التراجيديا السورية متواصلة.. مع تقلب سياسات واشنطن وموسكو

الديكتاتور السوري بات يعتبر روسيا الحبيب المفضل.. أما طهران «زوجة مؤقتة» فقط

أجواء الحرب في دوما.. فيما الحرب الأهلية السورية تأخذ أبعادًا تراجيدية (رويترز)
أجواء الحرب في دوما.. فيما الحرب الأهلية السورية تأخذ أبعادًا تراجيدية (رويترز)
TT

التراجيديا السورية متواصلة.. مع تقلب سياسات واشنطن وموسكو

أجواء الحرب في دوما.. فيما الحرب الأهلية السورية تأخذ أبعادًا تراجيدية (رويترز)
أجواء الحرب في دوما.. فيما الحرب الأهلية السورية تأخذ أبعادًا تراجيدية (رويترز)

رغم المحاولات الحثيثة للإدارة الأميركية وروسيا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جهودهما المشتركة في سوريا، ثمة مؤشرات بأن اتفاقًا سريًا أبرم بين واشنطن وموسكو قارب على الفشل التام.
فكلا الطرفين اعترف ضمنيًا بفشل اتفاقهما بأن أخذ كل طرف يلقي باللائمة على الآخر، حيث اتهم وزير الخارجية الأميركي جون كيري روسيا بقصف قافلة مساعدات إنسانية، ووصفها بجريمة لا تختلف كثيرًا عن «جرائم الحرب». واتهمت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زخاروفا، كيري بتقديم «عرض سياسي رديء» و«بسرد القصص».
ظهرت التصدعات واضحة في الاتفاق عندما بدأت موسكو في تسريب أجزاء منتقاة من الاتفاق الذي يفترض أنه سري. فبحسب صحيفة «كومرسانت» الروسية اليومية الكبرى، فإن «روسيا كانت في حاجة إلى إعلان ما يوحي بإحراز تقدم بشأن الوضع السوري»، مضيفة أنه «كان من المهم أيضًا إظهار أن روسيا تعمل جنبًا إلى جنب مع الأميركيين وأنها لم تعد منعزلة». حدثت التسريبات من جانب موسكو عشية الانتخابات البرلمانية التي فاز بها أنصار الرئيس فلاديمير بوتين رغم الإقبال المحدود من قبل الناخبين. فالروس بطبيعتهم حساسون بدرجة كبيرة من استبعادهم من السياسة الدولية أو من النظر لهم كقوة غير جديرة بالاحترام.
فالاتفاق السري بشأن سوريا ساعد بوتين على التأكيد أمام شعبه أن التدخل الروسي في سوريا ليس التزامًا مفتوحًا من دون نهاية، وأن إعادة الأوضاع إلى طبيعتها مع الولايات المتحدة وحلفائها لم يعد في حكم المستحيل.
«ارتكبت الولايات المتحدة وروسيا خطأين»، بحسب علي رضا هرفاي، محلل سياسي، مفسرًا: «الخطأ الأول كان تهميش الرئيس السوري ومعاونيه الإيرانيين، والخطأ الثاني كان نشر الشائعات حول إبرام اتفاق سري لاستبعاد أي أطراف أخرى، بمن فيهم الأسد وطهران». ومما ساهم في مزيد من التعقيد أن بعض المحللين لاحظوا صدعًا متزايدًا داخل القيادة الإيرانية بخصوص الدور الروسي في سوريا. وللمرة الأولى، تعالت الأصوات في طهران تتساءل عن كلفة المغامرة في سوريا اقتصاديًا وإنسانيًا.
وكاستجابة لتلك الأصوات، حاول الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي حضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، التخفيف من حدة التدخل الإيراني. وفي مقابلة صحافية مع محطة تلفزيون «إن بي سي»، قال روحاني إن الحل الوحيد في سوريا سياسي، غير أن روحاني لم يستخدم التعويذة التي طالما كررها النظام الإيراني وهي كلمة «الخط الأحمر»، والتي يقصد بها بقاء الأسد في السلطة حتى نهاية فترة ولايته. صحيفة «كيهان»، التي تعبر عن وجهة نظر المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، امتدحت التدخل الروسي واعتبرته مشاركة في استراتيجية إيران الرامية إلى استبعاد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط. ففي افتتاحيتها بالصفحة الأولى، كتب رئيس تحرير الصحيفة اليومية، سعد الله زارعي، أن «روسيا أخذت وبوضوح جانب القوات التي تحارب الغطرسة العالمية (الولايات المتحدة)».
