إردوغان.. الخروج من ظل غولن

خياراته تتراوح بين البقاء في رئاسة الوزراء.. أو «التجربة الروسية»

إردوغان.. الخروج من ظل غولن
TT

إردوغان.. الخروج من ظل غولن

إردوغان.. الخروج من ظل غولن

أما وقد انتهت الانتخابات المحلية التركية إلى فوز عريض لحزب العدالة والتنمية الحاكم، فقد بدأ الجميع بمراجعة مهمة لما أفرزته هذه النتائج، وفي طليعتهم إردوغان نفسه الذي سيكتب خلال الأسابيع المقبلة مساره الجديد الذي سيقوده على الأرجح إلى رئاسة البلاد، وهو طموح لم يخفه إردوغان، وإن كان لم يبح به صراحة بعد.
ولعل أهم العبر والنتائج التي خرجت بها الانتخابات التركية، هي أن إردوغان خرج من خلالها من ظل الداعية فتح الله غولن، الذي نسبت إليه نجاحات إردوغان الانتخابية طوال 12 سنة، منذ أن تبوأ حزب العدالة والتنمية السلطة عام 2002، إلى الانتخابات الأخيرة، التي كانت الوحيدة التي خاضها إردوغان من دون دعم الجماعة. فقد تبين أن حجم تأثير الجماعة لم يكن بالحجم الذي تم تصويره، إذ يحسب لها في أقصى الحالات أنها ساهمت في إنزال حجم التأييد العام لإردوغان من 50 في المائة (وفق الانتخابات النيابية الأخيرة) إلى نحو 46 في المائة. وهو رقم قابل للجدل، باعتبار أن الانتخابات المحلية تخضع في بعض تفاصيلها لمعايير غير سياسية، مع أن التجييش الذي مارسه إردوغان كان كفيلا بردم تلك الهوة، بإظهاره أمام أنصاره أن هذه الانتخابات، هي انتخابات تحدد مصيره الشخصي، وصولا إلى مجازفته بإعلانه أنه سينسحب من الحياة السياسية إذا ما هزم فيها.

