الإخوان في مفترق طرق.. والانقسامات تتسع

«الشرق الأوسط» تنشر مراسلات سرية لقادة الإخوان تكشف عن حجم الخلافات والصراعات

مظاهرات «الإخوان» تحولت إلى عنف في الشارع المصري
مظاهرات «الإخوان» تحولت إلى عنف في الشارع المصري
TT

الإخوان في مفترق طرق.. والانقسامات تتسع

مظاهرات «الإخوان» تحولت إلى عنف في الشارع المصري
مظاهرات «الإخوان» تحولت إلى عنف في الشارع المصري

أثار القرار الجريء الذي اتخذته حركة النهضة التونسية بفصل الدين عن السياسة تساؤلات عما إذا كانت جماعة الإخوان المسلمين في مصر ستسير على خطى النهضة. إذ يرى المراقبون أن الأزمة الحالية التي تمر بها الجماعة في مصر قد يدفع قادتها إلى التفكير في اتخاذ خطوة مماثلة.
وبينما أشارت بعض القيادات الإخوانية في المنفى إلى دراستهم لفكرة فصل الأنشطة السياسية عن الدينية، في حين رفض آخرون الفكرة باعتبارها غير واقعية وغير قابلة للتطبيق. وبغض النظر عما ستؤول إليه المناقشات الجارية حاليا حول القضية، على افتراض أنه قيد النقاش، فإن الحركة ستواجه الكثير من العقبات التي ستحول دون اتخاذ قرار مماثل لحزب النهضة.
في غضون ذلك، قال خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية إن «الانقسامات داخل صفوف الإخوان ستمتد لأعوام قادمة.. وإن المشهد داخل الجماعة (مفكك) فضلا عن تصارع 4 تيارات». بينما تنشر «الشرق الأوسط» مراسلات سرية لقادة الإخوان حصلت عليها من عدة دول، تكشف عن حجم الخلافات والصراعات، ومطالبات البعض بضرورة وجود حلول سريعة لأحوال الجماعة التي باتت غير واضحة المعالم.
ويشار إلى أن دعوة «فصل الدين عن السياسة» داخل الإخوان ليست بالجديدة، فالكثير من القيادات الإسلامية مثل محمد سليم العوا وطارق البشري وعبد الله النفيسي، حثوا جماعة الإخوان المسلمين على ترك السياسة والتركيز على الدعوة والتربية. وكان السبب الرئيسي وراء انشقاق حزب الوسط عن جماعة الإخوان المسلمين عام 1996 هو تحول الحركة إلى كيان سياسي، إذ قال رئيس حزب الوسط في مقابلة صحافية أجريت معه مؤخرا إن «نشاط الإخوان المسلمين ينبغي أن يقتصر على الدعوة».
ومنذ الأربعينات من القرن الماضي، دست جماعة الإخوان أنفها في كل المناحي السياسية. والمزج بين الدين والسياسة ليس بالأمر الغريب على أعضاء الجماعة، كما قد يبدو للعين الخارجية؛ بل على العكس تماما، فالإخوان تفتخر بمزج الدين والسياسة كجزء من آيديولوجيتها الشاملة، فالإسلام في وجهة نظر حسن البنا المؤسس وأعضاء الإخوان المسلمين دين شامل يغطي كافة مناحي الحياة، بما في ذلك النواحي السياسية.
من جهته، قال د. كمال الهلباوي الأمين العام السابق للتنظيم العالمي لـ«الإخوان» في الغرب عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان حاليا في اتصال هاتفي أجرته معه «الشرق الأوسط» من لندن إن جماعة الإخوان المسلمين، ليس لها أي وجود حاليا في مصر بحكم القانون، موضحا أن الجماعة مصنفة في مصر حاليا تنظيمًا إرهابيًا، ولم يعد لها مقر للقيادة، وجميع مقراتها تخضع للحكومة المصرية.
وصنفت الحكومة المصرية، الإخوان كجماعة إرهابية، وتشير المعلومات إلى تحول قطاع عريض من شباب جماعة الإخوان والتيار الإسلامي الرافض لعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي إلى تبني العنف.
وأضاف الهلباوي أن قيادات الجماعة إما في السجون أو هاربون للخارج، ولا أحد يقود الشباب في مصر، لافتا إلى أن قيادة الجماعة وهو محمود عزت غير معروف محل إقامته، ويقال: إنه هارب في الخارج، في تركيا أو غزة، وقال ردا على سؤال لـ«الشرق الأوسط» أين محمود عزت، بأنه سؤال أمني في المقام الأول لا يستطيع الإجابة عنه، موضحا أن قادة الجماعة تتركز صراعاتهم حاليا على الاستئثار بالسلطة والإعلام والمال من جهة تبرعات أعضاء الجماعة، والنفوذ والعلاقات الخارجية حيث يوجد الإخوان في الغرب وإسطنبول وقطر. وعن المال قال الهلباوي: «نعم هناك أموال بيد القيادات في الخارج، وهناك صراع أيضا للاستحواذ عليها».
ونوه بأن قيادة الإخوان لم تكن سرية طوال تاريخها، ولا تعمل من الخارج، مشيرًا إلى أن الصراعات على المناصب والأموال تضرب الجماعة الآن، لا سيما في ظل انشطارها إلى ثلاث مجموعات، مؤكدا أن جميعهم يبتعدون عن منهج الإمام المؤسس حسن البنا؛ بل ربما يتمسحون به من أجل إضفاء الشرعية ومحاولة الاستئثار بالسلطة.
وأوضح أن المجموعة الأولى هي الأقوى بحكم أنها تضم القيادات التاريخية، وتتحكم في أموال الجماعة، وتضم المرشد العام الجديد محمود عزت، ومحمود حسين الأمين العام للجماعة، والقيادات التي تعمل في لندن.
فيما قال أحمد بان الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط»، إن الانشقاقات التي تشهدها جماعة الإخوان في مصر وتركيا وسوريا تدل على انتقال الجماعة من حالة التماسك الفكري والوحدة التنظيمية إلى حالة من حالات التململ من طول الجمود الفكري والتنظيمي، والتعاطي مع الواقع المتغير في كل هذه الدول، بالشكل الذي يكاد ينتج مدارس فكرية وتنظيمية جديدة تختلف تماما عن الشكل القديم الذي عرفنا به جماعة الإخوان عبر عقود، مضيفا: أن الجماعة تعرضت لأكثر من زلزال تنظيمي، فقدت الحكم بعدما وصلت إليه في بعض البلدان، شاركت في الحياة السياسية وحصلت على ثقة الناخبين في بلدان أخرى، ودخلت الحكومة في بلدان.. هذا التباين في التجربة أنتج هذا التشظي أو الانقسام الذي لا أظن أنه سوف يتوقف؛ بل قد تمتد حالة السيولة في الانقسام لأعوام قادمة، قبل أن يحدث التجدد المعنوي والسياسي والتنظيمي والتفاعل مع الواقع بصيغة جديدة.
وتشهد جماعة الإخوان حالة من الانقسام والصراع داخليا، بالتزامن مع تعرضها لضربات أمنية وسياسية قاسية في مصر والدول العربية، لا سيما مع تصنيفها تنظيما إرهابيا في نهاية العام 2013 في مصر، واتخاذ دول الإمارات والمملكة العربية السعودية القرار نفسه لاحقا.
ومع اشتداد الضربات الأمنية ضد الإخوان، وتعرض غالبية القيادات للسجن، ولا سيما المرشد العام محمد بديع، وخيرت الشاطر، ومحمد البلتاجي، ورشاد البيومي نائب المرشد ومهدي عاكف المرشد السابق بالإضافة إلى الرئيس المخلوع محمد مرسي، والآلاف من الأعضاء، تترنح الجماعة وصارت تعاني الانقسامات، خاصة أنها تقع تحت قيادة محمود عزت، القائم بأعمال المرشد العام، وهو شخصية غير محبوبة في أوساط شباب الجماعة، ويحمّلونه مسؤولية انهيارها. وانقسمت الجماعة إلى جماعتين أساسيتين، هما الجماعة التي يقودها محمود عزت، وهي الجماعة الأكبر والأكثر عددًا، بسبب سيطرة عزت على أموال الجماعة، واستخدامها في تقريب الشباب إليه.
ويقود الجماعة الثانية، محمد كمال ومحمد منتصر، وتضم هذه الجماعة غالبية الشباب الرافضين للمسلك الحالي للجماعة، لكنهم ليسوا في قوة ونفوذ جماعة محمود عزت.
غير أن القاسم المشترك بين المجموعتين، أن قياداتهما هاربون للخارج، ويقيمون ما بين تركيا وقطر ودول أوروبا مثل بريطانيا والنمسا.
وتلقت الجماعة ضربة داخلية جديدة زادت من انقسامها، بإعلان محمد كمال، القيادي في الجماعة، وقائد المجموعة الشبابية، استقالته من كافة مواقعه داخل الجماعة، لا سيما أنه عضو في مكتب الإرشاد.
وقال كمال في تسجيل صوتي: «أدعو اللجنة الإدارية العليا لإعفائي من مهامي»، مضيفا: «وأعلن عدم التقدم لأي منصب في الإدارات المقبلة».
وكشف كمال للمرة الأولى أن الجماعة تعاني خلافات ومشاكل كثيرة، وقال: «لم أكن يومًا حريصا على موقع، بل كنت أريد الدفاع عن مؤسسية الجماعة وتصحيح أوضاع خاطئة وممارسات أضرّت بالجماعة وسمعتها وجارت على مبادئها»، داعيا القائم بأعمال المرشد محمود عزت إلى «التراجع خطوة للوراء وتسليم الراية للشباب فرسان الميادين»، على حد قوله.
وأضاف أن «كافة المبادرات التي تم طرحها لحل أزمة الصراع داخل الجماعة أوصت بتقديم الشباب وتراجع القيادات السابقة»، وقال: إن «عجلة الإصلاح بدأت في الدوران».
وفي الرسالة الأولى التي تنشرها «الشرق الأوسط» بالإضافة إلى عشرات من المراسلات الخاصة، التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» والتي تم إرسالها إلى قيادات إخوانية خارج مصر تقول من شخص يدعى مدحت الحداد وهو مسؤول المكتب الإداري لـ«الإخوان» المصريين بتركيا المحسوب على جبهة القائم بأعمال المرشد محمود عزت، «أرى أن إخواني قد تجاوزوا كافة الخطوط الحمراء بلا استثناء، وأضاعوا كل فرص إيجاد حلول لجمع الصف؛ بل تمادوا في إجراءات شق الصف بلا هوادة.. فعلى المسؤول الذي حمله الله هذه المسؤولية إما أن يكون قادرا على حسم هذه الأمور ووقف هذا العبث بمقدرات الأمة ووضع الحدود الفاصلة لهذه المهاترات، وإما أن يترك مكانه لمن هو أقدر على الحسم».
وحول مصالحات مع الإخوان في مصر، قال الدكتور خالد الزعفراني الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية ليس هناك أي مصالحات مع الإخوان ولا حتى نية مصالحات سواء من الدولة المصرية أم من الإخوان، لافتا إلى أن الدولة لا تستطيع أن تبدي أي مصالحة مع الإخوان بسبب رفض كثير من الشعب لذلك، فضلا عن الانشقاقات الموجودة داخل الإخوان والمزايدات، ولا يستطيع أي فصيل في الجماعة حتى الفصيل الأساسي الذي يتزعمه عزت نائب المرشد ومحمود حسين وإبراهيم منير لا يستطيع أن يأخذ قرارا لأن فيه مزايدة على الطرف الآخر في الجماعة وهو طرف قوي وهو محمد كمال، موضحا أن الإخوان لا يستطيعون أخذ أي قرار في هذا الشأن ولا الدولة المصرية نفسها تستطيع أن تأخذ أي قرار.
وقال الزعفراني إن كل ما يحدث من كلام عن المصالحات ليس له أي أساس، لافتا إلى أن المشهد داخل الجماعة الآن مفكك، وأصبحت أربعة أقسام، قسم ضخم وهو يقف يتأمل ومجمد موقفه وما زال ينتمي للجماعة لكنه لا يقوم بأي فعاليات ويرى أن الجماعة أخطأت في أشياء كثيرة؛ لكنه ليس لديه استعداد للابتعاد عن الجماعة، وقسم ثانٍ وهم الجماعة الأساسية وهو متمسك بكل شيء وعلى رأسه محمود عزت وهو قسم ضخم وهو الأكبر، أما الثالث فهو محمد كمال ومعهم مجموعة من الشباب صاحب الفكر الثوري وهؤلاء عمرهم قصير وسوف ينقسمون على بعض لأنه لا يوجد فكر واحد يجمعهم وعدد كبير منهم «ملوث» بالأفكار التكفيرية والجهادية أما المجموعة الرابعة وهي التي قررت الابتعاد عن الإخوان وهي مجموعة كبيرة.
