أنقرة تبدو واثقة من استعادة غولن من واشنطن: «انتهى دوره»

استمرار الاعتقالات وسحب جوازات سفر الصحافيين «احترازيًا»

رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم يتحدث امس امام أعضاء البرلمان من حزب العدالة والتنمية الحاكم في انقرة أمس «ا ف ب}
رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم يتحدث امس امام أعضاء البرلمان من حزب العدالة والتنمية الحاكم في انقرة أمس «ا ف ب}
TT

أنقرة تبدو واثقة من استعادة غولن من واشنطن: «انتهى دوره»

رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم يتحدث امس امام أعضاء البرلمان من حزب العدالة والتنمية الحاكم في انقرة أمس «ا ف ب}
رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم يتحدث امس امام أعضاء البرلمان من حزب العدالة والتنمية الحاكم في انقرة أمس «ا ف ب}

بدت أنقرة أكثر ثقة في إنهاء ملف الداعية التركي فتح الله غولن المقيم في أميركا، الذي تتهمه بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا منتصف يوليو (تموز) الماضي وقيام واشنطن بتسليمه ليحاكم في تركيا.
وقال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، إن تركيا ستحضر فتح الله غولن، وستحاسبه أشد حساب على إصداره الأوامر بتنفيذ محاولة الانقلاب الفاشلة وقصف البرلمان.
وأضاف يلدريم في كلمة أمام اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية بالبرلمان أمس (الثلاثاء): «لا تشكوا وكونوا على ثقة من أنه سيتم إحضار هذا (الزعيم الإرهابي) ومحاسبته على كل ما فعل»، على حد قوله.
وأشار إلى أن التجمع المليوني في يني كابي في إسطنبول الأحد الماضي، كان أبلغ رد على من يوجهون الانتقادات لتركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، ومن يوجهون الانتقادات لرئيسها رجب طيب إردوغان، حيث قدم الأتراك رسالة وحدة وتضامن تؤكد وقوفهم صفًا واحدًا ضد كل من يحاول العبث بتركيا، وأن شعبها قادر على دحر كل المخططات التي تسعى للنيل من وحدتها واستقرارها.
وحضر اجتماع الكتلة البرلمانية للعدالة والتنمية مجموعات من أعضاء الحزب من تنظيمات الشباب والمرأة، رددوا هتافات أثناء كلمة بن على يلدريم، حيث هتفوا باسم الرئيس إردوغان، كما حضر بعض المفتيين من دول البلقان.
وشبه يلدريم ما قام به الأتراك ليلة محاولة الانقلاب والتصدي للدبابات بما فعله المسلمون في غزوة بدر، وما فعله الأتراك في حرب الاستقلال في جناق قلعة. ووجه رسالة، بلهجة التهديد، إلى أنصار فتح الله غولن قائلاً: «انتظروا يوم الرابع عشر من أغسطس (آب)، ذكرى تأسيس حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، لتروا بأنفسكم رد الشعب عليكم».
في الوقت نفسه، حذرت أنقرة، الولايات المتحدة، من التضحية بالعلاقات الثنائية بينهما، إذا لم تسلم واشنطن الداعية فتح الله غولن. وقال وزير العدل التركي بكير بوزداغ في تصريحات بثها التلفزيون التركي أمس: «إذا لم تسلم الولايات المتحدة غولن، فإنها ستضحي بعلاقاتها مع تركيا من أجل (إرهابي)»، على حد قوله. واعتبر بوزداغ أن المشاعر المعادية لأميركا بين الشعب التركي بلغت ذروتها، بسبب الخلاف بين الدولتين بشأن تسليم خصم الرئيس رجب طيب إردوغان.
وكانت واشنطن أعلنت أنها تحتاج لأدلة واضحة على تورط غولن في محاولة الانقلاب، وأنه يجب السماح لعملية التسليم العادية أن تأخذ مجراها.
ونفى غولن، الذي يعيش في منفى اختياري بولاية بنسلفانيا منذ عام 1999، تورطه في محاولة الانقلاب التي أسفرت عن مقتل 237 شخصًا.
