمل ليل نهار حتى لا يخسر بلده.
وبعيدا عن مأساة وطنه، تحدث سليمان عن «أفراح القبة»، مسلسله التلفزيوني الأخير الذي عرض في شهر رمضان الماضي، كما تحدث أيضًا عن مشروعاته الفنية المقبلة. وعن سر تحمسه لتقديم جزء ثانٍ من مسلسل «حدائق الشيطان» الذي عُرض منذ سنوات، وإليكم نص الحوار:
* ماذا عن تقديمك جزءًا ثانيًا من مسلسل «حدائق الشيطان» التي عُرض منذ سنوات؟
- بالفعل، كان هناك مشروع لعمل جزء ثانٍ من مسلسل «حدائق الشيطان» العام الماضي، ولكن لأسباب تتعلق بالسوق والتوزيع فقد تعثر المشروع، وفي الحقيقة كان لدي عرضان؛ عرض لجزء ثانٍ من مسلسل «أفراح إبليس» وجزء ثانٍ من مسلسل «حدائق الشيطان»، عندما تعثر عمل جزء ثانٍ من العمل الثاني «حدائق الشيطان». ارتبطتُ بالمشاركة لجزء ثانٍ من العمل الأول «أفراح إبليس» وبإذن الله سوف نبدأ التصوير في يناير (كانون الثاني) المقبل حتى يتم عرضه إما في رمضان أو قبل ذلك، حسبما يتم الاتفاق عليه، ولكن فكرة تقديم جزء ثانٍ من مسلسل «حدائق الشيطان» ما زالت قائمة، ولكن ليس هذا العام أو في هذه الفترة.
* ألا تقلق من قبول عمل جزء ثانٍ من «حدائق الشيطان» على الرغم من مرور 8 سنوات تقريبًا على تقديم الجزء الأول؟
- هو سلاح ذو حدين؛ الجزء الأول حقق نجاحًا كبيرًا قد يساعد على نسبة المتابعة والتسويق وغيره كمسلسل له اسم كبير، ولكن هناك قلق، خصوصًا بعد مرور كل هذه السنوات على تقديم الجزء الأول؛ أن تكون المقاييس قد تغيرت، ولكننا نحاول أن نخرج مسلسلاً جيدًا قدر الإمكان، ولكن حتى لو قمنا بعمل جديد فإن أي عمل فيه جزء كبير من المغامرة والقلق، وتقديم أجزاء ثانية لأعمال فنية موجود في كل الدول وعلي رأسها أميركا. هناك أجزاء تُخرج لأفلام قد مر على عرضها عشرة سنوات وأكثر، وعلى سبيل المثال فيلم «ماتريكس» وغيره من الأعمال، ولكن بالتأكيد لدينا الوضع مختلف، إذ إننا نعاني من ميزانيات الإنتاج والتوزيع والأجور أصبحت صعبة، وأصبح ذلك يعود على المستوى الفني للعمل. اليوم ظروف العمل التلفزيوني أصبحت في منطقة المخاطر، ولم نعد نعرف ماذا نريد من عمل المسلسلات الدرامية، هل نحن نعمل دراما للتسلية فقط ويتم نفخها ببعض الإعلانات لتسويق المسلسل، أم أننا نعمل دراما للتنوير وفك شفرة الواقع الذي نعيش فيه ونفهم مشكلاتنا ونحلها، وتكون الدراما هدفها التوعية ونتحرك بروح إيجابية إلى الأمام؟! في الحقيقة اليوم مع ما نراه يحدث في واقع الوطن العربي وتنامي النفوذ الإعلامي الخاص ونفوذ شركات الإعلان أصبح هناك مشهد ضبابي، «أحنا عايزين إيه بالضبط؟!»، فهناك عنصر اقتصادي يحدده مبدأ الربح من خلال الإعلانات، وهناك أيضًا عنصر الاجتماعي والثقافي والفكري والفني للموضوع، وفي رأيي فإننا لم نصل بعد لمعادلة صحيحة تنصف الجانبين. نحن نحاول أن نقلد الأتراك، ولكننا في النهاية لسنا كذلك، وليس هذا هو مجتمعنا أو هذه هي مشكلاتنا كعرب، فتخرج الأعمال وتصبح «مسخًا».
* يري البعض أن تقديم جزء ثانٍ لأي عمل حتى لو كان ناجحًا نوع من «الإفلاس».
- لا، ليس بالضرورة، فهذه المعادلة ليس لها قاعدة، وإلا لمَ تقوم أشهر المحطات العالمية مثل «HPO» بعمل كثير من المواسم، نحن في مهنتنا ليس هناك قواعد ثابتة أو رهان «كسبان» على طول الخط، ولكن دائمًا هناك جانب من المغامرة؛ فنحن نجتهد ونعمل ما بوسعنا لتقديم عمل يصل إلى الناس.
* لماذا تصرح بأن مسلسل «أفراح القبة» الذي عُرِض ضمن الماراثون الرمضاني الماضي من أهم أعمالك الفنية؟
- نعم.. أرى أن هذا العمل من أهم الأعمال التي قدمتها لعدة أسباب: أولاً: لا أخفي أنني وفنانين كثيرين في المسلسل كان لدينا الخوف من أن يكون هذا المسلسل «نخبويًا زيادة عن اللزوم»، ويُقدَّر من فئة قليلة من الجمهور، لكن عندما وصلنا إلى «الحلقة السادسة»، ورأينا هذا الجذب الجماهيري الممتاز كنا سعداء، وهذا في الحقيقة واجه بعض المقولات الخاطئة بأنه ليس صحيحًا أن الجمهور يريد أن يرى أعمالاً سخيفة وبلا هدف أو متواضعة، الجمهور عندما يكون هناك عمل هادف ومهم ومحترم حتى لو كانت متابعته تحتاج إلى مجهود فهو مستعد لأن يبذل هذا المجهود، وبذله لهذا المجهود هو شكل من أشكال المتعة، ويمكن تحديدها بالتلقي الكسول لشيء ما، ثانيًا: أعتقد أنه من غير المعقول أن لا يكون هناك أربع أو خمس روايات عربية خاصة بالتلفزيون سواء بإنتاج مصري أو سوري أو خليجي، نحن لدينا تراث عربي وإسلامي عظيم يمكن أن يتحول إلى أعمال درامية وإلى مادة تلفزيونية راقية وعظيمة بدلاً من أن نشتري الفورمات من الثقافات الغربية التي لا تمثلنا، ورغم أن حجم دوري في مسلسل «أفراح القبة» والعائد المادي متواضع، لكنني كنت أقدمه بصدق وبارتياح وانبساط، فكان لدي إحساس بقيمة هذا العمل منذ أول لحظة دخلت في التصوير، والعمل مع مخرج مثل محمد ياسين، رغم أنه كان متعبًا، إلا أنه كان ممتعًا، لتقديمه عملاً ذا قيمة.
* ألم تخشَ من تقديم الوسط الفني بهذا الشكل وقد عملت الرواية علي نوع من التعرية لكثير من كواليس الحياة الفنية؟