ويقول مراقبون إن ثمة عقبة ثانية تتمثل في التلقين الآيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين، فعلى النقيض من الجماعات الإسلامية المسكينة تتبنى جماعة الإخوان المسلمين برنامجا مسيسا إلى حد كبير يضمن تفاعل الأعضاء إلى حد كبير مع الحياة السياسية بشكل يومي. وتروج برامج التلقين في الجماعة إلى بعض القيم التي تتجاوز الدين وتساعد في خلق هوية سياسية. علاوة على ذلك، فإن جماعة الإخوان لا تقتصر على تدريب أعضائها ليكونوا دعاة فقط، بل أيضا يشمل التدريب إعداد ناشطين اجتماعيين وسياسيين. ومن ثم، فإن التخلي عن السياسة سوف يعني تغييرًا جذريًا في برامج التلقين والتنشئة الاجتماعية الخاصة بالإخوان المسلمين، وهو ما تستطيع الجماعة تحمل القيام به.
وتابع الخبراء أما بالنسبة للمعضلة الثالثة، فتتمثل في الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، فلطالما تلقت الجماعة ألوان المديح على تماسك وانضباط هيكلها، الذي مكنها من البقاء على قيد الحياة في مواجهة قمع النظام لها لعقود من الزمان. ومع ذلك، فيمكن لهذا الهيكل أن يفضي إلى نتائج عكسية. ففي أعقاب ثورة يناير 2011. أنشا الإخوان «حزب الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، جميع أعضائه من الإخوان ولا يوجد ثمة دليل على انضمام أعضاء من خارج الجماعة إلى عضويته. وقد اعتمد الحزب الناشئ بشكل كبير على هيكل الإخوان المسلمين وتكتيكات التجنيد والحشد التي تنتهجها الجماعة.
فإن قررت جماعة الإخوان المسلمين أن تصبح جماعة دينية فقط، فسوف تفقد تميزها في السوق الدينية. وعندما كتبت عن الجماعة عام 2007. رفض الكثير من قياداتها فكرة اقتصارها على الدور الديني فحسب، بينما أعرب بعضهم عن امتعاضهم من فكرة فصل الدين عن السياسة واعتبروها شكلا من أشكال العلمانية. وقد انضم هؤلاء الأعضاء إلى جماعة الإخوان المسلمين بسبب طابعها الشمولي، وبالتالي فإن فصل الدين عن السياسة سينفر كثير من الأعضاء، وخاصة في المناطق الريفية والضواحي.
ولكن اليوم تواجه الجماعة مزيدا من الخلافات والانشقاقات بين قادتها، رغم أن معظم قادة الجماعة في السجن، والكثيرون منهم يواجهون حكم الإعدام، وكثيرون هربوا لدول متعاطفة معهم مثل قطر وتركيا.
وأشار الهلباوي إلى أن المجموعة الأولى تعرف تتصارع على السلطة الآن، وكشف أن هذه المجموعة تتحدث وتقود ما تصفه بـ«الحراك الثوري». ونبه إلى أنهم «لا يؤمنون بالثورة، بل يؤمنون بالعنف، ويستهدفون ضباط الشرطة والجيش والمؤسسات المختلفة، ويسعون إلى إسقاط الدولة».
وذكر أن المجموعة الثانية يقودها شخصان هما محمد منتصر ومحمد كمال، وهي المجموعة التي تتصارع مع مجموعة محمود عزت على المناصب والأموال، وتحاول كل مجموعة منهما استقطاب الشباب إليها.
ولفت الهلباوي إلى أن المجموعة الثالثة تقف حائرة بين المجموعتين الأولى والثانية، وتسمي نفسها «جماعة التوقف والتبين»، مشيرا إلى أنهم يرفضون العنف والصراع على السلطة، وتضم عشرات الآلاف من الشباب، وهذه المجموعة تتعرض لضغوط هائلة من السلطة في مصر وقيادات الإخوان في الوقت نفسه.
ويرى المراقبون أن ما زاد الأمور تعقيدا هو اختلاف الإخوان المسلمين حول من يتحدث باسمهم، حيث إنه في نهاية العام الماضي، عزل عدد من قادة الجماعة المتحدث الصدامي، واسمه المستعار هو محمد منتصر، فيما رفض آخرون القرار، الذي قالوا: إنه مخالف للتعليمات.
فيما يعتقد خبراء الجماعات الأصولية أن «الخلاف بين قادة الإخوان هو عرض لنزاع عميق داخل الجماعة، حول القيادة والأولويات، حيث إنه بعد 88 عاما من النشاط الديني والسياسي والاجتماعي، الذي ألهم بإنشاء جماعات مماثلة في المنطقة، فإن الجماعة تمزق نفسها».
وعن التضارب الذي يحدثه محمود عزت نائب المرشد (الهارب) في مصر وتصريحاته التي يتحدث فيها أنه المرشد وهل لهذا تأثير على الشباب في الجماعة، أضاف أحمد بان لـ«الشرق الأوسط» نحن أمام انقسام تنظيمي في مصر مثلا يتعزز يوما بعد يوم بين مجموعتين، مجموعة تعبر عن الحرس القديم داخل الجماعة، وهذه المجموعة ربما يحركها هاجس الحفاظ على التنظيم أكثر من أي شيء آخر، مقارنة بمجموعة أخرى أقرب إلى جيل الشباب تحركه دوافع الثأر ويبدو مقتنعا بأن النمط الإصلاحي الذي درجت عليه جماعة الإخوان لم يعد مناسبا وأن الجماعة يجب أن تكون جماعة ثورية في أفكارها ووسائلها وأساليبها، هذا التباين يتعزز يوما بعد يوم، والقطيعة تتسع بين الفريقين، حتى أن قضية المصالحة والحوار مع الدولة المصرية لا تكاد تجد لها فريقا محددا بسبب هذا التنازع.
في ذات السياق، يقول القيادي الإخواني عمرو دراج، وهو أحد القياديين الذين يعيشون في إسطنبول، وهو يقف مع جناح المواجهة، قوله إن «جمود» الجماعة، في ظل القيادة القديمة، عامل يدفع الشباب نحو العنف، مشيرا إلى أن هناك من يتهم الحرس القديم بالتفاوض مع النظام، وهي تهمة ينفيها قادته.
وعن المراجعات التي قد تتم مع شباب الإخوان من قبل الدولة المصرية، قال الدكتور خالد الزعفراني لـ«الشرق الأوسط» إن هذه المراجعات يقوم بها مجموعة من العلماء المتخصصين ونحن نطالب بها، وهذه المراجعة للشباب عن الفكر التكفيري وفكر العنف والأفكار البعيدة عن الإسلام الوسطي، لافتا إلى أن هذه المراجعات التي بدأ منها شيء بسيط؛ لكن ليس هناك مراجعات جدية حتى الآن، والدولة المصرية مقصرة تماما في موضوع المراجعات.
فيما قال أحمد بان إن المراجعات قد تنجح إذا انطلقت من دوافع ذاتية داخل الجماعة وتوفرت لها الأجواء المناسبة تنتج أثرها، لكن حتى الآن لا توجد بيئة حاضنة لقضية المراجعة بشكل واسع وشامل داخل الجامعة وداخل الدولة المصرية أيضا.
من جهته، أكد إبراهيم منير نائب المرشد العام لـ«الإخوان»، الأمين العام للتنظيم العالمي للغرب في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» أنه على الرغم من أن الجماعة فكرها واحد وأدبياتها واحدة واتجاهها واحد؛ لكن هناك اختلافات في العمل السياسي، لكن قنوات الحوار والاتصالات لم تنقطع أبدا.
وحول دور الشباب في المرحلة الحالية والمقبلة في مسيرة الجماعة، قال منير، إنه رغم وجود شيوخ الجماعة وراء القضبان؛ فإنه لا يمكن التقليل من أهميتهم، فمهدي عاكف المرشد السابق فوق الـ90 عاما وبديع المرشد الحالي فوق الـ75 عاما، وحكم عليه حتى الآن بنحو 4 أحكام إعدام والسجن لما يزيد عن 400 عام، فضلا عن رشاد البيومي 83 عاما وهو نائب المرشد، ويعانون الحبس في السجون المصرية، ومجال الدعوة مفتوح لمن يستطيع أن يبذل فيه من جهود بالنسبة للشباب، والمسؤولية في الجماعة منذ القدم بالانتخابات من أصغر مسؤولية إدارية حتى أعلى مستوى من المناصب، حتى اختيار المرشد بالانتخاب وله دورتان فقط، ولا أحد يسعى إلى تولي مسؤولية، إنما المسؤولية تسعى إلى الناس، بحسب الانتخابات التي تجرى داخل الجماعة، بحسب اللوائح وحسب الطاقة الموجودة لدى أعضاء الجماعة.
وأوضح منير أن مكتب الإرشاد مكون من 17 لمن هم فوق الثلاثين عاما وبالانتخاب بحسب لائحة الجماعة، ولا يمكن التقليل أيضا من دور الشباب، وليس هناك مجالات مغلقة أمام الشباب، وأمام نصائح مشايخ الجماعة المتبقين خارج السجون.
واعتذر إبراهيم منير نائب المرشد العام لجماعة الإخوان في لقائه مع «الشرق الأوسط» عن تصريحاته أمام مجلس العموم البريطاني، التي حمل فيها الجماعة الإسلامية مسؤولية العنف خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وذلك لبحث تأثير نشاط الإخوان على المصالح البريطانية.
وقال منير: «لعله كان من الواجب لحظتها الإشارة إلى أن الأمر بالنسبة للجماعة الإسلامية قد حدث بعد اغتيال المتحدث الإعلامي باسمها الدكتور علاء محيي الدين عام 1990 بدم بارد، وقبل المراجعة الشرعية التي قامت بها الجماعة الإسلامية وإعلانها نبذ أي مظاهر للعنف من خلال مراجعتهم المشهورة، ثم مشاركتهم العمل السياسي بعد عام 2011 من خلال حزب سياسي قانوني».
وذكر منير، أنه في منتصف الثمانينات خلال فترة حكم الرئيس الأسبق مبارك كانت هناك أزمة اقتصادية واجتماعية، وبدأت الجماعة الإسلامية العنف وكاد النظام يسقط فعلا، والكثيرون دفعوا الإخوان، وتساءلوا: لماذا لا تشاركون في هذه الأمور فهي فرصة لإسقاط النظام العسكري؟، ومع ذلك رفض الإخوان المشاركة، لأنه ضد مبادئهم، حتى لو كان مبارك يظلمهم. وأثارت تصريحات منير، ردود فعل غاضبة داخل الجماعة الإسلامية مما دفعها وحزبها السياسي «البناء والتنمية»، لإصدار بيانات استنكار وإدانة لها.
وفي إحدى الرسائل التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» جاءت من شخص يدعى إسلام الغمري، وقال فيها «قدر محبتنا لكم، ولكن التصريحات التي جاءت عن الدكتور إبراهيم منير عن الجماعة الإسلامية أثارت حالة من السخط في أوساط إخوة الجماعة الإسلامية وغيرهم، وقد طلب الإخوة مني إيصال احتجاج الإخوة عندنا على هذه التصريحات، وطلب التوضيح من دكتور محمود حسين الأمين العام حرصا منا على دعم أواصر المحبة والأخوة بيننا ودفعا لنزغ الشيطان».
وهناك رسالة أخرى أرسلها الدكتور عاشور الحلواني أمين حزب الحرية والعدالة بالمنوفية في مصر، قال فيها «أثبتت التجارب أن هذه الجماعة ليست مرتبطة بأشخاص مهما كان قدر الأشخاص قيمة وقامة وفضلا»، مضيفا: «آلمني وآلم كل حر متجرد للحق أن جماعتنا تمر بمنعطف خطير ومحنة غير مسبوقة ومؤامرة كبرى داخلية وخارجية، وتزداد المسألة صعوبة لهول الصدمة وغياب المؤسسات المتوافق عليها الفاعلة القادرة على حل هذه الخلافات، وهذه المؤسسات ما غابت بإرادتنا ولكن بتغييب أعضائها في المعتقلات أو المطاردات أو حتى الموت.. وقسم الصف الإخوان إلى فريق مستبشر بنصر الله وثابت على الحق يؤدي واجبه داخل السجن وخارجه يدعو لوحدة الكلمة ووحدة الجماعة مشغول بأوراده داعيا لإخوانه أن يجمع الله شملهم، وفريق آخر أصابه الاكتئاب العام والحزن على ما آلت إليه الأمور وإن أظهر أنه منتظم في أداء واجباته المطلوبة منه ومعظم هذا الفريق خارج السجون أصابه الفتور وقعد عن العمل المثمر الفعال، فيما هناك فريق ثالث مشغول لأذنيه بالاختلافات بين القيادات وترديد أقوال ونشر أخبار قد تكون صحيحة أو لا تكون وقد يظهر أنه ملكي أكثر من الملك في تبريره هذه الأقوال أو الأفعال أو حتى اختلاق شائعات للأسف الشديد».
