دراية العرب بالفلك قبل الإسلام غطت حاجاتهم الواقعية

عرفوا الأبراج وعشقوا القمر واهتدوا بالنجوم في تيه الصحاري

دراية العرب بالفلك قبل الإسلام غطت حاجاتهم الواقعية
TT

دراية العرب بالفلك قبل الإسلام غطت حاجاتهم الواقعية

دراية العرب بالفلك قبل الإسلام غطت حاجاتهم الواقعية

لم يكن العرب ما قبل الإسلام معزولين عن بقية العالم. ودرايتهم بما كان يروج من معطيات فلكية عالمية آنذاك، كانت متاحة لهم، على الأقل على مستوى حاجاتهم الأساسية، المتعلقة بالضبط بالاهتداء بواسطة النجوم، في بيداء شبه الجزيرة العربية. فالسماء لعبت دور المعلم. لهذا وجدنا العرب قد تأملوا السماء، وضبطوا ما بها من نجوم وكواكب، وحددوا بروجها، ناهيك عن أن مسألة تدقيق الحساب والتقويم، ما بين القمري والشمسي، كان يشغل بالهم، لتثبيت الزمن، ومن ثم ضمان السير العادي للمواسم والأسواق ورحالات التجارة. فعرفوا منازل القمر وحركة الشمس في فلك البروج بدقة عالية. كما لجأوا إلى النسأة لضبط التقويم. وما دام أن الماء مسألة حيوية عند العرب، فقد استغلوا السماء لمعرفة ما يحدث من أجواء، فكان لديهم علم الأنواء. ولنلق إذن نظرة مختصرة، عن أهم ما كان يعرفه العرب من فلك، ولو في شكله الفطري ومن أجل الأهداف العملية.
* البروج عند العرب
للتأكيد على أن العرب كانوا على دراية كافية بما يحتاجون في حياتهم، نبدأ بالبروج. فالعرب مثلهم مثل باقي الشعوب، حددوها في اثنا عشر برجا وأسماؤها كالآتي: الكبش، الثور، التوأمان، السرطان، الأسد، العذراء، الميزان، العقرب، القوس، الجدي، الدلو، الحوت.
ويسمي العرب أيضا بعض هذه البروج، بغير الأسماء المتقدم ذكرها. فيسمون الكبش بالحمل. ويسمون التوأمين بالجوزاء أو الجبار (لأنها كصورة رجل على كرسي عليه تاج). ويسمون العذراء بالسنبلة، والقوس بالرامي، والحوت بالسمكة، والرشأ. وقد جاء في القرآن الكريم ذكر للبروج. قال تعالى: «ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين». وقوله: «والسماء ذات البروج».
* منازل القمر عند العرب
وهنا نقف أيضا عند منازل القمر، لنكتشف أن العرب مثلهم مثل باقي الشعوب، كانوا يعشقون القمر ويهيمون برصده، ويجلسون في ضوئه للسمر، ويهديهم في الليل. لهذا تتبعوا تحرك القمر بدقة. وقد وجدوا أنه ينتقل يوميا نحو 12. 8 درجة، ويعود إلى موقعه الأصلي بين النجوم، بعد تنقل يشمل 28 منزلة. وتسمي العرب هذه المنازل كالآتي: النطح، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العواء، السماك، الغفر، الزباني، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، الفرغ المقدم، الفرغ المؤخر، البطن.
إن كل برج من البروج المذكورة أعلاه، يحتل منزلين وثلث منزل من بين الثماني والعشرين. فمثلا، للحمل: النطح والبطين وثلث الثريا. وللثور ثلثا الثريا والدبران والهقعة. وللجوزاء: الهنعة والذراع وثلثا النثرة. وهكذا حتى تكتمل المنازل. ومن هنا، ربما نفهم قوله تعالى: «والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم».
اشتهر كثير من القبائل في الجاهلية بإتقان علم النجوم، كبني مارية بن كلب، وبني مرة بن همام الشيباني. وكان سليك بن سعد يقول: «خذ مطلع سهيل ويد الجوزاء اليسرى فثم منازل قومي بني سعد». فالعرب في الجاهلية كانوا يلمون بالمبادئ الأولية لعلم الفلك، وخاصة تلك التي كانت تتعلق بحياتهم اليومية. بل البعض قد قدس بعض الكواكب. فعرب تميم مثلا كانوا يعبدون عطارد، كما عبد بعض العرب المجاورين للشام والعراق الزهرة وكانوا يسمونها العزى. ويكفي إلقاء نظرة على أسماء النجوم لتبدو شدة ارتباط العرب بالسماء، وقدم معرفتهم بها. فنسمع عن بنات نعش، والفرقدين، والجدي، والسهى، والظباء، والثريا، والعيوق. بل إن عددا من أسماء الكواكب والنجوم، ضاع فيه وجه الشبه اللفظي بين الاسم العربي والاسم الكلداني. فمثلا، إذا أخذنا الأبراج بالأسماء العربية، كبرج الثور، والسرطان، والميزان، والعقرب، والجدي، والدلو، والحوت، فإننا نجد ما يقابلها في الأسماء الكلدانية، وذلك على التوالي: ثورا، وسرطان، وماسانا، وعقربا، وكديا، ودولا، ونونا. هذا من جهة، أما إذا أخذنا من جهة أخرى، كوكب زحل، فهو يعني بالعربية الارتفاع والعلو. وهذا ما يعنيه اسم هذا الكوكب (كاون) بالكلداني. وإجمالا نقول، إن أسماء الكواكب قديمة لأنها مذكورة عند الشعراء والمؤلفين العرب، سواء قبل الإسلام أو بعده، وطبعا قبل انتقال العلوم الدخيلة إليهم.