- في الحقيقة، لقد سُئِلت كثيرًا هذا السؤال: ألا تقلقون من تصوير الوسط الفني بهذه الطريقة؟! ولكن الرهان كان على المشاهد أن يرى هذا المجتمع ليس مجتمعًا فنيًا فقط، وبالفعل لم يرَه كذلك، ولكنه شاهد حكاية مجتمع من خلال هذا الوسط الفني، هذه الرواية للرائع نجيب محفوظ فيها شيء عبقري، وهذا ما سوف يجعلها رواية تعيش مع أنها كُتبت منذ زمن، وهو حقيقتنا في الكواليس، وما نقدمه على المسرح، والفرق بين الوهم والحقيقة، الكذب والصدق، الوجه الحقيقي والقناع، وهذه هي مشكلة البشرية وكل المجتمعات عبر التاريخ، والجمهور يريد أكبر قدر من الحقيقة وأقل قدر من الزيف، ومن هذا المنطلق هذه الرواية سوف تحافظ على نفسها وكأنها رواية معاصرة حتى لو بعد 100 سنة، وأظن أن الرواية لا تزال تحافظ على جديتها مثل كثير من الروايات العربية لأن لم يتغير شيء فينا منذ خمسين عامًا وحتى الآن، فقد تغير فقط نوع السيارات وشكلها ووجود التكنولوجيا والهاتف والإنترنت فهناك ناس تتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي بعقلية القرن الحادي عشر. لذلك فإن استلهام الأدب العربي الممتاز والمحترم المعاصر وتقديمه على الشاشة في التلفزيون والسينما من الممكن أن يساعدنا على أن نعيد أمورنا ونحل مشكلاتنا وخبراتنا، ونجد لأنفسنا الطريق الصحيح الذي سوف يجعلنا نسير خارج هذا الجحيم الذي نعيش فيه الآن.
* هل ترى ذلك كافيًا لكي نسير خارج هذا الجحيم الذي نعيش فيه الآن؟
- هناك أمران يجب أن نعرفهما؛ أن اليوم يوجد صراع شديد جدًا بين كل شيء يحمل قيمة معتبرة وهدف والاتجاه الآخر الذي يعتقد ويرى أن المطلوب الآن هو تسلية الناس وإلهاؤهم. والأمر الآخر الذي يجب أن نتنبه له هو أنه لا يوجد فيلم أو مسرحية أو عمل درامي سوف يغير من حياة الناس في لمح البصر، فالعمل الثقافي عمل تراكمي، ووحده لن يستطيع أن يفعل شيئًا، فالعمل الثقافي عندما يمشي مع مشروع وطني كبير فإنه يسهم في إنجاح وتعزيز ذلك المشروع الوطني، ويسهم في إطلاقه، ويسهم في الشراكة الوطنية والالتفاف الوطني حول المشروع الوطني، لذلك فهي عملية تراكمية، وبالتأكيد للفن دور عظيم جدًا، ولكن يجب أن لا نحمله كل هذا الدور حتى لا نقول في النهاية إنه قد «فشل»، وإذا كان هناك عمل درامي أو أكثر يغير مجتمعًا، فهذا ليس معناه أن الفن فاشل، ولكن هي عملية تراكمية سوف تأخذ زمنًا حتى تظهر تأثيرها على الواقع المعيشي والمجتمع.
* هل لدينا مشروع ثقافي؟
- ليس لدينا مشروع ثقافي، ونحن ندفع ثمن ذلك، وكان لدينا في الستينات ثم شيئًا فشيئًا تخلينا عنه، لأننا اعتبرنا أن وزارات الثقافة هي وزارة هامشية واعتبرناها «شحادة»؛ تحضر اجتماعات مجلس الوزراء لتقسيم الميزانية وتُقسم الميزانية على باقي الوزارات و«الفكة» تُعطى لوزارة الثقافة، لأن مشكلة وزراء المالية وكثير من الاقتصاديين أنهم يعتبرون أن مردودها ليس مهمًا؛ فهو يعطي الميزانية بلا هدف محدد. وهذا تفكير خاطئ، فبريطانيا ليست بشواطئها الرملية فقط، ولكن بريطانيا في مسارحها وفي التماثيل والشوارع والقصور والمتاحف وفي الصورة التي يجب أن يكون لها تكاليف، وهذه النظرة هي التي ترتقي بالأمم؛ فيجب أن يكون هناك استراتيجيات بعيدة المدى ومن يفكر بهذه الطريقة هو من يصلح لأن يكون رجل دولة.
* يرى البعض أنك لم تؤدِّ اللهجة المصرية بشكل متقن في مسلسل «أفراح القبة»؟
- لا أعلم.. أعتقد أن هذا يرجع إلى تقييم الناس المفروض أن أؤدي اللهجة المصرية، ولكن هذا كان دور لرجل مدير مسرح، وهو يقيم نصوص وأدب إلى آخره، وفي الحقيقة عندما التقيت مع كثير من مديري المسرح في حياتي لم أرَهم يتكلمون مثل سواق التاكسي على سبيل المثال، فرأيت في طريقتهم وكلامهم اختلاف في مخارج الألفاظ، لذلك أديت دوري بهذه الطريقة، ونواجه مشكلة فأي لهجة ليست هي لهجتك «الأم»، بالتأكيد سوف تواجهين مشكلة معها، ولكن هذا يختلف من لهجة إلى لهجة، وأميل إلى اللهجة الصعيدي وأقرب لي من اللهجة المصرية العامية، واللهجة الصعيدية فيها مخارج الحروف تخرج وكأنها منحوتة عكس اللهجة المصرية العادية التي تجدي فيها حروف كثيرة تؤكل من الكلمة فيصبح الجرس الموسيقي هو الذي يصل إلى المعنى أكثر من الحروف.
* ألم تقلق من هجومك المستمر ضد النظام السوري وتعتبر من أوائل الفنانين السوريين الذين تحدثوا وعبروا عن آرائهم فيما يحدث في سوريا بمنتهى الوضوح؟
- بالتأكيد، قد انتابني هذا الشعور وقد قلقت وما زلت قلق، ولكن في الحقيقة لم يكن هناك خيارات هذه ليست مسألة سياسية عادية فهذه بلدي، من البداية استشعرتُ بمصير وطن والحقيقة العين كانت على الفنانين في سوريا بشكل كبير، وبدأ من النظام السياسي القائم ومن المعارضة أيضًا، فقد حدث ضغط باتجاه الفنانين من كل الجهات، لأن سوريا ليس بها شخصيات عامة كثيرة، وتعرف سوريا بفنانيها ونجومها، وهناك بضعة أشخاص معروفين في المشهد السياسي لا يتجاوزن اليد الواحدة، وبها فنانون معروفون في الوطن العربي بشكل كبير، وبالتأكيد ذلك شيء مؤسف؛ أن لا يكون لسوريا شخصيات عامة من الأدباء والمفكرين والرياضيين والاقتصاديين، فوجود شخصيات عامة مسألة مهمة في أي مجتمع، النظام السياسي كان يريد منا تأييدًا مطلقًا، وتفويضًا مطلقًا فيما يفعل، وقد كنت جاهزًا في البداية لذلك، ولكني استشعرت مثل كثيرين أن المشهد السياسي في سوريا ليس ديمقراطيًا وأن سوريا بلد استبداد، وتعيش داخل جهاز أمني متحكم، ولا يوجد بسوريا قضاء مستقل وهذه أشياء نحن متفقون عليها جميعًا، ولا أحد يستطيع أن ينكرها، بها مستوى عالٍ من الفساد والمحسوبية، وبالتالي الناس كانت تحتاج إلى تغيير في النظام السياسي يلغي كل هذه الأشياء، وتغيير ديمقراطي، ولو شعرت أن النظام السياسي متفهم لمثل هذه المطالب ويريد أن يكون شريكًا في حدوث هذا التغيير لوقفت إلى جانبه، وقد قلت ذلك وحتى الآن أقوله، ولكن كان الرد أنه لا بد من رد أمني عنيف، وبالتالي فأنا توقعتُ أن ذلك سوف يؤدي إلى كارثة وطنية، سواء بالنسبة للنظام أو المعارضة نفسها، وللبلد بصورة عامة، ولذلك كان من الصعب أن ألعب دور الشيطان الأخرس، كان من الضروري أن أعبر عن رأيي ولم يكن ينفع أن أتظاهر بأن هذه ليست بلدي، أو أن هذه الأشياء لا تحدث في بلدي، لأنني أقيم في منطقة لا تزال المطاعم بها تعمل، هذه مسألة وطنية وليست شخصية، فبالحسابات الشخصية لم أكن أستطيع أن أفعل ذلك.
