اكتشاف أقدم عظم بشري.. إنجاز تاريخي لعلماء الآثار السعوديين

يعود تاريخه إلى 90 ألف سنة و بحجم مماثل لأصبع أي إنسان معاصر

د. علي الغبان - منطقة النفود حيث اكتشف العظم على  ضفة بحيرة جافة
د. علي الغبان - منطقة النفود حيث اكتشف العظم على ضفة بحيرة جافة
TT

اكتشاف أقدم عظم بشري.. إنجاز تاريخي لعلماء الآثار السعوديين

د. علي الغبان - منطقة النفود حيث اكتشف العظم على  ضفة بحيرة جافة
د. علي الغبان - منطقة النفود حيث اكتشف العظم على ضفة بحيرة جافة

أعلنت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني على لسان رئيسها الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز، في كلمة ألقاها مؤخرا في الأكاديمية الفرنسية للنقوش والفنون الجميلة، عن اكتشاف عظم بشري وجد في المملكة العربية السعودية يعود تاريخه إلى 90 ألف سنة قبل الوقت الحاضر، حسب ما أسفرت عنه الدراسات والتحليلات الأثرية والمخبرية التي أجريت لهذا العظم، وهذا العظم الذي هو عبارة عن الجزء الأوسط من الأصبع الأوسط لإنسان عاش في تلك الفترة، يعد أقدم عظم بشري وجد حتى الآن في الجزيرة العربية، وهو بحجم مماثل لحجم أصبع أي إنسان يعيش في الوقت الحاضر.
ويعد هذا الاكتشاف أحد أبرز المكتشفات الأثرية في المنطقة والعالم، وحظي باهتمام الأوساط والمراكز المتخصصة في العالم.
وبالنسبة إلينا في الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، شكل هذا الاكتشاف محطة مهمة لنتائج الأبحاث ومشاريع التنقيب الأثري التي تنفذها الهيئة من خلال فرق سعودية ودولية، كما أنه يعد إنجازا للعلماء والباحثين السعوديين المشاركين في هذه البعثات، وهو إحدى النتائج المهمة للدعم والاهتمام الذي يوليه الأمير سلطان بن سلمان، رئيس الهيئة، لمشاريع البحث والتنقيب الأثري ضمن اهتمامه بقطاع الآثار في الهيئة وبالتراث الوطني بشكل عام، حيث إنه دائم الزيارة لهذه البعثات في مواقع عملها في مختلف مناطق المملكة، ويحرص على الالتقاء مع الباحثين ومناقشتهم، والنظرية الفلسفية التي يقدمها أثناء هذه المناقشات تتسم بتحد فكري عميق يحفز الباحثين الأثريين على إكمال الصورة.
واكتشاف هذا العظم الذي وجد على ضفة بحيرة جافة في منطقة النفود بالقرب من محافظة تيماء في منطقة تبوك هو أحد نتائج مشروع علمي تنفذه الهيئة مع جامعة «أكسفورد» البريطانية، وعدد من الجهات العلمية المختصة في المملكة، من بينها شركة «أرامكو»، ومدينة «الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية»، وهيئة المساحة الجيولوجية، وجامعة «الملك سعود»، وجامعة «حائل»، تحت عنوان: «مشروع الجزيرة العربية الخضراء»، وهو مشروع سعودي بريطاني للمسح والتنقيب بدأ في عام 2012 بإجراء دراسات أثرية بيئية معمقة لكثير من المواقع الأثرية بالمملكة، شملت مواقع البحيرات القديمة في صحراء النفود وصحراء الربع الخالي، إلى جانب مواقع أخرى ارتبطت بوجود الإنسان خلال فترة ما قبل التاريخ، وكان الهدف هو دراسة احتمالات توسع وانحسار أو انقراض المجموعات البشرية والحيوانية، والتقصي عن كيفية ارتباط هذه الأحداث مع تعاقب فترات الرطوبة والجفاف في العصرين البليستوسيني والهولوسيني حتى وقتنا الحاضر، وكيفية تكيف تلك المجموعات البشرية والحيوانية مع مجمل هذه التغيرات، ونجح المشروع في وضع تواريخ زمنية متسلسلة لمواقع أثرية وأحفورية تعود إلى 500 ألف سنة قبل الوقت الحاضر، في حين لا تزال هناك مؤشرات ترجح بأن تاريخ هذه المواقع قد يزيد على مليون سنة.
وقد قام فريق المشروع بإجراء كثير من أعمال المسح والتنقيب في كثير من المواقع شملت حوض بحيرة جبة بمنطقة حائل والأجزاء الغربية من صحراء النفود بمنطقة تبوك، والدوادمي بمنطقة الرياض، وموقع المندفن بالجزء الجنوبي الغربي من صحراء الربع الخالي بمنطقة نجران، ووادي فاطمة بمنطقة مكة المكرمة، وتمكن من اكتشاف كميات كبيرة من الأدوات الحجرية تعود للعصر الحجري القديم الأوسط والعصر الحجري الحديث.
