دراية العرب بالفلك قبل الإسلام غطت حاجاتهم الواقعية

عرفوا الأبراج وعشقوا القمر واهتدوا بالنجوم في تيه الصحاري

دراية العرب بالفلك قبل الإسلام غطت حاجاتهم الواقعية
TT

دراية العرب بالفلك قبل الإسلام غطت حاجاتهم الواقعية

دراية العرب بالفلك قبل الإسلام غطت حاجاتهم الواقعية

لم يكن العرب ما قبل الإسلام معزولين عن بقية العالم. ودرايتهم بما كان يروج من معطيات فلكية عالمية آنذاك، كانت متاحة لهم، على الأقل على مستوى حاجاتهم الأساسية، المتعلقة بالضبط بالاهتداء بواسطة النجوم، في بيداء شبه الجزيرة العربية. فالسماء لعبت دور المعلم. لهذا وجدنا العرب قد تأملوا السماء، وضبطوا ما بها من نجوم وكواكب، وحددوا بروجها، ناهيك عن أن مسألة تدقيق الحساب والتقويم، ما بين القمري والشمسي، كان يشغل بالهم، لتثبيت الزمن، ومن ثم ضمان السير العادي للمواسم والأسواق ورحالات التجارة. فعرفوا منازل القمر وحركة الشمس في فلك البروج بدقة عالية. كما لجأوا إلى النسأة لضبط التقويم. وما دام أن الماء مسألة حيوية عند العرب، فقد استغلوا السماء لمعرفة ما يحدث من أجواء، فكان لديهم علم الأنواء. ولنلق إذن نظرة مختصرة، عن أهم ما كان يعرفه العرب من فلك، ولو في شكله الفطري ومن أجل الأهداف العملية.
* البروج عند العرب
للتأكيد على أن العرب كانوا على دراية كافية بما يحتاجون في حياتهم، نبدأ بالبروج. فالعرب مثلهم مثل باقي الشعوب، حددوها في اثنا عشر برجا وأسماؤها كالآتي: الكبش، الثور، التوأمان، السرطان، الأسد، العذراء، الميزان، العقرب، القوس، الجدي، الدلو، الحوت.
ويسمي العرب أيضا بعض هذه البروج، بغير الأسماء المتقدم ذكرها. فيسمون الكبش بالحمل. ويسمون التوأمين بالجوزاء أو الجبار (لأنها كصورة رجل على كرسي عليه تاج). ويسمون العذراء بالسنبلة، والقوس بالرامي، والحوت بالسمكة، والرشأ. وقد جاء في القرآن الكريم ذكر للبروج. قال تعالى: «ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين». وقوله: «والسماء ذات البروج».
* منازل القمر عند العرب
وهنا نقف أيضا عند منازل القمر، لنكتشف أن العرب مثلهم مثل باقي الشعوب، كانوا يعشقون القمر ويهيمون برصده، ويجلسون في ضوئه للسمر، ويهديهم في الليل. لهذا تتبعوا تحرك القمر بدقة. وقد وجدوا أنه ينتقل يوميا نحو 12. 8 درجة، ويعود إلى موقعه الأصلي بين النجوم، بعد تنقل يشمل 28 منزلة. وتسمي العرب هذه المنازل كالآتي: النطح، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العواء، السماك، الغفر، الزباني، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، الفرغ المقدم، الفرغ المؤخر، البطن.
إن كل برج من البروج المذكورة أعلاه، يحتل منزلين وثلث منزل من بين الثماني والعشرين. فمثلا، للحمل: النطح والبطين وثلث الثريا. وللثور ثلثا الثريا والدبران والهقعة. وللجوزاء: الهنعة والذراع وثلثا النثرة. وهكذا حتى تكتمل المنازل. ومن هنا، ربما نفهم قوله تعالى: «والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم».
اشتهر كثير من القبائل في الجاهلية بإتقان علم النجوم، كبني مارية بن كلب، وبني مرة بن همام الشيباني. وكان سليك بن سعد يقول: «خذ مطلع سهيل ويد الجوزاء اليسرى فثم منازل قومي بني سعد». فالعرب في الجاهلية كانوا يلمون بالمبادئ الأولية لعلم الفلك، وخاصة تلك التي كانت تتعلق بحياتهم اليومية. بل البعض قد قدس بعض الكواكب. فعرب تميم مثلا كانوا يعبدون عطارد، كما عبد بعض العرب المجاورين للشام والعراق الزهرة وكانوا يسمونها العزى. ويكفي إلقاء نظرة على أسماء النجوم لتبدو شدة ارتباط العرب بالسماء، وقدم معرفتهم بها. فنسمع عن بنات نعش، والفرقدين، والجدي، والسهى، والظباء، والثريا، والعيوق. بل إن عددا من أسماء الكواكب والنجوم، ضاع فيه وجه الشبه اللفظي بين الاسم العربي والاسم الكلداني. فمثلا، إذا أخذنا الأبراج بالأسماء العربية، كبرج الثور، والسرطان، والميزان، والعقرب، والجدي، والدلو، والحوت، فإننا نجد ما يقابلها في الأسماء الكلدانية، وذلك على التوالي: ثورا، وسرطان، وماسانا، وعقربا، وكديا، ودولا، ونونا. هذا من جهة، أما إذا أخذنا من جهة أخرى، كوكب زحل، فهو يعني بالعربية الارتفاع والعلو. وهذا ما يعنيه اسم هذا الكوكب (كاون) بالكلداني. وإجمالا نقول، إن أسماء الكواكب قديمة لأنها مذكورة عند الشعراء والمؤلفين العرب، سواء قبل الإسلام أو بعده، وطبعا قبل انتقال العلوم الدخيلة إليهم.
