محافظو البنوك المركزية «أكثر خلافًا» رغم دعوات «التكاتف»

«يلين» تختفي دون أسباب معلومة.. ودراغي: الإجراءات تتخلف عن النيات

السعي وراء السياسة النقدية المتشددة من البنوك المركزية في العالم أوجدت آثارًا سلبية غير مباشرة على الاقتصاد العالمي  (أ.ف.ب)
السعي وراء السياسة النقدية المتشددة من البنوك المركزية في العالم أوجدت آثارًا سلبية غير مباشرة على الاقتصاد العالمي (أ.ف.ب)
TT

محافظو البنوك المركزية «أكثر خلافًا» رغم دعوات «التكاتف»

السعي وراء السياسة النقدية المتشددة من البنوك المركزية في العالم أوجدت آثارًا سلبية غير مباشرة على الاقتصاد العالمي  (أ.ف.ب)
السعي وراء السياسة النقدية المتشددة من البنوك المركزية في العالم أوجدت آثارًا سلبية غير مباشرة على الاقتصاد العالمي (أ.ف.ب)

في وسط التقلب الذي أصاب العالم خلال الأيام القليلة الماضية، شهدت الاقتصادات المتقدمة عدة نوبات وتقلبات في تدفقات رأس المال، مما أحيا دعوات تنسيق السياسات النقدية العالمي، وهو الأمر الذي مال محافظو البنوك المركزية إلى رفضه، لأنه من شأنه أن يقوض استقلالها.
واجتمع قادة السياسة النقدية في العالم في منتدى المركزي الأوروبي السنوي في مدينة سينترا بالبرتغال، والذي استمر على مدار 3 أيام، ويعتبر المنتدى بأهمية وقيمة مؤتمر الاحتياطي الفيدرالي الذي يقام سنويا في مدينة جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية.
واجتاحت عاصفة نتائج الاستفتاء البريطاني يوم الجمعة الماضي الأسهم والإسترليني، وتركت المستثمرين في انتظار رد من البنوك المركزية الكبرى، وانعكست التداعيات على الأسواق الناشئة وزيادة الشكوك حول تدفق رؤوس الأموال ومسار تحركها عقب الخروج البريطاني.
وقال ماريو دراغي رئيس البنك المركزي الأوروبي، أن السعي وراء السياسة النقدية المتشددة من البنوك المركزية في العالم قد خلقت آثارا سلبية غير مباشرة على الاقتصاد العالمي، ودعا صناع القرار للتصدي للتحديات الاقتصادية المشتركة، وأوضح أن شدة التدابير في السياسة النقدية خلقت حتما الآثار غير المباشرة لزعزعة الاستقرار.
وقال دراغي أن التقلبات العنيفة التي شهدتها أسواق المال جاءت نتيجة إجراءات البنوك المركزية غير العادية في أعقاب الأزمة المالية العالمية، ودعا صناع القرار المالي إلى للدخول في مزيد من التنسيق، ولكن لم تلق دعوات دراغي صدى عند قادة البنوك المركزية وتخليهم عن ولاياتهم المحلية على سياساتهم المالية، في نظير تحقيق استقرار الأسعار.
وكان راغورام راجان، محافظ البنك المركزي الهندي، من بين أشد منتقدي سياسات البنوك المركزية خاصة سياسة الفيدرالي الأميركي، ودعا إلى تكاتف البنوك المركزية العالمية لمنع سياسات الاقتصادات المتقدمة الكبرى الإضرار بالأسواق الناشئة.
في الوقت الذي غابت فيه عن المنتدى جانيت يلين رئيسة الفيدرالي الأميركي، وكانت يلين تعتزم الحضور لكنها لم تكشف عن سبب تغير موقفها، كما لم يتضح ما إذا كان قرارها جاء متأثرا بنتيجة تصويت البريطانيين لصالح انسحاب بلادهم من الاتحاد الأوروبي، نقلت وكالة بلومبرغ للأنباء الاقتصادية عن متحدث باسم مجلس الاحتياط، القول أن يلين ستعود إلى واشنطن من مدينة بازل السويسرية بعد حضورها اجتماعا لبنك التسويات الدولي.
وقال دراغي «إننا قد لا نحتاج إلى تنسيق رسمي من السياسات، لكننا يمكن أن نستفيد من المواءمة بين السياسات، وما أعنيه هو محاذاة تشخيص مشترك للأسباب الجذرية للتحديات التي تؤثر فينا جميعا، والتزام مشترك لتأسيس سياساتنا الداخلية وفقًا لذلك». مضيفا أن النتائج مخيبة للآمال، خاصة مع التزام دول مجموعة العشرين برفع النمو العالمي إلى 2 في المائة مع التدابير الهيكلية، وهو ما يمثل تخلف الإجراءات عن النيات، وأكد أن في مثل هذه المحافل لا يمكن ربط الدول بإجراءات محددة، ولكن الاعتراف المتبادل لمصالحهم المشتركة يمكن أن يكون بمثابة شكل من أشكال التنسيق.
