وزير الطاقة الروسي: التعاون مع السعودية أكبر من «الطاقة النووية»

نوفاك لـ «الشرق الأوسط»: ننسق مع الرياض لتحقيق استقرار أسواق النفط العالمية

ألكسندر نوفاك وزير الطاقة الروسي
ألكسندر نوفاك وزير الطاقة الروسي
TT

وزير الطاقة الروسي: التعاون مع السعودية أكبر من «الطاقة النووية»

ألكسندر نوفاك وزير الطاقة الروسي
ألكسندر نوفاك وزير الطاقة الروسي

أكد ألكسندر نوفاك، وزير الطاقة الروسي، أن التعاون الثنائي بين روسيا والسعودية لا يقتصر على بناء الطاقة النووية؛ إذ تخطط بلاده لتطوير التعاون في مجالات أخرى، كالطب النووي والتكنولوجيا الإشعاعية. وأضاف نوفاك في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن إعادة التوازن إلى أسواق النفط العالمية بشكل كامل، أمر بعيد المنال، مشيرًا إلى أنه من غير المحتمل أن نرى سعر البرميل الواحد أقرب إلى 100 دولار في المستقبل المنظور.
ولفت الوزير إلى أن الحوار بين روسيا والسعودية يتطور بشكل ملموس، بشأن الوضع في سوق النفط العالمية مع دول منظمة «الأوبك» والبلدان المنتجة من خارج هذه المنظمة؛ لتحقيق الاستقرار في أسواق النفط العالمية عبر وضع تدابير مشتركة.
ورحّب نوفاك بالمبادرة السعودية الهادفة لتطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ومنها بناء 16 مفاعلاً نوويًا على مدى الأعوام الـ25 المقبلة، التي سيكون بإمكانها توليد نحو 20 في المائة من الطاقة الكهربائية اللازمة، مؤكدًا اهتمام بلاده بتنفيذ هذه الخطط مع الرياض سويا. وفيما يتعلق بالتعاون بين روسيا والسعودية في مجال الطاقة المتجددة، أكد نوفاك أن بعض الخطوات في هذا الاتجاه اتخذت بالفعل، ومنها العمل على درس إمكانية صياغة الإطار القانوني والتنظيمي المناسب، الذي سيحدد الاتجاهات الرئيسية لتعاون البلدين. وفيما يلي نص الحوار..