وتابع الحلواني في رسالته: بعض القيادات قادت الجماعة في طريق خطأ وأدت إلى كوارث وتجاوزت الصلاحيات وتجاوزت القيادة الشرعية وتريد شق الجماعة أو اختطافها وهناك شكوك حول بعض الأفراد فيها وأن محمد منتصر والفريق الإعلامي معه «يدغدغون» العواطف على غير الحقيقة ويتعمدون الكذب ونشر وتسريب المعلومات المغلوطة أو المجتزأة وعلى الجميع السمع والطاعة للقيادة الشرعية، مقترحا في نهاية رسالته التي تضمنت عبارات تتعلق بعودة مرسي ولقاءات تتم بين عناصر لـ«الإخوان»، مقترحا تشكيل مكتب يضم إبراهيم منير القائم بعمل المرشد مشرفا، وحلمي الجزار رئيسا، وعمرو دراج نائبا، وعضوية عبد الموجود الدرديري، وجمال حشمت، ويحيى حامد، وأحمد عبد الرحمن، وأشرف بدر الدين، وأحمد عبد العزيز، وأحمد عبده، وصلاح عبد المقصود (وزير الإعلام الأسبق).
وتواجه جماعة الإخوان المسلمين بمصر (تأسست عام 1928)، حاليًا خلافات داخلية متصاعدة، وصلت ذروتها خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عقب إعلان مكتب الإخوان المسلمين في لندن، إقالة الشاب محمد منتصر (اسم حركي مقيم داخل مصر)، من مهمته كمتحدث إعلامي باسم الجماعة، وتعيين طلعت فهمي (55 عامًا) متحدثًا جديدًا بدلاً منه.
وتلا ذلك تدشين موقع إلكتروني جديد للجماعة، واستمرار إصدار بيانات مضادة بين قيادات بالجماعة، ومكاتب تنفيذية بها، حول إدارة التنظيم، وشكل الثورة التي ينتهجونها ضد السلطات المصرية الحالية.
ودفعت أزمة الخلاف الداخلي المتصاعد في جماعة الإخوان المسلمين في مصر، الجماعة الإسلامية (حليفها الأبرز) لأن تُصدر بيانا تحذر فيه من أثر هذا الخلاف على التحالف الوطني الداعم لشرعية الرئيس محمد مرسي والرافض للانقلاب، كما تضمن البيان تهديدا غير مباشر بالانسحاب من التحالف بإشارتها إلى أن ذلك «قد يدفع قوى إلى مراجعة الموقف إزاء الاستمرار في التحالف».
وظهرت أزمة جماعة الإخوان للعلن في منتصف 2015، على خلفية تباين وجهات النظر بين قادة الجماعة.
وقالت الجماعة الإسلامية في بيانها إن هذا الموقف «يأتي في ظل استغراق أطراف الخلاف في دوامة الأزمة وتعقيدات جذورها وفروعها»، لافتة إلى أن ما تحمله الأزمة من مخاطر قد تؤثر سلبا على المصالح العليا للوطن.
وأكدت أن تداعيات الأزمة ستؤثر على علاقة الإخوان بالتحالفات التي تجمعها مع غيرها من القوى الفاعلة في المشهد المصري، والتي قد تدفع هذه القوى إلى إعادة النظر ومراجعة مواقفها من الاستمرار في تلك التحالفات.
في غضون ذلك، وعن تلويحات بعض المسؤولين في الحكومة المصرية بوجود اتجاه للتصالح مع الجماعة، قال أحمد بان، وهو قيادي منشق عن الجماعة، لا أحد يعلم من الذي يستطيع تسويق هذا الانقسام بين فريقي الجماعة.
وعن مزاعم وجود لقاءات من مسؤولين بمصر بأعضاء من الإخوان للتصالح، أكد بان، أتصور أن الحوار يجري ربما بشكل سري منذ فترة وأتصور أن هناك بالفعل تواصلا ما بين الجماعة وأطراف داخل الدولة المصرية، لافتا إلى أن هذه الاتصالات لأعضاء من الجماعة داخل وخارج مصر.
وهاجر العشرات من أعضاء جماعة الإخوان إلى سوريا أثناء حكم مرسي، وانضموا إلى تنظيم جبهة النصرة، ثم تحولوا إلى «داعش» لاحقًا، وشغلوا مواقع قيادية في التنظيم.
وعن سير الإخوان على خطى راشد الغنوشي بإبعاد الدين عن الدولة، قال بان «للدقة راشد الغنوشي لم يقل بإبعاد الدين عن الدولة أو بفصل الدين عن الدولة، فقط يدعو للفصل الوظيفي بمعنى أن تتخصص مجموعة من الجماعة للعمل السياسي وتتخصص مجموعة أخرى للعمل الدعوي دون المزج بينهما»، مضيفا: أتصور أن إخوان مصر رغم حديثهم عن هذا الأمر إلا أنه ينسف أساس الفكرة الإخوانية التي تعتمد على قضية الشمول وقضية العالمي، ومن ثم هم بعيدون عن هذا الأمر.
وقال الزعفراني إن فصل الدين عن الدولة في الإخوان، مستبعد نهائيا عند جماعة الإخوان، وظني أن الجماعة مستقبلها غير طيب في مصر، وأنها مع الأيام سوف تزداد بعدا عن الشعب المصري.
وحول حال الإخوان الآن في مصر، قال بان هي حالة من حالات التشاور الفكري والتنظيمي وعدم القدرة على تصميم بناء فكري وتنظيمي يلائم الواقع، وبالتالي هي حالة فشل قد تقود إلى حالة من حالات المراجعة بالشكل الذي نستطيع أن نتحدث فيه عن صيغ و«بنى» جديدة لأفكار الإخوان تختلف أو ليست وثيقة الصلة بالبنى التي اعتمدت عليها الجماعة عبر تاريخها.
من جهته، قال الدكتور خالد الزعفراني الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية والقيادي المنشق عن الإخوان، كان متوقعا أن تحدث مثل هذه الانشقاقات التي تشهدها صفوف الجماعة في مصر وسوريا ولندن وإسطنبول لأن الإخوان أنفسهم سمحوا لخطاب غريب عن الخطاب التقليدي للجماعة التي كانت عليه في سبعينات وتسعينات القرن الماضي، وهو الخطاب الذي كان في ميدان «رابعة العدوية» بمصر (اعتصام أنصار مرسي عقب عزله شرق القاهرة) وكان من أشخاص ينتمون إلى تنظيمات الجهاد ومن التكفيريين وأصبحوا من الأبواق التي كانت تخطب في «رابعة» وقد سمعهم كثيرون من شباب الإخوان وهذا قد أحدث تغيرا كبيرا في فكر كثير من شباب الإخوان، مضيفا: ممارسات الإخوان في مصر عملت في وقيعة كبيرة بين الإخوان كتنظيم والشعب المصري، فالشعب أصبح هناك عداء مع الإخوان وعدم ثقة كبيرة في الإسلام السياسي، والخطاب التكفيري والجهادي أثر كثيرا على الإخوان في مصر، فأصبحت جبهة محمد كمال ومحمد منتصر، مخالفة للخط التقليدي الخاص بالجماعة، هي جماعة كانت تتبع الأسلوب الهادئ وأسلوب عدم التكفير وعدم الإثارة وتعتمد على النفس الطويل، فهذا أحدث شرخا في أفكار الإخوان التقليدية وبين أفكار واردة على الإخوان، وظهرت المجموعات النوعية وغيرها وهي التي تنتمي لـ«الإخوان» ظاهريا لكن أفكارها تتسم بالعنف.
وأضاف الزعفراني، وهو قيادي منشق عن جماعة الإخوان، أن الإخوان في الكويت لهم علاقات طيبة بالحكم والشعب الكويتي، عندما رأوا القطيعة التي حدثت لإخوان مصر فضلوا أن يبتعدوا عن الإخوان في مصر تماما، حتى لا يحدث بينهم وبين الشعب الكويتي وقيعة، وكذلك إخوان البحرين نفس الوضع وأيضا إخوان الأردن. أما الإخوان في المغرب يسلكون مسلكا آخر، وأيضا إخوان تونس، لافتا إلى أنه من منذ صعود التيار القطبي 2010 وهو تطور غريب على نهج الإخوان الذي كان عليه عمر التلمساني ومن بعده من المرشدين، موضحا أن هذه الانشقاقات التي حدثت في إخوان مصر سوف تزداد الأيام المقبلة؛ إذا لم يأخذ الإخوان قرارا شجاعا ويتم تغيير أسلوبهم ونظام الجماعة الشاملة، والجماعة التي بها السمع والطاعة بالشكل الإجباري، وأنها تبقى تنظيما سريا ولها ميزانية لا أحد يعرفها، هذا الشكل لن يقبل به الشعب المصري مرة أخرى، أيضا استحالة أن ترضى الدول العربية أن تكون الإخوان جماعة تقف ضد الأنظمة وتصبح دولة داخل الدولة.
وتنشر «الشرق الأوسط» رسالة خاصة عن الوضع الحالي لـ«الإخوان» في تركيا من شخص يدعى أسامة سليمان، ويقول فيها «لا شك أن الوضع غير صحي وينذر بما لا يرضاه أي مخلص لجماعته»، متابعا: على الجميع أن يتفهم ما آلت إليه الأمور وأن على كل من اختاره الله في موقع المسؤولية أن يبادر ولا يمل أو يفوض غيره أو يصمت أمام الإصرار في البحث عن حل يجمع الصف ويقويه لا يضعفه، مضيفا: لذا وكوني أخا جنديا في الجماعة أدعوكم لتبني العمل على اجتماع عاجل خلال الساعات القادمة يجمع فيه من ترونه أهلا له وتطرح فيه المقترحات ويتخذ بشأنها قرارا يراعي المصلحة العامة ويحتوي الموقف الناشئ إبراء للذمة وما تفرضه المسؤولية علينا جميعا تجاه جماعتنا.
وهناك رسالة أخرى من المكتب الإداري لـ«الإخوان» في تركيا، جاء فيها تقديرا من المكتب الإداري المنتخب بتركيا لطبيعة المرحلة الحالية والتي تدعو للوحدة والالتفاف حول القضايا المصيرية، فقد تم اتخاذ خطوات عدة لرأب الصدع وتجميع الصف، وعلى الرغم من صدور بيان عن أمانة مجلس الشورى يؤكد بطلان الدعوة والتي رفضها 26 عضوا من أصل 38 عضوا، وأن الداعين 9 فقط من أعضاء الشورى بحسب ما تم نشره وتداوله، فإن أيادي المكتب ممدودة للجميع حتى اللحظة، وقد تم التواصل من مسؤول المكتب مع عدد من الداعين لتلك الجلسة للتوصل لحل يرضي جميع الأطراف إعلاء لوحدة ومصلحة الصف، والتفرغ لحل المشكلات التي يعاني منها بعضنا، ومواجهة عدونا المشترك، والاستجابة لمبادرة أخ فاضل من القامات التي يجمع عليها جميع الأطراف وهو عضو شورى أيضا، وتم التواصل من خلال شخصه الكريم مع المجموعة المتصدرة للحدث، حيث قاموا بترشيح ثلاثة من الإخوة لاتخاذ القرار المناسب، وطلب عقد جلسة طارئة للشورى بحضور ممثلين من إدارة الرابطة لمناقشة البنود الخمسة المختلف عليها بين مشروع اللائحة واللائحة المعتمدة والسعي لإقناع إخواننا في الرابطة على استثناء لائحتنا في بعض الأمور نظرا لخصوصية المكان والمهمة والتوقيت، وشروع لجنة تحقيق مستقلة في اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه أي مخالفات حدثت في الانتخابات التي جرت ويكون لهذه اللجنة الحق في اتخاذ أي قرار تراه.
ورفض المكتب في رسالته الإملاءات الفردية التي يتم تلبيسها بثوب العموم تحت مسميات ليست دقيقة سواء «دعوة باسم مجلس الشورى» أو دعوة «الجمعية العمومية».
ويقول مراقبون بأن ثمة عقبات وتحديات تقف أمام «المصالحة المفترضة» بين مصر وتركيا، تتمثل في سقف الشروط العالي الذي قدمته تركيا، والمرتبط بالديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر بما يشمل إلغاء عقوبات الإعدام والمؤبد الجماعية وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وهو ثمن لا يبدو النظام القائم في مصر حاليا قادرا على – أو راغبا في – تقديمه، فضلا عن الموقف الشخصي للرئيس التركي رجب طيب إردوغان من شخص الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والحدة الكبيرة في سلسلة طويلة من التصريحات التي تنال منه مباشرة، ورفض الرئيس إردوغان حتى الآن لقاءه أو التعامل معه، وتأكيده على ذلك في كل المناسبات.
بالإضافة إلى الاشتراطات المصرية المتعلقة بتسليم بعض القيادات الإخوانية المقيمة في تركيا وإغلاق وسائل الإعلام التي تهاجم الانقلاب قبل أي مصالحة.



