أنغولا: من الانتعاش القوي إلى الأزمة.. قصة بطلها النفط

الحكومة خفضت ميزانيتها إلى النصف.. والمستشفيات خالية من عقارات الملاريا

إحدى مضخات النفط (رويترز)
إحدى مضخات النفط (رويترز)
TT

أنغولا: من الانتعاش القوي إلى الأزمة.. قصة بطلها النفط

إحدى مضخات النفط (رويترز)
إحدى مضخات النفط (رويترز)

مع تحرك أسعار النفط في وقت سابق من هذا العقد نحو الارتفاع، انتعشت الأوضاع الاقتصادية بمدينة لواندا عاصمة أنغولا، ما تجلى في ظهور ناطحات السحاب الزجاجية فوق الركام الذي خلفته حرب أهلية استمرت 27 عامًا، كما اجتذبت المدينة مطربين أميركيين عالميين أمثال ماريا كاري لإحياء حفلات غنائية خاصة بها، الأمر الذي دفع سلطات المدينة لإعلانها «دبي الجديدة».
إلا أنه مع التراجع الشديد في أسعار النفط، ظهرت التداعيات السلبية على واحدة من أكثر دول القارة السمراء ثراءً وتفاوتًا في توزيع الثروات، والآن، يطلب نفس المسؤولين الذين تباهوا من قبل بصعود لواندا المبهر، قروضا بمليارات الدولارات، في الوقت الذي يلقى الآلاف حتفهم بسبب أمراض يمكن الوقاية منها وتعاني المستشفيات نقص الأدوية، واليوم، يمكن أن يصل سعر جوال الأرز خمسة أضعاف ما كان عليه منذ عام مضى. وفي ظل وجودها بقارة أفريقيا، القارة التي تتحكم مواردها الطبيعية في صعود وهبوط الاقتصاد، تبقى أنغولا نموذجًا متفردًا ومثير للفزع في الوقت ذاته، ذلك أنها أكثر اعتمادًا على صادراتها من السلع عن أي من دول جنوب الصحراء الكبرى الأخرى، والآن تتكبد البلاد ثمن هذا الأمر على نحو مأساوي.
المعروف أن أنغولا ليست الدولة الوحيدة التي تعاني منذ تهاوي أسعار النفط من نحو 115 دولارا للبرميل منتصف عام 2014 إلى أقل من 30 دولارًا العام الماضي، ليصل مؤخرًا إلى مستوى 40 دولارًا تقريبًا، على سبيل المثال، تعاني فنزويلا هي الأخرى من نقص في الطعام، في الوقت الذي تجابه نيجيريا أكبر أزمة اقتصادية تعصف بها منذ عقود، بيد أن تفّرد أنغولا يكمن في أن سقوطها جاء مخفيًا في الجزء الأكبر منه عن أعين العالم، نظرًا لأنه نادرًا ما يجري منح تأشيرات دخول لصحافيين.
وتشير الأرقام الصادرة عن منظمة «أوبك» إلى أن نحو 45 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي في أنغولا يأتي من قطاع النفط والغاز الطبيعي، مقارنة بـ25 في المائة في فنزويلا و35 في المائة في نيجيريا.