* ما إجمالي الطاقة الروسية المنتجة حاليا بمختلف أنواعها؟ وما نصيبها في الاقتصاد الروسي؟
- حصة الأسد في إنتاج الكهرباء، تقع على كاهل التوليد الحراري والنووي والمائي، حيث بلغ استهلاك الطاقة الفعلي في روسيا لعام 2015 نحو 1036.4 مليار كيلوواط - ساعة، والاستطاعة المركبة للمحطات الكهربائية 243.2 غيغاواط. علما بأن نسبة التوليد في المحطات الكهروحرارية في عام 2015 بلغت نحو 63 في المائة من الإنتاج، أما في المحطات النووية فنحو 20 في المائة، وفي المحطات الكهرمائية أكثر من 17 في المائة، في حين أن حصة مصادر الطاقة المتجددة لا تكاد تذكر، وهي أقل من 0.1 في المائة. ولكن نظرا إلى التدابير التي اتخذت مؤخرًا لدعم الطاقة الخضراء، من المقرر أن ننتج نحو 6 غيغاواط بحلول عام 2024 من هذه الطاقة؛ الطاقة الشمسية ومحطات طاقة الرياح ومحطات الطاقة الكهرومائية الصغيرة. وهناك تشجيع أيضًا لإدخال الطاقة المتجددة في المناطق النائية والمعزولة عن منظومة الطاقة الموحدة الروسية.
وبلغت حصة مجمع الوقود والطاقة في الناتج المحلي الإجمالي في روسيا نسبة 27 في المائة بحلول نهاية عام 2015.
* صادق مجلس الوزراء السعودي على الاتفاقية الروسية - السعودية بمجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، التي وقعت في سان بطرسبرغ.. ما أهمية ذلك؟ وهل من تفاصيل عن خطة تنفيذ الاتفاقية ونتائجها؟
- تعتبر الاتفاقية الحكومية، التي دخلت حيز التنفيذ شهر مارس (آذار) 2016 وثيقة أساسية بالمقام الأول، وإطارًا قانونيًا، يفتح المجال أمام التعاون بين روسيا والسعودية ضمن طيف واسع من الاتجاهات في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، ويشمل التعاون تصميم وبناء وتشغيل، وإيقاف تشغيل مفاعلات الطاقة النووية، ومفاعلات البحوث ومحطات تحلية المياه، وتوفير الخدمات في مجال دورة الوقود النووي والنفايات المشعة، ومعالجة الوقود النووي المستنفذ، واستخدام تكنولوجيا الإشعاع في الصناعة والجيولوجيا والطب والزراعة، وإعداد الكوادر، وما إلى ذلك... في الوقت نفسه، فإن الحديث لا يدور فقط حول مشروعات مشتركة بالمملكة، ولكن أيضا في دول العالم الثالث، حيث تنفذ روسيا مشروعات بالمجال النووي.
وعلى أساس الاتفاقية، شكّلت لجنة تنسيق مشتركة بمجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، لإجراء المشاورات لتنفيذ الاتفاقية الحكومية وتطوير المشروعات ذات المنفعة المتبادلة. وفي شهر مارس عقدت جولة أخرى من المحادثات ضمن اجتماع لهذه اللجنة. كما نوقشت إمكانية مشاركة مؤسسة «روس آتوم» الحكومية في المشروعات الخاصة بتنفيذ البرنامج النووي الوطني للمملكة، وجذب الأخيرة للمشاركة بمشروعات مؤسسة «روس آتوم» في بلاد ثالثة.
والتعاون الثنائي بين البلدين لا يقتصر على بناء الطاقة النووية؛ إذ إننا نخطط لتطوير التعاون بمجال التكنولوجيا النووية - غير المتعلقة بالطاقة - بمجال الطب النووي والتكنولوجيا الإشعاعية.. وهلم جرًا.
* كيف تقيّمون سوق النفط على ضوء انخفاض الأسعار؟ وما مدى تفاؤلكم بمستقبل السوق وعودة الأسعار إلى وضعها الطبيعي؟ وما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به منظمة «أوبك» في هذه الحالة؟
- حصة «أوبك» من الإنتاج العالمي للنفط هي 41 إلى 42 في المائة، وهذه الكميات كبيرة، بحيث تجعل بلدان هذه المنظمة حريصة على انتهاج سياسة متماسكة. كما أن دول «أوبك» هي واحدة من أكثر الجهات التي تتمتع بإمكانات لنمو الإنتاج؛ ما يجعلها لاعبًا مهمًا في السوق. للمرة الأولى خلال الأعوام الأخيرة نحن نرى أنه في النصف الأول من هذا العام، لا يوجد تزايد ملحوظ على العرض العالمي للنفط، وإن الظروف القاهرة أزالت إلى حد كبير حجم تكرير الإنتاج، الذي شكل ضغطًا على الأسعار. وسيتقلّص مستوى الخلل الذي يصيب السوق حاليًا.
في الوقت نفسه، أشير إلى أن إعادة التوازن بشكل كامل أمر بعيد المنال، ونتوقع ذلك في عام 2017؛ لأن عودة الكميات النفطية إلى السوق الكندية، والتنقيب عن النفط بنيجيريا، يؤدي مرة أخرى إلى إنتاج فائض.. ولكن لتوفير ما هو مطلوب من النفط للعالم بشكل مستقر، فإنه بالكاد يكفي إمكانات النفط الصخري وحده، وهذا من شأنه أن يكون سببا لارتفاع أسعار النفط في المستقبل، مع أنه من غير المحتمل أن نرى سعر البرميل الواحد أقرب إلى 100 دولار، في المستقبل المنظور. ونحن من جانبنا مستعدون لمواصلة التعاون مع منظمة «أوبك» حول القضايا المشتركة، بما في ذلك حوار الطاقة بين روسيا و«أوبك» باعتباره آلية أثبتت جدارتها.
* ما خيارات التعاون مع السعودية التي من شأنها أن تحقق استقرار أسعار سوق النفط، وما الإجراءات التي ينبغي اتخاذها لتحقيق ذلك على المستوى العالمي؟
- لعبت فكرة تجميد إنتاج النفط من قبل الدول المنتجة، التي نوقشت في أبريل (نيسان) الماضي، دورا لتحقيق الاستقرار في السوق، حيث لاحظ المضاربون أن الدول المنتجة يمكن أن تتوصل إلى اتفاق فيما بينها. والباب لا يزال مفتوحًا لمزيد من المفاوضات، في حال دعت الحاجة إلى ذلك.
فيما يتعلق بالتعاون مع السعودية، فإن الحوار بين بلدينا يتطور بشكل ملموس، سواء في إطار هيكلية متعددة الأطراف أو في المسار الثنائي، حيث نتعاون في إطار المشاورات بشأن الوضع في سوق النفط مع دول منظمة «أوبك» والبلدان المنتجة من خارج هذه المنظمة. وعازمون على مواصلة الحوار لتحقيق الاستقرار في الأسواق، ومستعدون لتحقيق أوسع قدر ممكن من التنسيق بشأن هذه القضية ووضع تدابير مشتركة لتحقيق الاستقرار لأسواق النفط العالمية، شريطة ألا تكون هذه التدابير ذات طابع زمني محدود، على أمل استعادة سعر تكلفة المشروعات على المدى الطويل.
* ما مدى تأثير هبوط الأسعار على الاقتصاد الروسي؟ وما خطتكم لمواجهة ذلك؟ ومتى تتوقعون عودة قريبة لأسعار النفط إلى أعلى مستوى؟
- أثبت الاقتصاد الروسي مرونة عالية بالنسبة للبيئة الخارجية غير المواتية، والإجراءات التي اتخذتها الحكومة الروسية في الوقت المناسب من خلال دعم القطاعات الرئيسية، مكّنت الاقتصاد من التكيّف وساعدت على الحفاظ على مستوى عال من احتياطيات النقد الأجنبي، والذي بلغ في الأول من شهر مايو (أيار) لهذا العام 391.5 مليار دولار. وبقيت نسبة البطالة على مستوى منخفض، أقل من 6 في المائة. وتمكنا من الحفاظ على كمية صغيرة من الديون الخارجية والفائض التجاري، تقدر بنحو 160 مليار دولار في عام 2015.
إن التنوع الهيكلي للاقتصاد الروسي، الذي يتم العمل عليه الآن، وضع الأساس للانتقال إلى نموه المستقر في المستقبل المنظور. ويتمثل الهدف الرئيسي في تسريع عملية تطوير الصناعات غير الاستخراجية، وبدأت حصة عائدات النفط والغاز في الانخفاض، ففي الفترة من يناير (كانون الثاني) وحتى أبريل 2016 بلغت عائدات النفط والغاز في الميزانية الاتحادية نحو 1318.5 مليار روبل، أو ما يوازي 5.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي، وهو أقل بـ2.9 نقطة مئوية من الفترة نفسها للعام السابق.