* ماذا عن خسارتك الشخصية في ظل الأحداث التي تمر بها سوريا؟
- رغم خسارتي الكبيرة فليس من اللائق الحديث عنها وغيري من السوريين لم يكن لديهم شيء، ولكنهم خسروا أولادهم وبيوتهم، وهذه خسارة أكبر بكثير ممكن خسرته؛ فهناك من خسر أبويه وعائلته، الخسارة في سوريا كانت هائلة، وكلنا معنيون بذلك، فكلنا سوريون بالحسابات الوطنية، أما بالحسابات الشخصية لم يكن يجب أن أتدخل في هذا الشأن أو أن أقول رأيي وأتظاهر بأنني متعاطف، كما حدث من كثير من الفنانين، بأنني أحب بلدي وأتمنى له الخير، أكبر شيء خسرته هو أنني حُرِمت من أن أذهب لبلدي خلال أربع سنوات أو أن يتربى أبني في بلده سوريا، نحن الآن معرضون لخسارة وطننا بأكمله، والبحث عن وطن بديل، رغم أنني أعمل ليل نهار حتى لا نخسر بلدنا ولكي نرجع مرة أخرى إليه نبنيه ونعيش فيه مواطنين محترمين، ولكن الاحتمال الآخر قائم حتى لا نكون كاذبين أو حالمين أو خياليين، فالاحتمال أن لا نستطيع الرجوع إلى سوريا مرة أخرى قائم واحتمال أن تذهب سوريا إلى الأبد قائم؛ فنحن بالتأكيد نعمل حتى يختفي هذا الاحتمال وينتصر الاحتمال الأول في أن نخرج ببلدنا إلى بر الأمان.
* ماذا عن آخر تطورات وتحركاتك الخارجية تجاه القضية السورية؟
- ذهبت إلى موسكو الأسبوع الماضي ومعي الدكتور شهاب مقدسي نمثل مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية، في حوار مع وزارة الخارجية الروسية حول الاتفاق المحتمل وانطلاق العملية السياسية وطبيعة المفاوضات والحوار والتفاهمات القائمة بينهم وبين الأميركان، قد طرحنا وجهة نظرنا بكل وضوح وصراحة. نحن في مؤتمر القاهرة لا نقبل بأي شكل من الأشكال بأن تقع الدولة السورية في يد الجماعات الإرهابية الإسلامية المتطرفة بأي حال من الأحوال، فنحن نريد دولة ديمقراطية مدنية باختصار شديد، ولكن نحن لا نعتقد أن الحل بالنسبة لسوريا هو المحافظة على نظام استبدادي وقمعي، ولا نعتقد أبدًا أن هناك حلاً عسكريًا سوف ينهي هذه الأزمة، بل هناك حل سياسي ينهي هذه المسألة، وعندما نتمكن من الحل السياسي فسوف يصبح أي حل عمل عسكري هو عمل مشروع، لأنه عندما يكون هناك حل سياسي منصف لغالبية السوريين يكون هناك فارس حقيقي بين من يريد الدولة والوطن ومن يعمل لصالح أجندات خارجية أو أجندات عابرة للحدود، وبالتالي في هذه اللحظة يصبح كل من يعمل في هذه السبيل خارج الدولة السورية غير شرعي، وقتاله مسألة وطنية، دون هذا الحل السياسي الذي يعيد ترتيب الأوراق ويعيد الفارس في سوريا ويعيد التواصل بشكل وطني سوري لا نعتقد أن هناك أي أفق، وبالتالي نحن نقول كما قلنا في وثائق المعارضة إننا قدمنا تصورات للحل السياسي هي شديدة الالتصاق بالوثائق الدولية. نحن نريد الشرعية الدولية ونؤيد ما اتفق عليه العالم، والمجتمع الدولي بدأ من تفاهمات جنيف وفيها القرار 52524 مرورًا باتفاقيات فيينا 1 و2، فنحن نؤيد كل ذلك، نؤيد العملية السياسية ونطالب المجتمع الدولي بوضع يده في يد القوى الوطنية السورية من أجل تطبيق ذلك على أرض الواقع.
* هل ترى أن هذه التحركات تأتي بنتيجة؟
- حتى الآن لم تأتِ بنتيجة، ولكن يجب أن نفهم أن ما يحدث في سوريا هي حرب ليست بين السوريين فقط، وإنما هي حرب إقليمية ودولية، ونفهم أن من يتصدر المشهد الآن على الأقل إعلاميًا هم النظام والجماعات المتطرفة والميليشيات غير السورية الموجودة في كل مكان في الأراضي السورية، ومصلحة كل هؤلاء في اختفاء الصوت الوطني السوري، ونحن لا نريد لهم أن يحققوا هذه المصلحة، والإنجاز الذي نحققه حتى الآن على تواضعه جيد؛ بأننا نريد أن يكون الصوت الوطني السوري الذي يؤمن بالدولة ويؤمن بالشرعية ويؤمن بالديمقراطية والعدالة وحقوق الجميع في دولة المواطنة مسموعًا، وهو أهم شيء. إنه غير عنفي لا يدعو إلى القتال أو الحرب، وإنما يدعو إلى مشروع سياسي وطني سوري، يقوم على مبادئ الدولة الحديثة فقط، فهذا في حد ذاته واجب مقدس ونحن نعمل من أجله. ونعتقد أيضًا أنه يومًا ما (قد يكون بعد يوم أو بعد سنة، وأتمنى بأن لا يطول) فإن هذا العالم سوف يعود إلى رشده، ويستيقظ فيه الضمير وشيء من الأخلاق والإنسانية ويرحم سوريا ويرحم السوريين من هذه الحرب الإقليمية والدولية.
* أين أنت من السينما؟
- وأين السينما الآن؟! السينما أصبحت في حالة ركود في الوطن العربي ولم تعد صناعة السينما كما كانت، والسينما في مصر تدار بطريقة معينة ولها ناسها الذين يعملون بها بشكل كبير، بعض الناس يحبها والبعض الآخر لا تلقى رضاه، وكان لدي منذ فترة مشروع سينما لفيلم كبير ولكنه تضارب مع المسلسل فاعتذرت عنه، أما بشكل عام فأنا لم يُعرض عليّ تقديم أدوار في السينما، لكن الدور الذي تمنيت تقديمه دور المثلي لخالد الصاوي في فيلم «عمارة يعقوبيان» فقد كان دورًا مميزا وأعجبني كثيرًا في الفيلم، وقد قام به الصاوي بشكل عبقري ومتميز.