كان إردوغان، رفض خلال المؤتمر العام الأخير لحزب العدالة تعديل النظام الداخلي، بما يسمح له بتولي رئاسة الحكومة فترة رابعة. ذلك النظام الداخلي الذي لا يسمح لأعضاء الحزب بالترشح للفترة الرابعة سواء في الانتخابات البرلمانية أو المحلية. وهذا لا ينطبق على إردوغان وحده، فهناك 73 نائبا من نواب حزب العدالة والتنمية لا يمكنهم الترشح للانتخابات النيابية المقبلة، ما يعني أن الحزب سيكون أمام تحدي إعادة تجديد دمه، من خلال اختيار شخصيات جديدة، كما سيكون عليه اختيار قيادات جديدة للحزب.
فرحيل إردوغان عن الحزب، وهو رحيل إجباري عندما ينتخب رئيسا للجمهورية، سيترك الحزب من دون زعامات، لأن الرئيس عبد الله غل ترك الحزب بدوره قبل انتخابه، كما أن عددا آخر من قيادات الحزب البارزة قد خدمت لثلاث فترات، ولا يحق لها فترة رابعة، ومن بين هؤلاء نائب رئيس الوزراء والناطق باسم الحكومة بولنت أرينتش وغيرهم من أقطاب الحزب الحاكم.
يقول الكاتب التركي إسماعيل ياشا إن «هذه الوقائع دفعت في وقت سابق إردوغان إلى دعوة بعض الزعماء السياسيين الذين لا تختلف آراؤهم ومواقفهم كثيرا عن الخط السياسي لحزب العدالة والتنمية - كرئيس حزب صوت الشعب نعمان كرتولموش والرئيس السابق للحزب الديمقراطي سليمان سويلو - للانضمام إلى حزب العدالة والتنمية لسد الفراغ، واستجاب كلاهما لدعوة إردوغان فالتحق سويلو بالحزب كما انضم كورتولموش وعدد من قادة حزبه إلى حزب العدالة والتنمية بعد إلغاء حزب صوت الشعب نفسه».
وإذ تضاءل نفوذ الرئيس غل في الحزب بعد توليه رئاسة الجمهورية، فإنه من غير الواضح ما هو قرار غل، الذي تمنع بدوره عن الكلام عن مستقبله السياسي بعد نهاية ولايته. وهناك من يقول إن غل لا يريد أن يدخل في مواجهة مع إردوغان من خلال إعلانه إعادة ترشيحه، رغم أن بعض من في الشارع يرى أن غل أكثر شعبية لدى الناس. ويقول رئيس تحرير صحيفة تركية بارزة لـ«الشرق الأوسط» إن «أي انتخابات سوف تجري بين غل وإردوغان سيكون الفوز فيها من نصيب غل»، مبررا ذلك بالقول إن الأخير «يبتسم» في إشارة إلى شخصية غل الأكثر قابلية للحوار مقارنة بإردوغان المعروف بحدة مواقفه.
لكن غل، الذي أظهر بعض إشارات التمرد على إردوغان مؤخرا، في حديثه عن ضرورة عدم حجب وسائل التواصل الاجتماعي، بينما كان إردوغان يسعى بكل قوته لحجبها، لا يبدو أنه راغب بخوض مواجهة مع رفيق دربه وشريكه في تأسيس الحزب الحاكم. وهناك من يقول إن غل سوف يتحول إلى رئيس حكومة في ظل رئاسة إردوغان على غرار التجربة الروسية. غير أن هذا السيناريو يقف في وجهه عائق مهم، وهو أن غل ليس نائبا، وبالتالي لا يمكنه ترؤس الحكومة بناء على الدستور التركي. غير أن هذا السيناريو يمكن أن يتم تأمينه باستقالة أحد نواب العدالة في مركز مضمون، يترشح لشغله غل في الانتخابات الفرعية ويتحول إلى نائب.
أما في حال استبعاد هذا الخيار، فسيكون هناك دائما الخطة «ب» وهي وزير الخارجية أحمد داود أوغلو الذي يعتبر من أكثر المقربين من إردوغان وأكثر قابلية لشغل دور الرجل الثاني مقارنة بغل الذي لا يمكنه سوى لعب دور الشريك.
غير أن مصدرا قريبا من إردوغان، استبعد خيار داود أوغلو من دون أن يسقطه. ويقول المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن «القرار ليس في أي مكان سوى في رأس الرئيس إردوغان، وهو لم يفرج عن قراره بعد». ويشير المصدر إلى أن هناك انقساما واضحا في صفوف الفريق المحيط بإردوغان، بين من يقول بضرورة ترشح إردوغان إلى رئاسة البلاد، ومن ثم يقوم بتعديل الدستور لتحويل النظام إلى نظام رئاسي سواء بانتظار الانتخابات النيابية المقبلة حيث يمكن أن يحصل الحزب على المقاعد الكافية له لتعديل الدستور (ثلثا المقاعد) أو عبر الحصول على الأكثرية اللازمة لطرحه على الاستفتاء المباشر من الشعب. ويقول المصدر إن القرار النهائي سوف يتخذه إردوغان، وهو لم يظهر حتى الساعة أي ميل حقيقي باتجاه أحد الخيارين.
وعما إذا كان إردوغان سيترشح لرئاسة البلاد وفقا لنتائج هذه الانتخابات، قال النائب عن حزب العدالة والتنمية برهان كايا ترك: «رئيس الوزراء لم يعلن بعد هذه النية وهو إذا أراد أن يترشح من الأكيد أنه سيتشاور مع أعضاء حزبه وسيأخذ بعين الاعتبار رأي الشارع التركي، ولا أعتقد أن برنامج إردوغان تغير فإن كانت له النية للترشح فسيترشح ولكن كما قلت يقوم دائما باستشارة الحزب».
ويقول الكاتب والمحلل السياسي التركي مصطفى أوزجان «بالنسبة لرئاسة الجمهورية لم يتضح بعد اتجاه رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان وبأي منحى ينحو، لم يتضح لأن هناك نقاطا غير واضحة، طبعا بعد أن يترك رئاسة الوزراء وينتقل إلى تشانكايا أي رئاسة الجمهورية، سوف تكون هناك نقاشات داخل الحزب، وعبد الله غل قد يريد أن يكون رئيسا للجمهورية للمرة الثانية. لذلك هناك تركيز على بقاء رجب طيب إردوغان على كرسي رئاسة الوزراء وليس في رئاسة الجمهورية».
ويرد أوزجان السبب أن إردوغان «لديه زعامة وكاريزما كبيرة، فلو كان مكانه رجل آخر ربما لا يمكن أن يستطيع أن الحزم والحسم إذا احتاج لذلك، فأعتقد أن حزب العدالة والتنمية قد يتمنى أن يبقى ولاية أخرى في رئاسة الوزراء. وأيضا لديه طموح في أن يدير البلاد من رئاسة الجمهورية، وكانت لديه بعض الخطط، ولكن أجواء تركيا لم تسمح له. مثلا كان يريد أن يكون هناك دستور جديد وأن يكون هناك نظام رئاسي لكن هاتين القضيتين لم تتحققا. ربما لن يترشح لرئاسة الجمهورية لأن هذا ربما لا يترجم طموحه الشخصي، لذلك ربما هو محتار بين تولي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة. أعتقد أن المحيطين به يتمنون أكثر منه أن يكون رئيسا للوزراء من جديد».