ولا يتعارض تطوير قطاع النفط والغاز الروسي مع فكرة تنويع الاقتصاد؛ إذ إن القطاع ما زال المحرك للابتكار والإمكانات التكنولوجية بالبلاد. ومع تبني أسعار صرف مرنة لـ«الروبل»، وكذلك معدلات عالية من التنمية، فإن الخبرات التي تراكمت بالقطاع في سنوات ما قبل الأزمة، سمحت لشركات النفط والغاز الروسية في ظروف انخفاض أسعار النفط، بعدم تقليص مستوى الاستثمار في المشروعات الاستراتيجية المهمة والحفاظ على مكانتها بالسوق العالمية، في حين أن جميع الشركات الكبرى في العالم عمدت إلى الحد من الاستثمار وتقليص الكوادر.
ووفقا لمعظم الخبراء، فقد تم تجاوز المستويات المتدنية من الأزمة الاقتصادية، وبدأت عملية استعادة التوازن بين العرض والطلب بسوق النفط، وحتى نهاية عام 2017 نتوقع نهاية دورة الأسعار المنخفضة واستقرارها.
* ما مدى تأثير عقوبات الاتحاد الأوروبي على الاقتصاد الروسي، وما الجهود التي تبذلونها لإلغائها والتخلص من آثارها؟ وهل كان هناك تأثير بسبب الخلافات الأخيرة مع تركيا؟
- سنبقى منفتحين على التعاون مع شركائنا الدوليين، وعلى استعداد لاستئنافه في أي وقت، ولكن لم نتخذ أي خطوات مدروسة لرفع العقوبات. ونعتبر أنه من الأنسب التكيّف مع التحديات الجديدة، وبناء سلسلة اقتصادية وتكنولوجية على نحو أكثر فاعلية، والدخول في أسواق جديدة. حيث يعرب كبار شركائنا التقليديين عن قلقهم، خصوصا الذين أجبروا على ترك المشروعات الروسية الواعدة؛ إذ إن المستثمرين من آسيا والمحيط الهادئ يظهرون اليوم اهتمامًا كبيرًا لمثل هذه المشروعات.
وفي ظل العقوبات الاقتصادية والتكنولوجية الغربية، باتت الأهداف الرئيسية لروسيا تصب في البحث وإيجاد الموارد المالية الداخلية، وتنفيذ سياسات إحلال الواردات. علما بأن حل المسألة الأولى ممكن عن طريق التخصيص المدروس للموارد في إطار تنفيذ المشروعات الرئيسية لصندوق الضمان الاجتماعي الوطني. ومن مشروعات النفط والغاز هناك مشروع «زفيزدا» لشركة «روسنفت»، ومشروع «يامال للغاز الطبيعي المسال» لشركة «نوفاتيك» وتمويل المشروعات في قطاعات معينة من الاقتصاد، وجذب الموارد الائتمانية للمؤسسات المالية الروسية والآسيوية.. إذ إن الاعتماد على التمويل الأجنبي انخفض. فإذا كان حجم الأموال الواردة بداية عام 2015 إلى البنوك الروسية من الخارج، وفقا لتقارير البنك المركزي، بلغ 2.7 تريليون روبل، فإنه في الأول من شهر مايو الماضي انخفض هذا الرقم إلى 1.8 تريليون روبل.
ونعمل على تنفيذ عملية إحلال الواردات بشكل تدريجي في إطار الخطط القطاعية التي صادقت عليها الحكومة. ووضعنا خطط إحلال الواردات وإدراجها في برنامج طويل الأمد لتطوير قطاع الوقود والطاقة الحكومية.. واليوم بلغت حصة شراء المنتجات المحلية أكثر من 75 في المائة.
كذلك، نكثف عملنا لتأمين سفن خاصة بقطاع النفط والغاز الروسي لتطوير مشروعات الجرف البحري، وإنشاء تكنولوجيا الغاز الطبيعي المسال الخاصة بهذا القطاع. هناك بعض التقدم بقطاع البتروكيماويات، ونتيجة للأنشطة التي مارسناها في عام 2015 تمكنّا من تقليل الاعتماد على الإمدادات الأجنبية. ومع الاستهلاك الكلي بقيمة 46.9 ألف طن من المحفزات، فإن حصة المنتجات الروسية ارتفعت إلى 37.5 في المائة (وكانت 31.76 في المائة في عام 2014)، وبلغت في صناعة البتروكيماويات للعمليات الرئيسية 35.7 في المائة (وكانت 34.2 في المائة في عام 2014).
* هل تعتقد أن إنتاج أميركا للنفط الصخري يؤثر في سعر النفط التقليدي؟ وهل هذا يعني أن واشنطن لن تحتاج إلى استيراد النفط، وهل ستواصل أميركا إنتاج النفط الصخري، على الرغم من التكلفة الباهظة؟
- إن النمو السريع في إنتاج النفط من مصادر غير تقليدية بأميركا له تأثير مباشر في تقلبات أسعار السوق، خلال العامين الماضيين. ففي الأعوام 2013 - 2015 فقط، أضافت أميركا أكثر من 2.3 مليون برميل من الإنتاج، وإذا ما أخذنا الفترة من عام 2010. فإن الزيادة في الذروة بلغت أكثر من 4 ملايين برميل يوميا. وقد أصبح هذا ممكنا بفضل الزيادة الكبيرة في الإنتاجية (أكثر من 3 أضعاف على مدى الأعوام السبعة) وخفض تكلفة حفر الآبار، وكذلك نظرا لتوفر التمويل.
الكميات الإضافية التي دخلت السوق، على خلفية النمو البطيء لاقتصاديات الزبائن المشترين الكبار للمواد الهيدروكربونية، ولا سيما الصين، أدت إلى انخفاض طبيعي في الأسعار. وهذا انعكس في المقام الأول على الإنتاج ذي التكلفة العالية؛ أي النفط الصخري، والإنتاج من رمال القار، والحفر في المياه العميقة، وما إلى ذلك.
حاليًا، يواجه المنتجون صعوبات بسبب انخفاض أسعار النفط، ونحن نلاحظ انخفاض إنتاج الزيت الصخري لأكثر من 700 ألف برميل يوميًا في الذروة. ونرى التقييم، بما في ذلك من وزارة الطاقة الأميركية، والذي يعني أن الإنتاج الأميركي انخفض بمقدار 1.2 مليون برميل لمدة عامين ما بين عام 2015 إلى عام 2017.
وعلى الأرجح، ستبقى في السوق فقط المشروعات الفاعلة والواعدة، بما في ذلك مشروعات الزيت الصخري، في حين سيتم تجميد المشروعات غير القادرة على المنافسة. بالكاد يمكن للولايات المتحدة أن تؤمّن نفسها من النفط بشكل كامل، ولكن سينخفض اعتمادها على الواردات بشكل ملموس. ونلاحظ أيضا أن انخفاض أسعار النفط تحفز الطلب حاليا، وكما قلت، ونتيجة لذلك، فإننا نتوقع أنه بحلول نهاية عام 2017 سوف تعود السوق إلى حالة الاستقرار ولفترة طويلة.
* حاليا تسعى الرياض لتطوير مصادر بديلة للطاقة، سواء النووية أو المتجددة.. هل سنرى التعاون بين موسكو والرياض في هذا المجال على ضوء «رؤية السعودية 2030»؟
- بالطبع، نرحب بالمبادرة السعودية الهادفة لتطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. وأهداف الحكومة السعودية الطموحة تتحدث عن نفسها، فمن المزمع بناء 16 مفاعلاً نوويًا في المملكة، على مدى الأعوام الـ25 المقبلة، التي سيكون بإمكانها توليد نحو 20 في المائة من الطاقة الكهربائية اللازمة. وهذه الخطط لا يمكن إلا أن تكون موضع ترحيب. علاوة على ذلك، نحن مهتمون بتنفيذ هذه الخطط سوية.
كما هو الحال مع أي بلد بالمجال النووي، فإن تنفيذ البرنامج النووي الوطني في ظل عدم وجود بنية تحتية نووية مناسبة، هو أمر في غاية الصعوبة، خصوصا كما هو الحال في المملكة. المطلوب حل عدد من المسائل: بناء نظام الترخيص، وإعداد الإطار القانوني والتنظيمي، وتدريب الكوادر المهنية، واختيار آلية التمويل وتحديد الخصائص التقنية والاقتصادية، وإجراء أعمال البحث والتصميم، وتحديد الهيكلية لاختيار الجهة المؤهلة لتنفيذ المشروع.
