مذيعة «صدى البلد»: بعض الإعلام يتجاهل الواقع ويتعامل بالخيال

عزة مصطفى قالت لـ «الشرق الأوسط» إنها ترفض المنافسة على حلبة «الإثارة الصحافية»

مذيعة «صدى البلد»: بعض الإعلام يتجاهل الواقع ويتعامل بالخيال
TT

مذيعة «صدى البلد»: بعض الإعلام يتجاهل الواقع ويتعامل بالخيال

مذيعة «صدى البلد»: بعض الإعلام يتجاهل الواقع ويتعامل بالخيال

فوق الطاولة يوجد كل ما تتخيله من صحف ومجلات.. مصرية وعربية وأجنبية. وعلى شاشة الحاسوب عشرات المواقع الإخبارية؛ وكالات.. مقالات.. تحليلات. إنه عالم الإعلامية المصرية، عزة مصطفى. تطل كل مساء من مدينة الإنتاج الإعلامي بالقاهرة، على شاشة قناة «صدى البلد».
ليس من السهل أن تتحدث بتلقائية وتدير مداخلات عن كل شيء، على الهواء مباشرة، لمدة ساعة، أمام المشاهدين. لا بد أن تتشبع، أولا، ويوميا، بما يدور في العالم، محليا وإقليميا ودوليا. من أول سعر «البطاطا» إلى «احتلال الحوثيين صنعاء». ومن المشروعات الجديدة في قناة السويس، إلى ظاهرة تفجيرات الدواعش في أوروبا.
بالنسبة لأم وزوجة في مجتمع شرقي، فإن السؤال هو: وماذا عن البيت والمطبخ؟ وماذا عن الانشقاقات العائلية الصغيرة فيما يتعلق بتشجيع أندية كرة القدم؛ «أهلاوية»، أم «زملكاوية». من بين ذكرياتها وقراءاتها، تتوقف عزة مصطفى بين حين وآخر لتستعيد أيام الكرب.. أيام محاصرة المتطرفين مدينة الإنتاج التي تضم العشرات من استوديوهات القنوات التلفزيونية، وتهديدها بالقتل عن طريق إطلاق النار عليها.
بعد ذلك ظلت تنتظر على الهواء مباشرة لحظة إعلان بيان عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي. تأخر بيان وزير الدفاع آنذاك، عبد الفتاح السيسي. التسريبات قالت إنه سيكون في الساعة الرابعة، لكنه امتد إلى التاسعة. كان وقتا عصيبا؛ ثورة، ودولة في مفترق طرق.
في يومي إجازتها الأسبوعية تدخل المطبخ لتمارس هوايتها في صناعة أقراص الطعمية وأطباق الفول والكشري. حتى وهي تعجن بيديها خلطة الطعمية في البيت، تتابع ما تبثه محطات التلفزيون وتطالع الصحف اليومية الموجودة في كل زاوية.
وأجرت «الشرق الأوسط» حوارا مع الإذاعية التي تقدم برنامج «صالة التحرير»، تحدثت فيه عن تفاصيل حياتها اليومية وتجربتها في العمل مع التلفزيون «الرسمي» و«الخاص»، قائلة إنها ترفض المنافسة على حلبة «الإثارة الصحافية».
* متى بدأت الدخول في مجال الإعلام؟
- منذ زمن.. دعنا نقول إنني بدأت في التلفزيون المصري مذيعة ربط. وقدمت كل أنواع البرامج وقتها؛ ما بين المنوعات والصحافة والأخبار، بالإضافة إلى البرامج الثقافية وبرامج الأطفال أيضا. وقدمت حفلات لـ«ليالي التلفزيون» التي كانت مشهورة في ذلك الوقت.
* ومتى كان انتقالك لتلفزيون القطاع الخاص؟
- منذ عام 2011 بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) وقبل الانتقال للقطاع الخاص كنت قد بدأت في عمل برامج مما يسمى «النوع الثقيل»، مثل البرامج الثقافية المتخصصة، ومنها برنامج «خاص جدا» وبرنامج «ضي الليل». في هذا الإطار قدمت برامج عن المسرح، وعن السينما، ثم انتقلت للقطاع الخاص مع قناة «صدى البلد»، منذ بداية انطلاقها، رغم أنه كانت أمامي عروض للعمل في قنوات أخرى، لكنني فضلت أن تكون البداية مع «صدى البلد».
* ولماذا الانتقال للقطاع الخاص؟ ما الاختلاف بينه وبين التلفزيون الحكومي؟