ويرى أوزجان أن النتائج كانت منتظرة، وهناك شركات استطلاع الرأي أعدت هذه النتائج مسبقا. ويشير إلى أن الإعلام الخارجي ظن أن حزب العدالة والتنمية سيخسر الانتخابات المحلية البلدية، ولكن بالعكس تحقق انتصار كبير في سجلات حزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات. ويبرر أوزجان هذا بأنه ليس هناك بديل، فحزب العدالة والتنمية هو حزب محافظ والشعب التركي بأغلبه محافظ أيضا، فمثلا في المناطق الساحلية اكتسب حزب الشعب الجمهوري البلديات المهمة وذلك لأن السواحل التركية وخصوصا منطقة إيجه تميل إلى غير المحافظين.
فحزب العدالة والتنمية أصبح اليوم حزبا رئيسا، والتسريبات بالنسبة لقضايا الفساد وغيرها لم تؤد إلى تقلص الأصوات المؤيدة لحزب العدالة والتنمية لأن البديل أكثر سوءا إذا تمت مقارنته مع حزب العدالة والتنمية، وهذه الأسباب جعلت حزب العدالة والتنمية ينتصر مرة أخرى.
غير أن هذا الإنجاز الذي تحقق لإردوغان، جراء الفوز الكبير، لا بد من أن يستثمر سياسيا من قبله. ويقول المصدر المقرب منه إن «الحجم الكبير للأصوات يمكن إردوغان من فعل أي شيء، فهو أصبح الرجل الأكثر قدرة في البلاد، وهذا أمر لا يمكن الجدال فيه». وكان مستشار إردوغان، طه كينتش، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن إردوغان سوف يترشح حتما للانتخابات الرئاسية أيا كانت النتائج التي سوف تتمخض عنها الانتخابات. مشيرا إلى أن إردوغان سوف يترشح للانتخابات سواء تم تعديل الدستور أو لم يتم تعديله.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي التركي إسلام أوزجان المعروف بمواقفه المعارضة لإردوغان أن هذه الانتخابات أكدت على فوز ساحق لحزب العدالة والتنمية وإردوغان وهذا شيء حقيقي. ويقول إن «الشعب التركي أبدى دعمه لهذا الحزب، وعلى المعارضين أن يفتشوا عن أسباب هذا النجاح». ويشير إلى أن نجاحا لحزب العدالة والتنمية يعود إلى عمله الجدي، وعلى ما أعتقد أن هناك نجاحا لإردوغان في التواصل مع الشعب التركي ويعي بشكل جيد جدا كيف يتعامل ويخطب الشعب التركي، لذلك هذا النجاح في الاتصال مع الشعب أدى إلى النجاح السياسي. وهناك أسباب أخرى منها العامل الاقتصادي وهو عمل مهم جدا بالنسبة لهذا النجاح لأن الشعب التركي صوت في هذه الانتخابات المحلية لصالح الاستقرار السياسي والاقتصادي لتركيا لأن فشل حزب العدالة والتنمية قد يتحول بعد الانتخابات إلى أزمة اقتصادية وسياسية، لذلك رغم كل الانتقادات والمعارضة، والأخطاء التي ارتكبها حزب العدالة والتنمية منذ سنوات إلا أن الشعب التركي رأى هذه الحقيقة وصوت إلى صالح الاستقرار السياسي والاقتصادي.
ولماذا فشلت المعارضة رغم تحالف حزب الشعب الجمهوري والقوميين وجماعة فتح الله غولن؟ يجيب: «هناك أسباب كثيرة، من أسباب هذا الفشل هو أنهم لم يقدموا بديلا فيما يتعلق بالمشاريع والخدمات الاجتماعية لهذه الانتخابات المحلية، نعم صحيح أن هذه الانتخابات محلية لكن (التسجيلات الصوتية) حولتها إلى استفتاء شعبي يقرر مصير البلد ومصير المجتمع التركي لكن هذا الشيء خاطئ. فلو قدموا بديلا، أو طرحوا بدائل بشأن الخدمات والمشاريع في المدن، لكن بإمكانهم أن يحققوا نجاحا في هذا المجال. مشيرا أيضا إلى أنه إذا نظرنا إلى إنجازات رؤساء البلدية التابعة لأحزاب المعارضة نرى أنه لا يوجد إنجازات كبيرة جدا إلا في بعض المدن. من الطبيعي أن يكون هناك استثناءات ولكن بشكل عام حتى في مدينة أزمير الأهالي وسكان المدينة لم يصوتوا لرئيس البلدية عزيز كوجه أوغلو التابع للمعارضة بسبب نجاحه وإنجازاته بالخدمات والمشاريع الاجتماعية، بل صوتوا لأسباب سياسية وآيديولوجية، فمعظم سكان أزمير يدافعون عن آيديولوجية الكمالية الأتاتوركية وهم ضد الفكرة الإسلامية وضد فكرة التدين.
أما عن قول إردوغان إنه سيستأصل من تآمر على الحكومة، فيقول مصطفى أوزجان: «المقصود جماعة غولن. لأن أحزاب المعارضة لا يستطيع أن يستأصلها، فهناك نظام ديمقراطي في تركيا، والمعارضة لا يمكن استئصالها لأن لديه قواعد، أما بالنسبة لجماعة غولن، فهم خارج اللعبة، هم انتهكوا قواعد اللعبة».. أما في الملف الكردي، فيرى أنه لا يعتقد بإمكانية القيام بإنجازات فيه. ويقول: «الملف الكردي صعب جدا، وهو يحتاج وقتا إضافيا لحل هذه القضية، ولكن رجب طيب إردوغان مصمم على تجاوز العقبات، لكن العملية صعبة وتحتاج إلى وقت إضافي».
أما إسلام أوزجان، فيرى أن التهديدات التي أطلقها إردوغان تتعلق برؤساء وزعماء هذه الجماعة. وقال: «بشكل عام حتى إن كان هناك تعليقات على هذه القضية جاء من رئيس حزب السلام الديمقراطي الذي قال إنهم لا يؤيدون الثأر والانتقام من جماعة غولن بشكل عام، حتى من المنتمين لهذه الحركة، هذا شيء خاطئ، لكن الذين ارتكبوا الجرائم وبادروا فيها والذين تنصتوا على أسرار الدولة، والذين تسللوا وتغلغلوا في عمق الدولة، هم الذين يجب عليهم أن يعاقبوا وليس المنتمين للجماعة».
وأشار إلى أن إردوغان لن يكون قادرا على التدخل في مدارس الجماعة لأنه سيكون هناك ردة فعل من المجتمع التركي. وقال: «الاحتكام لصناديق الاقتراع يكون في الشؤون السياسية ولكن بالنسبة للأمور القانونية فالاحتكام لا يكون إلا القضاء، لذلك إذا ارتكب إردوغان هذا الخطأ وإذا كان يريد أن يقضي على كل المنتمين إلى الجماعة فإن إردوغان سيدفع الثمن. هناك حدود لبعض الأفعال غير القانونية، قد ترتكب بعض الأخطاء من الناحية السياسية والقانونية مرة أو مرتين ولكن إذا استمرت في هذا الطريق بشكل دائم فهذا يؤدي إلى مشكلات كبيرة جدا في المجتمع التركي وفي الشؤون السياسية أيضا».