فادي حداد: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة «الكليب» أكبر خطأ

يبدي استعداده لدخول مجال الدراما التلفزيونية (فادي حداد)
يبدي استعداده لدخول مجال الدراما التلفزيونية (فادي حداد)
TT

فادي حداد: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة «الكليب» أكبر خطأ

يبدي استعداده لدخول مجال الدراما التلفزيونية (فادي حداد)
يبدي استعداده لدخول مجال الدراما التلفزيونية (فادي حداد)

في مشهد فني خرج عن المألوف، أطلق الفنان رامي عيّاش الفيديو كليب الخاص بأغنيته الجديدة «عذّبيني». وهي من ألحانه، وكلمات كاترين معوّض، وإخراج فادي حداد. وابتعد العمل عن الصورة الكلاسيكية التي اعتاد الجمهور أن يرى بها عيّاش، وقدّمه بشخصية غير مألوفة تحمل رؤية إخراجية تعود بنا إلى حقبة السبعينات.

يطلّ رامي عيّاش في الكليب بشعرٍ طويلٍ وأزياءٍ زاهيةٍ، تستحضر نجوم الروك في الزمن الذهبي للموسيقى الغربية. وبفضل موهبته التمثيلية، ينجح عيّاش في تقمّص الشخصية، متنقلاً بين تفاصيلها بثقة وسلاسة، فيبدو وكأنه يخوض تجربة درامية متكاملة أكثر منها مجرد ظهور في فيديو كليب.

ينصح حداد نجوم الفن بعدم اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي في تصوير كليب (فادي حداد)

ويقول المخرج فادي حداد لـ«الشرق الأوسط»: «يمتلك رامي قدرات تمثيلية عالية، وهو ممثل متمكن، الأمر الذي سهّل مهمتي، ومنحني حماساً إضافياً، فاستمتعت كثيراً بهذه التجربة». ويتابع: «صوّرنا الكليب مشهداً تلو آخر، ولقطةً تلو أخرى، من دون الحاجة إلى إعادة أي منها. فقد اندمج رامي بالكامل مع الشخصية التي رسمنا ملامحها بعناية، وتعامل مع أدق تفاصيلها باحتراف، ما انعكس تلقائياً على النتيجة النهائية».

وعن سبب اختياره حقبة السبعينات لتدور فيها أحداث كليب «عذّبيني»، يقول: «الفكرة تعود إلى رامي عياش، إذ أراد استعادة تلك المرحلة بأسلوبه الخاص. وجنّدنا فريق عمل متكاملاً لإنجاز هذه المهمة، لأنها لم تكن سهلة على الإطلاق. كان علينا أن نولي اهتماماً بكل تفصيل، مهما بدا صغيراً، لنقدّم صورة صادقة ومقنعة للمشاهد. لذلك صُمّمت الأزياء خصيصاً للكليب، واعتمدنا أسلوب تصوير وإضاءة مختلفين، إلى جانب استخدام عدسات تمنح الصورة طابع السبعينات المعروف بـ(Vintage Look)».

ويكشف حداد أن رحلة البحث عن تفاصيل تلك المرحلة لم تكن أقل تعقيداً، إذ اضطر إلى التنقيب في متاجر قديمة للعثور على ورق جدران وستائر تنتمي إلى ذلك الزمن، حتى بدت كل زاوية في الكليب وكأنها خرجت فعلاً من سبعينات القرن الماضي، بما حملته من ألوان وديكورات وهوية بصرية خاصة.