بالنسبة للبلدان التي اتخذت القرار لبناء محطات الطاقة النووية، فإن مسائل الموثوقية والسلامة التكنولوجية هي من المسائل ذات الأولوية. ولكن لتحقيق ذلك لا يكفي بناء المحطة، يجب أيضا ضمان الاستقرار في العمل مع مؤشرات اقتصادية جيدة، وبناء نظام شامل لتدريب الكوادر المؤهلة، وتنظيم عمل الجهة المشغلة بشكل متكامل.
وخلال عملية التصميم والتنفيذ لا بد من حل عدد كبير من القضايا الأخرى: ما الذي يجب القيام به مع الوقود النووي المستنفد، وكيفية بناء منطق التعاقد للحصول على الوقود؛ وذلك لأنه من الضروري فهم من أين ستحصل المحطة على الوقود طيلة السنوات الـ60 إلى 80 من عمل المحطة.
السعودية ليست البلد الأول الذي يواجه الحاجة إلى إنشاء المؤسسة النووية من الصفر. ومؤسسة «روس آتوم» الحكومية تتمتع بخبرة كبيرة في تنفيذ مشروعات بناء محطات الطاقة النووية في جميع أنحاء العالم في البلدان المبتدئة، التي ليس لديها خلفية في التعامل مع الذرية. ومن بين هذه المشروعات يمكن أن نذكر بناء مشروع محطة الطاقة النووية في بنغلاديش وفيتنام، أما نحن فنقوم بتنفيذ مشروع بناء أول محطة للطاقة النووية في تركيا والأردن ومصر.
في كل هذه الحالات، نقدم عرضًا متكاملاً. إنه فريد من نوعه، لا يمكن لأحد في العالم اليوم أن يقدم ما نقدمه: مجموعة من الخدمات التي تلبي احتياجات الجهة المستفيدة، بما في ذلك التصميم الحديث لمحطات الطاقة النووية من الجيل 3+، الذي يجمع بين أنظمة السلامة النشطة والسلبية، ويأخذ بعين الاعتبار جميع الأخطاء التي حدثت في محطة فوكوشيما، وتوفير الوقود النووي الجديد، واختيار الموقع بمستوى عال، وتقديم الدعم، جنبا إلى جنب مع المؤسسات المحلية، لإنشاء البنى التحتية النووية والإطار التنظيمي والقانوني، الذي يضمن إدارة فاعلة وإشراف دقيق على استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، وكذلك مجموعة من الحلول في التعامل مع النفايات المشعة والوقود النووي المستنفذ، وإعداد الكوادر والتدريب على استخدام الذرة، وأنشطة في مجال الترويج للطاقة النووية والعمل مع الجهات المعنية.
وهناك عنصر مهم من العرض الذي نقدمه، وهو الشروط المالية المرنة للمشروع. وبالطبع، من بين المزايا أيضًا التجربة والخبرة ووجود المراجع. والمفاعل النووي المائي - المائي الذي نقدمه اليوم، هو واحد من أنواع المفاعلات الأكثر شيوعا في العالم، ويمكن للمرء أن يلمس بيديه حرفيًا وحدات الطاقة في روسيا والخارج.
كما نراقب عن كثب الإصلاحات التي تجريها السعودية، التي تهدف إلى تنويع اقتصاد المملكة، خاصة الحد من الاعتماد على صادرات النفط والغاز، وتطوير فروع جديدة لها. وأعتقد أن تجربة الرياض في هذا المجال ستكون مفيدة جدًا لبلدنا أيضا.
وفيما يتعلق بمسألة إقامة التعاون بين روسيا والمملكة في مجال الطاقة المتجددة، أشير إلى أن بعض الخطوات في هذا الاتجاه اتخذت بالفعل. فعلى سبيل المثال، ندرس إمكانية صياغة الإطار القانوني والتنظيمي المناسب، الذي سيحدد الاتجاهات الرئيسية لتعاوننا. وآمل أيضا للتوصل إلى اتفاقات عملية بين أوساط رجال الأعمال في كلا البلدين.
* هناك بعض البلدان، مثل السويد وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا، امتنعت عن استخدام الطاقة النووية لتوليد الكهرباء. هل لديكم مثل هذه النية؟ ما الإجراءات التي تتخذونها من أجل التخلص السليم والآمن من النفايات النووية؟
- من بين جميع البلدان التي ذكرتها فقط إيطاليا هي التي أغلقت محطاتها النووية، ولكن هي قامت بذلك في تسعينات القرن الماضي (تم إغلاق آخر مفاعل في عام 1990) تحت ضغوط من منظمات البيئة بعد حادث محطة تشرنوبيل النووية. ولكن تستورد إيطاليا حاليًا ما نسبته 10 في المائة من الكهرباء المولدة من المحطات النووية في بلدان أخرى.
ففي بلجيكا، تعمل حاليا سبع وحدات طاقة، التي توفر نحو 50 في المائة من استهلاك الطاقة في البلاد. السويد تنتج ما يصل إلى 40 في المائة من الطاقة من خلال تشغيل عشر وحدات للطاقة النووية.
وألمانيا، التي أعلنت التخلي عن الطاقة النووية لصالح مصادر الطاقة المتجددة اعتبارًا من عام 2024 لا تزال في الواقع تستخدم هذا النوع من توليد الكهرباء؛ ففي ألمانيا 8 مفاعلات نووية في مرحلة التشغيل.
وهناك تفسير معقول لهذا، فالطاقة النووية لا تنافس مصادر الطاقة المتجددة، ولا حتى يمكن أن يتعارض عملها مع بعضها بعضا، فلكل منها مزاياه الخاصة وطريقة الاستخدام وأوجه القصور. ودومًا وأبدا، سيكون هناك في العالم أنواع مختلفة لتوليد الطاقة. والسؤال الرئيسي هنا لا يكمن في أفضل مصادر الطاقة، وإنما ما الميزان في أنواع التوليد المختلفة؟ فهناك وعي متزايد في الكثير من البلدان المبتدئة في تطوير الطاقة النووية، بأن توليد الطاقة النووية يجب أن يكون مصدرًا لتعويض الحمل الأساسي، وإن المصدر لتعويض أحمال الذروة يجب أن تكون الطاقة المولدة باستخدام مصادر الطاقة المتجددة.
وفيما يتعلق بنظام إدارة التعامل مع النفايات النووية، فإن روسيا تعتبر هذا الاتجاه جزءا لا يتجزأ من دورة الوقود النووي المتكاملة، التي نسعى لإتمامها. لهذا السبب بالذات تعير مؤسسة «روس آتوم» اهتماما كبيرا مسألة تطوير مثل هذه الأنشطة، كتطوير إنتاج الوقود المعالج، وعودة منتجات تكرير نفايات الوقود النووي لاستخدامها في دورة الوقود النووي من جديد. وهناك تركيز مستقل لزيادة استطاعة إعادة تكرير ومعالجة النفايات في روسيا. فالهدف العالمي المنشود هو جعل الطاقة النووية تقريبا خالية من النفايات، وهذا يعني أن تصبح طاقة خضراء تعمل وفق تكنولوجيا ذات دورة وقود مغلقة، التي تعمل على مفاعلات النيترونات السريعة. فروسيا أحرزت تقدمًا كبيرًا حتى في هذا المجال، وتم تشغيل وحدة BN - 800 (سيتم وضعها موضع التنفيذ في خريف عام 2016)، وهناك مصنع لإنتاج وقود موكس في جيليزنوغورسك، كراسنويارسك كراي. وفي سيفرسك يتم تنفيذ مشروع «بروريف»، الذي سيستخدم الطاقة الكامنة الكاملة من مادة اليورانيوم الخام (ليس فقط من اليورانيوم 235، وإنما من اليورانيوم 238). وروسيا هي الدولة الوحيدة في العالم، التي تعمل على تطوير مشروع لإغلاق دورة الوقود النووي على أساس «النيوترونات السريعة»، وبفضل ذلك سننسى إلى الأبد مشكلة التخلص من النفايات.
إن حل مسائل التعامل مع النفايات النووية و«الإرث النووي» يصب في إطار مساهمتنا في تحقيق الطاقة الخضراء. وأريد أن أؤكد أنه من المهم بالنسبة لروسيا ألا يتم تأجيل تسوية مشكلات الإرث النووي للأجيال المقبلة. كل جهة مسؤولة عن التنفيذ، ويجب أن نفكر في كل مرحلة من مراحل التصميم، وروسيا في هذا المجال تظهر على أنها دولة رائدة في المجالين التكنولوجي والعلمي.