«العنف التوليدي» تحت الأضواء بمصر بعد صخب في «السوشيال»

صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
TT

«العنف التوليدي» تحت الأضواء بمصر بعد صخب في «السوشيال»

صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى

قبل بضعة أسابيع، فجرت الطبيبة المصرية الشابة أمنية سويدان جدلاً واسعاً، بتدوينة نشرتها على «فيسبوك»، حول العنف الذي تتعرض له نساء خلال الولادة، وفق ما يعرف اصطلاحياً بـ«العنف التوليدي»، وهو حديث أُثير لأول مرة في مصر على نطاق واسع، رغم أن الأحداث التالية أظهرت أن مثل هذه التجاوزات فعل قديم ومتكرر، وتتعرض له آلاف النساء، وسط تساؤلات عالقة عن مصير مقترفيه.

عدّدت سويدان، التي هجرت الطب من أجل الإخراج السينمائي، أشكالاً للعنف بين لفظي وجسدي وجنسي، تعرّضت له نساء داخل مستشفى الشاطبي خلال قضائها «فترة الامتياز»، أو التدريب المؤهل لممارسة المهنة، قبل عدة سنوات. المنشور الذي بدأ بعبارة تحذيرية على أنه «تريغر» قادر على إيقاظ ذكريات مؤلمة لدى من يشاهدنه، شجّع مئات النساء على كتابة تجاربهن المؤلمة، التي تنوعت بين مستشفيات حكومية وخاصة، ومع أطباء ذكور وإناث على السواء، بالإضافة إلى الجسم التمريضي.

من ضمن ما حكته سويدان، في 15 يونيو (حزيران) 2026، شتائم وإهانات واستهزاء بالألم تتعرض له نساء من أطباء وممرضين خلال الوضع (الولادة)، تجتمع كلها تحت اسم «العنف اللفظي»، فيما تتعرض أخريات لعنف جسدي موصوف من ضرب وضغط على البطن والفم لمنعهن من الصراخ، بالإضافة إلى الحديث عن الأعضاء الحميمة للسيدات والتندر عليها والتحرش الجنسي بذريعة تحفيز بعض السيدات لتسريع الطلق، وتكرار الكشف على نحو غير ضروري، وصولاً إلى الامتناع عن تقديم الرعاية الصحية لبعض الحالات.

مدخل مستشفى الشاطبي بمحافظة الإسكندرية. (مواقع التواصل الاجتماعي)

ذاكرة الألم

«كل ليلة لمدة 3 شهور، كنت أتذكر ما حدث معي وأبكي»، كان ذلك جزءاً من مضمون رسالة أرسلتها صديقة شخصية للناشطة النسوية صاحبة منصة «أحكي»، ناميس عرنوس، ونشرتها الأخيرة مصحوبة بتعليق منها على العنف التوليدي على صفحتها بـ«فيسبوك» بتاريخ 17 يونيو الماضي.

حكت صاحبة الشهادة أنها عند ولادتها في مستشفى خاص، سخر الطبيب في الطوارئ ضاحكاً من ألم الطلق. ولما بدا عليها الامتعاض، أخضعها لفحص نسائي «عنيف لدرجة النزف»؛ تقول صاحبة الشهادة. وتضيف: «كنت قرأت عن فحص النساء قبل ولادتي، وما تعرضت له لا يمت له بصلة»، مشيرة إلى أن طبيباً قبل دخولها العمليات للولادة القيصرية جاء لها واعتذر ثم انصرف، ولا تعلم إن اتخذ أي إجراء بحق الطبيب المخالف.

وصفت دعاء أبو صالح، ممن كتبن شهادتهن عن العنف التوليدي على «فيسبوك»، تجربة ولادتها الثانية بأنها «أسوأ ساعات مرت علي في حياتي»، مشيرة إلى تأفف الطبيبة المشرفة على ولادتها وتلكؤها بمعاينتها. وكانت دعاء تتمسك بالولادة الطبيعية، لكنها واجهت تعنت الطبيبة، ورفضها الكشف عليها لفترة طويلة، وقالت: «جهاز قياس نبض الجنين بدأ يعطي إنذارات، وأنا أرجو الممرضة أن تستدعي الطبيبة لتكشف علي ولكنها رفضت»، مشيرة إلى أنها قدمت شكوى فيها، لكن ذلك لم ينه الألم النفسي لذلك اليوم في ذاكرتها.

أما نادية أبو زيد، فقالت: «أنا ولدت بالحيا»، في إشارة إلى شدة الألم خلال تعرضها لولادة قيصرية بتخدير لم يأخذ مفعوله تماماً. وكان الطبيب أعطاها البنج، وسألها عما إذا كانت تشعر بشيء، وقبل أن تُجيب أو تُمنح وقتاً «كانت بطني بتتشق وأنا بصرخ». وبقيت تصرخ لفترة، حتى جاء طبيب من الخارج وأعطاها بنجاً مرة أخرى، لكن المشرط كان قد فعل فعله في جسدها ونفسها. وتضيف بعد الولادة مباشرة: «كانت تأتي ممرضة وتضغط على جرحي بحجة إخراج الدم الفاسد».

نائبة وزير الصحة خلال جولة في بني سويف داخل مستشفى توليدي في يونيو 2026. (وزارة الصحة المصرية)

شاهدة أضحت متهمة

رغم الشهادات المتعددة التي ضجت بها وسائل التواصل المصرية وتحولت لقضية رأي عام، ألقت قوات الأمن القبض على سويدان، غداة كتابة المنشور، باتهامات «التعدي على قيم الأسرة المصرية ونشر أخبار كاذبة».

صدم القبض عليها كثيرين، خصوصاً مع اختلاف نهج ما اعتادت عليه النيابة العامة المصرية ووزارة الداخلية خلال السنوات الماضية، من فتح قضايا لمجرد نشر شهادات أو فيديوهات عنها عبر السوشيال ميديا، أما في حالة سويدان فتحولت «الشاهدة إلى متهمة»، حسب وصف المحامية الحقوقية عزيزة الطويل لـ«الشرق الأوسط».

في اليوم التالي، أفرجت النيابة العامة على سويدان على ذمة القضية، ونشرت بياناً تصفها فيه بأنها تعاني من مرض نفسي مزمن، وبعد نحو أسبوعين صدر الحكم عليها من المحكمة الاقتصادية، ببراءتها من تهمة التعدي على قيم الأسرة المصرية، والإدانة في نشر أخبار كاذبة، وسجنها 6 شهور مع إيقاف التنفيذ على ذلك، وغرامة 20 ألف جنيه (الدولار نحو 50 جنيهاً) بتاريخ 4 يوليو (تموز) 2026.

لم تعترف الجهات القضائية والرسمية بشهادات السيدات، وحتى الأطباء الذي تجرأوا وأكدوا أيضاً عبر شهاداتهم الشخصية ما قالته سويدان.

الطبيب أيمن العطار، كتب في منشور على «فيسبوك»، عن واقعة حدثت عام 2000 أمامه في مستشفى القصر العيني، قائلاً: «أثناء توليد إحدى السيدات وكانت تشعر بألم شديد، كان النائب (الطبيب المشرف) يصيح فيها بطريقة مهينة لكي تحزق (الضغط على عضلات البطن)، ويبدو أنها لا تفعل ذلك، المهم في لحظة ما شتمها وضربها بقوة على فخذيها ضربة يميناً ويساراً».

وقالت الطبيبة سارة ناصر إنها خلال حضورها ولادة في مستشفى الشاطبي، خلال فترة امتيازها، كانت السيدة مرعوبة وتصرخ من الألم، فجاء الطبيب وعنفها وسبها حتى تصمت.

مع تجاهل كل هذه الشهادات النسائية والطبية، فتحت الجهات الرسمية، مثل جامعة الإسكندرية باب التحقيق فيما نُشر، وفق بيان نشرته في اليوم التالي لتفجير القضية، وناشدت من لديهن شهادات تقديمها للجامعة، ولما سألت «الشرق الأوسط» المتحدث باسم وزارة التعليم العالي، عادل عبد الغفار عن نتيجة التحقيقات رفض التعليق قائلاً: «الأمر أصبح أمام القضاء».

الواجهة الأمامية لمبنى جامعة الإسكندرية. (الشرق الأوسط)

قل: «ولادة آمنة» ولا تقل: «عنف توليدي»

اختلف تعامل الجهات المعنية في مصر تجاه الأزمة، لكنها اتفقت على تجنب مصطلح «العنف التوليدي»، فحتى الجهة التي تفاعلت مع الأزمة إيجابياً وهي نقابة الأطباء، استخدمت بدلاً منه «الولادة الآمنة» بهدف تجنب أي تجاوزات قد تحدث.

التحفظ المصري، يقابله انفتاح عالمي على المصطلح الذي ذكرته منظمة الصحة العالمية لأول مرة في عام 2014، عادّةً في بيان أن «سوء المعاملة أثناء الولادة انتهاك لحقوقهن»، ودعت إلى مزيد من الحوار والبحث والتوعية في هذا الملف. وفي عام 2019 أظهرت دراسة للمنظمة داخل أربع دول: «غانا، وغينيا، وميانمار، ونيجيريا»، أن أكثر من ثلث النساء تعرضن لسوء معاملة أثناء الولادة داخل المستشفيات.

وإذا كانت السيدات اليوم أكثر جرأة في الإفصاح عما مررن به، فإن تلك الحوادث نفسها قديمة ومتجذرة. فقبل 35 عاماً، وضعت هيام محمد (53 سنة) مولودها الأول في مستشفى الحسين الجامعي، بعد 5 ساعات قضتها في مستشفى الزهراء بمنطقة العباسية وسط القاهرة، حيث نهرها الطبيب المباشر لحالتها بسبب صراخها: «إنتِ مش هتولدي، إنتِ هتموتي». وقتها أصرت على مغادرة المستشفى: «قلبي انقبض وحسيت إني هموت فعلاً».

ومثلها ماجدة محمود (اسم مستعار)، التي تحدثت إلى «الشرق الأوسط» أنها لجأت في عام 1987 إلى مستشفى ناصر الحكومي في شبرا، وهي تشكو من ألم في الرحم. وتقول: «طيلة 10 أيام، كنت أنا والمريضات الأخريات مكشوفات قدام بعض وقدام الدكاترة، مفيش واحدة تقدر تعترض، ودكاترة كتير بيجوا يشوفونا، ومحدش بيقولي عندي إيه».

الموافقة المستنيرة

صنفت الطبيبة المصرية فريدة محجوب، والباحثة في ملف العنف التوليدي، أشكاله إلى 14 صنفاً، من ضمنها «غياب الخصوصية، والموافقة المستنيرة»، أي إعلام المريضة بكيفية إجراء الفحص وهدفه قبل أن تتعرض السيدة له، وضرورة أخذ موافقتها عليه.