غير أن تلك النظرة تغيرت عندما تفاوضت روسيا، بدعم من الولايات المتحدة، في الوصول إلى هدنة محددة حول حلب. وخلال تلك الهدنة تكبدت إيران أكبر خسائرها عندما هاجمت المعارضة السورية القاعدة الإيرانية في خان طومان، لتقتل العشرات من قوات النخبة المسماة مظليي «القلنسوة الخضراء». أشارت «كيهان» مجددًا إلى أنه بعد مشاركة القوات الروسية في الوضع السوري المعقد، تكبدت إيران كثيرًا من الخسائر من دون أي مكاسب على الأرض، وتكبد كذلك حلفاء إيران ومنهم فرع حزب الله في لبنان، والعديد، مثل «المتطوعين للاستشهاد من وحدات لواء فاتح» العراقي، ناهيك بكتائب «فاطميون» التي تضم شيعة باكستانيين وأفغانًا.
ووفق المحلل الكندي حميد زمردي، «مع التدخل الروس، كان أمام طهران خياران، إما الإبقاء على قواتها أو إخضاع جميع قواتها لقيادة روسيا»، مضيفًا: «قررت إيران الإبقاء على قيادتها لقواتها، وفي نفس الوقت السماح لروسيا باستخدام القواعد الإيرانية لشن ضربات جوية ضد أهداف المعارضة السورية». غير أن كثيرًا من المحللين يرون أن هذا الخيار كان خيارًا سيئًا، لأنه أعطى الروس تفويضًا في سوريا، وهو ما يعني أنه بات بمقدور الروس تجاهل القلق التكتيكي الإيراني وأهدافها الاستراتيجية نهائيًا. ولتعزيز حالة «مرض المشتري» في طهران بشأن التدخل الروسي، بدأ الديكتاتور السوري بشار الأسد في مغازلة موسكو في بعض الأوقات، لدرجة أنه اعتبر أن موسكو هي الحبيب المفضل، في حين اعتبر طهران «زوجة مؤقتة» فقط.
وفي حديث مع تلفزيون «بي بي سي» بث مساء الثلاثاء الماضي، أشارت بثينة شعبان، أحد المساعدين المقربين من الرئيس الأسد، إلى هذا الوضع قائلة: «على المهتمين بالشأن السوري الآن الإنصات إلى ما يقوله وزير الخارجية الروسي (سيرجي) لافروف، عليهم الإنصات إلى موسكو، وليس لأي طرف آخر أو أي عواصم أخرى». قد تكون مفاجأة للرئيس بشار الأسد ولعشيرته إن علموا بأن الاتفاق السري المفترض بين لافروف وكيري شمل خطوات لتنحية الأسد عن السلطة خلال 18 شهرًا، غير أنه من غير المسموح اقتباس عبارات محددة للمسؤولين الروس في هذا الخصوص. لكنهم أوضحوا، وإن كان بعبارات ملتوية، أن الهدف الأهم لوجودهم في سوريا هو عدم إطالة أمد سيطرة الأسد على ما تبقى من سلطاته كرئيس في دمشق.
ففي مناسبات كثيرة، أشار الأسد نفسه إلى تلك النقطة بالاعتراف بأنه ليس هناك حل «عسكري للوضع في سوريا»، وهو ما يتعارض كليًا مع تباهيه السابق بقدرته على «تحرير كل بوصة من أرض سوريا» بالحرب. وبحسب محلل روسي طلب عدم ذكر اسمه، «بوتين يدرك أن سوريا أشبه بطفل مغطى بالقطران»، مضيفًا أن «أي أحد يقدم على معانقة تلك الجثة سوف تصيبه اللعنة، وبوتين لا يريد أن يحمل تلك التركة بمفرده».
يزعم المسؤولون الأميركيون أن روسيا تريد إطالة أمد التراجيديا السورية لكي يستمر اللاجئون في التدفق إلى أوروبا، مما يساهم في زعزعة الأوضاع في دول الغرب الديمقراطية بعد أن تنشط الأحزاب المتطرفة اليمينية واليسارية. فتلك خطة ميكافيلية ماكرة حتى بالنسبة لميكافيلى كبير مثل بوتين، حيث يدرك بوتين أنه حتى لو سيطر على سوريا بالكامل، سوف يحتاج إلى مبلغ تريليون دولار أميركي، كي يبدأ في إعادة بناء الدولة التي دمرتها الحرب بعد أن أصبحت البلاد مكانًا لتكاثر الإرهابيين مثلما يتكاثر البعوض. فإن كانت روسيا ينظر إليها كعدو، فسوف يختار بعض البعوض الطيران إليها من أجل الجهاد. «سوف يحتاج إعادة بناء سوريا إلى دعم كبير من الغرب والدول العربية الغنية بالنفط»، وفق مسؤول روسي سابق مقيم في لندن حاليًا، مضيفًا: «لن يأتي هذا الدعم ما دام الأسد مستمرًا في مكانه كخيال الظل».
ولذلك فإن روسيا في حاجة إلى أن تترك القنوات مفتوحة، ليس لإيران فحسب، ولكن للاتحاد الأوروبي والدول العربية، والأهم للقوات السورية المعارضة للأسد.
وبالنسبة للولايات المتحدة، يرى بعض المحللين أن الرئيس باراك أوباما يسعى إلى الوصول إلى تسوية فريدة للأوضاع في سوريا، فكل ما يريده هو «حل دبلوماسي» يستطيع من خلاله أن يزعم أنه هدأ الأوضاع، وحمى الأقلية المسيحية في سوريا وأسس شراكة فعالة مع روسيا، كل هذا من دون أن يورط الولايات المتحدة في «حرب جديدة في الشرق الأوسط». ورغم الجهود الدبلوماسية اليائسة، يبدو أن فصول التراجيديا السورية ستتواصل.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».