* الفلك للاهتداء في الطريق
وتجلت قيمة النجوم عند العرب، في الاهتداء بها في التنقل والأسفار. فحين يتيهون في بيدائهم، يتعرفون على طريقهم الصحيح انطلاقا من معالم السماء النجمية، لدرجة أن تبدو المسرة على وجوههم، والفرحة لنجاتهم من الموت. يقول الشاعر مالك بن الريب (توفي سنة 60 هجرية)، حين استبشر برؤية نجم سهيل حين بدا لعينيه، لأنه دليل اقترابه من وطنه:
أقول لأصحابي ارفعوني فإنني
يقر بعيني أن سهيل بدا ليا
بأن سهيلا لاح من نحو أرضنا
وأن سهيلا كان نجما يمانيا
وإنما طلب أن يرفعوه، لأنه يريد أن يرى نجم سهيل، ونجم سهيل نازل لا يرتفع عن الأفق جنوبا، أي لا يرتفع إلى سمت السماء ولا قريبا من ذلك.
يقول الدكتور محمد بن أحمد الدوغان، في كتابه «الفلك، رؤية أدبية في التراث الفلكي العربي»، دار أروقة، الطبعة الأولى 2014. شارحا أهمية النجوم عند العرب، بطريقة جامعة، الآتي: «لا نستطيع أن نتصور أهمية النجوم في الاستهداء عند العرب، إلا إذا تمثلنا رهبة الصحراء، وشح الماء، وانعدام المعالم، وانقطاع الطريق، وبعد الشقة، وتوهج الحرارة أو شدة البرودة، حينئذ نعرف كيف تمثل لهم النجوم، وكيف تصبح هي المعالم والأدلة التي لا تخطئ، والسراجات التي تضيء الطريق؟ وكم كانوا - حين يتيهون في أسفارهم - يسرون بصفاء السماء. وكم كانوا يحزنون إذا غامت وانطمست معالمها، لأن ذلك يؤدي إلى المتاهة المحققة والهلاك المؤكد. ولذا سموا الصحراء المهلكة».
كل هذا، يؤكده القرآن الكريم في قوله تعالى: «وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون». وفي آية أخرى يقول تعالى: «وبالنجم هم يهتدون»
* علم الأنواء عند العرب
يبقى أن نشير إلى أن العرب اهتموا بالنجوم أيضا، لاهتمامهم الشديد بالماء، وحرصهم على المحافظة عليه إلى درجة أنهم اهتموا بما يسمى الأنواء، وهو علم يهتم بكل ما له علاقة بالماء والمطر والسحاب والبرق والرعد والصقيع والصواعق. فأكيد في بيئة تكتنفها الصحاري ويهددها الجفاف، فلا شك أن أبناءها سيستبشرون خيرا بكل قطرة غيث، ومن ثم سيتأملون السماء بحثا عن المعالم المتكررة والمنتظمة التي تسمح بالتنبؤ بما قد تجود به السماء. فنجد مثلا الشاعر الشنفرى (توفي سنة 70ق.ھ)، يربط في أحد أبياته، ما بين الشعرى وشدة الحرارة فيقول:
ويوم من الشعرى يذوب لعابه
أفاعيه من رمضائه تتململ
* النسيء عند العرب
كان العرب يعرفون حتى الكبس، وهو تأخير كسور اليوم حتى تصير يوما، أو الأيام حتى تصير شهرا، ثم زيادته على السنة. وهنا نشير إلى مسألة شائكة قد أبطلها الإسلام وهي قضية النسأة. فمن المعروف أنه كان لعرب الجاهلية ما يسمى صاحب النسيء. وهو منصب ديني. فالناسيء أو القلمس، رتبة شرف دينية وعلمية واجتماعية. وهي من الوظائف الرئيسية الكبرى في مكة، كالحجابة والقيادة والقضاء. ومن أهم مهام القلمس، إلى جانب إفتاء العرب في شؤونهم الدينيّة، أن يحسب للناس الحساب الفلكي ويلحق الحساب القمري بالشمسي.
إن النسيء لغة، هو التأخير. تقول العرب: نسأ الله في أجلك، وأنسأه أي أخره. والنسيئة هو الدَين المؤخر. وكان العرب يسمون الفقيه أو المفتي ناسئا، لأنه كان يؤخر أول السنة شهرا، مرة كل سنتين أو ثلاث سنوات، على حسب ما يستحقه تقدم السنة القمرية على سنة الشمس. ويكبس بهذا الشهر السنة المنقضية، فتكون ثلاثة عشر شهرا. وذلك كيلا تدور الشهور في الأزمنة. وليكون حجهم ومواسمهم في وقت واحد من السنة. ولقد تتبع الباحث عرفان محمد حمور، في كتابه «المواسم وحساب الزمن عند العرب قبل الإسلام»، (مؤسسة الرحاب الحديثة، بيروت، الطبعة الأولى.2000)، أسماء النسأة، وهم من بني مالك بن كنانة بن خزيمة، ليثبت أن النسيء ظل قائما في العرب أكثر من 450 عاما، قبل أن يبطله الإسلام سنة 631م-9هـ.
وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: «إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله». وهذا الموضوع شائك جدا وتفسيراته متضاربة. وسبب إبطال النسيء يعود بالأساس، إلى أن العرب كانت، تحل بهذه الطريقة، أحيانا، الشهر من الأشهر الحرم، وتحرم مكانه الشهر من أشهر الحل، ويؤخرون ذلك الشهر، لإباحة الغزو والقتال.
ونحن لا يعنينا هذا الموضوع، بقدر ما نستفيد منه، في أن العرب لم يكونوا في جهل بالفلك وحساباته، بل كانوا على علم بالطرق المتبعة لضبط المواسم وجعلها مستقرة وثابتة.



مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».


لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت
TT

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992. غير أن المفارقة الأهم في تجربتها لا تكمن في الرقم وحده، بل في تصريحها لوسائل الإعلام بأنها تكتب نحو ثلاث روايات سنوياً، ثم تعود إلى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخريات جانباً. وقد أدهشت الكاتبة المعروفة كثيرين حين كشفت عن طقوسها في الكتابة؛ ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في أغسطس الماضي، قالت نوتومب إنها تستيقظ في الرابعة صباحاً، وتشرب الشاي المركّز، ثم تكتب أربع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأسبوع. تجربة نوتومب تطرح سؤالاً يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعمال كثيرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى أدبي جيد، في حين يحتاج آخرون إلى أعوام طويلة قبل نشر رواية جديدة؟ هل يرتبط الأمر بالنوع الأدبي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلهام، ذلك العنصر الغامض، لا يزال صاحب الكلمة الأخيرة؟

ستيفن كنغ

تقدّم تجارب الكتّاب غزيري الإنتاج جواباً أولياً: الكاتب لا ينتظر الإلهام دائماً، بل يصنع له موعداً. يكشف ستيفن كينغ، في كتابه «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفاً يومياً يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربع إلى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً». يرفض كاتب روايات الرعب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عادةً تشبه القراءة أو المشي: فعل يومي لا يحتاج في كل مرة إلى قرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فترة قبل العودة إلى المراجعة؛ فالمسودة الأولى، في نظره، ليست موضع الكمال، بل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فكان يستيقظ في منتصف الليل ليجلس إلى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شرب خمسين فنجاناً من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إنّ مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجاً متواصلاً أرهق جسده وأضرّ بصحته.