وداخل مستشفى كاجويروس، تحولت أزمة النفط إلى أزمة بالمجال الصحي، جراء معاناة المستشفى، كما هو الحال مع معظم المستشفيات على مستوى البلاد، من نقص الإبر والقفازات الجراحية وتقريبًا جميع الأدوية، ويتمثل السبيل الوحيد أمام المرضى للحصول على العلاج الطبي في شراء هذه المواد من السوق السوداء، في وقت يعجز غالبية أبناء أنغولا عن توفير تكاليف الشراء، وخلال الأسابيع الأخيرة، لم تجر أي اختبارات بخصوص مرض نقص المناعة ولم يحصل أي شخص على لقاح السل على مستوى البلاد، تبعًا لما أعلنه مسؤولون من أنغولا وآخرون دوليون معنيون بالمجال الصحي. وبعد أن قلصت الحكومة ميزانيتها بنسبة 53 في المائة العام الماضي، لم تشتر البلاد جرعة واحدة من عقار الملاريا، وخلال الشهور الثلاثة الأولى من 2016. ظهرت في أنغولا قرابة 1.3 مليون حالة إصابة بالملاريا، وتبعًا لما أعلنته منظمة الصحة العالمية، فقد توفي 3 آلاف منهم على الأقل.
من جهته، قال فرانسيسكو سونغني، كبير ممثلي اليونيسيف في أنغولا «اليوم، عندما تذهب لأي وزارة وتطلب شيئا، تتلقى الإجابة ذاتها ليس لدينا مال».
ومع ذلك، فإن الأزمة الاقتصادية بمفردها لا تفسر بشكل كامل الفوضى الصحية العارمة التي تعصف بالبلاد، في الواقع، تتسم حكومة أنغولا منذ أمد بعيد بمستويات كبيرة من الفساد وسوء الإدارة، وتعاني البلاد من أعلى معدل وفيات بين الأطفال عالميًا، مع وفاة واحد من بين كل 6 أطفال دون الخامسة، تبعًا لما أعلنه مسؤولو «يونيسيف».
بفضل أسعار النفط شديدة الارتفاع والإنتاج الوفير، حقق اقتصاد البلاد نموًا مذهلاً بمعدل 17 في المائة سنويًا بين عامي 2004 و2008، وبحلول عام 2014. أصبح لدى أنغولا ثالث أكبر إجمالي ناتج محلي على مستوى دول جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية، بعد نيجيريا وجنوب أفريقيا، إلا أن الثروات تركزت في أيدي قلة على نحو متزايد، كانوا في معظمهم مقربين من النخبة السياسية.
وحتى عندما حدث التراجع الاقتصادي، كانت النخبة تنفق ببذخ، في ديسمبر (كانون الأول)، دفعت واحدة من كبريات شركات الهاتف المحمول بالبلاد: «يونيتيل»، للمطربة الأميركية نيكي ميناج مليوني دولار مقابل إحيائها حفلا غنائيا في لواندا، وكان الرئيس التنفيذي للشركة حينها إيزابيل دوس سانتوس، ابنة الرئيس الأنغولي، جوزيه إدواردو دوس سانتوس، الذي يتولى رئاسة البلاد منذ عام 1979. في يونيو (حزيران)، جرى تعيين إيزابيل دوس سانتوس، أول مليارديرة على مستوى أفريقيا، ـ رئيسة لشركة النفط المملوكة للدولة.
على الجانب الآخر وفي أحد الأيام القريبة، وقفت كريستينا دا سيلفا تنتظر خارج مستشفى كاجويروس كي تتمكن من إدخال القفازات والإبر والعقاقير اللازمة لزوجها المصاب بالملاريا، كانت هي وأقاربها قد تمكنوا من جمع المال الكافي لدفع تكلفة احتياجات زوجها الطبية والتي بلغت 10 دولارات، ما يعد مبلغا أقرب إلى المستحيل في بلاد يتقاضى نصف عامليها أقل من دولاري يوميًا، جدير بالذكر أنه قبل الأزمة الاقتصادية الحالية، كانت العقاقير متوافرة مجانًا في المستشفيات العامة.
وقالت دا سيلفا «في هذه الظروف، يسعى المرء للاقتراض من الأقارب والأصدقاء والعمل للحصول على المال بأي وسيلة، لأن عدم توافر المال يعني موته».