وقال بوزداغ إن غولن فقد صفته كأداة بالنسبة للولايات المتحدة، وغيرها من الدول وافتضح أمر «منظمة فتح الله غولن»، وسلسلة المدارس الاستخباراتية (في إشارة لمدارس حركة الخدمة التابعة لغولن التي تسميها الحكومة منظمة فتح الله غولن الإرهابية أو الكيان الموازي)، في تركيا وغيرها من الدول، «لذا ليس من الصواب لأي دولة عاقلة أن تستثمر فيها».
وتابع أن «الولايات المتحدة دولة كبيرة، وستتصرف في النهاية وفق متطلبات ذلك، وأعتقد بأنها ستعيد (الإرهابي فتح الله غولن) إلى تركيا».
ولفت بوزداغ إلى أن السلطات التركية اعتقلت أكثر من 26 ألف شخص إجمالاً فيما يتصل بمحاولة الانقلاب الفاشلة.
في السياق نفسه، قال المتحدث باسم الحكومة التركية نعمان كورتولموش، إن المسؤولين الأميركيين بدأوا جديًا بالتردد حيال مسألة «إبقاء وحماية» فتح الله غولن في بلادهم، عقب التجمع المليوني في إسطنبول الأحد.
وأضاف كورتولموش في مؤتمر صحافي مساء الاثنين عقب اجتماع مجلس الوزراء: «إسطنبول شهدت أمس حشدًا جماهيريًا بعنوان تجمع (الديمقراطية والشهداء)، شارك فيه 5 ملايين شخص، فيما شهدت باقي الولايات تجمعات متزامنة، ليرتفع العدد الإجمالي إلى قرابة 10 ملايين». وشدد على أن «موقف الشعب التركي الرافض لمنظمة فتح الله غولن الإرهابية، الذي ظهر جليًا خلال التجمعات الجماهيرية سيدفع دون شك المسؤولين الأميركيين لإعادة النظر في موقفهم فيما يتعلق بتسليم غولن إلى تركيا». وأوضح أن «25 مليون مواطن شاركوا حتى اليوم في مظاهرات (حراسة الديمقراطية) في عموم البلاد، بحسب إحصائيات الأمن». وحول متابعة وملاحقة عناصر «منظمة غولن»، قال كورتولموش، إن إجمالي عدد العسكريين الانقلابيين الفارين بلغ 216 شخصًا بينهم 9 جنرالات، كما اتخذت السلطات التركية إجراءات قانونية بحق 10 من الرعايا الأجانب لارتباطهم بالمنظمة. وحول ادعاءات فرار عسكريين انقلابيين تابعين لمنظمة غولن إلى جبال قنديل شمال العراق، معقل منظمة حزب العمال الكردستاني، قال كورتولموش: «مصادرنا الرسمية لم تؤكد أبدًا صحة معلومات حول كون الفارين بيد منظمة في شمال العراق أم لا. وهذه الأنباء مجرد شائعات بالنسبة لنا في الوقت الراهن».
وأكد كورتولموش في رسالة إلى الشعب التركي أن «منظمة غولن» لن تتمكن مرة أخرى من القيام بمحاولة انقلاب عسكري، متوقعًا أن تشهد البلاد خلال الفترة المقبلة، زيارات لعدد كبير من الوفود من الخارج لتقديم الدعم الجاد للديمقراطية التركية.
في السياق نفسه، أعلنت رئاسة الأركان العامة للجيش التركي، أن الأنباء التي تحدثت عن فرار عسكريين انقلابيين، ينتمون لـ«منظمة فتح الله غولن» الإرهابية إلى جبال قنديل شمال العراق، أنباء لا تمت إلى الحقيقة بصلة.
وذكر بيان صادر عن دائرة الإعلام والعلاقات العامة بالأركان العامة، أن «وسائل إعلام تناقلت أنباء مفادها أن 57 عسكريًا و3 جنرالات انقلابيين وصلوا إلى بلدة سيلوبي بمحافظة شيرناق، جنوب شرقي تركيا بواسطة مروحية، في 16 يوليو الماضي، ثم انتقلوا منها إلى جبال قنديل، معقل منظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية في شمال العراق».
وأوضح البيان أن «هذه الأنباء لا تعكس الواقع، لأن سيلوبي كانت تحت السيطرة التامة صبيحة 16 يوليو الماضي، ولم تشهد مطلقًا أي تحركات للطائرات».
على صعيد آخر، فتحت السلطات التركية تحقيقًا مع المسؤولين في صحيفة «سوزجو»، بسبب نشرها خبرًا بعنوان «سوزجو عثرت على إردوغان» قبل ساعات من وقوع محاولة الانقلاب الفاشلة.
ووجهت النيابة إلى الصحيفة تهمة «فتح الطريق أمام العصيان المسلح ضد الجمهورية التركية وتنفيذ هجوم ضد رئيس الجمهورية وتسهيل هذا الجرم قبل محاولة الهجوم».