وعبر دراغي يوم الاثنين الماضي، عن «حزنه» لتصويت بريطانيا لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وقال في أول تصريحاته عن نتيجة الاستفتاء: «الحزن أنسب كلمة للتعبير عما نشعر به عندما نشهد تغييرات بهذا الحجم».
وتوجه دراغي إلى بروكسل أمس الثلاثاء، حيث من المتوقع أن يطلع الزعماء الأوروبيون على تداعيات التصويت البريطاني بالنسبة لمنطقة اليورو خلال اجتماع للمجلس الأوروبي يستمر يومين.
في حين قال بنك التسويات الدولية، إن السياسة الاقتصادية العالمية بحاجة إلى إعادة توازن عاجلة في ظل «ثالوث المخاطر»، الذي يواجهه العالم، متمثلا في ارتفاع الديون، وتدني نمو الإنتاجية، وتناقص الأدوات المتاحة لدى البنوك المركزية الرئيسية.
وقال البنك الذي يعد مظلة عالمية للبنوك المركزية الرئيسية في تقريره السنوي الأحد الماضي، إن انكشاف الاقتصاد العالمي كان كبيرا حتى قبل تصويت بريطانيا يوم الخميس لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وقال كلاوديو بوريو، رئيس القسم النقدي والاقتصادي بالبنك، ثمة تطورات تبعث على القلق هي بمنزلة «ثالوث مخاطر» تستحق المراقبة، مضيفا: «نمو الإنتاجية متدنٍ على غير المعتاد مما يلقي بظلاله على تحسن مستويات المعيشة في المستقبل ومستويات الديون العالمية مرتفعة بشكل تاريخي، مما يزيد المخاطر على الاستقرار المالي، ومجال المناورة على صعيد السياسة ضيق بشكل ملحوظ». موضحا أنه لم يعد بوسع الاقتصاد العالمي التعويل على نموذج النمو، الممول بالديون الذي وصل به إلى المفترق الحالي.
ورغم خفض أسعار الفائدة إلى ما دون الصفر وتحفيز بتريليونات الدولارات، فإن البنوك المركزية في أوروبا واليابان تكافح لرفع التضخم والنمو، وقد أدمنت الأسواق ذلك الدعم لكن القلق يتنامى النفاذ الوشيك لتلك الذخيرة، في إشارة إلى أدوات البنوك المركزية.
وقال بوريو: «إذا امتد ذلك الوضع واهتزت ثقة الرأي العام في عملية صناعة السياسات، فإن التداعيات على الأسواق المالية والاقتصاد قد تكون خطيرة»، وأضاف أن على صناع السياسات إيلاء مزيد من الاهتمام برفع الفائدة عندما تتاح لهم الفرصة كي يصبح بوسعهم خفضها مجددًا عندما تحل دورة التراجع التالية، في تلميح على ما يبدو إلى مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي).
وحث بنك التسويات الدولية على إجراء تغيير عالمي في توجهات السياسة المالية والنقدية على حد سواء، ودعا إلى تصميم السياسة المالية للتأقلم مع دورات الازدهار والكساد على نحو أكثر منهجية، وأن تراقب السياسة النقدية تلك الدورات من زاوية المخاطر الشاملة للمحافظة على توازن الشق المالي من الاقتصاد.
وأكد رئيس القسم النقدي والاقتصادي ببنك التسويات، على وجود حاجة ملحة إلى إعادة موازنة السياسة للانتقال إلى نمو أكثر قوة وتوازنا واستدامة، «نحتاج إلى التخلي عن نموذج النمو الممول بالديون الذي أصابنا بتلك المعضلة. من الضروري التخفيف عن كاهل السياسة النقدية التي ظلت مثقلة بالأعباء لفترة طويلة جدا».



خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز»، نقلاً عن مصدر مطلع، السبت، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وقد فعّلت السعودية خطة الطوارئ لتعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب «شرق - غرب» إلى البحر الأحمر، حيث أدى تعطّل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بسبب حرب إيران، إلى قطع الطريق الرئيسي لتصدير النفط من دول الخليج.

وقد تم تحويل مسار أساطيل ناقلات النفط إلى ميناء ينبع لتحميل النفط، مما يوفر شرياناً مهماً لإمدادات النفط العالمية.

