في وسط التقلب الذي أصاب العالم خلال الأيام القليلة الماضية، شهدت الاقتصادات المتقدمة عدة نوبات وتقلبات في تدفقات رأس المال، مما أحيا دعوات تنسيق السياسات النقدية العالمي، وهو الأمر الذي مال محافظو البنوك المركزية إلى رفضه، لأنه من شأنه أن يقوض استقلالها.
واجتمع قادة السياسة النقدية في العالم في منتدى المركزي الأوروبي السنوي في مدينة سينترا بالبرتغال، والذي استمر على مدار 3 أيام، ويعتبر المنتدى بأهمية وقيمة مؤتمر الاحتياطي الفيدرالي الذي يقام سنويا في مدينة جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية.
واجتاحت عاصفة نتائج الاستفتاء البريطاني يوم الجمعة الماضي الأسهم والإسترليني، وتركت المستثمرين في انتظار رد من البنوك المركزية الكبرى، وانعكست التداعيات على الأسواق الناشئة وزيادة الشكوك حول تدفق رؤوس الأموال ومسار تحركها عقب الخروج البريطاني.
وقال ماريو دراغي رئيس البنك المركزي الأوروبي، أن السعي وراء السياسة النقدية المتشددة من البنوك المركزية في العالم قد خلقت آثارا سلبية غير مباشرة على الاقتصاد العالمي، ودعا صناع القرار للتصدي للتحديات الاقتصادية المشتركة، وأوضح أن شدة التدابير في السياسة النقدية خلقت حتما الآثار غير المباشرة لزعزعة الاستقرار.
وقال دراغي أن التقلبات العنيفة التي شهدتها أسواق المال جاءت نتيجة إجراءات البنوك المركزية غير العادية في أعقاب الأزمة المالية العالمية، ودعا صناع القرار المالي إلى للدخول في مزيد من التنسيق، ولكن لم تلق دعوات دراغي صدى عند قادة البنوك المركزية وتخليهم عن ولاياتهم المحلية على سياساتهم المالية، في نظير تحقيق استقرار الأسعار.
وكان راغورام راجان، محافظ البنك المركزي الهندي، من بين أشد منتقدي سياسات البنوك المركزية خاصة سياسة الفيدرالي الأميركي، ودعا إلى تكاتف البنوك المركزية العالمية لمنع سياسات الاقتصادات المتقدمة الكبرى الإضرار بالأسواق الناشئة.
في الوقت الذي غابت فيه عن المنتدى جانيت يلين رئيسة الفيدرالي الأميركي، وكانت يلين تعتزم الحضور لكنها لم تكشف عن سبب تغير موقفها، كما لم يتضح ما إذا كان قرارها جاء متأثرا بنتيجة تصويت البريطانيين لصالح انسحاب بلادهم من الاتحاد الأوروبي، نقلت وكالة بلومبرغ للأنباء الاقتصادية عن متحدث باسم مجلس الاحتياط، القول أن يلين ستعود إلى واشنطن من مدينة بازل السويسرية بعد حضورها اجتماعا لبنك التسويات الدولي.
وقال دراغي «إننا قد لا نحتاج إلى تنسيق رسمي من السياسات، لكننا يمكن أن نستفيد من المواءمة بين السياسات، وما أعنيه هو محاذاة تشخيص مشترك للأسباب الجذرية للتحديات التي تؤثر فينا جميعا، والتزام مشترك لتأسيس سياساتنا الداخلية وفقًا لذلك». مضيفا أن النتائج مخيبة للآمال، خاصة مع التزام دول مجموعة العشرين برفع النمو العالمي إلى 2 في المائة مع التدابير الهيكلية، وهو ما يمثل تخلف الإجراءات عن النيات، وأكد أن في مثل هذه المحافل لا يمكن ربط الدول بإجراءات محددة، ولكن الاعتراف المتبادل لمصالحهم المشتركة يمكن أن يكون بمثابة شكل من أشكال التنسيق.
وعبر دراغي يوم الاثنين الماضي، عن «حزنه» لتصويت بريطانيا لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وقال في أول تصريحاته عن نتيجة الاستفتاء: «الحزن أنسب كلمة للتعبير عما نشعر به عندما نشهد تغييرات بهذا الحجم».
