بدء السباق على زعامة حزب المحافظين.. وأوروبا في انتظار النتيجة

كاميرون لنظيره العمالي اليساري: بحق السماء ارحل يا رجل

مجلس العموم البريطاني خلال جلسة مساءلة أمس (أ.ف.ب).... بوريس جونسن (أ.ف.ب) ...تريزا ماي (إ.ب.أ) ....ستيفن كراب (أ.ف.ب)
مجلس العموم البريطاني خلال جلسة مساءلة أمس (أ.ف.ب).... بوريس جونسن (أ.ف.ب) ...تريزا ماي (إ.ب.أ) ....ستيفن كراب (أ.ف.ب)
TT

بدء السباق على زعامة حزب المحافظين.. وأوروبا في انتظار النتيجة

مجلس العموم البريطاني خلال جلسة مساءلة أمس (أ.ف.ب).... بوريس جونسن (أ.ف.ب) ...تريزا ماي (إ.ب.أ) ....ستيفن كراب (أ.ف.ب)
مجلس العموم البريطاني خلال جلسة مساءلة أمس (أ.ف.ب).... بوريس جونسن (أ.ف.ب) ...تريزا ماي (إ.ب.أ) ....ستيفن كراب (أ.ف.ب)

حزب المحافظين الحاكم ليس الوحيد الذي يواجه أزمة سياسية بسبب نتيجة الاستفتاء، إذ تتسع دائرة المعارضة لزعيم حزب العمال جيرمي كوربن، مما يشير إلى أزمة حادة داخل الحزب. ويواجه زعيمه اليساري، الذي انتخب قبل أقل من سنة بأغلبية ساحقة، أزمة ثقة بسبب أدائه غير المقنع لصالح حملة البقاء في الاتحاد الأوروبي.
حزب المحافظين سيعلن اسم خلف رئيس الوزراء ديفيد كاميرون في التاسع من سبتمبر (أيلول) المقبل، مرجئا بذلك الموعد أسبوعا على الأقل، بعد أن كان قد وعد بإجراء انتخابات وتنصيب خليفة كاميرون بأسرع فترة ممكنة من أجل بدء إجراءات الطلاق من الاتحاد الأوروبي. وأوضح متحدث باسم الحزب أن باب الترشيحات افتتح أمس على أن يغلق اليوم الخميس. وبدأ أمس السباق على زعامة الحزب رسميا بعد قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، والذي تبعه استقالة رئيس الوزراء.
وصوت البريطانيون مع الخروج من الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي، وأعلن كاميرون استقالته مباشرة بعد الخسارة وإعلان النتيجة. وتمتد مهلة الترشيحات لزعامة حزب المحافظين حتى الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم الخميس، على أن يعلن اسم الرئيس الجديد للحكومة في التاسع من سبتمبر (أيلول). وأعلن وزير العمل ستيفن كراب ترشيحه رسميا صباح الأربعاء. وينوي كراب المتحدر من أصول متواضعة، والذي يؤيد البقاء في الاتحاد الأوروبي: «تلبية توقعات 17 مليون بريطاني صوتوا لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي»، كما جاء في مقالة نشرتها صحيفة «ديلي تلغراف» أمس. لكن المرشحين الأوفر حظا هما وزيرة الداخلية تيريزا ماي التي تبدو مرشحة توافقية حتى لو أنها تلتزم الصمت حتى الآن، وزعيم فريق مؤيدي الخروج من الاتحاد الأوروبي بوريس جونسون (52 عاما)، الرئيس السابق لبلدية لندن.
وقد فاجأت تيريزا ماي (59 عاما) التي تشكك في الاتحاد الأوروبي، البريطانيين بالإعلان عن انضمامها إلى الفريق المؤيد للبقاء في الاتحاد الأوروبي، عملا بقاعدة الانضباط الحكومي. لكنها حرصت على ألا تكون في الخطوط الأولى للحملة. ويقول عدد كبير من المحافظين إنها تشكل تسوية تتيح توحيد حزب شهد انقساما عميقا بين مؤيدي الخروج من الاتحاد الأوروبي ومؤيدي البقاء فيه.
وجاء في استفتاء للرأي أعدته مؤسسة «يوغوف» الثلاثاء أن تيريزا ماي تبدو الأوفر حظا (31 في المائة) أمام بوريس جونسون (24 في المائة) لدى المحافظين. وبعد إقفال باب الترشيحات، تتاح للنواب ثلاثة أسابيع لاختيار اسمين سيتقاسمان أصوات 150 ألف عضو في الحزب خلال الصيف.
