تستضيف خشبة مسرح عائم في بحيرة كونستانس بمدينة بريغنز النمساوية عروضًا موسيقية ومسرحية، ضمن دورة مهرجان «بريغنز» الـ71 الصيفية، التي بدأت شهر يوليو (تموز) الماضي، وتستمر لغاية الأسبوع المقبل.
واكتسب المهرجان شهرة عالمية على مر السنين، وبات يستقطب أكثر من 200 ألف متفرج. وذلك لأن المسرح العائم هو مسرح فريد في نوعه ضخم وشاهق وحديث ومميز، بل صرح معماري تم تشييده داخل مياه بحيرة كونستانس التي تتقاسمها النمسا وألمانيا وسويسرا. وتعتبر هذه البحيرة الجميلة عصب حياة المدن المطلة عليها، ليس موردًا للمياه العذبة فحسب، بل واجهة سياحية واقتصادية تدر ربحًا لا ينقطع، سواء صيفًا أو شتاءً.
وفي دورة هذا العام وبعد سنة و5 أشهر من وفاة المؤلف الموسيقي الإيطالي الأشهر جاكومو بوتشيني، شهدت مدينة ميلانو أول عرض لدراماه الغنائية «توراندوت» ذات الفصول الثلاثة. يوم ذاك لم تشهد ميلانو عرضًا كاملاً، إذ توقف المايسترو وفرقته عن العزف، ما إن وصلوا إلى آخر مشهد كتبه بوتشيني، الذي لم يمهله سرطان الحلق لتكملة أوبراه، التي بدأ في صياغتها قبل وفاته بـ4 سنوات.
انتهى ذلك العرض الأول بإسدال الستار للنصف، ومن حينه وحتى العروض الحالية هذه الأيام بالنمسا، لا تزال أوبرا «توراندوت» تحظى بكثير من الإثارة والجدل حتى حول صحة اسمها، وإن كانت التاء الأخيرة تنطق أو لا تنطق، سيما أن نهايتها لا تزال مفتوحة، مما يتيح لكل مخرج فرصة أن يضيف أو أن يحذف أو يغير، حسب رؤيته.
مع العلم أن مراجع تقول إن بوتشيني عندما أحس بدنو أجله أوصى في عام وفاته 1924 بأن يقوم صديقه ريكاردو زانونبيني بإكمال عمله، إلا أن ابنه أنطونيو كان قد اعترض على تلك الوصية، ولم ينفذها.
ضمن عروضه الحالية في دورته الـ71 يقدم مهرجان «بريغنز» أوبرا «توراندوت»، وتدور أحداثها في عالم صيني سحيق تقوم فيه أميرة شديدة الجمال، كما هي شديدة القسوة، باغتيال كل أمير يتقدم لطلب يدها ويفشل في حل ألغاز ثلاثة، تقدمها بمثابة مهرها الغالي.
بوتشيني، كان قد استوحى نسخته من قصة آسيوية قد يكون موطنها بلاد التتار أو منغوليا أو أرض فارس أو الصين. ويقال إن أول إشارة لهكذا قصة ظهرت في كتاب اسمه «ألف ليلة وليلة»، وهو كتاب مختلف غير ذلك المشهور.
وحسب مراجع، فإن أول من ساقها الكاتب المسرحي كارل غوتس في عام 1762، وإن كلاً من شيللر وغوتة قد شاركا في أعوام لاحقة في ترجمتها للألمانية. بدوره لم يخلُ عرض «توراندوت» بمهرجان «بريغنز» من أحداث مثيرة لاحقت الاستعدادات والبروفات التي واجهت أول الأمر نقدًا لاذعًا، بدعوى أنها غير مناسبة ولا تتواءم طبيعة تضاريس مولدها الأصلي وطبيعة المسرح العائم.
من جانبها، تمسكت إدارة المهرجان بروعة «توراندوت» وجاهزية المخرج وفريقه من ممثلين ومساعدين، مؤمنة بإمكانية تقديمها بمسرحهم العائم، الذي يجلس المشاهدون أمامه في الهواء الطلق في مقاعد مرصوصة فوق اليابسة على هيئة نصف دائرة. مزدانًا وفخورًا كل صيف بما يقدمه مهرجان «بريغنز» من أوبرا من أروع المؤلفات.