«أبل» تتجاوز «إنفيديا» وتستعيد صدارة القيمة السوقية العالمية

شعار شركة «أبل» في متجر تابع للشركة في باريس (رويترز)
شعار شركة «أبل» في متجر تابع للشركة في باريس (رويترز)
TT

«أبل» تتجاوز «إنفيديا» وتستعيد صدارة القيمة السوقية العالمية

شعار شركة «أبل» في متجر تابع للشركة في باريس (رويترز)
شعار شركة «أبل» في متجر تابع للشركة في باريس (رويترز)

تجاوزت شركة «أبل» منافستها «إنفيديا» يوم الجمعة لتصبح الشركة الأعلى قيمة سوقية في العالم، في تحول يعيد رسم صدارة عمالقة التكنولوجيا، بالتزامن مع إعادة المستثمرين تقييم آفاق الذكاء الاصطناعي وتوزيع مكاسبه بين عدد أكبر من الشركات.

وبلغت القيمة السوقية لـ«أبل» نحو 4.88 تريليون دولار مع استقرار سهمها، مقابل نحو 4.86 تريليون دولار لـ«إنفيديا» بعد تراجع سهم صانعة الرقائق بنسبة 3.5 في المائة، وفق «رويترز».

ويعكس هذا التحول اتساع تركيز المستثمرين إلى ما يتجاوز المستفيدين التقليديين من طفرة الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتهم «إنفيديا» التي تصدرت المشهد لنحو عام. وتستعيد «أبل» بذلك المركز الأول في القيمة السوقية للمرة الأولى منذ أبريل (نيسان) من العام الماضي.

وقالت توني ميدوز، رئيسة قسم الاستثمار في شركة «بي آر آي» لإدارة الثروات، إن «(أبل) كان يُنظر إليها سابقاً على أنها متأخرة في سباق الذكاء الاصطناعي، بسبب عدم إنفاقها على تطوير نماذجها الخاصة، لكن هذا التصور بدأ يتغير».

وأضافت أن الشركة أصبحت أقل تعرضاً لضغوط الإنفاق الرأسمالي الضخم المرتبط ببناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وأكثر قدرة على تحقيق عوائد من هذه التكنولوجيا عبر خدماتها، وتعزيز ولاء مستخدميها، ودعم مبيعات أجهزتها. ويعكس التقييم الجديد ثقة المستثمرين في استدامة أرباح «أبل»، وليس مجرد الرهان على نمو الذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة لشركة طالما وُصفت بأنها متأخرة في سباق الذكاء الاصطناعي، يمثل هذا الإنجاز دليلاً على جهود أبل لترسيخ موقعها بين اللاعبين الرئيسيين في القطاع، وقد يعيد تشكيل النظرة إلى المرحلة الأخيرة من قيادة الرئيس التنفيذي تيم كوك.

ويستعد كوك لتسليم منصبه إلى جون تيرنوس، المسؤول المخضرم عن هندسة الأجهزة في الشركة، في سبتمبر (أيلول).