- مما أغراني في القطاع الخاص أن مساحة العمل فيه أكبر، حيث أعمل بشكل يومي، وهو أمر مختلف تماما. رغم أنني كنت أقدم ثلاثة برامج في التلفزيون المصري (الحكومي)، لكن الأمر مغاير في القطاع الخاص، حيث إنني أعمل فيه يوميا من خلال التواصل المباشر على الهواء مع الأحداث ومع الجمهور، ومع القضايا الاجتماعية والخدمية المختلفة. كما أن العمل على الهواء مباشرة يعطيك فرصة التواصل أكثر مع الناس ومعرفة مشكلاتهم يوما بيوم.
* وماذا عن مساحة الرأي والحرية. هل الأمر مختلف عن التلفزيون الحكومي؟
- مساحة الرأي والحرية كانت في كل الأماكن مختلفة، بعد ثورة 25 يناير، بما في ذلك التلفزيون المصري (الرسمي).
* كيف كانت بدايتك في «صدى البلد»؟
- بدأت ببرنامج اسمه «استوديو البلد». كان يعمل فيه كل مذيعي القناة. استمر هذا الأمر نحو سنتين. بعد ذلك استهوتني فكرة برنامج «صالة التحرير»، على اعتبار أن الصحافة فيها كل ما يخص الجمهور من الناحية السياسة والاجتماعية والمشكلات والجزء الخبري. المساحة واسعة.. تتحدث في القضايا داخليا وإقليميا ودوليا.. هذا بالإضافة إلى الاحتفاظ بميزة التواصل المباشر مع الجمهور.
* هل توجد محاذير معينة أو خطوط حمراء مفروضة عليك؟
- لم يحدث أن وصلتني أي إشارة من إدارة القناة بخصوص تعليمات معينة تخص التوجه في تناول الموضوعات. إدارة القناة إدارة حرة، وهي إدارة وطنية في المقام الأول. ولم يكن هناك أي إملاءات بخصوص التوجه نهائيا. ليس لدي محاذير ولا خطوط حمراء.. أنا «تركيبة» أقف ضد «الإثارة لمجرد الإثارة». أنا ضد الإهانة. لست مع التركيبة الشتَّامة. كما أنني ضد تخوين الناس على الإطلاق. أعمل بشكل موضوعي. وهذا قد يعجب البعض وقد لا يعجب البعض الآخر. وأنا سعيدة باحتفاظي بجمهور محترم.
* هل ترين أن التنافس الموجود على مستوى قنوات القطاع الخاص يؤثر بالسلب على العمل الإعلامي؟
- المنافسة التي أعرفها هي في طرح الموضوعات الجيدة التي تفيد المواطن. أنا أحب أن أنافس في هذه المنطقة. أي المنافسة التي تبني وليست المنافسة التي تهدم. إذا كانت المنافسة في مجال الإثارة (الصحافية) فأنا لا ألعب هذا الدور. ولا أحب هذا النوع من الإعلام. أميلُ بشكل كبير للمهنية والموضوعية. ولا أنافس في أي مجال بعيد عن المهنية.
* البرنامج يبدأ مساء ويستمر لمدة ساعة من السبت إلى الأربعاء، فكيف تبدأين يومك، وأنت مسؤولة عن أسرة وبيت وأولاد؟
- للأسف أنا قليلة النوم. أزعم أنني كائن ليلي. ومع ذلك أستيقظ في نحو الساعة التاسعة صباحا. لا بد أن أتابع كل ما يحدث على الصعيد الداخلي والإقليمي والدولي، من أجل أن أتناول الموضوعات التي سأتطرق إليها في البرنامج من أكثر من زاوية. أما فكرة القراءة خارج الأخبار فهي عنصر مهم جدا بالنسبة لي. أستمتع بالقراءة في كل المجالات، وتحديدا في الجانب الثقافي والسياسي. وأهتم بمذكرات الشخصيات العالمية، لأنها تتضمن جانبا من الصراحة إلى حد ما. كما أن الرياضة بالنسبة لي أساسية.
* ما الصحف التي تحرصين على وجودها على طاولة القراءة؟
- من دون مبالغة أنا قارئة لـ«الشرق الأوسط» ولا بد أن أطالع «الحياة»، والـ«واشنطن بوست» وموقع «روسيا اليوم»، وموقع «سياسة بوست»، ومحطة الـ«سي إن إن»، و«سكاي نيوز» وغيرها، إلى جانب وكالة الأنباء المصرية «أ.ش.أ»، بالإضافة طبعا إلى صحف «الأهرام» و«المصري اليوم». ولا تنس أن هناك كتابا لا بد أن أتابعهم في الصحف التي يكتبون فيها.. هذا مهم. الصحف العالمية أصبحت مهمة جدا كذلك. مع العلم أن هناك بعض وكالات الأنباء الدولية أصبحت تجنح نحو فقدان المصداقية خصوصا حين تتناول الشأن المصري في موضوعاتها التحليلية. أحب أيضا أن أطالع الصحافة التي تكتب ضد مصر، حتى أعرف موقف هؤلاء من مصر وصل إلى أي حد. لا تنس أيضا أن الإعلام مصالح.. إما مصالح دول أو مصالح أفراد. أذكر في كتاب «المثقفون المزيفون» كيف شرح فيه مؤلفه الفرنسي، باسكال بونيفاس، حالة الإعلام الغربي والأميركي، والإعلام الفرنسي بالدرجة الأولى، وارتباطه بالمصالح.