وأضافت محجوب، في فيديو على «فيسبوك» بتاريخ 17 يونيو، أنها تفاجأت بغياب الوعي لدى بعض الأطباء وأطقم التمريض، قبل السيدات المقبلات على الولادة. وتقول: «في أمهات متعرفش إن من حقها إن الدكتور ميزعلقهاش»، وذلك في دراسة أعدتها داخل مستشفى القصر العيني عام 2018 عن «العنف التوليدي».

ورصدت الدراسة، التي لم تُنشر بعد، أن 90 في المائة من العينة العشوائية، تعرضت لشكل واحد على الأقل من 11 شكلاً من أشكال العنف التوليدي.

جدل واسع تعرض نساء لتجاوزات خلال الولادة في مصر. (جامعة الإسكندرية)

الفقيرات الأكثر عرضة للعنف

تستقبل المستشفيات الحكومية والجامعية، التي تقدم خدماتها بالمجان أو بأسعار رمزية، مئات الآلاف من النساء للوضع سنوياً، وأكثرهن من غير المقتدرات، واشتكت 5 حالات تحدثت مع «الشرق الأوسط» من التعنيف، فيها أشادت واحدة بتجربتها.

ويقع أكثر من 30 في المائة من المصريين تحت خط الفقر، وفق تقديرات رسمية.

في مارس (آذار) عام 2023، خضعت ميادة إبراهيم (32 عاماً) لولادتها الأولى في مستشفى الشاطبي؛ تتذكر اليوم الذي أمرتها فيه طبيبتها بالتوجه إلى المستشفى على وجه السرعة لأن «التاسع بيخلص وابني مقلوب، ولازم أولد قيصري». عند الباب مُنع زوجها من مرافقتها، وتعرضت للإهانة والسخرية من ممرضة ثم خلال أول كشف للطبيب، وفي رد فعل على وجعها وقف قربها وراح يضحك ويسخر منها.

«اتحجزت في عنبر النساء وكل شوية يدخل دكتور من الامتياز ويكشف عليّ»، تقول ميادة لـ«الشرق الأوسط»، وحين سألناها: «عشرة أطباء مثلاً»، ردت: «أكثر»، ولم يخبرها أحد عن سبب الكشف، ولم يطلب أحد إذناً به وهي أصلاً ستلد قيصري. بعد الولادة: «خدوا ابني وخرجوه لزوجي، مشوفتوش غير لما روحت البيت بعد ساعات من الولادة، حتى ما سمحوش أرضعه أول رضعة».

حملة «الساعة الذهبية»

ذلك كله يخالف ما تتبناه وزارة الصحة حالياً من حملة للتوعية بأهمية «الساعة الذهبية» في إطار التشجيع على الولادة الطبيعية، وهي الساعة الأولى بعد الوضع، يمنح خلالها المولود للأم لملامسة جلدها والشعور بنبضات قلبها ما يساعد على انتظام نبضه وتثبيت حرارة جسمه.

وتأتي تلك الحملة بعدما سجّلت مصر أرقاماً قياسية في أعداد الولادة القيصرية، على الرغم من مخاطرها وتبعاتها الصحية، التي قفزت من 52 في المائة عام 2014 إلى 72 في المائة عام 2024؛ وفقاً للمسح الصحي للأسرة المصرية، فيما توصي منظمة الصحة العالمية بنسبة لا تتراوح أكثر من 10 إلى 15في المائة من مجموع الولادات. هذا علماً بأن غالبية هذه الولادات القيصرية تجري لأسباب غير طبية، ومن دون «موافقة مستنيرة» من السيدة نفسها.

لم تستطع منار سعيد (اسم مستعار)، وهي ربة منزل وزوجها سائق تاكسي، من محافظة الإسكندرية، أن تتحمل تكلفة الولادة في مركز أو مستشفى خاص قبل 3 أعوام. وتقول: «تابعت مع طبيب يعمل في مستشفى (يتبع وزارة الصحة)، على أمل أن ألد معه في المستشفى، بأسعار رمزية».

يوم الولادة، فاجأها الطبيب بطلب أضعاف المبلغ حتى تلد في القسم الاقتصادي، وحين سألته عن الفارق «كشف الستار عن سيدة تلد وهي غرقانة في دمها وحولها 7 أو 8 طلبة امتياز طب بيتعلموا فيها»، تقول منار: «من خوفي فقدت الوعي ولم أشعر إلا وأنا على السرير بعد الوضع».

تقول سناء سمير (اسم مستعار) لـ«الشرق الأوسط»، وهي مدرسة للغة الفرنسية خضعت للولادة في مستشفى الدمرداش عام 2019، إنها «شعرت بالمسؤولية بعد حديث سويدان، لحماية النساء غير القادرات بمشاركة قصتها»، موضحة أنها تستطيع مادياً الولادة في مستشفى خاص، لكن «الدكتور طلب مني أن أذهب للدمرداش لأني هولد في السابع والطفل سيحتاج إلى حضّانة»، وذلك بعد أزمة تعرضت لها في الحمل، ووعدها بأن يقوم هو بنفسه بتوليدها هناك.

«في الطريق إلى غرفة العمليات رأيت سيدة تلد في الممر وأخرى في الأسانسير، الوضع فوضوي ومرعب» تقول لـ«الشرق الأوسط». وفي غرفة العمليات «لم تتوفر الخصوصية الكافية»، صرخت سناء من الألم، فنهرها الطبيب وتدخلت طبيبة شابة في الامتياز، هدأتها وأخبرتها أنه عند مجيء الطلق عليها «الحزق لا الصراخ» لمساعدة الهواء المحتبس على دفع الجنين إلى مجرى الولادة عوضاً عن إخراجه من الفم فتزيد الانقباضات. وتعلق سناء: «لم أكن أعلم هذه المعلومة ولم يحضّرني لها أحد».

ملصق إرشادي نشرته وزارة الصحة المصرية ضمن حملة للحد من معدلات الولادة القيصرية

لماذا لا تشتكي النساء؟

سألت «الشرق الأوسط» السيدات عن أسباب عزوفهن عن تقديم شكوى رسمية، وهو ما تعد المؤسسات غيابه دليلاً على أن ما يثار مفتعل ومبالغ فيه، وكان جهل أكثر من حالة بأسماء المتورطين في العنف ضدهم سواء من أطقم التمريض أو الأطباء سبباً، مع عدم قدرتهن بعد الوضع على التفكير في الشكوى، خصوصاً وأن بعضهن ولدن أطفالاً خضعوا لعلاج لفترة حتى تحسنت أوضاعهم.

أخريات كن غير قادرات على التمييز أن ما حدث لهن هو «عنف توليدي» مثل منار، التي روت لـ«الشرق الأوسط» أكثر من موقف وقالت في بداية حديثها، ما حدث معي «سوء معاملة مش عنف توليدي»، رغم أن «سوء المعاملة» خلال الوضع جزء من العنف التوليدي.

أما ميادة إبراهيم، فقالت لـ«الشرق الأوسط»، «إحنا سكتنا، وقت ما عملوا فينا كده، وعلشان إحنا غلابة سكتنا، شكوى إيه اللي هنقدمها؟»، في نمط متكرر لشعور الضحية بالذنب.

ورأت سناء أن «شهادتها سواء عبر (فيسبوك) أو من خلال الإعلام تكفي لتوعية أخريات حتى لا يتعرضن لما تعرضت له خصوصاً الفقيرات»، فاقدة الأمل في المقابل أن تؤدي شكواها في المسارات الرسمية لنتيجة.

لقطة مأخوذة من فيديو لمبنى مستشفى الدمرداش الجامعي. (وزارة الصحة)

الولاية الطبية

تقدم المحامية الحقوقية عزيزة الطويل، تفسيرات إضافية لأسباب صمت النساء وعدم التقدم بشكوى تقتص لهن عند التعرض لتجاوز لا سيما من الناحية الطبية، أولها يتعلق بالسياق العام لمعاملة النساء بعدّهن «ناقصات الأهلية الطبية». وتقول الطويل لـ«الشرق الأوسط»: «على سبيل المثال، يرفض الأطباء إجراء عمليات للنساء حتى لو كانت منقذة للحياة مثل استئصال الرحم في حالة الورم، إلا بعد الحصول على موافقة الزوج»، عادّةً أن ذلك، يُشعر النساء بأن حقوقهن مهدرة، وأنهن لا يملكن القرار القانوني والطبي في أجسادهن، وبالتالي فإن الشكوى لن تأتي بنتيجة.

ووفق التقرير السنوي للمركز المصري لحقوق النساء، عن عام 2025، فقد «سجل العنف ضد المرأة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة وشدة الجرائم الموجهة ضدهن، امتدت من الفضاء الخاص إلى العام. ولم يقتصر الأمر على جرائم قتل الزوجات والمشاجرات العائلية (...) بل تجاوزها إلى محاولات منهجية لفرض الوصاية الذكورية، وترهيب النساء في الأماكن العامة».

وتشير الطويل إلى أسباب اقتصادية في عزوف النساء عن التقدم بشكوى: «لا يوجد وسائل سهلة للشكوى، فالشكوى الجنائية تتطلب وقتاً وجهداً ومالاً في ظل طول مدد التقاضي في المحاكم المصرية، حتى الشكاوى التأديبية تحتاج إلى رسوم، ومحامٍ لمتابعتها في الأغلب مع تعقيد إجراءاتها». ولفتت إلى أن الشكوى في نقابة الأطباء تتكلف 750 جنيهاً رسوماً، وغير مضمونة النتائج، ومعتمدة في حكمها على تجربة خاضتها بنفسها مع موكلة عندها لتقديم شكوى في طبيب نهاية عام 2024.

وأرجع عضو مجلس نقابة الأطباء شادي صفوت، رسوم الشكاوى إلى «جدية الشكوى»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «عدم فرض رسوم يجعل من السهل التقدم بشكوى كيدية».

أما السبب الثالث وفق الطويل فهو «اليأس من الوصول لنتيجة»، مستشهدة بواقعة هي كانت طرفاً فيها لشابة عشرينية تعرضت لـ«تحرش جنسي من طبيبها وتقدمت بشكوى للنقابة، لنكتشف أن الطبيب نفسه مقدم ضده أكثر من شكوى سابقة، ولم يتم اتخاذ أي قرار بحقه حتى الآن».

خطاب رسمي صامت

كل ذلك الضجيج ووزارة الصحة المصرية لم تصدر بياناً واحداً يُعلق على الأزمة. لم تنشر حتى أرقاماً للشكاوى أو إيضاحات، بل سلكت نهجاً «دعائياً»، للرد على ما عدّته «دعاية مضادة» تستهدف مستشفياتها.

وتنقسم المستشفيات العامة في مصر إلى مستشفيات حكومية تتبع وزارة الصحة، ومستشفيات جامعية تتبع وزارة التعليم العالي، التي يتلقى فيها طلاب الطب تدريبهم ويعرف ذلك بفترة الامتياز، مثل القصر العيني في القاهرة، والشاطبي في الإسكندرية، وتظل وزارة الصحة هي المظلة الأوسع المعنية بالقطاع الصحي ككل.

تتبعت «الشرق الأوسط» خطاب الوزارة عقب الأزمة لمدة أسبوعين، بتحليل محتوى صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، فكانت نسبة المحتوى المتعلق بصحة النساء 10.3 في المائة فقط من مجمل المنشورات خلال فترة البحث، بعدد 20 بوستاً من بين 194 بوستاً، واشتبكت الوزارة مع «العنف التوليدي» في 5 منشورات منها، وهي عبارة عن مقاطع فيديو دعائية، مصورة بجودة عالية، تُظهر الجودة والانضباط والنظافة في المستشفيات الجامعية والحكومية مثل «الشاطبي، والدمرداش، والجلاء، وأحمد ماهر».

أظهرت المقاطع سيدات بعد وضعهن يحملن أطفالهن ويحكين تجربتهن «الممتازة والمميزة»، في الولادة بهذه المستشفيات، وقالت سيدة في فيديو عن مستشفى أحمد ماهر، المنشور بتاريخ 23 يونيو الماضي «والله مفيش نظرة اتنظرت لي من دكتور مش كويسة، جيت هنا أكني جيت مستشفى خاص». وكأن الأزمة أصبحت بين المستشفيات الحكومية والخاصة، وليست بين تجاوزات قد تحدث في أي منها كما قد تحدث في أي بلد آخر، علماً بأن شهادات كثيرة عبر السوشيال ميديا حكت عن تجاوزات في مستشفيات خاصة، وبعضها حتى من طبيبات نساء.