حداد مع المطرب رامي عياش خلال تصوير أغنيته الجديدة {عذّبيني} (فادي حداد)

حصد كليب «عذّبيني» تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، فتنوّعت الآراء بين الإشادة بفكرته والإعجاب بتنفيذه، وبين انتقادات وصلت في بعض الأحيان إلى حدود التجريح.

ويعلّق المخرج فادي حداد: «غالبية التعليقات التي رافقت إطلاق الكليب كانت إيجابية. لكن في المقابل لجأ البعض إلى أسلوب جارح في النقد، تخطّى حدود إبداء الرأي ووصل إلى الأذية الشخصية. لا أستسيغ هذا النوع من التعليقات، لأن المعادلة بسيطة؛ إما أن يعجبك العمل أو لا يعجبك. أما التمادي في الانتقاد بطريقة منفّرة، فلا يخدم أحداً، ولا يعكس ثقافة الحوار أو النقد البنّاء».

ويأتي كليب «عذّبيني» ليذكّر بزمن كان فيه الفيديو كليب عملاً فنياً قائماً بذاته، لا مجرد مادة مرافقة للأغنية. ففي السنوات الأخيرة شهد هذا القطاع تراجعاً ملحوظاً، وباتت غالبية الأعمال المصوّرة تفتقر إلى الفكرة الإبداعية والهوية البصرية، فلا تضيف قيمة حقيقية إلى الأغنية، بل تكتفي بمرافقتها.

لم يكن الذكاء الاصطناعي بعيداً عن هذا التحوّل، إذ لجأ إليه عدد متزايد من الفنانين لإنتاج كليباتهم، ما سهّل التنفيذ، لكنه في المقابل أفقد كثيراً من الأعمال روحها الإبداعية وبصمتها الإنسانية. هكذا تراجعت مكانة الفيديو كليب كفنّ يجمع بين الصورة والدراما والإخراج. وصار في كثير من الأحيان أقرب إلى منتج تجاري سريع، يفتقر إلى الخيال والخصوصية الفنية.

هنا يبدي فادي حداد رأيه بصراحة، فيقول: «لا يمكن أن نستمتع بعمل بصري يفتقد إلى الإحساس والمشاعر، وهذا برأيي ما ينقص معظم الكليبات المصنوعة بالذكاء الاصطناعي. فهي لا تنقل إلينا إحساس الفنان، ولا تمنحنا متعة الصورة وحيويتها. وعندما نشاهد عملاً يبدو مثالياً إلى درجة يخلو فيها من أي هفوة أو لمسة إنسانية، نشعر بأنه مصطنع وغير حقيقي». ويتابع: «أعتقد أن أكبر خطأ قد يرتكبه الفنان هو الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة كليبه، لأنه يقدّم نسخة غير صادقة عن نفسه، ما يخلق فجوة بينه وبين جمهوره».

ويستطرد: «دماغ الإنسان يميّز بسرعة بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع. فمنذ اللحظة الأولى يتفاعل مع الصورة، ويقرأ إحساسها، تماماً كما تضفي رمشة العين حياة على الوجه. لذلك أنصح الفنانين بالعودة إلى الابتكار والإبداع في صناعة الفيديو كليب، وعدم التخلي عن اللمسة الإنسانية». يتابع: «حتى اليوم، لا أذكر كليباً صُنع بالكامل بالذكاء الاصطناعي، ونجح في ترك أثرٍ حقيقي لدى الناس. فالفيديو كليب لا يزال عنصراً أساسياً في نجاح الأغنية، وأداة فعّالة في إيصالها إلى الجمهور وترسيخ حضورها».

ومن ناحية أخرى، يتحدث المخرج اللبناني، الذي صوّر أبرز الكليبات لنجوم من لبنان والعالم العربي، عن التراجع الذي شهدته ميزانيات إنتاج الفيديو كليب في السنوات الأخيرة. ويقول: «لا شك أن الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان انعكست مباشرة على تكلفة الإنتاج، فتراجعت بنحو 40 في المائة. لكننا، رغم ذلك، تمسكنا بالمستوى الفني المطلوب، فعمدنا إلى ترشيد النفقات من دون المساس بجودة العمل». يضيف: «بدلاً من بناء ديكورات ضخمة أو تخصيص أيام تصوير طويلة، لجأنا إلى حلول إنتاجية أكثر اختصاراً ومرونة، بما يخفف التكلفة ويحافظ في الوقت نفسه على القيمة الفنية».

الفنان رامي عياش أراد استعادة حقبة السبعينات بأسلوبه الخاص... ورحلة البحث عن تفاصيل تلك المرحلة لم تكن أقل تعقيداً

يعتقد حداد أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم مستقبلاً في خفض تكلفة الإنتاج أكثر إذا تطوّر بالشكل الذي يسمح باستخدامه كأداة مساندة لعملية التنفيذ، لا بديلاً عنها. ويشرح: «إذا تراجع الفنانون عن الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي بعد التجارب التي شهدناها، فهذا يؤكد أن الجمهور لا يزال يبحث عن العمل الحقيقي، وأن اللمسة الإنسانية تبقى العنصر الأهم في نجاح أي فيديو كليب».

ويختم فادي حداد متحدثاً عن سبب ابتعاده عن إخراج الدراما التلفزيونية، في وقت انتقل فيه عدد من زملائه من عالم الكليبات إلى هذا المجال. ويقول: «سبق أن خضت تجربتين في السينما من خلال فيلمين، لكنني لم أقدّم حتى اليوم أي عمل درامي، والسبب يعود إلى انشغالي الكامل بإخراج الكليبات الغنائية والإعلانات التجارية، وهو ما يستحوذ على معظم وقتي».

ويستدرك: «لا أستبعد أبداً خوض تجربة الدراما في المستقبل، بل على العكس، أشعر بأن لدي رؤية إخراجية مختلفة وأسلوباً جديداً أرغب في تقديمه من خلال المسلسلات. وعندما أجد المشروع الذي يشبهني ويمنحني المساحة الكافية لتطبيق هذه الرؤية، لن أتردد في خوض هذه التجربة».