إمبرتو إيكو

وكان إسحاق أسيموف مثالاً آخر على تحويل الكتابة عملاً يومياً منتظماً. فقد نُسب إليه نحو 477 كتاباً بين التأليف والتحرير والمشاركة، وكان يكتب أو يراجع طوال ساعات طويلة. وتحدث عن متوسط يومي بلغ ألف كلمة في مرحلة، ثم ارتفع إلى نحو 1700 كلمة في مرحلة لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً.

وتنتمي دانييل ستيل إلى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاماً للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين راندوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الكتابة المتصلة فحسب، بل يشمل التخطيط، والمراجعة، والقراءة، والتواصل مع المحررين والناشرين.

يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر الإلهام دائماً... بل يصنع له موعداً

وبينما يمضي بعض الكتّاب في الكتابة بوتيرة غزيرة ومنتظمة، يفضّل آخرون التمهل أعواماً قبل أن يعودوا إلى القرّاء بعمل جديد. وهذا يكشف عن أن الإبداع لا يخضع لإيقاع واحد، ولا يقاس دائماً بسرعة الإنتاج أو كثرة العناوين. تقدّم الكاتبة الأميركية دونا تارت نموذجاً معاكساً. فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لكتابة «التاريخ السّري»، ثم إلى عقد آخر تقريباً لإنجاز «الصديق الصغير». وفي مقابلاتها، أوضحت أنها تحب أن تمضي وقتاً طويلاً مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئاً أو دليلاً على العجز. حيث تكتب تارت ببطء، وتعيد النظر في التفاصيل، وقد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يعود إلى ضعف الانضباط، بل إلى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي ساعات الكتابة من المقاطعة، في حين يحمي الكاتب البطيء حق العمل في أن يتشكل بعيداً عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لكن كل واحد منهما يعرّف الانضباط بطريقة مختلفة. هناك أعمال لا يمكن إنجازها بسرعة، لا لأن الكاتب أبطأ من غيره، بل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعاً بعيداً لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة.

أمبرتو إيكو مثال بارز على ذلك. فقد قال الكاتب والمفكر الإيطالي في حوار مع مجلة «باريس ريفيو» إن رواية «اسم الوردة» احتاجت إلى عامين من الكتابة، لكنه كان يمتلك قبل ذلك سنوات من التخصص في تاريخ العصور الوسطى ومئات الملفات والملاحظات. أما رواية «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعوام في البحث والكتابة. لم يكتفِ فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية.

وكان يعرف أن الرواية التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلى بنية معرفية تمنح الخيال قوة الحقيقة. وقد لا تظهر كل هذه المعرفة على سطح النص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمر نفسه على البريطانية هيلاري مانتل في ثلاثيتها عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتفِ بقراءة المصادر التاريخية، بل استعانت بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مع «تايمز هاير إديوكيشن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد احتاج إلى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، وتحدث إلى سكانها، وقرأ مئات الكتب، ثم أمضى عامين آخرين في الكتابة. لم يكن الزمن هنا علامة على بطء شخصي، بل كان جزءاً من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الصفحات وفق حصته اليومية، لكن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الزمن عادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتاً طويلاً.


صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
TT

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الأسرة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والروايات. أسوة بالغساسنة، شيد أسياد هذه الأسرة القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية التصويرية. يحوي هذا الميراث صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد في ذلك العهد، أشهرها تلك التي تزيّن بعضاً من جدران قصير عمرة في غور الأردن. إلى جانب هذه اللوحات الجدارية، تبرز لوحة أرضية من الحجم الكبير، تصور فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غرب تدمر، في البادية السورية.