بين صحة النساء ونظام الطيبات

لم تضع الوزارة هدف توعية النساء بحقوقهن خلال الولادة في خطتها للتعامل مع الأزمة، أو حتى التوعية بالصحة الإنجابية عموماً رغم الطفرة التي يشهدها الخطاب الإعلامي للوزارة من حملات ضخمة لمواجهة الإدمان والتدخين، أو للاشتباك مع أزمة «الطيبات» التي شهدتها مصر خلال الشهور الماضية.

و«الطيبات» هو نظام غذائي ادعى واضعه الطبيب السابق الراحل، ضياء العوضي، قدرته على شفاء الأمراض كافة والوصول بمتبعه إلى أفضل النتائج. يحظر النظام تناول الخضراوات والبيض واللحوم البيضاء، ويسمح بتناول السكر بكميات كبيرة، ويدعو للتوقف عن تناول الأدوية. اكتسب النظام شهرة واسعة بعد وفاة العوضي في 21 أبريل (نيسان) الماضي، وكان قد مُنع من مزاولة مهنة الطب قبل وفاته بشهور. وأطلقت وزارة الصحة حملة توعوية كبيرة تقدم خطاباً صحياً بديلاً، وتشدد على أهمية تناول الأطعمة التي منعها العوضي، وتصحيح المفاهيم حولها، علماً بأن الوزارة استمرت في نشر الحملة خلال فترة البحث، بواقع 5 منشورات.

ويحتل المضمون التوعوي المرتبة الأولى بين محتوى الوزارة، متجاوزاً حتى المضمون الإعلامي الخاص ببيانات الوزارة، بنسبة 61.9 في المائة من مجمل المحتوى. ويتنوع هذا المضمون بين حملات بعضها موسمية مما يرتبط بيوم عالمي لمرض معين، وأخرى دائمة مثل كبسولة الصحة، وهي فيديوهات قصيرة يظهر فيها طبيب أو طبيبة للتوعية أو الرد عن تساؤل يُثار حول مرض معين.

سألت «الشرق الأوسط» المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور حسام عبد الغفار، في رسالة عبر «واتساب»، عما إذا كانت الوزارة تنوي استغلال الأزمة الأخيرة في حملات توعوية للمريضات بحقوقهن، ولم نتلق رداً حتى نشر التحقيق. السؤال نفسه توجهنا به إلى نائبة وزير الصحة الدكتورة عبلة الألفي، خصوصاً وأنها المعنية بالتوعية ضد مخاطر الولادة القيصرية، في ظل زيادة معدلاتها إلى نحو 72 في المائة، لكن لم نتلق رداً منها أيضاَ.

وعلى أهمية الحملات السوشيالية، يظل قطاع كبير من المتضررات أو المتضررات المحتملات من العنف التوليدي، خصوصاً من الطبقات الفقيرة أو اللواتي يفتقرن للقراءة والكتابة، بعيداً عن هذا النوع من المضمون، لذا لا بد من استهدافهن بحملات تلفزيونية أو حملات طرق للأبواب.

تقول وزارة الصحة المصرية إنها تركز على تقليل الولادات القيصرية بعد ارتفاع نسبتها. (موقع الوزارة)

ميثاق «الولادة الآمنة»

في 6 يوليو 2026، صدر أول رد فعل إيجابي مع الحراك الأخير حول «العنف التوليدي» من نقابة الأطباء المصرية، «الميثاق الوطني لتعزيز الرعاية الآمنة والكريمة أثناء الحمل والولادة»، في نتاج لورشة عمل أقامتها النقابة في 23 يونيو الماضي، الذي رغم شموليته، يظل تطبيقه صعباً تحت عقبات خاصة بنقص الكادر الطبي والإمكانات الطبية مقارنة بعدد السكان، ومع غياب الجهة المنوط بها تنفيذ معظم مراحله، سواء في ورشة العمل أو بالأسماء والجهات الواضعة الميثاق في ختامه.

يبدأ الميثاق خطته بعنصر «التوعية»، والمنوطة بتقديمه وفق الميثاق، وزارة الصحة، وإدارات المستشفيات، ومنظمات المجتمع المدني والإعلام، ويقترح فيه تقديم جلسة تثقيفية موثقة ضمن متابعة الحمل، ونشر ميثاق عن حقوق الأم في جميع المنشآت الصحية.

ينتقل الميثاق إلى ضمان الخصوصية داخل الغرف بالستائر في حد أدنى، وتوفير وسائل تخفيف الألم، والسماح بوجود مرافق أو داعم للولادة. كما ينص على ضرورة توثيق موافقة الأم على التدخلات الطبية غير الطارئة (الموافقة المستنيرة)، ثم إلى الإمكانات الطبية، بتنمية الموارد البشرية وبناء القدرات والكوادر المساعدة، من خلال تدريب الفرق الطبية ومقدمي الخدمة على التواصل والموافقة المستنيرة، وتفعيل برنامج القابلات، والاستعانة بالأخصائيين الاجتماعيين ومقدمي المشورة لتقديم الدعم للأمهات أثناء الولادة، وتحسين بيئة العمل ودعم مقدمي الخدمة، بداية من توفير القوى البشرية بأقسام النساء والتوليد والطوارئ بما يتناسب مع عدد من يتردد على الخدمة، وتنظيم ساعات العمل والمناوبات بأجر عادل، وزيادة بدل (المقابل المادي) المناوبات، وتوفير الدعم النفسي للعاملين.

ورشة عمل في نقابة الأطباء المصرية انبثقت عنها وثيقة «الولادة الآمنة». (موقع النقابة)

نظرياً، تحل هذه الوثيقة أزمة العنف التوليدي، بل وأزمة الأطباء في مصر، لكنها تصطدم بالواقع الذي يتسم بنقص الأطباء مقارنة بعدد السكان، وكذلك الإمكانات الطبية، بل ومنظومة الأجور التي يطالب الأطباء منذ سنوات بتحسينها.

وقبل أيام من صدور هذا الميثاق، أشار الوكيل العام لنقابة الأطباء جمال عميرة، إلى الضغط الواقع على الأطباء، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر تحدث بها 5 آلاف ولادة يومياً، فلو اشتكى 10 مش رقم»، مؤكداً في الوقت نفسه سعيهم إلى أن تكون الخدمة الطبية على أعلى مستوى ومرضية، لكنه أشار إلى أنه «حتى يحدث ذلك نحتاج إلى ضعف عدد الأطباء الموجود حالياً في مصر».

يوجد 11.8 طبيب في مصر لكل 10 آلاف نسمة عام 2024، وفق عدد الأطباء خلال العام نفسه الذي نشره الجهاز المركزي للإحصاء. وتبتعد هذه النسبة عن النسب العالمية 17.2 طبيب لكل 10 آلاف نسمة. زيادة عدد الأطباء في مصر ليست أمراً سهلاً، فبخلاف هجرة الأطباء «تحتاج زيادة الأعداد التوسع في كليات الطب، وهو ما ترفضه النقابة وتحذر منه في ظل غياب المستشفيات الجامعية، ما يضعنا أمام طبيب غير مؤهل... الأزمة متشعبة ومتشابكة» يقول عميرة.

وعلقت الطبيبة والباحثة فريدة محجوب على الميثاق، وهي ضمن من شارك في وضعه: «الحركة على مستوى السياسات الصحية والتغيير يحتاج إلى تشبيك معتبر ومجهود سنين. واللحظة الحالية تحتاج إلى عمل مع كل الأطراف وعلى كل المستويات»، مشيرة إلى أن الأهم بالنسبة لها «معرفة النساء بحقوقهن، وأن من يخطئ يُحاسب بآلية شكوى ومساءلة واضحة».

ونصت الوثيقة فيما يتعلق بالشكوى على «إنشاء خط ساخن لتلقي الشكاوى في وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية والنقابات المهنية، وتوفير الحماية للشاكي، مع تحديد إطار زمني للتحقق من الشكوى».

وحتى تاريخ النشر، لم تتفاعل وزارة الصحة المصرية مع الوثيقة أو تصدر أي بيانات أخرى عن آليات تطبيقها، أو تجيب عن استفسارات الصحافة والسيدات.


واشنطن تضبط ساعة الشرق الأوسط على توقيتها... إسرائيل حليف لا قائد

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تضبط ساعة الشرق الأوسط على توقيتها... إسرائيل حليف لا قائد

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)

لم تعد العلاقة الأميركية - الإسرائيلية تُقاس بحجم السلاح الذي تمنحه واشنطن لتل أبيب فحسب، ولا بعدد المرات التي تحميها فيها داخل المؤسسات الدولية، بل أصبح الاختبار الحقيقي اليوم في مكان آخر: من يملك فعلاً حق رسم نهاية الحروب وترتيب الخرائط بعدها؟

فالذي يطفو على سطح العلاقة ليس انشقاقاً استراتيجياً ولا تراجعاً أميركياً عن الالتزام بأمن إسرائيل، بل صراع متزايد على حدود القوة، وعلى الجهة التي ستقرر شكل النظام الإقليمي بعد سلسلة الحروب التي أعادت فتح ملفات الشرق الأوسط كلها دفعة واحدة.

فإدارة الرئيس دونالد ترمب لا تزال تسلّح إسرائيل وتحميها سياسياً، وتنسق معها عسكرياً في الحرب على إيران، لكنها لم تعد مستعدة لمنح حكومة بنيامين نتنياهو حق تقرير توقيت الحروب ونهاياتها، أو تعطيل علاقات واشنطن مع تركيا والسعودية ودول الخليج ومصر والعراق وسوريا ولبنان. بهذا المعنى، لا تواجه إسرائيل خصماً أميركياً، بل حليفاً قرر أن يستعيد موقع القيادة.

من يقود سياسة الشرق الأوسط؟

هذا التحول يدحض المقولة الرائجة بأن تل أبيب هي التي تقود السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. تستطيع إسرائيل التأثير في القرارات الأميركية، وقد تدفع واشنطن نحو خيارات لم تكن في مقدمة أولوياتها، لكن الوقائع الأخيرة تظهر أن الإدارة الأميركية تحتفظ بسلطة ضبط الإيقاع وفرض التسويات عندما تتعارض الأجندة الإسرائيلية مع المصالح الأميركية الأوسع، من أمن القوات والأسواق والطاقة إلى تماسك حلف شمال الأطلسي ومستقبل النفوذ الأميركي في المنطقة.

وتتجسد هذه الحقيقة في سلسلة وقائع متزامنة تبدأ باحتضان ترمب للرئيس التركي رجب طيب إردوغان رغم اعتراض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ثم مطالبة إسرائيل بإعادة نشر قواتها خارج سوريا ولبنان، ودفاع نائبه جي دي فانس عن التفاوض مع إيران في مواجهة الضغوط الإسرائيلية، وصولاً إلى رهان ترمب على الدولة والمؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية في كل من لبنان والعراق بدلاً من تحويلهما إلى ساحتي حرب مفتوحتين. وليس البديل الأميركي إقصاء إسرائيل، بل إنهاء احتكارها تعريف مصالح المنطقة وترتيب أولوياتها.

ومن هذه الزاوية، تبدو تركيا المدخل الأوضح لفهم حدود النفوذ الإسرائيلي داخل القرار الأميركي.

إردوغان لدى استقباله ترمب في أنقرة قبيل انطلاق أعمال قمة الناتو يوم 7 يوليو الحالي (رويترز)

تركيا تكسر الاحتكار

يشكل الملف التركي أوضح اختبار لهذا التحول في العلاقة الأميركية الإسرائيلية. فقد طلب نتنياهو من ترمب، قبيل قمة «الناتو» في أنقرة، كبح خطاب إردوغان ومنع تزويد تركيا بتقنيات تعزز سلاحها الجوي. وربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بين بيع مقاتلات «إف-35» أو محركات متطورة لأنقرة وبين المحافظة على التفوق الجوي الإسرائيلي، معتبراً في مقابلة مع «فوكس آند فريندز» أن النظام التركي «مصاب» بفكر «الإخوان المسلمين» وأن تسليحه سيخلّ بتوازن القوى.

جاء ذلك بعد وصف إردوغان الصهيونية بأنها «آيديولوجيا إبادة»، وقول وزير خارجيته هاكان فيدان إن الحكومة الإسرائيلية أصبحت «مشكلة للعالم بأسره»، وفق تفاصيل أوردها موقع «أكسيوس».