محمود طلعت: موسيقى الأفلام والمسلسلات تحددها الصورة وإيقاع الدراما

يتمنى طلعت أن يكون له حضور أكبر في العروض المسرحية (حسابه على فيسبوك)
يتمنى طلعت أن يكون له حضور أكبر في العروض المسرحية (حسابه على فيسبوك)
TT

محمود طلعت: موسيقى الأفلام والمسلسلات تحددها الصورة وإيقاع الدراما

يتمنى طلعت أن يكون له حضور أكبر في العروض المسرحية (حسابه على فيسبوك)
يتمنى طلعت أن يكون له حضور أكبر في العروض المسرحية (حسابه على فيسبوك)

قال الموسيقار المصري محمود طلعت إن الموسيقى التصويرية لا تُكتب بالقواعد نفسها في كل عمل، فلكل وسيط فني لغته وأدواته، سواء أكان فيلماً سينمائياً أم مسلسلاً تلفزيونياً أم عرضاً مسرحياً، وهو ما يفرض على المؤلف الموسيقي أن يعيد التفكير في طريقته مع كل تجربة جديدة، لأن طبيعة الصورة والإيقاع الدرامي تحددان شكل الموسيقى منذ البداية.

وأضاف طلعت، في حوار لـ«الشرق الأوسط»، أن الشارات الغنائية تمثل تجربة مختلفة داخل هذا العالم الموسيقي والغنائي، لأنها لا تُكتب باعتبارها أغنيات مستقلة، وإنما بوصفها امتداداً للحكاية، مشيراً إلى أن «نجاح أي شارة يرتبط بقدرتها على التعبير عن روح العمل وشخصياته».

الموسيقار المصري محمود طلعت (الشرق الأوسط)

وأوضح أن «المؤلف الموسيقي يبدأ غالباً بقراءة السيناريو ومحاولة استيعاب تفاصيل الشخصيات والعلاقات التي تربط بينها، حتى تصبح الموسيقى جزءاً من البناء الدرامي»، مؤكداً أن «الأغنية التي تنطلق من داخل العمل تظل أكثر حضوراً في ذاكرة المشاهد من الأغنية التي تُفرض على الأحداث من الخارج».

وانتقل طلعت إلى الحديث عن الفارق بين الكتابة للسينما والدراما التلفزيونية، موضحاً أن «الفيلم يمنح المؤلف الموسيقي مساحة أوسع للتعامل مع كل مشهد بصورة مستقلة، لأن زمنه المحدود يسمح بصناعة موسيقى خاصة لكل موقف، بينما يختلف الأمر في المسلسلات التي تمتد على مدار حلقات كثيرة».

طلعت مع رئيس المهرجان القومي للمسرح محمد رياض في حفل الافتتاح (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أن الموسيقى في الدراما تعتمد غالباً على بناء ثيمات رئيسية يعاد توظيفها بأشكال مختلفة وفقاً لتطور الأحداث، لأن المشاهد يتابع العمل على مدار أيام، وليس في جلسة واحدة كما يحدث مع الفيلم، ما يجعل تكرار بعض الجمل الموسيقية أمراً طبيعياً يخدم الحالة الدرامية ويُرسخها في ذهن الجمهور.

وأكد أن «اختلاف طبيعة الوسيط الفني ينعكس أيضاً على أسلوب التحضير، ففي الدراما يفضل قراءة السيناريو قبل بدء التنفيذ حتى يتمكن من رسم ملامح الموسيقى منذ البداية، بينما يعتمد في السينما بصورة أكبر على مشاهدة المادة المصورة، لأن بناء الفيلم يسمح بالتعامل المباشر مع الصورة وإيقاعها».

لافتاً إلى أن هذه الاختلافات لا تعني أن أحد المجالين أصعب من الآخر، وإنما لكل منهما أدواته الخاصة، فالفيلم يمنح مساحة أوسع للتفاصيل الدقيقة داخل كل مشهد، في حين تفرض الدراما التلفزيونية على المؤلف الموسيقي الحفاظ على وحدة الحالة الموسيقية طوال العمل، مع تطويرها بما يتناسب مع تطور الأحداث.

عضويته في لجنة التحكيم منحته فرصة لمتابعة تجارب مسرحية متنوعة (الشرق الأوسط)

وتحدث طلعت عن طبيعة تعاونه مع المخرجين، مؤكداً أنه لا يلجأ إلى تقديم تنازلات عندما يكون مقتنعاً بأن الرؤية الموسيقية لا تخدم العمل، لكنه في الوقت نفسه يؤمن بأن الفن قائم على تبادل وجهات النظر، وأن الوصول إلى أفضل نتيجة يتطلب الحوار بين جميع المشاركين في صناعة العمل.

واستعاد أحد المواقف التي جمعته بالمخرج عمرو عرفة خلال فيلم «ابن القنصل»، موضحاً أنه تعامل في البداية مع أحد المشاهد باعتباره مشهد أكشن يحتاج إلى موسيقى حماسية، بينما كانت للمخرج رؤية مختلفة تقوم على تقديمه بروح تمزج بين الأكشن والكوميديا.

وأضاف أن النقاش بينهما انتهى إلى إعادة تنفيذ الموسيقى بصورة مختلفة، بحيث تحتفظ بإيقاع الأكشن، لكنها تتضمن في الوقت نفسه عناصر صوتية تمنح المشهد طابعه الكوميدي، مؤكداً أن هذه التجربة تثبت قناعته بأن اختلاف الرؤى لا يمثل أزمة، وإنما قد يقود أحياناً إلى حلول أكثر ثراءً مما كان يتصوره كل طرف بمفرده.

وأكد محمود طلعت أن «اختيار المطرب يمثل مرحلة أساسية في صناعة الأغنية، لأن المؤلف الموسيقي لا يتعامل مع اللحن بمعزل عن الصوت الذي سيؤديه، وإنما يبني الجمل الموسيقية وفقاً لإمكانات المطرب ومساحته الصوتية وقدرته على التعبير، ما يجعل معرفة هوية المطرب منذ البداية عاملاً مؤثراً في التأليف».

واستعاد تعاونه مع الفنان حسين الجسمي في شارة مسلسل «بعد الفراق»، موضحاً أنها جاءت في مرحلة كان يسعى خلالها إلى تقديم لون مختلف عن الصورة التي ارتبطت باسمه من خلال الموسيقى التصويرية والشارات الدرامية قبل تقديمها.

وقال إن الأغنية منحته فرصة لدخول مساحة رومانسية كان يرغب في العمل بها منذ فترة، مضيفاً أن «إمكانات الجسمي الصوتية لعبت دوراً كبيراً في خروجها بالشكل المناسب»، وقال إن «الجسمي من الأصوات التي تمنح المؤلف الموسيقي حرية واسعة أثناء الكتابة، لكون صوته قادراً على أداء الجمل الصعبة مع الحفاظ على الإحساس، وهو ما يجعل التعامل معه مختلفاً»، على حد تعبيره.