وتوجه دراغي إلى بروكسل أمس الثلاثاء، حيث من المتوقع أن يطلع الزعماء الأوروبيون على تداعيات التصويت البريطاني بالنسبة لمنطقة اليورو خلال اجتماع للمجلس الأوروبي يستمر يومين.
في حين قال بنك التسويات الدولية، إن السياسة الاقتصادية العالمية بحاجة إلى إعادة توازن عاجلة في ظل «ثالوث المخاطر»، الذي يواجهه العالم، متمثلا في ارتفاع الديون، وتدني نمو الإنتاجية، وتناقص الأدوات المتاحة لدى البنوك المركزية الرئيسية.
وقال البنك الذي يعد مظلة عالمية للبنوك المركزية الرئيسية في تقريره السنوي الأحد الماضي، إن انكشاف الاقتصاد العالمي كان كبيرا حتى قبل تصويت بريطانيا يوم الخميس لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وقال كلاوديو بوريو، رئيس القسم النقدي والاقتصادي بالبنك، ثمة تطورات تبعث على القلق هي بمنزلة «ثالوث مخاطر» تستحق المراقبة، مضيفا: «نمو الإنتاجية متدنٍ على غير المعتاد مما يلقي بظلاله على تحسن مستويات المعيشة في المستقبل ومستويات الديون العالمية مرتفعة بشكل تاريخي، مما يزيد المخاطر على الاستقرار المالي، ومجال المناورة على صعيد السياسة ضيق بشكل ملحوظ». موضحا أنه لم يعد بوسع الاقتصاد العالمي التعويل على نموذج النمو، الممول بالديون الذي وصل به إلى المفترق الحالي.
ورغم خفض أسعار الفائدة إلى ما دون الصفر وتحفيز بتريليونات الدولارات، فإن البنوك المركزية في أوروبا واليابان تكافح لرفع التضخم والنمو، وقد أدمنت الأسواق ذلك الدعم لكن القلق يتنامى النفاذ الوشيك لتلك الذخيرة، في إشارة إلى أدوات البنوك المركزية.
وقال بوريو: «إذا امتد ذلك الوضع واهتزت ثقة الرأي العام في عملية صناعة السياسات، فإن التداعيات على الأسواق المالية والاقتصاد قد تكون خطيرة»، وأضاف أن على صناع السياسات إيلاء مزيد من الاهتمام برفع الفائدة عندما تتاح لهم الفرصة كي يصبح بوسعهم خفضها مجددًا عندما تحل دورة التراجع التالية، في تلميح على ما يبدو إلى مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي).
وحث بنك التسويات الدولية على إجراء تغيير عالمي في توجهات السياسة المالية والنقدية على حد سواء، ودعا إلى تصميم السياسة المالية للتأقلم مع دورات الازدهار والكساد على نحو أكثر منهجية، وأن تراقب السياسة النقدية تلك الدورات من زاوية المخاطر الشاملة للمحافظة على توازن الشق المالي من الاقتصاد.
وأكد رئيس القسم النقدي والاقتصادي ببنك التسويات، على وجود حاجة ملحة إلى إعادة موازنة السياسة للانتقال إلى نمو أكثر قوة وتوازنا واستدامة، «نحتاج إلى التخلي عن نموذج النمو الممول بالديون الذي أصابنا بتلك المعضلة. من الضروري التخفيف عن كاهل السياسة النقدية التي ظلت مثقلة بالأعباء لفترة طويلة جدا».
محافظو البنوك المركزية «أكثر خلافًا» رغم دعوات «التكاتف»
«يلين» تختفي دون أسباب معلومة.. ودراغي: الإجراءات تتخلف عن النيات
السعي وراء السياسة النقدية المتشددة من البنوك المركزية في العالم أوجدت آثارًا سلبية غير مباشرة على الاقتصاد العالمي (أ.ف.ب)
محافظو البنوك المركزية «أكثر خلافًا» رغم دعوات «التكاتف»
السعي وراء السياسة النقدية المتشددة من البنوك المركزية في العالم أوجدت آثارًا سلبية غير مباشرة على الاقتصاد العالمي (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