وفي يونيو (حزيران)، كشفت «أبل» عن تحديث واسع لمساعدها الصوتي «سيري» بعد تأجيل طويل، معتمدة على أن النسخة المطورة ستساعدها على تقليص الفجوة مع عمالقة التكنولوجيا والشركات الناشئة في سباق الذكاء الاصطناعي.

ويرى بعض المحللين أن «أبل» تمتلك أصلاً استراتيجياً مهماً في هذا المجال، يتمثل في الكم الهائل من البيانات الشخصية المخزنة على أجهزة «آيفون»، والتي قد تساعد في جعل إجابات «سيري» أكثر دقة وفائدة وتعزيز قدراته كمساعد ذكي.

لكن التحدي الأكبر أمام الشركة يتمثل في كيفية الاستفادة من هذه البيانات، التي تحتفظ بها ضمن أنظمة التشغيل بداعي حماية الخصوصية، دون المساس بثقة المستخدمين.

الإنفاق على الذكاء الاصطناعي يخلق رابحين جدداً

كانت «إنفيديا» أول شركة في العالم تتجاوز حاجز 5 تريليونات دولار من القيمة السوقية في أكتوبر (تشرين الأول)، في إنجاز تاريخي عزز مكانتها كأبرز مستفيد من موجة الذكاء الاصطناعي.

ولا يعني تفوق «أبل» المؤقت بالضرورة تغيراً دائماً في ترتيب الشركتين، إذ لا تزال «إنفيديا» المستفيد الأكبر من طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، حيث تُستخدم معالجاتها الرسومية على نطاق واسع لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

كما قد تستعيد «إنفيديا» الصدارة مجدداً إذا تغيرت توجهات المستثمرين أو تسارع الطلب على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

في المقابل، تواجه «أبل» تحديات خاصة بها، من بينها رفع الأسعار لتعويض ارتفاع التكاليف، وهي استراتيجية قد تضغط على الطلب مستقبلاً.

وقال بنجامين هول، نائب رئيس قسم أبحاث «ألفا» في شركة «سيغال ماركو أدفايزرز»: «لا أرى فرقاً جوهرياً بين الشركتين. فمن المرجح أن تظل (إنفيديا) لاعباً رئيسياً في أي تطورات مستقبلية».

ومع ذلك، امتدت موجة الحماس للذكاء الاصطناعي إلى قطاعات أخرى من صناعة أشباه الموصلات، حيث برزت شركات تصنيع رقائق الذاكرة كأحد أكبر المستفيدين، وعلى رأسها «مايكرون» التي تجاوزت قيمتها السوقية تريليون دولار في مايو (أيار)، مع إدراك المستثمرين للدور الحيوي لرقائق الذاكرة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

كما عزز إدراج شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية في بورصة «ناسداك» في وقت سابق من هذا الشهر المنافسة على جذب اهتمام المستثمرين في قطاع الرقائق.

وقال هول إن «دخول شركات جديدة إلى السوق قد يؤدي إلى توسيع نطاق الاهتمام بعيداً عن عمالقة التكنولوجيا السبعة، ليشمل مجموعة أكبر من الشركات».

لكن موجة الصعود القوية في أسهم شركات الرقائق واجهت تقلبات في يوليو (تموز)، بعدما بدأ المستثمرون في إعادة تقييم استدامة طفرة الذكاء الاصطناعي، ما دفع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات إلى التراجع بنحو 19 في المائة عن أعلى مستوى له على الإطلاق.

ورغم هذا الهبوط الحاد، ظل أداء المؤشر متفوقاً على سهم «إنفيديا» منذ بداية العام.


إنفاق الذكاء الاصطناعي يقترب من نقطة تحول... والمستثمرون يبدلون رهاناتهم

اختصار كلمة الذكاء الاصطناعي (إيه آي) خلال الدورة العاشرة من معرض «فيفاتك» للتكنولوجيا والشركات الناشئة والابتكار في باريس يونيو 2026 (رويترز)
اختصار كلمة الذكاء الاصطناعي (إيه آي) خلال الدورة العاشرة من معرض «فيفاتك» للتكنولوجيا والشركات الناشئة والابتكار في باريس يونيو 2026 (رويترز)
TT

إنفاق الذكاء الاصطناعي يقترب من نقطة تحول... والمستثمرون يبدلون رهاناتهم

اختصار كلمة الذكاء الاصطناعي (إيه آي) خلال الدورة العاشرة من معرض «فيفاتك» للتكنولوجيا والشركات الناشئة والابتكار في باريس يونيو 2026 (رويترز)
اختصار كلمة الذكاء الاصطناعي (إيه آي) خلال الدورة العاشرة من معرض «فيفاتك» للتكنولوجيا والشركات الناشئة والابتكار في باريس يونيو 2026 (رويترز)

واجه الارتفاع شبه العمودي لأسهم شركات رقائق الذكاء الاصطناعي اضطرابات، في ظل تزايد المخاوف بشأن التقييمات المرتفعة واستدامة الإيرادات الضخمة التي تحققها هذه الشركات، فيما بدأ بعض المستثمرين بهدوء في إعادة تموضعهم تحسباً لتباطؤ طفرة الإنفاق، التي تقترب من تريليون دولار، والتي قد تصب في مصلحة شركات الحوسبة السحابية العملاقة التي تتحمل تكلفة هذا الإنفاق.

وخلال معظم العامين الماضيين، كان الاتجاه السائد معاكساً لذلك؛ إذ اندفع المستثمرون نحو أسهم شركات أشباه الموصلات والبنية التحتية على افتراض أن شركات «مايكروسوفت» و«أمازون» و«ألفابت» و«ميتا» ستواصل تسريع إنفاقها على بناء مراكز البيانات.

الإنفاق الضخم يقترب من مرحلة التباطؤ

لكن هذا الإنفاق يبدو الآن مرشحاً للتباطؤ؛ إذ يتوقع بنك «يو بي إس» أن يرتفع الإنفاق الرأسمالي لشركات الحوسبة السحابية العملاقة بنسبة 76 في المائة هذا العام ليصل إلى 673 مليار دولار، قبل أن يتباطأ نموه إلى 25 في المائة في العام المقبل، ثم إلى 6 في المائة فقط في عام 2028.