في الوقت نفسه، أصدرت السلطات التركية قرارًا باعتقال 77 أكاديميًا وإداريًا في جامعة دجلة، في إطار تحقيقات محاولة الانقلاب الفاشلة.
وكان قد تم توقيف رئيسة الجامعة السابقة الدكتورة عائشة جول جالا ساراش و9 آخرين، في وقت سابق في إطار التحقيقات نفسها.
وفي ظل استمرار عمليات الاعتقالات وإغلاق الجامعات والمؤسسات التعليمية والجمعيات الخيرية، طرحت الحكومة مشروع قرار جديدًا على البرلمان يمنح القائمين على هذه العمليات حصانة قانونية.
وتضمن مشروع القرار حظر رفع قضايا تعويضات ضد مسؤولي الدولة وعناصر التفتيش والتدقيق، الذين يتولون التحقيق مع مؤسسات وأفراد معروفين بقربهم لحركة غولن (الكيان الموازي).
وفي خطوة تمثل اعتراضًا على حملات الاعتقالات والإقالات الموسعة، قال الرئيس العام لاتحاد صناديق موظفي القطاع العام التركي، إسماعيل كونجوك، في رسالة إلى مجلس الوزراء، إن هناك ظلمًا يقع في حملات الإقالة، موضحًا أن السلطات المدنية تضغط على رؤساء الأقسام لإيجاد أشخاص ينتمون لحركة الخدمة (الكيان الموازي كما تسميه الحكومة)، من أجل طردهم من وظائفهم. وأضاف كونجوك أن البلديات تُجبر العاملين ممن يزعم انتماؤهم إلى حركة الخدمة على الاستقالة من وظائفهم، ويتم تهديد من يمتنع عن تقديم طلب الاستقالة. وتمت إقالة نحو 70 ألف موظف من القطاع العام في أعقاب محاولة انقلاب الخامس عشر من يوليو، من بينهم كثير من أعضاء الصناديق المختلفة بالقطاع العام. وأشار كونجوك أيضًا إلى أنه يتم تصنيف موظفي الحكومة كمقربين من حركة الخدمة (الكيان الموازي)، لمجرد امتلاكهم حسابات في بنك آسيا، الذي تمت مصادرته، كدليل لإدانتهم. وأفاد كونجوك بأن المنشورات التي تتم مشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي للموظفين والمدرسين المقربين من الحركة التي يضعها أطفال الموظف، باتت أيضًا تُستخدم حجة لإقالته وإبعاده عن العمل. وفيما يتعلق بقرار الحكومة بسحب جوازات سفر الصحافيين، قالت نائبة حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض عن مدينة إسطنبول، سلينا دوغان، إن مسؤولي الأمن أبلغوها بأن سحب جوازات سفر كثير من الصحافيين عقب الخامس عشر من يوليو، هو إجراء احترازي.
والتقت النائبة مسؤولين أمنيين على خلفية الاستيلاء على جواز سفر الصحافي التركي من أصل أرميني، هايكو بغداد، وسألت النائبة عن سبب إلغاء جواز سفره، وأخبرها أحد المسؤولين من الأمن بأن الحكومة قامت بإلغاء جوازات سفر كثير من الصحافيين إجراء احترازيًا في ظل حالة الطوارئ. وكان أمن مطار أتاتورك تحفظ السبت الماضي على جواز سفر الصحافي بجريدة «ديكان» الإلكترونية، هايكو بغداد، بعد وصوله إلى تركيا قادمًا من اليونان. وأوضح بغداد في بيان على موقع الصحيفة، أن دوغان ونائب حزب الشعوب الديمقراطي جارو بايلان سيطرحان الموضوع على البرلمان، قائلاً: «سيسألون وزير الداخلية أفكان آلا عن الصحافيين الذين تم اتخاذ إجراءات كهذه في حقهم، والصحافيين الذين تم اعتقالهم، والآخرين الذين تم الاستيلاء على جوازات سفرهم. هذه ليست مشكلتي أنا فقط، حيث يدور الحديث عن اتخاذ مثل هذه القرارات بحق آلاف الصحافيين». وذكر بغداد على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر» أن المعلومات الصادرة عن مديرية الأمن تشير إلى إلغاء جوازات سفر جميع الصحافيين إجراء احترازيًا في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، وأن الحكومة ستقوم بإعادة جوازات السفر لبعض الصحافيين في الفترة المقبلة، «وذلك حسب المعلومات التي وصلت إلي في هذا الصدد».



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».