من جهتهم، اعترض عدد من النشطاء القلائل بالبلاد والصحافيين المستقلين علانية ومنذ أمد بعيد على التفاوتات الصارخة في الدخول داخل هذه البلاد الغنية بالنفط، وتساءلوا كيف يمكن لبلد واحد أن يضم مبيعات مزدهرة لسيارات «بورش» وشقق سكنية يبلغ إيجارها 20.000 دولار شهريًا ومثل هذا العدد الضخم من الفقراء في آن واحد؟
والآن، يواجه هؤلاء النشطاء أنفسهم سؤالاً مفزعًا: كيف سيكون الحال إذا ما ازدادت الأوضاع تفاقمًا؟
في هذا الصدد، قال رافاييل ماركيز دي موريس، أحد منتقدي الحكومة ومؤسس «ماكا أنغولا»، منظمة رقابية: «حتى أثناء الحرب، لم نشهد هذه الأعداد الكبيرة من الوفيات»، في إشارة إلى الحرب الأهلية التي انتهت عام 2002.
الملاحظ أن الانهيار الشديد في أسعار النفط أدى إلى تراجع سريع في تدفقات الدولارات الأميركية على أنغولا ونقص حاد في قيمة العملة المحلية، كوانزا، وأدى ذلك بدوره لاشتعال الأسعار في بلد يستورد الكثير من السلع الأساسية.
ولا يقتصر الأمر على السلع، ذلك أنه نظرًا لافتقارها إلى المهنيين، اعتمدت البلاد لسنوات على مهندسين وأطباء ومدرسين أجانب، الآن، تناضل البلاد لسداد رواتبهم. العام الماضي، هدد المئات من الأطباء الكوبيين بالرحيل بسبب عدم تلقيهم رواتبهم منذ شهور، إلا أن سفير كوبا لدى أنغولا أعلن في تصريحات صحافية أن المشكلة جرت تسوية معظمها.
على مدار سنوات، كانت أنغولا واحدة من أغلى البلاد بالنسبة للأجانب على مستوى العالم، في ظل ارتفاع أسعار النفط والتنامي الشديد لقيمة العملة، أما أبناء البلاد فلم يسبق أن واجهوا مثل هذه المشقة في كسب قوتهم بالعملة المحلية التي تراجعت قيمتها بشدة في الوقت الذي قلصت الحكومة برامج الرفاه على نحو بالغ، وبذلك، تردت أوضاع المواطنين بشدة، الأمر الذي اتخذ صورًا مأساوية في بعض الحالات.
من بين الأمثلة البارزة على ذلك معاناة البلاد من أكبر حالة تفشي للحمى الصفراء عالميًا منذ عقود، ومن بين الأسباب المطروحة وراء تفشي الوباء رفض الحكومة سداد تكاليف جمع القمامة ببعض أجزاء لواندا نتيجة الانكماش الشديد بميزانيتها، واجتذبت أكوام القمامة، بجانب برك مياه الأمطار، جحافل من الناموس تحمل الوباء القاتل، حتى الآن، هناك ما يزيد على 3 آلاف حالة إصابة مشتبه بها وقرابة 350 حالة وفاة، وعن هذا، قال سونغني، كبير ممثلي اليونيسيف بالبلاد «هذا الأمر كان يمكن تجنبه تمامًا».
على الجانب الآخر، فإن الازدهار الاقتصادي الذي عاشته أنغولا طيلة 15 عامًا زاد من صعوبة حصولها على مساعدات دولية، ذلك أنها مصنفة حاليًا من قبل البنك الدولي باعتبارها دولة تنتمي للشريحة العليا من الدخل المتوسط.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