كسب بوريس جونسون رهانه وبات بإمكانه التطلع إلى مقر رئاسة الوزراء رغم كثرة الاتهامات بعدم الاستعداد جيدا والغضب المتزايد لمؤيدي بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. رئيس بلدية لندن السابق، وهو مشاغب الحياة السياسية وصاحب الشعر الأشقر، أربك العالم من خلال نجاحه في إقناع غالبية البريطانيين بـ«استعادة السيطرة» على مصيرهم.
وتمكن النائب المحافظ من بيع فكرة أن مستقبل بلاده هو خارج الاتحاد الأوروبي، ووصف النتائج بأنها «انتصار للديمقراطية»، ووعد باقتصاد مزدهر ووقف تدفق ملايين المهاجرين المستعدين لغزو الساحل البريطاني، حسب قوله.
هذه الوعود التي بدأ معسكر بريكست يتراجع عنها تثير غضب أنصار البقاء الذين وصفوه بأنه «كاذب»، وبعض المشككين في أوروبا.
وبعيدا عن إسكات الاتهامات بالكذب وعدم الاستعداد جيدا، اكتفى جونسون الملقب بـ«بوجو» منذ إعلان النتائج الجمعة، بإبداء الاطمئنان، مؤكدا أن البلاد «لن تدير ظهرها إلى أوروبا»، دون أن يطرح استراتيجية ملموسة.
وإذا كان الفوز المفاجئ يضعه دون أي شك بين «المفضلين» لخلافة ديفيد كاميرون، فإن «كثيرا من المرشحين يمكن أن يتغلبوا عليه»، كما قال لوكالة الصحافة الفرنسية «تيم أوليفر»، من كلية لندن للاقتصاد.
واعتبر أوليفر أن «قراره دعم معسكر الخروج تم النظر إليه بوصفه خطوة انتهازية من قبل عدد من النواب المحافظين، وضمنهم من يدعم الخروج من الاتحاد الأوروبي».
وللفوز بترشيح الحزب المحافظ، وبالتالي منصب رئيس الوزراء، يجب على بوريس جونسون أن يثبت أن التزامه في اللحظة الأخيرة قيادة حملة الخروج لم يكن مقامرة في خدمة طموحاته التي تداعبه منذ الطفولة.
وقالت شقيقته رايتشل لكاتب سيرته الذاتية أندرو غيمسون إن ألكسندر بوريس دو فيفل جونسون المولود في نيويورك العام 1964، يتطلع منذ سنيه المبكرة إلى أن يصبح «ملك العالم».
وخلال تلقيه تعليما نخبويا، واصل الابن الأكبر لعائلة مكونة من أربعة، أحلام العظمة، بعد أن حصل على منحة للدراسة في كلية أيتون العريقة ومنصب لا يقل عراقة هو رئيس نادي النقاش «أكسفورد يونيون».
ويقول غيمسون: «لم يشكك أحد في جامعة أكسفورد في أنه سيأتي يوم يكون فيه رئيسا للوزراء».
بعد تخرجه في الجامعة، بدأ مهنة الصحافة في «التايمز» التي طردته بعد أقل من عام لاختراعه اقتباسا، والكذب حول حقيقة أنه اخترعه. من ثم عمل في صحيفة «ديلي تلغراف» التي أرسلته إلى بروكسل بين العامين 1989 و1994.
ومن خلال المبالغات وأحيانا الحيل القذرة، أصبح بوريس جونسون «المراسل المفضل» لدى مارغريت تاتشر عبر تفصيله الأعمال الأكثر غرابة في المفوضية الأوروبية، مثل حجم النقانق والمراحيض.
وقال كريستيان سبيلمان الذي كان صحافيا في وكالة الصحافة الفرنسية في بروكسل أثناء «سنوات بوريس» إن هذ الأخير «لم يخترع القصص لكنه كان يبالغ».
وفي بروكسل أيضا اقترن جونسون بزوجته الأولى أليغرا موستن أوين التي التقاها في جامعة أكسفورد، قبل أن يتركها عائدا إلى صديقة الطفولة مارينا ويلر، زوجته الحالية ووالدة أبنائه الأربعة.
انتخب نائبا للمرة الأولى في عام 2001، وبانتزاعه بلدية لندن من العماليين عام 2008 حصل على مكانة وطنية. أعيد انتخابه عام 2012. ولم يكن الفضل في ذلك لحصيلة أدائه الذي اعتبر ضعيفا وإنما لبعض النجاحات الرمزية مثل تنظيم الألعاب الأولمبية، وشخصيته الغريبة الأطوار وشعره الأشقر الذي يشكل علامة فارقة له.
وقال ستيفن كراب أول مرشح يطرح نفسه لخلافة ديفيد كاميرون رئيسا لحكومة بريطانيا إن استعادة السيطرة على سياسة الهجرة ستكون على رأس أولوياته.