كما تم اكتشاف عدد كبير من الأحافير لثدييات لأول مرة في صحراء النفود وفي الربع الخالي، وحظي موقع طعس الغضاة بالقرب من محافظة تيماء بمنطقة تبوك بموسمين من التنقيبات بالتعاون مع هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، وتبين بأن تاريخ استيطان الموقع يعود إلى نحو 325 ألف سنة مضت من الوقت الحاضر، بينما تشير الأبحاث الحالية إلى أن تاريخ الترسبات المتحجرة للبحيرة نفسها قد يعود إلى ما قبل 500 ألف سنة. كما أسفرت أعمال التنقيب في هذا الموقع عن العثور على متحجرات لحيوانات مثل الفيل، والمها، والحصان، والثعلب، والفهد، والطائر الغواص والأسماك وكذلك الزواحف، كما عثر في بحيرة أخرى على عظام متحجرة لنوع منقرض من الجواميس الضخمة، ومن المتوقع العثور على مزيد من الأحافير خلال المرحلة المقبلة من مشروع المسح الأثري. ويعد اكتشاف كل هذه الحيوانات بما فيها نوع من الأفيال المنقرضة كأحد أبرز الثدييات في صحراء النفود مثالا بارزا على وفرة النباتات وموارد المياه العذبة، خصوصا أن هذه الأنواع من الحيوانات تستهلك كميات كبيرة من الغذاء والمياه، ولعل وجود حيوانات كبيرة آكلة للحوم مثل الفهد الأوراسي، يشير إلى أن أعداد الثدييات كانت كافية لجذب الحيوانات المفترسة الباحثة عن الطرائد خلال تجولها عبر صحراء النفود. وتمكن الفريق أيضًا من جمع كمية هائلة من المعلومات البيئية والحضارية الجديدة، إذ أظهرت نتائج المشروع أن هناك تغييرات كبيرة في البيئات، تفاوتت بين القاحلة للغاية والرطبة، والأدلة الحالية تؤكد بقوة أن الجزيرة العربية كانت خضراء لمرات كثيرة في الماضي، وذلك استنادا إلى سجلات بيئية ومواقع أثرية تعود إلى 500 ألف سنة قبل الوقت الحاضر على الأقل، ومن المؤكد أيضا أن المراحل الرطبة التي تميزت بوجود الأنهار والبحيرات في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية أدت إلى انتشار السكان على نطاق واسع في مختلف أرجائها، وهذا يؤكد أنها كانت مفترق طرق رئيس بين أفريقيا وبقية أوراسيا طوال عصور ما قبل التاريخ.
وفي الموسم الماضي للفريق شهد العمل تطورا مهما تمثل في العثور على دلائل باليونتولوجية، إلى جانب المواد الأثرية تثبت وجود الإنسان في الجزيرة العربية منذ فترة مبكرة جدًا، حيث عثر في إحدى البحيرات القديمة بصحراء النفود بالقرب من تيماء على عظمة متحجرة تمثل الفقرة الوسطى من الأصبع الوسطى لإنسان تبين بعد دراستها من قبل مجموعة من الخبراء وإجراء التحليلات المخبرية لها بأن تاريخها يعود إلى نحو 90 ألف سنة قبل الوقت الحاضر، وهذا يجعلها أقدم عظام بشرية وجدت في الجزيرة العربية حتى الآن، مما يشير بوضوح إلى أن الجزيرة العربية بدأت تلعب دورها بوصفها حلقة وصل بين مختلف الثقافات منذ تاريخ مبكر جدا.
ونذكر هنا بوجود أدوات حجرية من صنع الإنسان من فترة العصر الحجري القديم في موقع الشويحطية بمنطقة حائل، يعود تاريخها إلى مليون ومائتي ألف سنة قبل الوقت الحاضر، إلا أن هذه الأدوات لم توجد معها عظام بشرية.
ويلاحظ أن عددًا كبيرًا من المواقع الأثرية الخاصة بالعصر الحجري القديم الأوسط تقع في مناطق جافة ومناطق شبه رطبة، وكانت تهطل بها أمطار وفيرة، والجدير بالذكر أن مواقع في وسط المملكة العربية السعودية تقع في منطقة رطبة. وعلى الرغم من أن هناك مواقع أثرية في المناطق الأكثر جفافا في الشمال، فإن هناك أدلة تشير إلى وجود أنهار وبحيرات في تلك المناطق.
وتظهر صور الأقمار الصناعية الأنهار وشبكات البحيرات في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية، التي من المرجح أنها أثرت في تحركات الإنسان والمواقع التي استقر فيها.
* نائب رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني والمشرف على برنامج «خادم الحرمين للعناية بالتراث الحضاري»



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».