استقرار «غير متوقع» لمبيعات التجزئة الأميركية في ديسمبر الماضي

رجل يتسوق في سوق إيسترن بمدينة واشنطن (رويترز)
رجل يتسوق في سوق إيسترن بمدينة واشنطن (رويترز)
TT

استقرار «غير متوقع» لمبيعات التجزئة الأميركية في ديسمبر الماضي

رجل يتسوق في سوق إيسترن بمدينة واشنطن (رويترز)
رجل يتسوق في سوق إيسترن بمدينة واشنطن (رويترز)

استقرت مبيعات التجزئة الأميركية، بشكل غير متوقع، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ما أدى إلى تباطؤ نمو الإنفاق الاستهلاكي والنشاط الاقتصادي بشكل عام مع بداية 2026.

جاء هذا الاستقرار بعد زيادة بلغت 0.6 في المائة، في نوفمبر (تشرين الثاني)، دون تعديل، وفقاً لما أعلنه مكتب الإحصاء، التابع لوزارة التجارة، يوم الثلاثاء. كان خبراء اقتصاديون، استطلعت «رويترز» آراءهم، قد توقعوا استمرار نمو مبيعات التجزئة، التي تشمل في معظمها السلع، وغير مُعدّلة وفقاً للتضخم.

ولا يزال مكتب الإحصاء يعمل على استكمال بياناته، بعد التأخيرات الناجمة عن إغلاق الحكومة العام الماضي. ورغم تشاؤم المستهلكين بشأن الاقتصاد نتيجة ارتفاع الأسعار الناجم عن الرسوم الجمركية وتراجع سوق العمل، شهدت مبيعات التجزئة أداء قوياً، على حساب الادخار إذ انخفض معدل الادخار إلى أدنى مستوى له في ثلاث سنوات، مسجلاً 3.5 في المائة خلال نوفمبر، مقارنةً بـ3.7 في المائة خلال أكتوبر (تشرين الأول)، بعد أن بلغت نسبة الاستهلاك ذروتها عند 31.8 في المائة خلال أبريل (نيسان) 2020. في المقابل، شهدت ثروة الأُسر ارتفاعاً ملحوظاً، مدفوعةً بانتعاش قوي في سوق الأسهم واستمرار ارتفاع أسعار المنازل.

وعلى صعيد مبيعات التجزئة الأساسية؛ أيْ باستثناء السيارات والبنزين ومواد البناء وخدمات الطعام، سجلت انخفاضاً بنسبة 0.1 في المائة خلال ديسمبر، بعد تعديلها نزولاً إلى 0.2 في المائة خلال نوفمبر. وتتوافق هذه المبيعات، المعروفة بمبيعات التجزئة الأساسية، بشكل وثيق مع عنصر الإنفاق الاستهلاكي في الناتج المحلي الإجمالي، علماً بأن التقارير السابقة أشارت إلى ارتفاعها بنسبة 0.4 في المائة خلال نوفمبر.

وقد يدفع انخفاض مبيعات ديسمبر والتعديل النزولي لبيانات نوفمبر، الاقتصاديين إلى مراجعة توقعاتهم للإنفاق الاستهلاكي والناتج المحلي الإجمالي للربع الأخير.

وكان الإنفاق الاستهلاكي قد ازداد بوتيرة سريعة في الربع الثالث، مساهماً بشكل كبير في معدل النمو السنوي للاقتصاد البالغ 4.4 في المائة خلال تلك الفترة. ويتوقع بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا نمو الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 4.2 في المائة خلال الربع الأخير.

ومن المقرر أن تنشر الحكومة، الأسبوع المقبل، تقديراتها الأولية المتأخرة للناتج المحلي الإجمالي للربع الأخير.


«بي بي» تطلب ضوءاً أخضر أميركياً لتطوير غاز فنزويلا

عامل نفط فنزويلي من شركة النفط الحكومية الفنزويلية «PDVSA» يشارك في تعبئة ناقلة نفط بمحطة الشحن والتخزين في خوسيه (رويترز)
عامل نفط فنزويلي من شركة النفط الحكومية الفنزويلية «PDVSA» يشارك في تعبئة ناقلة نفط بمحطة الشحن والتخزين في خوسيه (رويترز)
TT

«بي بي» تطلب ضوءاً أخضر أميركياً لتطوير غاز فنزويلا

عامل نفط فنزويلي من شركة النفط الحكومية الفنزويلية «PDVSA» يشارك في تعبئة ناقلة نفط بمحطة الشحن والتخزين في خوسيه (رويترز)
عامل نفط فنزويلي من شركة النفط الحكومية الفنزويلية «PDVSA» يشارك في تعبئة ناقلة نفط بمحطة الشحن والتخزين في خوسيه (رويترز)

قالت الرئيسة التنفيذية المؤقتة لشركة «بي بي»، كارول هاول، لوكالة «رويترز» يوم الثلاثاء، إن الشركة تسعى للحصول على ترخيص من الحكومة الأميركية لتطوير حقل غاز ماناكين-كوكوينا، الذي يمتد عبر الحدود بين ترينيداد وتوباغو وفنزويلا.

منذ اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، يسعى عديد من شركات الطاقة إلى المضي قدماً في مشاريعها في الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية، بما في ذلك شركة «شل» بمشروعَي دراغون وماناتي، وشركة «بي بي» بمشروع ماناكين.

