طروحات إمام فرنسي حول انتماء الإسلام لفرنسا تثير الجدل

طارق أوبرو: لا أعبأ بما يضعه الناس فوق رؤوسهم

طارق أوبرو زعيم الجالية المسلمة في مدينة ظلت تشتهر بالنبيذ الأحمر (واشنطن بوست)
طارق أوبرو زعيم الجالية المسلمة في مدينة ظلت تشتهر بالنبيذ الأحمر (واشنطن بوست)
TT

طروحات إمام فرنسي حول انتماء الإسلام لفرنسا تثير الجدل

طارق أوبرو زعيم الجالية المسلمة في مدينة ظلت تشتهر بالنبيذ الأحمر (واشنطن بوست)
طارق أوبرو زعيم الجالية المسلمة في مدينة ظلت تشتهر بالنبيذ الأحمر (واشنطن بوست)

طارق أوبرو، هو زعيم الجالية المسلمة في مدينة ظلت تشتهر بالنبيذ الأحمر الترابي حتى إنها جعلت من هذه المنطقة الفرنسية اسما مألوفا، ولكن أتباعه ممنوعون من تناول عينات الخمر الشهيرة هناك.
ولكن بعد ثلاث هجمات إرهابية عنيفة خلال عامين، إلى جانب الجدال الأخير حول البوركيني (ملابس البحر للنساء المحجبات)، أصبح أوبرو المدافع الفرنسي البارز عن الإسلام بصورته التقدمية، والشاملة، والأهم من ذلك كله، بصورته الفرنسية.
وفي سلسلة من المقالات، والمقابلات التلفزيونية، وكتابه الأخير والشهير، صار أوبرو ينتقد الحجاب علانية، وأعلن بترحيبه للعلاقات المثلية بين المسلمين، وساوى بين جوهر الإسلام والفكرة الفرنسية الرئيسية لتحرير الإنسان.
وبالنسبة لهذا الإمام، فإن الفكرتين متماثلتان وغير منفصلتين، وهما بعيدتان كل البعد عن النقاش العام الدائر حول ملابس النساء المسلمات، سواء في الشارع أو على شاطئ البحر. وقال خلال مقابلة شخصية أجريت معه داخل مكتبه في مسجد بوردو الكبير، حيث تنتشر الكتب الكثيرة من أرضية المكتب وحتى سقفه: «لا أعبأ بما يضعه الناس فوق رؤوسهم. إنني أعتبره من المناقشات المثيرة للهوان».
ويدعو أوبرو في كتابه الأخير بعنوان «ما الذي لا تعرفه عن الإسلام»، المنشور في فبراير (شباط) الماضي، إلى ما يسميه بـ«الإسلام الفرنسي»، الذي يعرِّفه بأنه حالة من «التصالح بين قيم الإسلام الروحية التي تعبر عن نفسها عبر لغة الجمهورية الفرنسية المتأصلة فعلا». وعلى وجه التحديد، ثالوث الثورة الفرنسية المقدس: الحرية والمساواة والإخاء.
أصبح أوبرو محبوبا، وعلى نطاق واسع، من قبل النخبة السياسية الفرنسية بسبب طرحه لأفكاره تلك. حتى إنه حاز على وسام فارس من جوقة الشرف، في عام 2013، وهو أعلى وسام تمنحه الحكومة الفرنسية للجدارة في المجال المدني أو العسكري. ولقد اختير في عام 2015 من قبل وزارة الداخلية الفرنسية مستشارًا خاصًا للحكومة في أعقاب الهجمات الإرهابية التي ضربت صحيفة «تشارلي إيبدو» الساخرة. كما أن هناك شائعات تقول إنه قد يتولى إحدى الحقائب الوزارية إذا ما فاز عمدة بوردو، آلان جوبيه ذو الشعبية الهائلة، بمنصب رئيس الجمهورية في الانتخابات الرئاسية المقرر انعقادها في العام المقبل.
لكن مثل هذه الأفكار أكسبت أوبرو كثيرًا من النقاد وربما الأعداء، بما في ذلك عدد من المسلمين الفرنسيين العاديين الذين يشعرون بأن وجهات نظره تعكس ما عليه وجهات النظر الحكومية في فرنسا. وبعد كل شيء، فإن الأناس الذين منحوا أوبرو وسام جوقة الشرف توجهوا في نهاية المطاف إلى حظر موضة البوركيني، على أساس أنه يعتبر إهانة لمبادئ المساواة التي تشتهر بها الجمهورية الفرنسية.
يقول مروان محمد، مدير المركز الجماعي ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا، خلال مقابلة شخصية أجريت معه: «إنه أمر نابع من حسن النية، كما أعتقد. ولكن الكثيرين يعتبرون رؤية الرجل للإسلام (وأنه ينبغي أن يتحلى المسلمون بمزيد من التحفظ، وأن يكونوا أقل إعلانا عن أنفسهم مما هم عيه الآن) تؤصل صورًا نمطية معادية للمسلمين داخل المجتمع الفرنسي، وأنه يتعين على المسلمين في المقام الأول إثبات ولائهم للدولة من خلال التماهي والاستيعاب الكامل في نسيج الحياة الفرنسية».