* بعد الانتهاء من مطالعة كل هذا الكم من الصحف والقنوات والمواقع، هل تتناولين الغداء في البيت، ثم تتوجهين إلى مدينة الإنتاج الإعلامي حيث مقر القناة لتقديم برنامجك، أو ماذا؟
- للأسف لا أتناول الغداء في البيت. أفتقد وجبة الغداء بسبب موعد العمل، وأعوضها يومي الخميس والجمعة (إجازة البرنامج). فترة الصبح من السبت إلى الأربعاء أظل ما بين شؤون البيت ومتابعة الأحداث. بعد ذلك أتوجه للعمل نحو الساعة الثالثة أو الثالثة والنصف. وأبدأ البرنامج في السادسة وينتهي الساعة السابعة. وأرجع إلى بيتي، ثم أذهب إما لمقابلة مجموعة من الأصدقاء أو أتوجه لممارسة الرياضة التي أفضلها ليلا، وهي المشي و«الجيم».. ثم أشرع في قراءة الكتب وقراءة تحليلات الموضوعات والأحداث، إلى أن أنام.
* في حياتك المهنية، ما الأمر الذي يشعرك بالحزن؟
- ما يحزنني أن هناك جزءا كبيرا من الإعلام بكل أنواعه، لا يقدر اللحظة التي تمر بها مصر. توجد أخطاء؟ نعم توجد. وتوجد سلبيات أيضا.. إلا أنه لا بد من أن نتذكر أن لدينا مشكلات قديمة كنا نلتزم الصمت حيالها، وحين نتعامل معها نتعامل معها كأنها وليدة اليوم. لا يوجد دور واضح للمجتمع المدني. ولا توجد حالة مجتمعية إيجابية للإعلام. وهذا لا يعني التستر على السلبيات، ولكن أيضا توجد دولة لا بد أن نقف معها، وأن نكون مدركين للمرحلة التي نمر بها، وللظروف التي تمر بها مصر. للأسف هذا الجزء يغيب أحيانا عن الإعلام. بعض الإعلام يتعامل مع مصر كما لو كانت سويسرا. شعاري أن نكون جزءا من الحل، وأرفض أن أكون جزءا من تصعيد المشكلة.
* وما الموقف الذي أسعدك؟
- إذا تحدثت عن هذا الأمر فلا بد أن أدخل إلى مرحلة ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013. يوم إعلان عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، في 3 يوليو (تموز) من السنة نفسها.
* وأين كنت وقت الثورة؟
- يوم 30 يونيو ويوم 3 يوليو كنت في التلفزيون على الهواء مباشرة.
* هل يمكن أن تصفي مشاعرك في تلك اللحظات؟
- كنت أشعر بالقلق، خصوصا حين تأخر بيان يوم 3 يوليو. بدأت التسريبات تقول إن البيان سيلقيه وزير الدفاع وقتذاك (الرئيس الحالي) عبد الفتاح السيسي، في الساعة الرابعة عصرا، ثم قيل إنه سيكون في الساعة الخامسة. واستمر الانتظار إلى أن تم الإعلان عن البيان في الساعة التاسعة مساء. وطوال هذه المدة كنت على الهواء وكان القلق يتزايد. كنت أعلم أن المسألة ستستغرق وقتا.
* قبل ثورة 30 يونيو تعرضت مدينة الإنتاج الإعلامي للحصار من أنصار الجماعات المتشددة. كيف كان تعاملك مع هذه الأزمة التي كانت تعيشها المدينة، وأنت تترددين عليها بشكل شبه يومي؟
- تعاملت مع الأمر على أنني في مهمة ولا يصح أن أخاف، رغم أنني تعرضت للتهديد بالقتل وأنا أقدم برنامجي على الهواء مباشرة. كانت هذه حادثة شهيرة. اتصل شخص بالبرنامج على الهواء، وقال لي: سأضربك بالرشاش.



تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».