عُثر على هذه اللوحة خلال أعمال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام 1936، وتمّ نقلها في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي. وقد أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف، ومساحتها شبه مربّعة، طولها 5 أمتار، وعرضها 4.85 متر. يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلع، تعلوها أزهار محوّرة هندسياً على شكل أنجم. يجمع هذا العمل التشكيلي بين لوحتين مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخرى، ويفصل بينهما شريطان أفقيان سطّرا باللون الأحمر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بين عازف عود وعازف مزمار، وتقابلها اللوحة التي تصور فارساً يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتلّ القسم الأسفل من التأليف.

يظهر هذا الفارس في وضعية جانبية ممتطياً جواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو من أي عنصر تصويري يشير إلى أبعاد الفضاء المنظور. الحركة حية في الظاهر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الحصان أسود، وقائمتاه الأماميتان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فممتدتان إلى الخلف، ويعلو ظهره سرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومؤخرة الظهر، كما يحيط بأنفه لجام. مفاصل بدنه ورأسه محدّدة بدقة، وأنفه مطوّق بلجام عريض. يعتلي صهوة هذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبيده اليسرى قوس النشاب. الوجه نصف جانبي، وبنيته دائرية، وملامحه مرسومة بخط أسود. العينان شاخصتان إلى الأمام، وهما على شكل لوزتين عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومختزل، والثغر منمنم، قوامه شق صغير يفصل بين شفتين ممحوتين. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يتكون من كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عريض معقود، يتطاير طرفاه أفقياً من الخلف.

الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الصياغة اللونية المختزلة. أصابع اليدين ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قوس النشاب عريض، وموشّح بلون يميل إلى الأخضر الفاتح. الصدر نصف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفق فوق ظهر الحصان. القسم الأسفل من هذا الرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين.

صيغت القطعة العليا باللون الأحمر الأرجواني وصيغت القطعة السفلى باللون الأخضر اللازوردي، وبدا طرفها معقوداً حول عَقِب القدم. الحذاء ظاهر، وهو بسيط ويخلو من أي تفاصيل. يحيط بالخصر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلى الأمام، مديراً برأسه إلى الخلف، وكأنّه يحدّق بالفارس المتربّص به. ويظهر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه.

تتبع هذه اللوحة الطراز الساساني، كما يشهد لباس الفارس بتفاصيله المختلفة، والأسلوب الفني المتبع في صياغة الرسم والحلة اللونية. وهذا الطراز معروف في سوريا، وحاضر في ميراث دورا أوروبوس، المدينة الأثرية التي تقع في بادية الشام، نواحي دير الزور، وتُعرف اليوم باسم الصالحية. تعلو هذه اللوحة لوحة أخرى بدت مشوّهة عند اكتشاف هذا الأثر، وضاع أثرها لاحقاً. تمثّل هذه اللوحة كذلك مشهد صيد، كما يشهد رسم توثيقي أنجز عند اكتشافها، وفيه يظهر كلب من النوع السلوقي يقفز في اتجاه طريدة يصعب تحديد هويّتها، إلى جوار خادم يسير وهو يجرّ من خلفه أيلاً يعلو رأسه قرنان كبيران.

في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، أشار جرجي زيدان إلى تطوّر فنون الصيد، وقال: «كان الصيد معروفاً في الجاهلية، ولكنه كان قاصراً على صيد غزال أو طائر بالنبل أو الفخ، فلما تمدّن العرب بعد الإسلام وخالطوا الفرس والروم، توسعوا في طرائق الصيد والقنص، فاتّخذوا الجوارح من الطير، وهي الباز والشاهين والعقاب والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها، يستعينون بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش». تعكس لوحة قصر الحير الغربي هذا التطور، كما تعكس الأثر الساساني في هذا الميدان.

يظهر الصياد بهيئة فارس يمارس هذا النشاط الذي وُصف بأنه «لذة»، كما يشهد قول امرئ القيس: «كأني لم أركب جواداً للذة/ ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال». ويظهر الكلب السلوقي الذي ذاع صيته في الصيد والقنص، كما يشهد قول الشاعر الأموي القطامي: «ومعهم ضوار من سلوق كأنها/ حصن تجول تجرر الأرسان».