لكن واشنطن تنظر إلى تركيا من زاوية مختلفة. فهي صاحبة ثاني أكبر جيش في «الناتو»، وقوة مؤثرة في سوريا والبحر الأسود، ووسيط استخدمته الإدارة في غزة وإيران وملفات أخرى. لذلك مضت واشنطن في حزمة تزيد قيمتها على 700 مليون دولار لتزويد مشروع المقاتلة التركية «قآن» بمحركات أميركية، رغم أن العودة الكاملة إلى برنامج «إف-35» لا تزال مرهونة بتخلي أنقرة عن منظومة «إس-400» الروسية (الحالي العمل على مخارج لها) وبقيود قانونية أميركية.

وفي قمة أنقرة، أعلن ترمب أنه سيلغي العقوبات المفروضة على تركيا وأنه منفتح على بيعها «إف-35»، وإن لم يتخذ القرار النهائي. كما أشاد بإردوغان ودافع عنه في مواجهة الاعتراض الإسرائيلي، في مشهد وصفته «رويترز» بأنه مكسب سياسي كبير للرئيس التركي. وبذلك تعاملت الإدارة مع خطاب أنقرة المناهض لإسرائيل باعتباره خلافاً يمكن احتواؤه، لا سبباً لإخراج تركيا من الحسابات الإقليمية.

وبالنسبة إلى إسرائيل، تمثل تركيا قوة منافسة تجمع بين القدرة العسكرية والخطاب العقائدي والامتداد داخل سوريا والعلاقة بحماس. أما واشنطن فتراها شريكاً صعباً، لكنه لا غنى عنه. والخلاف هنا ليس على تقييم إردوغان أخلاقياً، بل على ما إذا كان أمن إسرائيل يمنحها حق الاعتراض على تسليح حليف أطلسي تحتاج إليه الولايات المتحدة في ملفات تتجاوز الصراع العربي - الإسرائيلي.

وإذا كان الملف التركي يكشف حدود الاعتراض الإسرائيلي على شراكات واشنطن، فإن الملف الإيراني يكشف حدود قدرة إسرائيل على تحديد سقف الحرب ونهايتها.

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)

إيران: من يبدأ ومن يختم؟

تكشف الحرب مع إيران حدود التباعد وحدود التحالف في آن واحد. فالولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا عملياتهما في 28 فبراير (شباط) الماضي بتنسيق عسكري عميق، ولا تزال واشنطن توفر لإسرائيل قدرات لا تستطيع تأمينها منفردة. وقبل التصعيد الأخير، أبلغت الإدارة تل أبيب أنها سترسل عشرات طائرات التزود بالوقود الإضافية إلى المطارات الإسرائيلية، فيما كانت خطط ضرب منشآت نووية وبنى تحتية إيرانية تُناقش في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، وفق «أكسيوس». وهذا وحده ينفي الحديث عن انتقال واشنطن إلى معسكر مناوئ لإسرائيل. غير أن الشراكة في الحرب لم تنتج عملياً اتفاقاً على نهايتها.

حكومة نتنياهو تريد إزالة القدرات النووية والصاروخية الإيرانية جذرياً، والإبقاء على حرية استئناف القتال وضرب حلفاء طهران. أما ترمب، فعليه أن يوازن بين هذه الأهداف وبين سلامة القوات الأميركية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وأسعار الطاقة، والتكلفة السياسية لحرب مفتوحة. وبعد أيام متتالية من الغارات الأميركية في موجة التصعيد الأخيرة، كانت قطر ومصر وباكستان وعُمان تدفع نحو هدنة لعشرة أيام تتيح التفاوض على الملاحة في المضيق؛ وهي مبادرة لم يقبلها الطرفان بعد.

وبلغ التوتر ذروته عندما قال جي دي فانس إن أشخاصاً داخل الحكومة الإسرائيلية حاولوا التأثير في الرأي العام الأميركي لإبقاء الحملة العسكرية مستمرة «إلى أجل غير مسمى». وأضاف أنه لا يعترض على محاولات الدول التأثير في واشنطن، بل على تحولها إلى «عامل يشوّه الحكم السياسي الأميركي». لكنه شدد، في الوقت نفسه، على أن ترمب كان سيعارض امتلاك إيران سلاحاً نووياً حتى من دون ضغط إسرائيلي.

كما نقل «أكسيوس» عن مسؤول كبير في الإدارة قوله إن نتنياهو قدم «وعوداً كثيرة» بشأن حرب إيران لم تتحقق، في إشارة إلى تقديرات إسرائيلية متفائلة حول سرعة انهيار قدرات طهران. وتفسر هذه التجربة تشدد البيت الأبيض في فحص المطالب الإسرائيلية وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق مسلّماً بها.

الخلاصة أن إسرائيل استطاعت التأثير في توقيت الحرب وبيئتها، لكنها لم تحصل على تفويض بتحديد مدتها أو تسويتها. وقد دعا ترمب إسرائيل وإيران في يونيو (حزيران) إلى التوقف الفوري عن إطلاق النار عندما أوشك اتفاق سابق على الانهيار. القيادة الأميركية، إذن، لا تعني دائماً ضبط النفس؛ فقد تقود واشنطن التصعيد بنفسها، لكنها تصر على أن يكون قرار الحرب والسلام أميركياً.

لبنان: الدولة قبل «المنطقة الأمنية»

الإشكالية نفسها تظهر في لبنان وإن بأدوات مختلفة؛ فهنا لا يدور الخلاف حول خطر «حزب الله» بقدر ما يدور حول الطريقة الأجدى لمعالجته.

الاختلاف يتبلور في مشروعين: مشروع أميركي يريد إعادة بناء سلطة الدولة تدريجياً، ومشروع إسرائيلي يعطي الأولوية لحرية العمل العسكري المباشر. وقد وفَّر الاتفاق الإطاري الموقع في 26 يونيو (حزيران) الماضي مختبراً عملياً لهذا التباين، إذ نص على نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب إسرائيلي مرحلي، وفتح الطريق نحو علاقات سلمية.

وخلال استقباله الرئيس جوزيف عون في البيت الأبيض، وصف ترمب لبنان بأنه بلد «عومل بصورة سيئة جداً»، وتعهد بمساعدته، مع إقراره بوجود «مشكلة اسمها حزب الله». وقدم عون خطة مكتوبة لحصر السلاح بيد الدولة وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، قائلاً لترمب إن نجاح المسار يمكن أن يصبح جزءاً من إرثه.

وبالتزامن، بدأ الجيش اللبناني الانتشار في زوطر الغربية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، ضمن برنامج «المناطق النموذجية» الذي يشمل أيضاً صريفا وفرون.

وتتلخص الفكرة في انتقال المنطقة إلى الجيش اللبناني، وتنظيفها من الذخائر غير المنفجرة والبنى المسلحة، ثم تكرار التجربة في مناطق أخرى. وقال مسؤول عسكري إسرائيلي إن الاختبار يهدف إلى إثبات أن الجيش اللبناني هو الجهة الرسمية الوحيدة المخولة حمل السلاح.

لكن الخلاف يبرز عند تحديد الجدول الزمني والجهة التي تصادق على نجاح التجربة. تريد بيروت وواشنطن منح الجيش مهلة ودعماً مالياً ولوجستياً لبسط سيادته، بينما تطالب إسرائيل بالتحقق بنفسها من إزالة أسلحة «حزب الله» وبإبقاء مناطق أمنية وحرية تدخل إذا فشل التنفيذ. ونقل «أكسيوس» أن ترمب قال لنتنياهو عن الوجود الإسرائيلي في سوريا ولبنان: «لا يريدونكم هناك، عليكم إعادة الانتشار»، بينما رد مكتب نتنياهو بالتشديد على الحاجة إلى مناطق أمنية على الحدود.

واشنطن لا تطالب إسرائيل بانسحاب غير مشروط ولا تتجاهل سلاح «حزب الله»؛ لكنها تريد أن يصبح الانسحاب أداة لتقوية الدولة، لا أن يتحول الاحتلال إلى بديل دائم عنها. وتراهن على عون والجيش لعزل الحزب وسحب لبنان من النفوذ الإيراني، في حين تشكك إسرائيل في قدرة الدولة وتفضل الاحتفاظ بضمانة القوة المباشرة.

وقد يفتح الاتفاق، إذا نجح، طريقاً نحو إنهاء حالة العداء، وربما نحو اندماج إقليمي أوسع. لكن عون لم يوافق حتى الآن على لقاء نتنياهو، وربط أي حديث عن السلام بالمبادرة العربية؛ ولذلك فإن الحديث عن انضمام لبناني سريع إلى «اتفاقيات إبراهيم» لا يزال طموحاً أميركياً - إسرائيلياً أكثر منه قراراً لبنانياً.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب واللبناني جوزيف عون في البيت الأبيض (أ.ب)

سوريا والعراق: سيادة دول أم ساحات مفتوحة؟

من لبنان يتسع النقاش إلى سوريا والعراق، حيث تتكرر المعضلة: هل تُدار بقايا النفوذ الإيراني عبر بناء الدولة، أم عبر إبقاء الجبهات مفتوحة؟ ففي هذين البلدين تسعى واشنطن إلى تحويل ضعف النفوذ الإيراني إلى فرصة لبناء دولتين أقل ارتهاناً للميليشيات، بينما تنظر إسرائيل إلى البلدين أساساً بوصفهما ممرات للسلاح ومنصات لتهديد حدودها.

في سوريا، التقى ترمب الرئيس أحمد الشرع على هامش قمة الناتو في أنقرة، ثم طلب من نتنياهو البدء بسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد. وأقرّ مسؤول أميركي إن وجودها يخلق توتراً قد يقود إلى تصعيد. وكانت الإدارة قد أمضت أشهراً في محاولة التوصل إلى اتفاق أمني يضمن حدود إسرائيل ويعيد الأراضي تدريجياً إلى دمشق، قبل أن تخلص إلى أن حكومة نتنياهو لا تريد تقديم التنازلات المطلوبة، وفق تقارير صحافية.

المقاربة الأميركية تقوم على دعم سلطة مركزية سورية تستطيع منع عودة التنظيمات المتطرفة، ودمج القوى الكردية في مؤسسات الدولة، والعمل مع تركيا والأردن. وقد رحبت واشنطن باتفاق وقف النار والاندماج المرحلي بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» في يناير (كانون الثاني) باعتباره «محطة تاريخية». أما إسرائيل فتطالب بحزام أمني طويل الأمد، وتقول إن الانسحاب قد يسمح بتكرار هجوم شبيه بالسابع من أكتوبر على حدودها الشمالية.

وفي العراق، لا تستطيع واشنطن التعامل مع الدولة كساحة قصف فقط؛ فلديها قوات وعلاقات اقتصادية وأمنية ومصلحة في منع انهيار النظام السياسي. وقد أبرز استقبال ترمب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي هذه الأولوية. فالزيدي، الذي شارك قبل أيام في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق، تحدث في البيت الأبيض عن تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وإنجاز انسحاب القوات الأميركية المقرر في سبتمبر (أيلول)، ووضع جميع الأسلحة تحت سلطة الدولة. وكان نزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران محوراً رئيسياً في محادثاته مع الإدارة الأميركية.

إسرائيل، في المقابل، تقيس العراق بمعيار الصواريخ والمسيَّرات وممرات الإمداد. وقد أدت غارات على مواقع «الحشد الشعبي» في مارس (آذار)، نسبتها بغداد إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى مقتل 15 عنصراً وأثارت احتجاج الحكومة العراقية. ولهذا تفضل واشنطن، كلما أمكن، نزع السلاح عبر الحكومة العراقية، لأن الضربات غير المنضبطة قد تقوي خصومها وتحوّل العراق مجدداً إلى ساحة مواجهة أميركية - إيرانية.

غير أن أي هندسة إقليمية لا يمكن أن تكتمل من دون العودة إلى الملف الفلسطيني، بوصفه العقدة التي تحدد حدود التطبيع العربي مع إسرائيل.

فلسطين... القفل والمفتاح

لا تستطيع واشنطن بناء منظومة إقليمية تضم السعودية ومصر وتركيا ودول الخليج إذا بقي الاندماج الإسرائيلي منفصلاً تماماً عن القضية الفلسطينية. وقد طلب ترمب في مايو (أيار) من السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن الانضمام جماعياً إلى «اتفاقيات إبراهيم» بعد تسوية حرب إيران. غير أن الدعوة لم تلقَ استجابة، لأن المزاج الشعبي في تلك الدول ومواقف حكوماتها لا يسمحان بتطبيع مجاني في ظل واقع غزة والضفة الغربية.