وترغب «بي بي» في تطوير الحقل لتوفير أكثر من تريليون قدم مكعبة من الغاز لترينيداد لتحويلها إلى غاز طبيعي مسال للتصدير. تمتلك شركة «بي بي» 45 في المائة من محطات أتلانتيك للغاز الطبيعي المسال الرئيسية في ترينيداد، التي شكَّلت 15 في المائة من إجمالي إنتاج «بي بي» من الغاز الطبيعي المسال في عام 2025، وفقاً لبيانات شركة «إل إس إي جي» المالية.

وقالت هاول، في اتصال هاتفي مع «رويترز»: «نحن مهتمون بحقل ماناكين-كوكوينا، وهو حقل عابر للحدود بين ترينيداد وفنزويلا. لذا نعمل على الحصول على الترخيص اللازم، وهذه هي أولويتنا القصوى حالياً».

وتحتاج «بي بي» إلى ترخيص من الحكومة الأميركية لإنتاج الغاز في هذا الحقل نظراً لاستمرار العقوبات الأميركية المفروضة على شركة النفط الفنزويلية الحكومية «PDVSA»، التي تعمل على الجانب الفنزويلي من الحدود.

كانت شركة «بي بي» تمتلك في الأصل ترخيصاً من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) من الولايات المتحدة وترخيصاً من فنزويلا لتطوير الحقل، إلا أن إدارة ترمب ألغته في عام 2025. وتعاني ترينيداد من نقص في الغاز الطبيعي لتشغيل قطاع الغاز الطبيعي المسال وقطاع البتروكيميائيات الأوسع. وتسعى ترينيداد إلى تطوير حقولها الحدودية مع فنزويلا، التي تحتوي مجتمعةً على احتياطيات مؤكَّدة تبلغ 11 تريليون قدم مكعبة.


«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

TT

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)

مع تسارع التحولات الاقتصادية عالمياً، وإعادة الدول ترتيب أولوياتها الاستثمارية وسلاسل الإمداد، تبرز السعودية لاعباً محورياً بفضل رؤيتها الواضحة لتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي.

هذا ما أكده الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية»، الدكتور مهند الشيخ، موضحاً أن الفرص التجارية في المملكة تتجه بقوة نحو الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة التي يتوقع أن تحقق نمواً سنوياً يصل إلى 29 في المائة على مدى ما بين 7 و8 سنوات مقبلة، بالتوازي مع المشروعات العملاقة والسياحة الدينية والانفتاح المتنامي على تملك الأجانب العقار.

جاءت تصريحات الشيخ لـ«الشرق الأوسط» على هامش «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص»، في الرياض، حيث أوضح أن «المشهد الاقتصادي في المملكة اليوم يقوم على رؤية استثمارية وتجارية واضحة، مدعومة بتشجيع الاستثمار الأجنبي، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكاً رئيسياً في النهضة الاقتصادية الجارية».

وقال إن التحول العالمي الناتج عن الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية جعل الدول أعمق وعياً بأهمية بناء قواعد إنتاج محلية قوية؛ «مما استفادت منه السعودية عبر تسريع برامج التوطين وتعزيز بيئة الأعمال».

الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

ويرى الشيخ أن الحصة الكبرى من فرص النمو خلال السنوات المقبلة ستكون في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة، مشيراً إلى وجود نقص عالمي في الكفاءات المختصة بتصميم وهندسة هذه المراكز، وكذلك بتصنيع المعدات المرتبطة بها.

وأضاف أن نجاح مراكز البيانات يعتمد بشكل أساسي على سرعة التنفيذ وطرح المشروعات في السوق للمستثمرين أو المستفيد النهائي؛ «مما يجعل توفر الموارد البشرية المؤهلة عاملاً حاسماً».

ولفت إلى أن المملكة «بحكم أنها مصدر رئيسي للطاقة، فإن تمتلك ميزة تنافسية مهمة في هذا المجال، خصوصاً أن مراكز البيانات تعتمد بشكل كبير على الطاقة والتبريد». كما أشار إلى «الاستثمارات المعلنة من قبل شركات محلية من بينها (هيوماين) و(إس تي سي)، إلى جانب التركيز المتصاعد من الجامعات السعودية على إطلاق برامج علمية تدعم احتياجات القطاع الخاص في هذا المجال الذي يشهد نقصاً عالمياً في المهارات».