* القلاع بقيت مع أصحابها...
* إسطنبول: «الشرق الأوسط»
استطاع حزب العدالة والتنمية أن يحسم الانتخابات بفوزه بـ17 بلدية كبرى من أصل 30 بلدية، بينها العاصمة أنقرة وأكبر مدن تركيا، وأهمها إسطنبول التي تمتلك رمزية مهمة بالنسبة لإردوغان؛ لأنه كان رئيسا لها قبل انتخابه نائبا وتسلمه رئاسة الوزراء.
وهناك بالعرف التركي مجموعة من البلديات التي تسمى «القلاع»، وقد حافظ كل حزب على قلعته؛ ففاز حزب العدالة ببلدية إسطنبول، أما أنقرة فكادت أن تفلت منه بعد أن وصلت الأمور إلى حد حساس جدا بالنسبة للطرفين، فأعلن حزب الشعب الجمهوري فوزه بها، قبل أن يجري إعلان فوز العدالة والتنمية، فيما يتجه حزب الشعب الجمهوري إلى تقديم طعن بهذه الانتخابات، متحدثا عن شكاوى من شبهات تزوير وانقطاع التيار الكهربائي عن بعض مراكز الفرز والاقتراع. أما بلدية أزمير، ففاز بها حزب الشعب الجمهوري على اعتبار أن مناطق بحر مرمرة، والسوحلموما، هي مناطق تميل أكثر للعلمانيين منها للمتدينين، فيما يتركز ثقل المحافظين في الأرياف، وفي عمق الأناضول تحديدا.
وفي المحصلة غير الرسمية، فاز حزب العدالة والتنمية بـ17 بلدية مدن كبرى، كما فاز في المجموع بـ48 محافظة، فيما فاز حزب الشعب الجمهوري المعارض بسبع بلديات كبرى ومجموع 15 محافظة، وفاز القوميون بثلاث بلديات كبرى وثماني محافظات، أما الأكراد ففازوا بثلاث بلديات كبرى وعشر محافظات.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.