التهديدات الإرهابية تجبر فرنسا على إغلاق بعثاتها الدبلوماسية في تركيا

مسؤول أمني كبير: أحبطنا عشر محاولات إرهابية في الأشهر الأخيرة إحداها كانت تستهدف موقعًا نوويًا

عناصر من قوات الشرطة التركية أثناء دورية حراسة قرب القنصلية الفرنسية في إسطنبول أمس (رويترز)
عناصر من قوات الشرطة التركية أثناء دورية حراسة قرب القنصلية الفرنسية في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

التهديدات الإرهابية تجبر فرنسا على إغلاق بعثاتها الدبلوماسية في تركيا

عناصر من قوات الشرطة التركية أثناء دورية حراسة قرب القنصلية الفرنسية في إسطنبول أمس (رويترز)
عناصر من قوات الشرطة التركية أثناء دورية حراسة قرب القنصلية الفرنسية في إسطنبول أمس (رويترز)

عاد شبح الإرهاب ليخيم على فرنسا ومصالحها عبر العالم وليضع المواطنين الفرنسيين في الداخل والخارج أمام حقيقة بينة مفادها أنه عليهم «التعايش» مع التهديدات الإرهابية المتنقلة. ووفق معلومات متوافرة في العاصمة الفرنسية، فإن هذه التهديدات الجدية لم تتوقف منذ العام الماضي الذي عرف هجومين إرهابيين كبيرين وعمليات إرهابية أقل دويا: الأول، بداية العام، مع مقتلة الصحيفة الساخرة «شارلي إيبدو» والثانية وهي الأخطر التي تعرفها فرنسا في زمن السلم، وتمثلت بمجزرة مسرح الباتاكلان ومقاهي ومطاعم شرقي باريس، التي أوقعت 130 قتيلا و350 جريحا.
أمس، انتقل التهديد الإرهابي من فرنسا إلى تركيا، حيث اضطرت باريس إلى إغلاق سفارتها في أنقره وقنصليتيها في إسطنبول وإزمير (وهي أكبر ثلاث مدن في تركيا)، إلى «أجل غير مسمى» بسبب تهديدات «جدية»، وفق تعبير القنصل الفرنسي العام في تركيا مورييل دومناك التي وجهت رسالة إلكترونية إلى المواطنين الفرنسيين الموجودين في هذا البلد تشير إلى «معلومات متطابقة تؤكد وجود تهديد إرهابي جدي ضد الاحتفال بالعيد الوطني (الفرنسي) في تركيا». وجاء في رسالة القنصل العام أنه «في هذه الأجواء وعملا بمبدأ الاحتراز، اتخذنا بالتفاهم مع السلطات التركية، قرارا بإلغاء الاحتفالات في هذا المساء (أمس) في إسطنبول وغدا (اليوم) في أنقره وإزمير». وعمدت الممثليات الفرنسية في تركيا إلى إغلاق السفارة والقنصليتين المذكورتين منذ يوم أمس وحتى أمد غير معروف.
يشكل هذا التدبير سابقة لم تعمد إليها السلطات الفرنسية في الماضي، الأمر الذي يعكس جدية التهديدات ورغبة باريس في اتخاذ كافة التدابير لتحاشي تعرض مواطنيها ومصالحها لأعمال إرهابية. وما عمدت إليه فرنسا سبقتها إليه بلدان أخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا اللتين أغلقتا بعثاتهما الدبلوماسية والقنصلية لأسباب أمنية. وقد تعرضت تركيا في الأشهر الأخيرة لهجمات إرهابية دامية آخرها الهجوم الانتحاري المثلث الذي ضرب مطار إسطنبول في 28 يونيو (حزيران) وأوقع 47 قتيلا وعشرات الجرحى وحملت الحكومة التركية مسؤوليته لتنظيم داعش. ووجهت السلطات القضائية التركية تهمة الضلوع في العملية الإرهابية المثلثة لـ37 شخصا، بينهم مواطنون من روسيا وجمهوريات آسيا الوسطى ومصر وبلدان شمال أفريقيا.
