اندماج «لافارج» و«هولسيم» يعيد ترتيب أوراق قطاع الإسمنت المغربي

يعقبها صفقات أسهم لإعادة التوازن بين رأس المال المغربي والأجنبي

اندماج «لافارج» و«هولسيم» يعيد ترتيب أوراق قطاع الإسمنت المغربي
TT

اندماج «لافارج» و«هولسيم» يعيد ترتيب أوراق قطاع الإسمنت المغربي

اندماج «لافارج» و«هولسيم» يعيد ترتيب أوراق قطاع الإسمنت المغربي

يستعد قطاع الإسمنت المغربي لمرحلة جديدة مع إتمام عملية الاستحواذ المرتقبة يوم 13 يوليو (تموز)، التي ستقوم خلالها شركة لافارج (35 في المائة من السوق)، بالاستحواذ على شركة هولسيم المغرب (19 في المائة من السوق). فالعملية لن تؤدي فحسب إلى تجميع حصة 54 في المائة من السوق و55 في المائة من القدرة الإنتاجية للإسمنت في يد شركة واحدة، بل سينجم عنها إعادة توزيع الأوراق في السوق؛ نظرا لحجم الشركة الجديدة واستثماراتها المرتقبة خارج النطاق الجغرافي التقليدي للشركتين المندمجتين.
عملية الاندماج ستمر على مراحل، حسب مذكرة المعلومات التي وافقت عليها الهيئة المغربية لسوق الرساميل. فبعد إتمام عملية استبدال أسهم «هولسيم المغرب» بالأسهم الجديدة التي ستصدرها شركة لافارج للإسمنت في إطار الزيادة في رأسمال المخصصة لعملية الاستحواذ، ستتبعها سلسلة من العمليات الرأسمالية بين المساهمين الرئيسيين تهدف إلى إعادة التوازن بين الرأسمال المغربي والرأسمال الأجنبي في حصة مراقبة الشركة الجديدة، وصولا إلى تحقيق التساوي في حصتي الطرفين. وحاليا، تتقاسم المجموعة المالية المغربية «الشركة الوطنية للاستثمار» والمجموعة الصناعية الأوروبية «لافارج هولسيم» بالتساوي رأسمال شركة «لافارج المغرب» القابضة، التي تمتلك حصة 69.5 في المائة من رأسمال شركة «لافارج للإسمنت». ويملك البنك الإسلامي للتنمية حصة 5.5 في المائة من رأسمال «لافارج للإسمنت».
أما شركة «هولسيم المغرب» فتمتلك المجموعة الصناعية الأوروبية «لافارج هولسيم» حصة 51 في المائة من رأسمالها، ويمتلك البنك الإسلامي للتنمية حصة 11.7 في المائة.
وبعد اندماج الشركتين في يوم 13 يوليو (تموز)، ستصبح حصة «لافارج المغرب» القابضة في رأسمال الشركة الجديدة المنبثقة من عملية الاندماج هي 52 في المائة، مناصفة بين «الشركة الوطنية للاستثمار» المغربية و«لافارج هولسيم» الأوروبية. وتتوزع باقي الحصص بين شركة «هولسيبيل» البلجيكية، وهي فرع استثماري مملوك 100 في المائة لمجموعة «لافارج هولسيم»، بحصة 13 في المائة، والبنك الإسلامي للتنمية بحصة 7 في المائة، والباقي رائج في البورصة.
ولتحقيق التوازن الرأسمالي بين الرأسمال المغربي والشريك الأجنبي، تقرر في ميثاق عملية الإدماج أن تبيع شركة «هولسيبيل» نصف حصتها في الشركة الجديدة لفائدة «الشركة الوطنية للاستثمار». بعد ذلك ستجلب الشركة الوطنية للاستثمار هذه الحصة الإضافية إلى رأسمال «شركة لافارج المغرب» القابضة، وبدورها ستجلب مجموعة «لافارج هولسيم» الحصص التي تمتلكها عبر فرعها «هوليسيبيل» إلى رأسمال «لافارج المغرب»، لترتفع حصة هذه الأخيرة في شركة الإسمنت الجديدة، التي ستحمل اسم «لافارج هولسيم المغرب»، إلى 64.8 في المائة، مع بقاء رأسمال «لافارج للإسمنت» موزعا بالتساوي بين الشريكين المغربي والأوروبي، وحصة البنك الإسلامي للتنمية من دون تغيير.