وأيد كراب، الذي شغل منصب وزير العمل والمعاشات في حكومة كاميرون، معسكر البقاء في الاتحاد الأوروبي خلال الاستفتاء الذي أجري الأسبوع الماضي على عضوية بريطانيا في التكتل الذي كانت نتيجته الموافقة على الانسحاب من الاتحاد بنسبة 52 في المائة مقابل 48 في المائة.
وكتب كراب في مقال بصحيفة «ديلي تلغراف»: «لا يمكن أن نسمح بأن تعلو في انتخابات القيادة تلك تصنيفات مثيرة للانقسام، مثل مؤيد للبقاء أو مؤيد للخروج». وذكر أن حكم الشعب على الاتحاد الأوروبي كان واضحا ولن تكون هناك رجعة فيه. وكتب قائلا إن إجراء استفتاء ثان لإعادة النظر في المسألة أمر غير مطروح للمناقشة. وقال: «أريد أن أقود حكومة تفي بتوقعات 17 مليون شخص أيدوا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي». وتابع: «واحدة من أهم الرسائل التي نخرج بها من هذا التصويت هو أننا بحاجة لاستعادة السيطرة على سياسة الهجرة في المملكة المتحدة. لذا فإن حرية التنقل بالنسبة لي خط أحمر».
وقال أنصار معسكر البقاء إنه إذا أرادت بريطانيا أن تحافظ على وجودها في السوق الأوروبية الموحدة، وهو ما اعتبروه عنصرا حيويا للاقتصاد البريطاني، فسيتعين عليها أن تتوصل لحل وسط بشأن حرية التنقل وهي واحدة من أهم مبادئ الاتحاد الأوروبي.
على صعيد المعارضة العمالية، أضعفت الاحتجاجات التي يواجهها زعيم الحزب جيرمي كورين موقعه، منذ الإعلان عن نتيجة الاستفتاء على عضوية بريطانيا. إذ أخذ عليه كثيرون من أعضاء الحزب أنه لم يبذل جهدا كافيا في الحملة من أجل بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد. وخسر الثلاثاء تصويتا على الثقة بنسبة 172 صوتا مقابل 40. بعدما خسر دعم ثلثي أعضاء حكومة الظل التي يرأسها. ودعا رئيس الوزراء البريطاني كاميرون الأربعاء رئيس حزب العمال إلى الاستقالة.
وقال كاميرون، مشيرا إلى كوربن خلال جلسة توجيه أسئلة إلى رئيس الوزراء في البرلمان: «قد يكون لصالح حزبي أن يبقى، (لكنه) ليس في مصلحة البلاد، وأود أن أقول: بحق السماء ارحل يا رجل». وقد ردد بذلك صدى المتمردين في حزب العمال الذين يعتبرون أنه لن تتاح معه لحزب العمال فرصة العودة إلى الحكم.
والتصويت على الثقة ليس ملزما. ويرفض جيرمي كوربن بإصرار حتى الآن التنازل «لهذا الانقلاب في الكواليس»، كما يصفه، مؤكدا أنه لن «يخون» ثقة أعضاء الحزب الذين انتخبوه في سبتمبر (أيلول). وسبق أن أعلن أنه سيترشح إذا ما أجريت انتخابات جديدة لاختيار رئيس للحزب، التي يمكن أن ينافسه فيها كل من أنغيلا إيغل المستقيلة من حكومة الظل، ونائب رئيس الحزب توم واطسون. وعلى مستوى القاعدة، لا يزال جيرمي كوربن يتمتع بشعبية.
صرح إد ميليباند، الزعيم السابق لحزب العمال البريطاني، أمس الأربعاء، بأن استمرار جيرمي كوربن في رئاسة الحزب أصبح «أمرا غير مقبول»، ليضيف بذلك إلى الدعوات التي تطالب كوربن بالاستقالة.
وأظهر استطلاع للرأي أعدته مؤسسة «يوغوف» لحساب صحيفة «تايمز» أن ثمانية من كل عشرة أعضاء في حزب العمال انضموا إلى الحزب في سبتمبر سيؤيدونه إذا أجريت انتخابات جديدة. وسيحظى بدعم وتجمع يقام مساء في مقر الاتحاد النقابي الكبير (ترايد يونيون كونغرس).
وأعلن الخبير الاقتصادي الفرنسي طوما بيكيتي الذي أصبح مستشارا لحزب العمال أنه سيتخلى عن هذه الوظيفة بسبب ضيق الوقت قبل شهر من الاستفتاء. وقال: «حتى لو أن حملة كوربن لم تكن رائعة فعلا، فمن الصعب أن نجعل منه المسؤول الأول» عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.