ونقلت «بلومبرغ» عن المصدر قوله إن صادرات الخام عبر ينبع بلغت الآن 5 ملايين برميل يومياً. كما تصدر المملكة نحو 700 ألف إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. ومن بين الـ7 ملايين برميل التي تمر عبر خط الأنابيب يتم توجيه مليونَي برميل إلى مصافي التكرير السعودية.

ويُسهم مسار ينبع جزئياً في تعويض النقص في الإمدادات، الناتج عن تعطُّل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز العالمية يومياً قبل الحرب. إلا أن هذا المسار البديل يُعدّ أحد أسباب عدم وصول أسعار النفط إلى مستويات الأزمات التي شهدتها صدمات الإمدادات السابقة.

ووسط مخاوف من وصول أسعار النفط لمستويات تضغط على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، ارتفعت أسعار النفط، خلال تعاملات يوم الجمعة، آخر جلسات الأسبوع، وسجلت مكاسب أسبوعية، في انعكاس للشكوك المحيطة باحتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 4.56 دولار، بما يعادل 4.2 في المائة، إلى 112.57 دولار للبرميل. وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.16 دولار، أو 5.5 في المائة، إلى 99.64 دولار.

وقفز سعر خام برنت 53 في المائة منذ 27 فبراير، (قبل بدء الحرب)، في حين ارتفع مؤشر غرب تكساس الوسيط 45 في المائة منذ ذلك الحين. وعلى أساس أسبوعي، ‌صعد برنت ‌بنحو 0.3 في المائة، في حين ارتفع ​مؤشر ‌غرب تكساس ⁠الوسيط بأكثر ​من ⁠واحد في المائة.

وحذّر خبراء من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل مع إطالة زمن الحرب، مع عدم استبعاد بلوغه 200 دولار للبرميل في وقت لاحق من العام.

وأدت الحرب إلى خروج 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية. ⁠ووصفت وكالة الطاقة ⁠الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتَي النفط في سبعينات القرن الماضي مجتمعتَين.

ويُعدّ خط أنابيب «شرق - غرب» مشروعاً استراتيجياً ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في السعودية إلى ساحل البحر الأحمر غرباً؛ حيث يصدر عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، عابراً أراضي المملكة من الشرق إلى الغرب، عبر محطات ضخ متعددة تمكّنه من نقل ملايين البراميل يومياً بكفاءة عالية.

وقد بدأ تشغيل الخط مطلع الثمانينات، في سياق إقليمي اتسم بحساسية أمنية عالية حينها، بعدما برزت مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، جاء المشروع ليحقق 3 أهداف رئيسية، وهي توفير منفذ تصدير بديل عن الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمدادات.

ويشغّل الخط عملاق الطاقة الوطني «أرامكو السعودية»؛ حيث تخضع عملياته لأنظمة مراقبة متقدمة، تتيح إدارة تدفقات النفط بكفاءة عالية، إلى جانب إجراءات حماية أمنية وتقنية مشددة.


ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن و«كبلر»، أن ناقلتي غاز البترول المسال «بي دبليو إلم» و«بي دبليو تير» تعبران مضيق هرمز متجهتين إلى الهند.

وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق، لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.

وأظهرت البيانات أن السفينتين اللتين ترفعان علم الهند عبرتا منطقة الخليج وهما الآن في شرق مضيق هرمز.

وتعمل الهند حالياً على نقل شحناتها العالقة من غاز البترول المسال خارج المضيق تدريجياً، ونقلت أربع شحنات حتى الآن عبر الناقلات شيفاليك وناندا ديفي وباين جاز وجاج فاسانت.

وقال راجيش كومار سينها، المسؤول بوزارة الشحن الهندية، إنه حتى يوم الجمعة الماضي، كانت 20 سفينة ترفع علم الهند، منها خمس ناقلات غاز بترول مسال، عالقة في الخليج.

وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن ناقلات غاز البترول المسال «غاغ فيكرام» و«غرين آشا» و«غرين سانفي» لا تزال في القطاع الغربي من مضيق هرمز.

وتواجه الهند، ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، أسوأ أزمة غاز منذ عقود. وخفضت الحكومة الإمدادات المخصصة للصناعات بهدف حماية الأسر من أي نقص لغاز الطهي.

واستهلكت البلاد 33.15 مليون طن من غاز البترول المسال، أو غاز الطهي، العام الماضي. وشكلت الواردات نحو 60 في المائة من الطلب. وجاء نحو 90 في المائة من تلك الواردات من الشرق الأوسط.

وتُحمل الهند أيضاً غاز البترول المسال على سفنها الفارغة العالقة في الخليج.


حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.