حتى مساء أمس، لم تكشف السلطات الفرنسية عن مصدر التهديد والجهة التي كانت تخطط لضرب مؤسساتها في تركيا بمناسبة العيد الوطني. فمن جهة، لم يعمد السفير الفرنسي أو القنصل العام إلى كشف تفاصيل التهديدات التي وصلت إلى مسمع الأجهزة الأمنية الفرنسية. كذلك امتنع وزير الخارجية جان مارك إيرولت الذي اكتفى أمس، بمناسبة المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده مع نظيره التونسي في باريس، بالإشارة إلى أن بلاده تلقت معلومات من «الأجهزة التركية» تشير إلى وجود «تهديدات فعلية وملموسة» للاحتفالات المقررة في المدن الثلاث المشار إليها. وأضاف أن فرنسا «ليست وحدها المستهدفة بل إن التهديد يطال كافة الدول التي تحارب الإرهاب ومنها فرنسا». وكشف الوزير الفرنسي أن الأجهزة الفرنسية أحبطت «الكثير من التهديدات» الإرهابية بمناسبة استضافة باريس لبطولة اليورو لكرة القدم الأوروبية، مضيفا أن حالة الاستنفار مستمرة داخل فرنسا وبخصوص كافة المصالح الفرنسية في الخارج لحماية الرعايا الفرنسيين وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية بالتعاون مع الدول المعنية. لكن المرجح أن يكون مصدر الخطر تنظيم داعش الذي هدد باريس «كذلك واشنطن ولندن» مباشرة وعلنا في الكثير من المرات كما تبنى مسؤولية مذبحة نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي التي ضربت العاصمة الفرنسية.
درج المسؤولون الفرنسيون على الإشارة دوريا إلى أن بلادهم ما زالت مستهدفة من قبل التنظيمات الإرهابية وأولها «داعش» وأنها ما زالت في حال حرب معها، ما برر حتى الآن تمديد العمل بحال الطوارئ التي فرضت غداة الهجمات الإرهابي في الخريف الماضي. كذلك يشير المسؤولون الفرنسيون إلى أن أجهزة المخابرات أبطلت الكثير من المحاولات في الأشهر الأخيرة. والحال أن تقريرا قدمه ديديه لوبريه، المسؤول عن تنسيق عمل هذه الأجهزة للجنة تحقيق برلمانية أفاد أن عشر محاولات إرهابية تم تعطيلها في الأشهر الأخيرة وإحداها كانت تنوي القيام بها أربع نساء كن يخططن لمهاجمة قاعة للموسيقى على غرار قاعة الباتاكلان حيث وقعت مذبحة 13 نوفمبر الماضي ومقهيين ومركز تجاري في باريس. كذلك كشف المسؤول المذكور عن مخطط لشاب مشبوه خطط لتدبير عمل إرهابي ضد مركز نووي في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
ليست تركيا وحدها مصدر الخطر للفرنسيين في الخارج. فقد كشف كريستوف غومارت، مدير المخابرات العسكرية أمام لجنة التحقيق البرلمانية نفسها معلومة كان يفترض أن تبقى سرية وقوامها أن مشبوها برازيليا تابعا لتنظيم داعش كان يخطط لمهاجمة البعثة الرياضية الفرنسية إلى البطولات الأولمبية في مدينة ري ودي جانيرو التي ستجرى ما بين الخامس والحادي والعشرين من الشهر القادم. وتفيد المصادر الفرنسية بأن المعلومة جاءت من الأجهزة البرازيلية. ولم يكن لهذه المعلومة أن تتناهى إلى مسامع الإعلام لولا حصول خطأ إداري ارتكب لدى تسجيل إفادة المسؤول الأمني الذي طلب حذف المقطع المعني، خصوصا أنه يتناول عملية أمنية ستحصل الشهر القادم والكشف عنها قد يدفع مشاركين فيها أو مرتبطين بها إلى الاختفاء.
تبقى علامة استفهام بحاجة إلى توضيح، فالوزير إيرولت أكد من جهة أن المعلومة التي دفعته إلى إعطاء التعليمات بإلغاء احتفالات العيد الوطني وإغلاق السفارة والمقار القنصلية جاءت من «الأجهزة التركية»، واصفا التهديدات بـ«الجدية والحقيقية». ولكن نائب وزير الوزراء التركي نعمان كونولموس أعلن من جانب آخر أنه «لا يعلم على أي أساس بني القرار الفرنسي»، ما يعني عمليا أنه ينفي أن تكون أجهزة بلاده هي مصدر المعلومات التي وصلت للطرف الفرنسي. لكن المسؤول التركي المشار إليه «رجح» أن يكون «داعش» مصدر التهديد. وفي أي حال، يقوم بين تركيا وفرنسا تنسيق أمني وثيق في موضوع تبادل المعلومات، حيث إن باريس تحتاج لأنقرة للاستعلام عن عودة مواطنيها من سوريا والعراق ولتوقيفهم مخافة أن يعمدوا إلى ارتكاب أعمال إرهابية على أراضيها كما حصل مع آخرين في السابق.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».