وبدأ بعض مديري المحافظ النشطين بالفعل في تقليص انكشافهم على أسهم شركات الرقائق، مع زيادة استثماراتهم في أسهم شركات الحوسبة السحابية العملاقة نفسها، التي تخلف أداؤها بشكل ملحوظ عن الارتفاعات التي سجلتها شركات الرقائق. كما اتجهوا إلى شراء أسهم شركات البرمجيات وقطاعات يُتوقع أن تستفيد من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل القطاعين المالي والرعاية الصحية.

وقال أليكسيس بوسار، مدير محافظ الأسهم العالمية في شركة «إدموند دي روتشيلد» لإدارة الأصول، والذي خفّض بالفعل انكشافه على أسهم أشباه الموصلات لأنه يرى أنها أصبحت مرتفعة السعر مقارنة بالتوقعات: «بمجرد أن تتوقف شركات الحوسبة السحابية العملاقة عن زيادة إنفاقها الرأسمالي، فسيكون ذلك بمثابة انفراجة لهذه الشركات، وإشارة سلبية لصناعة أشباه الموصلات».

روبوتات بشرية تُعرض في جناح مجموعة «آنت» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي بالصين 17 يوليو 2026 (رويترز)

التقييمات المرتفعة ومخاطر ازدحام الصفقات

ارتفع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات، الذي تضم أكبر مكوناته شركات «إنفيديا» و«برودكوم» و«مايكرون» و«إيه إس إم إل» و«تي إس إم سي»، بأكثر من الضعف خلال العام الماضي، حتى بعد تراجعه بنحو 18 في المائة عن ذروته المسجلة في يونيو (حزيران)، مقارنة بارتفاع نسبته 11 في المائة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» متساوي الأوزان، أو مكاسب بلغت 8 في المائة لمؤشر «ستوكس 600» الأوروبي، الذي يتمتع بانكشاف محدود على الذكاء الاصطناعي.

وأظهر استطلاع مديري الصناديق الصادر عن «بنك أوف أميركا» في يوليو (تموز) أن 82 في المائة من المشاركين يعتبرون أسهم أشباه الموصلات الصفقة الأكثر ازدحاماً في الأسواق، في حين لم يُبلغ أي منهم عن اتخاذ مراكز بيع على القطاع.

ويطرح ذلك تساؤلاً حول كيفية تموضع المستثمرين إذا ظل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قوياً، لكنه لم يعد يتسارع بالوتيرة الكافية لدعم التوقعات المضمنة في تقييمات أسهم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وقام بوسار بزيادة استثماراته في «أمازون»، كما يفضل مجالات مثل أنظمة التبريد بالسائل، والأمن السيبراني، وشركات برمجيات مختارة، مضيفاً: «لدينا حالياً انكشاف منخفض جداً على قطاع أشباه الموصلات».

إعادة تموضع المستثمرين

كما خفّض ألبرتو كونكا، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «إل إف جي+ زيست» بشكل حاد استثماراته في شركات تصنيع رقائق الذاكرة ومعدات تصنيع الرقائق، بينما بنى مراكز استثمارية في شركات الحوسبة السحابية العملاقة وأسهم الرعاية الصحية، ودعم هذا الرأي عبر شراء عقود خيارات بيع على عدد من أسهم شركات أشباه الموصلات.

وبعد أن موّلت شركات الحوسبة السحابية العملاقة المرحلة الأولى من بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من تدفقاتها النقدية الخاصة، بدأت تعتمد بشكل متزايد على التمويل الخارجي، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت ضغوط أسواق رأس المال قد تحد في نهاية المطاف من نمو الإنفاق.

أسواق السندات ترصد علامات ضغط

استوعبت سوق سندات الشركات هذا العام إصدارات بمليارات الدولارات من شركات التكنولوجيا الكبرى، وكان المستثمرون، حتى وقت قريب، يقبلون عليها بقوة.

ويشير كبير الاقتصاديين في شركة «أبولو»، تورستن سلوك، إلى أن نسب التغطية، التي تقيس حجم الطلب على السندات مقارنة بالمعروض منها، انخفضت إلى أقل من مرتين خلال يوليو، مقارنة بنحو خمس مرات في فبراير (شباط).

وفي يونيو، حذّر بنك التسويات الدولية، ومقره مدينة بازل السويسرية، من أن أي خيبة أمل في العوائد قد تؤدي إلى تراجع مفاجئ في التمويل، وتحول طفرة الإنفاق الرأسمالي إلى فترة ركود طويلة.

وقال كونكا: «التدفقات النقدية بدأت تُستنزف بالكامل تقريباً بسبب الإنفاق الرأسمالي»، مضيفاً أن شركات الحوسبة السحابية العملاقة ستصبح أكثر انضباطاً في وتيرة نمو إنفاقها.

وفي هذا السياق، تشير شركة «إمبيريكال ريسيرش» إلى وجود فجوة متزايدة بين تباطؤ نمو الإنفاق الرأسمالي من جهة، والتوقعات المرتفعة جداً لإيرادات شركات الرقائق وغيرها من موردي البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ما يعني أن أحد الجانبين لا بد أن يتغير.

وقالت الشركة: «إما أن تتم مراجعة مسار الإنفاق الرأسمالي لشركات الحوسبة السحابية العملاقة صعوداً مرة أخرى، أو أن نمو الإيرادات المتوقع لمورديها سيتعين أن يأتي من مصادر أخرى».

شخص يحمل روبوتاً على هيئة طفل في جناح شركة «فورييه» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي (رويترز)

من جهتها، تتوقع مادلين رونر، كبيرة مديري المحافظ في شركة «دي دبليو إس»، أن تظل تعليقات شركات الحوسبة السحابية العملاقة خلال موسم إعلان النتائج داعمة لمواصلة الاستثمار. وقالت: «المفاجأة ستكون إذا لم يحدث ذلك». وأضافت أن توقعات المستثمرين المؤسسيين لإنفاق عام 2027 لا تزال أعلى بكثير من تقديرات المحللين.

وقامت «دي دبليو إس» بجني جزء من أرباحها في أسهم أشباه الموصلات بعد موجة ارتفاعها القوية، لكنها لا تزال تحتفظ بوزن استثماري أعلى من المتوسط في القطاع، كما زادت بعض صناديقها انكشافها على أسهم الشركات الصناعية ومعدات الكهرباء بعد موجة التراجع الأخيرة.