أما على صعيد السوق المغربية للإسمنت فإن العملية ستنهي عهدا كانت فيه السوق موزعة توزيعا جغرافيا بين شركات إلى عهد جديد تصبح فيه السوق مفتوحة وشديدة المنافسة. حاليا تضم السوق المغربية للإسمنت خمس شركات، أكبرها لافارج للإسمنت التي تمتلك 31.75 في المائة من القدرات الإنتاجية، وهولسيم المغرب بنحو 23.7 في المائة من القدرات الإنتاجية، وإسمنت المغرب التي تراقبها مجموعة «إيطالسيمانتي» الإيطالية بحصة 23.7 في المائة، وإسمنت الأطلس التي يمتلكها رجل الأعمال المغربي أنس الصفريوي بحصة 15.17 في المائة، وإسمنت تمارة التي تمتلكها مجموعة «فوتورانتيم» البرازيلية بحصة 5.69 في المائة من القدرات الإنتاجية المتوفرة في البلاد. ومن خلال توزيع جغرافي لمصانع هذه الشركات على مختلف مناطق المغرب فإن كل شركة تتوفر على سوق خاص بها؛ نظرا لارتفاع كلفة نقل الإسمنت المصنوع من منطقة إلى منطقة أخرى. وشركة لافارج للإسمنت تملك ثلاثة مصانع في مدن الدار البيضاء ومكناس وتطوان، إضافة إلى معمل لسحق الإسمنت في طنجة، وبالتالي فنشاطها التجاري مركز بشكل كبير في الشمال الغربي ومنطقة الدار البيضاء. أما شركة هولسيم المغرب فتمتلك بدورها ثلاث مصانع في مدن وجدة وفاس وسطات، إضافة إلى مصنع للسحق في الناظور. وتهيمن من خلال ذلك سوق المنطقة الشرقية والشمالية الشرقية ومنطقة سطات جنوب الدار البيضاء. في حين توجد مصانع شركة إسمنت المغرب في مراكش وآسفي وأغادير، إضافة إلى مصنع للسحق في العيون. ومن خلالها تبسط شركة إسمنت المغرب هيمنتها من دون منازع على أسواق المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية. أما شركة أطلس التي أنشأها سنة 2007 رجل الأعمال أنس الصفريوي، مالك مجموعة الضحى العقارية الضخمة، فتملك مصنعين في مدينتي بني ملال وابن أحمد في وسط البلاد، بينما تملك «إسمنت تمارة» مصنعا في ضاحية الرباط.
مع اندماج «لافارج» و«هولسيم»، أصبحت الشركة الجديدة تغطي مناطق الشمال والشرق والغرب، إضافة إلى مزاحمة المنطقة الجنوبية عبر مصنع سطات الواقع بين الدار البيضاء ومراكش، وتخطيطها لبناء مصنع جديد في تارودانت قرب أغادير (مرتقب في 2019) ومصنع للسحق في مدينة العيون (مرتقب في 2017). هذه التطورات، مع امتيازات الحجم الكبير للمجموعة الجديدة، تندر بأن السوق المغربية للإسمنت مقبلة على مرحلة جديدة من المنافسة.
وتأتي هذه التطورات في سياق انكماش سوق الإسمنت الذي انخفضت مبيعاتها على مدى ثلاثة أعوام متتالية منذ2011، قبل أن يعرف ارتفاعا طفيفا بنسبة 1.4 في المائة خلال 2015. وفي هذا السياق، انخفض معدل استخدام الطاقة الإنتاجية المتوفرة من 85.3 في المائة إلى 67.5 في المائة بين 2011 و2015. وتمكنت الشركات من تعويض انخفاض الإنتاج بالزيادة في الأسعار مستفيدة من وجودها في مناطق جغرافية مختلفة ومتباعدة؛ الشيء الذي شكل حماية طبيعية لأسواقها التقليدية من المنافسة.
الجانب الثاني لعملية الاستحواذ هو أن الشركة الجديدة، نظرا لحجمها، ستكون في وضع أفضل لغزو الأسواق الأفريقية. فخلال السنوات الثلاثة الأخيرة صدر المغرب كميات متزايدة من مادة الكلينكر (الإسمنت النصف مصنع) إلى بلدان أفريقيا الغربية، كمنفذ جديد في وقت عرفت فيه السوق المحلية انكماشا؛ بسبب ركود قطاع البناء والأشغال وأزمة القطاع العقاري في المغرب.
وبلغت هذه الصادرات نحو 1.6 مليون طن من الكلينكر في السنة، صدرت منها الشركتين المندمجتين حصة 63 في المائة. وسارعت شركات الإسمنت المغربية الأربعة، التي مكنتها الأزمة العقارية من اكتشاف سوق واعدة وراء الحدود الجنوبية، إلى الاستثمار في مشاريع جديدة في بلدان أفريقيا الغربية عبر إنشاء مخازن ومصانع لسحق الكلينكر وشبكات توزيع وتسويق منتجاتها. وتكتسي هذه السوق الجديدة أهمية استراتيجية بالنسبة إلى شركات صناعة الإسمنت المغربية، خاصة أن مادة الكلس الضرورية لصناعة الإسمنت غير موجودة في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، في حين أنها متوفرة بكثرة في المغرب.



الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.