ولربط أجواء المسرح بنكهة صينية مائة في المائة، تم تصميم خلفية تعتبر نسخة طبق الأصل من سور الصين العظيم بطول 72 مترًا وارتفاع 27 مترًا، مكونًا من 23 ألف قطعة حديد صلب، و6 آلاف قطعة خشبية حشروا داخلها 39 ميكرفونًا.
من جانبهم، نجح فنيو الماكياج في تحويل الممثلين إلى وجوه صينية متقنة، كما تحولت الخشبة لدولة صينية قديمة يحرسها جنود أشداء عتاة من تلك النوعية التي يصدق وصفها بـ«عبيد السلطان».
الجدير ذكره أن بكين كانت قد حظرت عرض أوبرا «توراندوت» بمسارحها، بدعوى أنها تقدم الصين بأسلوب تعسفي سلبي، ولم تفرج عنها إلا عام 1991.
وفي عام 1998 تم تقديمها ولمدة 8 أيام بالمدينة المقدسة، ومما يذكر أن بوتشيني إبان سنوات تأليفها الأربع (1920 - 1924)، كان قد استعان بدبلوماسي إيطالي سبق له العمل بالصين.
بدأت العروض بـ«بريغنز» من 22 يوليو وتستمر حتى 31 أغسطس (آب) مرتين يوميًا، حيث يبدع كل من التينور رفائيل روجاس وركاردو ماسي وارنولد راؤولز، في أداء دور الأمير كلاف مجهول الأصل، الذي يحل ألغاز الأميرة توراندوت، ويفترض أن تتزوجه بعدما نجح، وفشل كثيرون غيره فجزت أعناقهم.
وكانت توراندوت التي ترفع شعار ألا يمتلكها رجل (تتداول لعب دورها كل من كاثرين كاببلوش وميادة كاودولي واريكا سوننغارد)، قد تظاهرت رغم نجاح كلاف بالاستياء منه متمنعة في قبوله عريسًا، إلا أنه ولحبه لها من أول نظرة ولإحساسه العميق بأنها تحبه كذلك، قد تبرع بمساعدتها إن رغبت في النكوص بعهدها، مقترحًا أن يشنق نفسه في حال عرفت اسمه قبيل صبيحة اليوم التالي.
وهكذا لم تنم المدينة بحثًا عن اسم ذاك الشخص المجهول (الذي كان في حقيقة الأمر ابن ملك نزع ملكه)، ولمعرفة اسمه وفي محاولات فاشلة لاستنطاق من يعرفه سالت الدماء بحورًا وعذب أبرياء بأساليب لا تختلف كثيرًا عما تستحدثه أجهزة أمن ظالمة في أيامنا هذه. وبالطبع لم تنته الأوبرا إلا وقد سحر الأمير قلب الأميرة واستحوذ عليه، فطلت على شعبها معلنة أن اسم أميرها «الحب».
10:22 دقيقه
إعادة إحياء آخر عرض أوبرالي للإيطالي بوتشيني على مسرح عائم
https://aawsat.com/home/article/715061/%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A5%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A3%D9%88%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D8%A8%D9%88%D8%AA%D8%B4%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD-%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D9%85
إعادة إحياء آخر عرض أوبرالي للإيطالي بوتشيني على مسرح عائم
ضمن الدورة الـ71 لمهرجان «بريغنز» السنوي
جانب من التمارين قبل العرض الأوبرالي على المسرح العائم في بريغنز النمساوية (غيتي)
- فيينا: بثينة عبد الرحمن
- فيينا: بثينة عبد الرحمن
إعادة إحياء آخر عرض أوبرالي للإيطالي بوتشيني على مسرح عائم
جانب من التمارين قبل العرض الأوبرالي على المسرح العائم في بريغنز النمساوية (غيتي)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