عقبات تنظيمية تهدد وتيرة التوسع

قد يؤدي أيضاً تصاعد المعارضة المحلية لمراكز البيانات في الولايات المتحدة إلى إبطاء نمو الإنفاق. وتقدر شركة «إمبيريكال ريسيرش» أن نحو 70 في المائة من مشاريع مراكز البيانات تواجه درجات متفاوتة من المعارضة.

وأصبحت ولاية نيويورك، يوم الثلاثاء، أول ولاية أميركية توقف إنشاء مراكز بيانات جديدة كبيرة، بعد فرضها وقفاً مؤقتاً لمدة عام، في ظل تنامي المخاوف من أن المنشآت التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي تؤدي إلى رفع تكاليف الكهرباء، واستنزاف موارد المياه، وزيادة الأعباء على المجتمعات المحلية.

ومع ذلك، لا تزال شهية المستثمرين تجاه البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قوية؛ إذ تُظهر بيانات «مورنينغ ستار» أن الصناديق المتخصصة في الرقائق استقطبت تدفقات صافية قياسية بلغت 10 مليارات دولار حتى مايو (أيار).

وقال يوريين تيمر، مدير الاقتصاد الكلي العالمي في شركة «فيديليتي إنفستمنتس»، إن الطلب على قدرات الحوسبة لا يزال قوياً، وإن التقلبات الأخيرة قد لا تكون سوى موجة تصحيح مؤقتة.

وشبّه التراجعات الأخيرة بحركات التصحيح الدورية التي شهدتها طفرة الإنترنت في أواخر تسعينيات القرن الماضي، مشيراً إلى أن الأسهم القيادية آنذاك تعرضت مراراً لانخفاضات تراوحت بين 20 في المائة و30 في المائة قبل أن تستأنف صعودها.

وقال: «قصة الذكاء الاصطناعي معروفة، وما زالت مستمرة، والأرباح لا تزال تدعم هذا الاتجاه».

ومع ذلك، يرى تيمر أنه ينبغي للمستثمرين تنويع محافظهم، مشيراً إلى أن القطاعات المستفيدة من تبني الذكاء الاصطناعي، مثل القطاع المالي، قد تصبح ذات أهمية متزايدة إلى جانب الشركات المستفيدة من بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأضاف: «أريد المشاركة في هذه الطفرة، لكنني أريد أيضاً حماية نفسي إذا تبين أن هذه الطفرة قد تجاوزت حدودها».


مسؤولة في بنك إنجلترا: التقاعس عن إصلاح سوق إعادة شراء السندات الحكومية ليس خياراً

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

مسؤولة في بنك إنجلترا: التقاعس عن إصلاح سوق إعادة شراء السندات الحكومية ليس خياراً

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

أكدت سارة بريدن، نائبة محافظ بنك إنجلترا، أن «التقاعس عن العمل ليس خياراً» فيما يتعلق بتنظيم سوق إعادة شراء السندات الحكومية البريطانية، في ظل استمرار خطر تعطل تداول السندات خلال الأزمات المالية.

ووفقاً لبيانات بنك إنجلترا، يبلغ صافي الاقتراض في سوق إعادة شراء السندات الحكومية، التي يستخدمها المتداولون للاستفادة من تقلبات أسعار الفائدة، فيما يحوّل المستثمرون حيازاتهم من السندات إلى سيولة نقدية مؤقتة، نحو 200 مليار جنيه إسترليني (270 مليار دولار)، من بينها 85 مليار جنيه إسترليني تعود إلى صناديق التحوط.

وكان بنك إنجلترا قد طرح العام الماضي مقترحات لتشديد الرقابة على هذه السوق، بعدما اضطر إلى التدخل في عامي 2020 و2022، مع اندلاع جائحة كوفيد-19 وفي أعقاب الاضطرابات التي أعقبت «الموازنة المصغّرة» التي أعلنتها رئيسة الوزراء السابقة ليز تروس.

إلا أن هذه المقترحات واجهت معارضة من القطاع المالي. وأوضحت بريدن أن بعض الإصلاحات، مثل التوسع في استخدام المقاصة المركزية، «ستستغرق على الأرجح سنوات لا أشهراً»، وفق «رويترز».

وأضافت أن أبحاث بنك إنجلترا أظهرت أن التوسع في استخدام المقاصة المركزية كان سيخفض تعرض المتعاملين للمخاطر بنسبة 40 في المائة خلال أزمة كوفيد-19 في عام 2020، مع إمكانية تحقيق خفض إضافي بنسبة 20 في المائة لو كانت اتفاقيات إعادة شراء السندات الحكومية تعتمد تواريخ استحقاق أكثر توحيداً.

وجاءت تصريحات بريدن، التي نُشرت في مقال على الموقع الإلكتروني لبنك إنجلترا يوم الجمعة، استناداً إلى خطاب ألقته خلال مؤتمر الرابطة الدولية لسوق رأس المال في مايو (أيار).

كما انتقدت بريدن الممارسة السائدة في القطاع المالي والمتمثلة في تطبيق «تخفيضات» صفرية أو شبه صفرية، وهي هوامش المخاطر المفروضة على صفقات إعادة الشراء، والتي يبررها بعض المتعاملين بوجود مراكز مقابلة في محافظهم الاستثمارية.

وأضافت أنه إذا كان هذا التبرير صحيحاً، فإن رفع هوامش صفقات إعادة شراء السندات الحكومية سيسمح للبنوك بخفض الهوامش في مواضع أخرى من دون تكبد تكلفة إضافية، مشيرة إلى أن «الضغوط التجارية قد تكون سبباً في انتشار الهوامش شبه المعدومة في سوق إعادة شراء السندات الحكومية غير الخاضعة للمقاصة المركزية».

ورفضت أيضاً رأي بعض المشاركين في السوق القائل إن التحول إلى المقاصة المركزية لصفقات إعادة شراء السندات الحكومية، بدلاً من التسوية المباشرة بين الأطراف كما هو معمول به حالياً، لن يحقق وفورات تُذكر في التكاليف، بل قد يؤدي إلى تسريع عمليات البيع خلال فترات التراجع في الأسواق.