وفي هذه الأثناء، أصدر تنظيم داعش الإرهابي الكثير من الفتاوى المعادية لأوبرو، الذي يطلق عليه قادة التنظيم الإرهابي اسم «إمام الفجور». وأكدت مجلة «دار السلام» الناطقة باللغة الفرنسية والتابعة للتنظيم الإرهابي، في عددها الصادر ربيع العام الحالي، على أنه «ينبغي قتل ذلك الرجل ومن دون تردد». وقال أوبرو في رده على تلك التهديدات إنها لم تقلق نومه ولا مرة حتى الآن، وإنه لا يزال يرفض عرض الحكومة بتوفير الحماية الأمنية له، ويقول عن ذلك: «إذا ما ساورني الخوف منهم فقد نجحوا في هزيمتي».
وبالنسبة إلى أوبرو، كانت فرنسا، ومنذ الثورة الفرنسية، فكرة أكثر منها دولة، وذات التزام واضح لحقوق الإنسان والمساواة بين الجميع. وتلك، كما يقول، هي التطلعات السامية التي يعلن عنها الإسلام وأي دين صحيح آخر.
ويقول أوبرو: «يخدم دين المسلمين البشرية جمعاء – كما تفعل الدولة تماما. وهذا ما يدور حوله شأن الدين: كيفية خدمة الإنسان، وهدايته، ومحاولة وصوله إلى درجة الكمال في الفكر، وفي الإحساس، وفي الروحانيات، وفيما يتعلق بأسرار الإله».
ولد أوبرو في المغرب عام 1959 لأبوين فرانكفونيين، ثم حصل أوبرو على الجنسية الفرنسية في أواخر الثمانينات. ولقد كانت لحظة فاصلة في حياته وفي نموه العام كمفكر، وهو يتحدث عنها بقوله: «حصلت على الجنسية الفرنسية، وبالتالي لا بد أن أكون مخلصا بكل بساطة. ويجب أن أحترم القانون، وأن أسهم في اقتصاد البلاد ورخائه كما يفعل أي مواطن عادي آخر».
وفي فرنسا، وكما هو الحال في جميع أنحاء أوروبا، هناك تقليد طويل من مختلف الأديان التي يُنظر إليها على أنها «أجنبية أو غريبة»، والتي تعمل بلا كلل أو ملل لإثبات أن تعاليمها هي أكثر من متوافقة مع المجتمع بأسره.
وطوال القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، كان زعماء اليهود في فرنسا، الذين كانوا يواجهون زيادة مطردة في معاداة السامية، يحاولون إثبات أن الكتاب المقدس يؤكد على القيم التي تدعو إليها الدولة. وكانوا يرسلون أبناءهم وأشقاءهم بكل فخر للخدمة في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الأولى.
وفي ظل ارتفاع وتيرة الإسلاموفوبيا، تعكس خطب وتعاليم أوبرو دفعة وطنية مشابهة. وعلى سبيل المثال، أصر أوبرو على أن مسجد بوردو يستخدم اللغة الفرنسية بالإضافة إلى اللغة العربية في تقديم خدماته للمسلمين. ويتعلم الأطفال داخل مدرسة المسجد ما يحتاجون إلى معرفته عن الإسلام في فرنسا كما يحدث مع التلاميذ المسجلين في المدارس الأخرى في البلاد.
ويقول أوبرو: «إن أجيالنا الثالثة والرابعة يحملون الحلم الفرنسي. وينبغي أن يتحدثوا إلى الله باللغة الفرنسية كذلك».
وإلى جانب ذلك، يقول أوبرو إن الجنسية الفرنسية تعد هوية ذات تميز عن الانتماءات الوطنية الأخرى، إنها بمثابة «عقد أخلاقي»، والتزام نبيل بالمثل العليا المجردة، التي تكون أكثر منطقية عندما يمكن للأفراد ربطها بشكل وثيق مع إيمانهم الخاص بأديانهم.
وفي هذه الأيام، فإن ما يثير أوبرو في المقام الأول هم أولئك الذين يشعرون بالإقصاء والاستبعاد عن ذلك العقد الأخلاقي، خصوصا الشباب الفرنسي الفرانكفوني المسلم الذين، ولأسباب عدة، انطلقوا في اتجاه الراديكالية خلال السنوات الأخيرة. وفي كل حادثة من الحوادث الإرهابية التي ضربت فرنسا أخيرا، كان الجناة قادمين من المجموعات السكانية المهلهلة الفضفاضة، وهي الحقيقة التي بدأ أوبرو مواجهتها علانية على المستوى المحلي.
ساعد أوبرو، إلى جانب مجلس مدينة بوردو، في إعداد برنامج رائد لنزع التطرف والراديكالية عن الشباب المسلم الصغير والمشتبه في ظهور الميول العنيفة لديهم في أعمار مبكرة. والبرنامج يحمل اسم «مركز العمل ومنع التطرف لدى الأفراد» (CAPRI)، ولقد أُنشئ بشكل رسمي في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي.

* خدمة «واشنطن بوست»



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».