وتوقف طلعت عند تجربته في شارة مسلسل «القاصرات»، مشيراً إلى أن الكلمات التي كتبها الشاعر الراحل سيد حجاب كانت تحمل قيمة إنسانية كبيرة، وتناولت قضية شائكة من خلال رؤية مختلفة، لأن الفكرة منذ البداية لم تكن تقديم شارة تقليدية، وإنما البحث عن صوت يعبر عن الكلمات، وكأنها تخرج من لسان فتاة صغيرة، وهو ما دفعه إلى اختيار ريهام عبد الحكيم.

وأوضح أن رهانه على ريهام عبد الحكيم جاء بسبب طبيعة صوتها وقدرته على التعبير، معتبراً أن حضورها أضفى على الشارة حالة إنسانية انسجمت مع مضمون المسلسل، وأسهمت في وصول الرسالة التي حملتها الكلمات.

وشارك محمود طلعت في عضوية لجنة تحكيم المهرجان القومي للمسرح المصري أخيراً، وهي المشاركة التي يؤكد أنها جاءت لفنٍ كان دائماً قريباً منه على المستوى الشخصي، لكنه لم يحظَ فيه بالفرص نفسها التي أتيحت له في الدراما التلفزيونية والسينما.

وأشار إلى أنه منذ بداياته كمؤلف موسيقي كان يتمنى أن يكون له حضور أكبر في العروض المسرحية، إلا أن طبيعة مشواره المهني قادته إلى مجالات أخرى.

وأوضح أن عضويته في لجنة التحكيم منحته فرصة لمتابعة تجارب مسرحية متنوعة، والنظر إليها من زاوية مختلفة، مؤكداً أن تقييم الموسيقى داخل العرض المسرحي لا يتوقف عند جودة الألحان، وإنما يمتد إلى مدى قدرتها على خدمة الدراما، والتفاعل مع العناصر الأخرى التي يتكون منها العرض.

وأكد أن المسرح يفرض على المؤلف الموسيقي طريقة مختلفة في التفكير، لأن الموسيقى تتعامل مع عرض حي يتغير إيقاعه من لحظة إلى أخرى، وهو ما يجعلها مرتبطة بحركة الممثلين والإضاءة والديكور والإيقاع العام للعمل.


باسكال مشعلاني: سعيدة بموجة أغانٍ تحكي لغة الناس اليومية

في أغنيتها "كيفك اليوم" تُذكرنا بحقبتي السبعينات والثمانينات (باسكال مشعلاني)
في أغنيتها "كيفك اليوم" تُذكرنا بحقبتي السبعينات والثمانينات (باسكال مشعلاني)
TT

باسكال مشعلاني: سعيدة بموجة أغانٍ تحكي لغة الناس اليومية

في أغنيتها "كيفك اليوم" تُذكرنا بحقبتي السبعينات والثمانينات (باسكال مشعلاني)
في أغنيتها "كيفك اليوم" تُذكرنا بحقبتي السبعينات والثمانينات (باسكال مشعلاني)

في عمل يزخر بالبساطة، سواء في مفرداته اللغوية أو في صورته البصرية، أطلقت الفنانة باسكال مشعلاني أغنيتها الجديدة «كيفك اليوم». العمل من كلمات مايك صافي وألحان وتوزيع زوجها ملحم أبو شديد، وتحكي مشعلاني كيف وُلِدت فكرته بالصدفة، وتقول: «عادة عندما يدخل زوجي إلى البيت يبادرني بعبارة (كيفك اليوم حبيبتي). لفتتني هذه الجملة التي نستخدمها يومياً تحيةً بيننا. فقلتُ له: لماذا لا نقدم أغنية تحمل هذا العنوان؟ وبالفعل اتصل بالشاعر مايك صافي، وطلب منه كتابة نص ينطلق من هذه الفكرة. كتبها مايك بعفوية، وبدوري أدّيتُها بلغتنا اليومية المحكية. حتى إنني حرصت على لفظ كلماتها باللهجة الجبلية، وهو ما يظهر في كلمات مثل (هون) وغيرها. وهكذا وُلدت أغنية لبنانية محلية بامتياز، تفاعل معها الناس منذ اللحظة الأولى».

وتشير مشعلاني إلى أنها منذ بداياتها الفنية اعتمدت العبارات الشعبية القريبة من الناس، وتقول إنها سعيدة بالموجة الغنائية التي انتشرت أخيراً، والتي تعتمد هذا الأسلوب في الكتابة. وتضيف: «من الطبيعي أن تأخذ أغانينا هذا الاتجاه، لأنها بذلك تمثلنا أفضل تمثيل، وتعكس تفاصيل حياتنا ومشاعرنا بلغة بسيطة وصادقة».

تثني على موجة الأغاني السائدة اليوم بلغة تشبه الناس (باسكال مشعلاني)

تأتي أغنيتها الجديدة من ضمن ألبومها المقبل الذي تتوقع أن يحمل اسم «باسكال مشعلاني 2026»، وتطلقه في سبتمبر (أيلول) المقبل. وتعلّق: «أعتقد أني سأطلق عليه هذا الاسم؛ كونه يأتي بعد غياب. وسيكون بمثابة تكريم لمشواري الغنائي الذي يبلغ عمره نحو الثلاثين عاماً. في الفترة السابقة اعتمدت إصدار أغانٍ فردية بين فترة وأخرى. ولكن هذه المرة قررتُ أن أعود إلى عمل متكامل ومتنوع».

يتضمن إصدارها الجديد 12 أغنية تتعاون فيه مع أسماء معروفة، وكذلك مع مواهب جديدة. والحصة الأكبر من الألحان تعود إلى ملحم أبو شديد. كما تتعاون فيه مع منير بو عساف ومايك صافي. وتنوعه يُطبَّق على موضوعاته ولهجاته وتوزيعه الموسيقي.

وتوضح في سياق حديثها: «ستحضر فيه المواويل والفرنكو أراب وأنماط موسيقية مختلفة؛ فلقد وضعتُ فيه كل حبي وشغفي للفن، وسأعيد تقديم بعض الأغاني بتوزيع جديد. فأقدم (أكبر نساي) التي أنوي إطلاقها مباشرة بعد (كيفك اليوم). كما أغني بالجزائرية والخليجية، وهناك أسلوب لبناني كلاسيكي أغنيه لأول مرة، وموضوعه لافت».