* الفلك للاهتداء في الطريق
وتجلت قيمة النجوم عند العرب، في الاهتداء بها في التنقل والأسفار. فحين يتيهون في بيدائهم، يتعرفون على طريقهم الصحيح انطلاقا من معالم السماء النجمية، لدرجة أن تبدو المسرة على وجوههم، والفرحة لنجاتهم من الموت. يقول الشاعر مالك بن الريب (توفي سنة 60 هجرية)، حين استبشر برؤية نجم سهيل حين بدا لعينيه، لأنه دليل اقترابه من وطنه:
أقول لأصحابي ارفعوني فإنني
يقر بعيني أن سهيل بدا ليا
بأن سهيلا لاح من نحو أرضنا
وأن سهيلا كان نجما يمانيا
وإنما طلب أن يرفعوه، لأنه يريد أن يرى نجم سهيل، ونجم سهيل نازل لا يرتفع عن الأفق جنوبا، أي لا يرتفع إلى سمت السماء ولا قريبا من ذلك.
يقول الدكتور محمد بن أحمد الدوغان، في كتابه «الفلك، رؤية أدبية في التراث الفلكي العربي»، دار أروقة، الطبعة الأولى 2014. شارحا أهمية النجوم عند العرب، بطريقة جامعة، الآتي: «لا نستطيع أن نتصور أهمية النجوم في الاستهداء عند العرب، إلا إذا تمثلنا رهبة الصحراء، وشح الماء، وانعدام المعالم، وانقطاع الطريق، وبعد الشقة، وتوهج الحرارة أو شدة البرودة، حينئذ نعرف كيف تمثل لهم النجوم، وكيف تصبح هي المعالم والأدلة التي لا تخطئ، والسراجات التي تضيء الطريق؟ وكم كانوا - حين يتيهون في أسفارهم - يسرون بصفاء السماء. وكم كانوا يحزنون إذا غامت وانطمست معالمها، لأن ذلك يؤدي إلى المتاهة المحققة والهلاك المؤكد. ولذا سموا الصحراء المهلكة».
كل هذا، يؤكده القرآن الكريم في قوله تعالى: «وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون». وفي آية أخرى يقول تعالى: «وبالنجم هم يهتدون»
* علم الأنواء عند العرب
يبقى أن نشير إلى أن العرب اهتموا بالنجوم أيضا، لاهتمامهم الشديد بالماء، وحرصهم على المحافظة عليه إلى درجة أنهم اهتموا بما يسمى الأنواء، وهو علم يهتم بكل ما له علاقة بالماء والمطر والسحاب والبرق والرعد والصقيع والصواعق. فأكيد في بيئة تكتنفها الصحاري ويهددها الجفاف، فلا شك أن أبناءها سيستبشرون خيرا بكل قطرة غيث، ومن ثم سيتأملون السماء بحثا عن المعالم المتكررة والمنتظمة التي تسمح بالتنبؤ بما قد تجود به السماء. فنجد مثلا الشاعر الشنفرى (توفي سنة 70ق.ھ)، يربط في أحد أبياته، ما بين الشعرى وشدة الحرارة فيقول:
ويوم من الشعرى يذوب لعابه
أفاعيه من رمضائه تتململ
* النسيء عند العرب
كان العرب يعرفون حتى الكبس، وهو تأخير كسور اليوم حتى تصير يوما، أو الأيام حتى تصير شهرا، ثم زيادته على السنة. وهنا نشير إلى مسألة شائكة قد أبطلها الإسلام وهي قضية النسأة. فمن المعروف أنه كان لعرب الجاهلية ما يسمى صاحب النسيء. وهو منصب ديني. فالناسيء أو القلمس، رتبة شرف دينية وعلمية واجتماعية. وهي من الوظائف الرئيسية الكبرى في مكة، كالحجابة والقيادة والقضاء. ومن أهم مهام القلمس، إلى جانب إفتاء العرب في شؤونهم الدينيّة، أن يحسب للناس الحساب الفلكي ويلحق الحساب القمري بالشمسي.
إن النسيء لغة، هو التأخير. تقول العرب: نسأ الله في أجلك، وأنسأه أي أخره. والنسيئة هو الدَين المؤخر. وكان العرب يسمون الفقيه أو المفتي ناسئا، لأنه كان يؤخر أول السنة شهرا، مرة كل سنتين أو ثلاث سنوات، على حسب ما يستحقه تقدم السنة القمرية على سنة الشمس. ويكبس بهذا الشهر السنة المنقضية، فتكون ثلاثة عشر شهرا. وذلك كيلا تدور الشهور في الأزمنة. وليكون حجهم ومواسمهم في وقت واحد من السنة. ولقد تتبع الباحث عرفان محمد حمور، في كتابه «المواسم وحساب الزمن عند العرب قبل الإسلام»، (مؤسسة الرحاب الحديثة، بيروت، الطبعة الأولى.2000)، أسماء النسأة، وهم من بني مالك بن كنانة بن خزيمة، ليثبت أن النسيء ظل قائما في العرب أكثر من 450 عاما، قبل أن يبطله الإسلام سنة 631م-9هـ.
وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: «إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله». وهذا الموضوع شائك جدا وتفسيراته متضاربة. وسبب إبطال النسيء يعود بالأساس، إلى أن العرب كانت، تحل بهذه الطريقة، أحيانا، الشهر من الأشهر الحرم، وتحرم مكانه الشهر من أشهر الحل، ويؤخرون ذلك الشهر، لإباحة الغزو والقتال.
ونحن لا يعنينا هذا الموضوع، بقدر ما نستفيد منه، في أن العرب لم يكونوا في جهل بالفلك وحساباته، بل كانوا على علم بالطرق المتبعة لضبط المواسم وجعلها مستقرة وثابتة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.