وأضاف أن موقع المملكة الجغرافي الذي يربط الشرق بالغرب، إلى جانب بنيتها التحتية الرقمية، «يعززان من جاذبيتها بوصفها مركزاً إقليمياً لمراكز البيانات المتصلة بالذكاء الاصطناعي».

إلى جانب التكنولوجيا، أشار الشيخ إلى أن «المشروعات العملاقة المقبلة، واستضافة المملكة فعاليات دولية كبرى، من بينها (كأس العالم لكرة القدم) و(إكسبو)، سيفتحان آفاقاً واسعة أمام قطاعات متعددة». كما توقع نمواً كبيراً في مكة المكرمة والمدينة المنورة بمجال السياحة الدينية، مدعوماً بانفتاح السوق السعودية على الاستثمار الأجنبي والسماح بتملك الأجانب العقار.

محفزات التوطين

وبشأن العوامل الأساسية لنجاح مشروعات التوطين، أوضح الشيخ أن السوق السعودية تمثل ما بين 60 و70 في المائة من سوق الشرق الأوسط؛ «مما يجعل وجود الصناعات داخل المملكة ضرورة تفرضها سرعة الوصول إلى المنتج النهائي، قبل أن يكون مطلباً تنظيمياً». وأضاف أن المحفزات الحكومية لعبت دوراً داعماً من خلال تشجيع توطين بعض الصناعات وتعزيز سلاسل الإمداد.

وبين أن «جونسون كنترولز العربية» تعمل مع نحو 280 مورداً، وأن بعض منتجاتها تضم ما يصل إلى 40 ألف جزء؛ «مما يجعل استدامة سلاسل الإمداد عنصراً حيوياً للمصنعين». كما شدد على أهمية التعاون مع الجامعات السعودية في البحث والتطوير، مشيراً إلى أن هذا التعاون أسهم في رفع المحتوى المحلي؛ «بل ومكّن الشركة من تصنيع منتجات في السعودية وتصديرها إلى أسواق أميركية؛ نظراً إلى تطابق معايير الاستهلاك والجودة».

وأضاف أن وجود مراكز بحث وتطوير ومختبرات محلية يسرّع تطوير المنتجات ويساعد الشركات على تلبية متطلبات الأسواق الإقليمية والدولية.

سلاسل الإمداد وفرص المستقبل

وبشأن توطين سلاسل الإمداد، قال الشيخ إن جائحة «كوفيد19» كانت نقطة تحول عالمية؛ إذ أدركت الدول خلالها أهمية تأمين احتياجاتها داخلياً. وأوضح أن المملكة تشهد اليوم «ثورة اقتصادية» على مستوى المشروعات والبيئة الاستثمارية، «مع توفر قاعدة صناعية محلية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من المنتجات النهائية».

وأشار إلى أن «الفرص لا تزال واسعة أمام المستثمرين العالميين للدخول في مجال توطين سلاسل الإمداد»، لافتاً إلى أن «هذا القطاع تحديداً ما زال يحمل إمكانات نمو أكبر مقارنة بالمنتجات النهائية التي حققت السعودية فيها مستويات متقدمة من الاكتفاء».

منصة تربط العرض بالطلب

وقال الرئيس التنفيذي إن «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص» يمثل منصة عملية تجمع جميع الأطراف لتمكين الفرص وتحويلها إلى شراكات ومشروعات ملموسة.

يذكر أن «المنتدى» يجمع بين العرض والطلب، عبر ربط شركات محفظة الصندوق بالجهات الحكومية والمستثمرين وشركات القطاع الخاص، بما يفتح آفاقاً واسعة لعقد شراكات جديدة وتشكيل موجة تالية من المشروعات التي تعزز دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.

ويختصر الشيخ المشهد بالقول إن «المملكة اليوم تعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل الصناعة، والابتكار، وسلاسل الإمداد، والكوادر البشرية؛ مما يضعها في موقع متقدم للاستفادة من موجة التحول العالمي المقبلة، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والصناعات المتقدمة».