صوّرت الأغنية بأسلوب بسيط تلون باطلالات عدة (باسكال مشعلاني)

وتشير إلى أسماء أغانٍ تنوي تجديدها، مثل «مرحبتين» للراحلة صباح. كما ستجدد أغنيتها القديمة «بيت الشاعر»، وتُعدّ عملاً تراثياً فلكلورياً سبق أن غنته الفنانة سميرة توفيق، قامت مشعلاني بتجديده وإعادة تسجيله بتوزيع جديد ليعكس الفلكلور والأجواء البدوية والأردنية. ومن الأغاني التي تنوي تقديمها في قالب حديث «وصفة للنسيان»، وصوّرتها بأسلوب خارج عن المألوف، وهي تمزج فيها بين موسيقى الصعيدي والبوب.

وعن رأيها في ظاهرة العودة إلى الأغاني القديمة وتجديدها من قبل عدد من الفنانين اليوم تردّ: «بالعودة إلى أغنيات قديمة يكتشفها الجيل الشاب فإننا نكرّم الفن اللبناني؛ فمَن هم من جيلنا يحنّون إلى هذا النوع من الأعمال. والجيل الجديد يجد متعة في الاستماع إليها واستذكار أيام خلت. وهناك حاجة لتثبيت اللون الطربي الأصيل كي لا يضيع منا».

وتشير إلى أن أصدقاء ابنها إيلي في غالبيتهم يستخدمون مفردات أجنبية في أحاديثهم، ويحبّون سماع أغانيها القديمة. «إنهم يستمتعون بأغنية (يا مدقدق) التي أصدرتها منذ 8 سنوات. وكذلك أغنية (بيروت) التي تواكب عصرهم، وبالتالي أغاني (الدلعونا) الفلكلورية؛ فهذا النوع من الأغاني يقربنا من بعضنا ويحافظ على تقاليدنا، فمناسبات الفرح في لبنان لا تتم من دون استخدام آلات عزف فلكلورية، كالطبل والمزمار؛ فهذه هي لغتنا الفنية الحقيقية النابعة من أرضنا وجذورنا».

وتستطرد: «هناك دائماً زمن استعادة للأغاني القديمة بين فترة وأخرى. وأنا بدوري غنيتُ لوردة الجزائرية ولعبد الحليم حافظ».

وبالعودة إلى أغنيتها الجديدة «كيفك اليوم»، فقد اعتمدت تصويرها في كليب بسيط من إخراج حبيب الشاعر. وعملت على تلوينه بإطلالات متعددة تذكّرنا بأزياء حقبة السبعينات. وتعلق: «البساطة اليوم هي أفضل خيار لإيصال أي عمل للناس. وكوننا نعيش بعصر (التيك توك) ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن الصورة المبالغ فيها لم تعد تجذب؛ فما يريده الناس هو رؤية ما يشبههم بعفوية ووضوح. أما إطلالتي فهي تتماهى مع كلام الأغنية خفيف الظل، وقد استخدمت في التصوير جهاز تلفون قديم للإشارة إلى زمن السبعينات والثمانينات. ومن شدة حبي للأغنية جاءت حركتي عفوية وتلقائية تشبه باسكال في يومياتها».

وعن الذكاء الاصطناعي ومدى تأثيره في الساحة الفنية، ترى باسكال مشعلاني أن حضوره المتزايد ترك انعكاسات سلبية على جودة الأعمال. وتقول: «لا شك أننا نشهد اليوم تراجعاً في مستوى الإنتاج الفني؛ فالذكاء الاصطناعي بات يُستخدم بكثرة في الموسيقى والألحان والكلمات، وحتى في الغناء، ما ولّد حالة من الضياع، فلم نعد نميّز بسهولة بين العمل الحقيقي وذلك المصنوع بالذكاء الاصطناعي. وأعتقد أن هناك استخفافاً ملحوظاً بالعمل الفني، لكنني مؤمنة بأن الحقيقة ستنتصر في النهاية، وأن الأعمال الأصيلة ستبقى هي الأقوى. شخصياً، لا أحب مشاهدة فيديو كليب منفَّذ بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي».

هناك دائماً زمن استعادة للأغاني القديمة بين فترة وأخرى... وأنا بدوري غنيتُ لوردة الجزائرية ولعبد الحليم حافظ

وتؤكد في المقابل أنها لا تعارض الاستفادة من هذه التقنية، شرط استخدامها باعتدال، ومن دون أن تحل محل العنصر الإبداعي الإنساني. وتوضح: «يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في اختصار الوقت أو في رسم خريطة عمل أولية عند الحاجة. وقد سبق أن استعنتُ به في تصوير كليب أغنية (أحلى وأحلى) في البترون، وذلك في بدايات انتشار هذه التقنية. لكن عندما أشاهده اليوم لا أستسيغه إطلاقاً، وأقول في نفسي: ليتني لم أخض هذه التجربة، لأن الأغنية خسرت جزءاً من روحها؛ فنحن أبناء جيل اعتاد أن يلامس الأشياء عن قرب. نستمتع أكثر بالأعمال التي ترتكز على عناصر حقيقية وتحرك مشاعرنا».

وعن وسائل التواصل الاجتماعي، تعتبر مشعلاني أنها أسهمت في تقليص المسافات بين الفنان وجمهوره، وتقول: «وضعتنا على تماس مباشر مع الناس، فأصبحنا نتحدث معهم بصراحة وعفوية. أما في الماضي، فكانت علاقتنا بالجمهور تقتصر إلى حد كبير على الإطلالات التلفزيونية، وكانت هناك قواعد تفرض علينا الحفاظ على مسافة معينة».

إلا أنها ترى وجهاً آخر أقل إيجابية لهذه المنصات، وتضيف: «ما لا أحبه في وسائل التواصل الاجتماعي هو حجم النفاق والكذب المنتشر فيها. فهناك استسهال في اختلاق الشائعات وترويج الأخبار المزيفة، ومع الأسف يصدقها كثيرون ويتفاعلون معها».

وتختم باسكال مشعلاني حديثها بالإعلان عن حفل كبير تحييه في بيروت خلال أغسطس (آب) الحالي، قائلة: «سأقدم باقة من أغنياتي القديمة والجديدة، وأنا متشوقة للقاء جمهور العاصمة وجميع المناطق اللبنانية في أمسية أستعد لها بكل حماس».