السعودية، وهي الجائزة الكبرى للمشروع الأميركي، أبلغت واشنطن مراراً أنها تحتاج إلى خريطة طريق موثوقة نحو دولة فلسطينية. وفي المقابل، يرفض نتنياهو وحلفاؤه اليمينيون قيام تلك الدولة، ويتمسكون بمقاربة «السلام مقابل السلام»، أي التطبيع الإقليمي من دون أي تنازل سياسي للفلسطينيين. وهو ما دعا الرياض إلى القول إنها لا ترى إمكاناً قريباً للتطبيع ما دام هذا الرفض قائماً.

أما خطة ترمب لغزة، فتتضمن إعادة إعمار بمليارات الدولارات وقوة استقرار دولية وحكماً فلسطينياً تكنوقراطياً وانسحاباً إسرائيلياً مرحلياً، لكنها تعثرت عند الانتقال إلى المرحلة الثانية. وتواصل إسرائيل السيطرة على مساحات واسعة وبناء حاجز ترابي يمتد أكثر من 23 كيلومتراً داخل القطاع، ما يثير مخاوف من تكريس تقسيم دائم وفق العديد من المراقبين. ومن دون معالجة ذلك، يصعب إقناع الدول العربية بتمويل إعادة الإعمار أو تحمل أي مسؤوليات أمنية وسياسية في غزة.

هنا يصبح الملف الفلسطيني جزءاً من الخلاف الأميركي - الإسرائيلي على هندسة المنطقة ومستقبلها السياسي لا بصفتها مجرد قضية إنسانية مؤجلة. واشنطن تريد توظيف ضعف إيران لبناء شبكة شراكات عربية - إسرائيلية تحت قيادتها؛ واليمين الإسرائيلي يريد توظيف الضعف نفسه لتوسيع السيطرة الإقليمية من دون كلفة فلسطينية. وبين المنهجين تقف السعودية ومصر وتركيا والخليج بوصفها قوى لم تعد الولايات المتحدة مستعدة لتجاهل شروطها.

وتنعكس هذه التوازنات الإقليمية، في النهاية، على الداخل الإسرائيلي نفسه، حيث يصبح صندوق الاقتراع اختباراً لقدرة نتنياهو على الاستمرار في إدارة التحالف بالشروط القديمة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية بالقدس في يونيو 2026 (رويترز)

صندوق الاقتراع المقرر الأخير

هذه التوازنات كلها ستوضع في ميزان الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وهي الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر والحروب في غزة ولبنان وإيران. وقد أعلن نتنياهو ترشحه مجدداً، لكنه يواجه تحدياً متصاعداً من رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي تظهر استطلاعات الرأي أنه قادر على منافسته من موقع أمني متشدد، لا من موقع يساري تقليدي.

وتراجع موقع نتنياهو في واشنطن بصورة واضحة. فبعد ست زيارات سريعة إلى البيت الأبيض منذ عودة ترمب، حاول لأكثر من أسبوعين الحصول على موعد جديد، قبل أن يحدد أخيراً الثلاثاء، في وقت وصف فيه موقع «أكسيوس» مكانته بأنها باتت هشة لدى الديمقراطيين وداخل الدائرة الترمبية وقاعدة «ماغا».

ويتزامن ذلك مع تغير أوسع في الرأي العام. فقد أظهر استطلاع مركز «بيو» للأبحاث أن 60 في المائة من الأميركيين يحملون نظرة سلبية إلى إسرائيل، بينهم 80 في المائة من الديمقراطيين و41 في المائة من الجمهوريين، مع ارتفاع الرفض خصوصاً بين الجمهوريين دون الخمسين.

لكن لا توجد أدلة علنية تثبت أن إدارة ترمب قررت إسقاط نتنياهو أو التدخل المنظم لاستبداله. فترمب دافع عنه في مواجهة مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، وضغط سابقاً لمنحه عفواً في قضايا الفساد، وأعلن أنه لن يُعتقل في أميركا، رداً على تهديدات عمدة نيويورك زهران ممداني، ولا تزال إدارته توفر لإسرائيل حماية وتسليحاً استثنائيين. الأصح أن واشنطن لم تعد مستعدة لتكييف مشروعها الإقليمي مع احتياجات نتنياهو الانتخابية، وأن سياساتها قد تساعد خصومه بصورة غير مباشرة إذا أقنعوا الناخب الإسرائيلي بأن استمرار حكومته يهدد العلاقة مع الحليف الأميركي.

في المحصلة، لا تقف إسرائيل أمام خيار بين التحالف مع الولايات المتحدة أو القطيعة معها، بل أمام امتحان أكثر تعقيداً: هل تقبل أن تكون شريكاً مركزياً داخل مشروع تقوده واشنطن، أم تصر على تحويل التحالف إلى تفويض مفتوح يتيح لها فرض الوقائع العسكرية ثم مطالبة أميركا بتغطيتها؟

التحالف الأمني سيبقى، وربما يزداد عمقاً، لكن شروطه السياسية تتغير. فالولايات المتحدة لا تنسحب من الشرق الأوسط، ولا تتخلى عن إسرائيل، لكنها تقول بوضوح إن أمن إسرائيل لا يمنح حكومتها حق الفيتو على علاقات أميركا الإقليمية، ولا على مستقبل الدول التي تريد واشنطن إعادة إدخالها في معادلة الاستقرار.

هذه هي الرسالة الأهم في لحظة ما بعد الحروب: إسرائيل باقية حليفاً أول، لكنها لم تعد القائد الوحيد للخرائط الجديدة.


إجهاضات قسرية وولادات مبكّرة... فاتورة حرب تدفعها أمهات غزة

TT

إجهاضات قسرية وولادات مبكّرة... فاتورة حرب تدفعها أمهات غزة

سيدة فلسطينية مصابة تحمل طفلها حديث الولادة بأحد مستشفيات غزة (رويترز)
سيدة فلسطينية مصابة تحمل طفلها حديث الولادة بأحد مستشفيات غزة (رويترز)

في لحظة ما وللوهلة الأولى لدى دخولك مشرحة مجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوب قطاع غزة، قد تعتقد أن الجثامين الصغيرة الموجودة تعود لأطفال فلسطينيين قتلتهم الحرب الإسرائيلية التي لم تتوقف منذ 3 أعوام؛ هنا، في المشرحة يبقى المشهد هو الشاهد الأكبر على كواليس آلة القتل والدمار.

18 جثماناً لأطفال كانوا في طريقهم ليبصروا النور، وآخرون توفوا بعد وقت قصير من ولادتهم، نتيجة ظروف مختلفة تتقاطع كلها عند الحرب على قطاع غزة، التي كانت ولا تزال هي السبب الرئيس لهذه «المجزرة» المستمرة في مشرحة ناصر.

فقد شهدت الأشهر القليلة الماضية، ارتفاعاً حاداً وغير مسبوق في معدلات الإجهاض القسري وتشوه الأجنة ووفيات الأطفال الخدج الذين يولدون قبل موعد الولادة الطبيعية.

أطفال حديثو الولادة بعد إخراجهم من الحضّانات بمستشفى الشفاء بغزة في أعقاب انقطاع التيار الكهربائي الأحد (رويترز)

الأشهر القليلة الماضية، تعدّ مفصلاً زمنياً بعد عامين من معاناة الغزيين عموماً والنساء خصوصاً، ليس من المعارك المباشرة فحسب، بل من الجوع وسوء التغذية وتفشي الأمراض وغياب الرعاية الصحية التي لا يمكن إلا أن تؤدي إلى إنهاك الأجساد وفقدان قدرتها على احتضان الأجنة.

الحياة القاسية والصعبة التي تمر بها الأمهات الفلسطينيات وخاصةً الحوامل منهن، شكلت أهم عامل لعمليات الإجهاض التي فرضها الأمر الواقع في قطاع غزة، حيث لا يزال السكان يعانون آثار موجتين كبيرتين من المجاعة مرّت عليهم، فكان خيار الإجهاض قسرياً إسعافياً لا اختيارياً.

​نساء فلسطينيات يبحثن في الرمال عن البقوليات أو الأرز بالنصيرات وسط قطاع غزة خلال مهمة إنزال جوي (أ.ف.ب)

معاناة الحوامل

مها الأسطل (31 عاماً) من سكان خان يونس جنوب قطاع غزة، واحدة من بين عشرات النساء اللواتي أجهضن مؤخراً، لكن غالبيتهن رفضن الظهور أمام الكاميرا والحديث للإعلام. لكن مها التي تحلّت بالشجاعة تحدثت عن معاناتها عندما فوجئت بقرار الأطباء المفاجئ بضرورة إجهاض طفلها الذي غمرتها السعادة بالحمل به.

تقول الأسطل لـ«الشرق الأوسط» من داخل مجمع ناصر الطبي، إنها جاءت لإجراء فحص دوري، فأبلغها الطبيب المختص بضرورة إجراء عملية إجهاض؛ لأن هناك خطراً على صحتها وصحة جنينها الذي كان في شهره الثاني فقط ويعاني انخفاضاً واضحاً في النبض، موضحة أن الطبيب شرح لها أن الأسباب تعود بشكل رئيسي إلى عدم توفر الراحة لها والغذاء الطبيعي الجيد الذي يدعمها صحياً وجنينها للحفاظ على نمو سليم.

ولفتت الأسطل إلى 3 سنوات عجاف عانت خلالها، كما بقية سكان القطاع من انعدام الغذاء والمياه النظيفة، وغير ذلك مما يعينها على الحفاظ على صحتها، لافتةً إلى أن عودة العمل بمعبر كرم أبو سالم مؤخراً وإدخال بعض الاحتياجات الضرورية، خطوة جيدة لكنها غير كافية لمساعدة الجسد على تعويض ما فقده في الفترة الماضية.

في غزة أصبح الحمل والولادة بالنسبة لمعظم النساء يسببان التوتر والخوف (أ.ب)

وعن أسباب إجهاضها تقول: «الواقع صعب، لا علاجات، ولا رعاية صحية، ولا فيتامينات تعوض نقصاً ولا شيء البتة»، مشيرةً إلى أنها في كل مرة كانت تتوجه إلى العيادة الصحية الخاصة بالحوامل، كانت تضطر إلى التنقل لمسافات واستخدام مواصلات متعددة غير آمنة، بالإضافة إلى فترات الانتظار الطويلة في ظروف غير مريحة خاصةً وأن العيادة هي الوحيدة لسكان خان يونس.

ويقول زوجها أحمد الأخرس (36 عاماً)، إنه على رغم تظاهره وزوجته بالقوة بعدما فقدا جنينهما، فإن الحقيقة أصعب بكثير بعدما اختفى كل شيء في لحظة واحدة.

وأضاف بحسرة الأب الذي كان يتمنى أن يستقبل طفله بظروف أفضل: «كان عنا أحلام وبنفكر شو نختار اسم، وكنت مثل أي أب بأفكر كيف بدي ابني مستقبل لطفلنا، ولكن بلحظة فقدته وفقدت كل شيء... نعيش حياة صعبة وشايلين هم، ومش عارفين وين رايحين. نعيش ضغطاً نفسياً كبيراً والحرب مستمرة، وحتى لو توقف القصف، لكننا عملياً نحارب من أجل حياتنا والعيلة».

طفل من الخدج داخل حاضنة في مستشفى الشفاء بغزة (رويترز)

أحلام ضاعت

حال مها الأسطل يشبه حال العشرات إن لم يكن المئات من الأمهات الغزيات. أنعام أبو فسيفس (43 عاماً) وافقت بعد عناء على الحديث لـ«الشرق الأوسط» عن تجربتها، وهي التي تعيش في صف مدرسي بعدما تحولت المدرسة مركز إيواء للنازحين.

اضطرت أبو فسيفس، إلى إجهاض جنينها وهو في شهره السادس، بعدما مرت بمشاكل صحية كثيرة وظروف صعبة، وعدم توفر علاج تثبيت الحمل وأدوية أخرى لا تملك هي أو زوجها الإمكانات المالية لشرائها إن توفرت في الصيدليات. وتصف الصعوبة بشكل أساسي في وضعها النفسي والحياتي اليومي من اضطرارها إلى الوقوف في طوابير المياه الصالحة للشرب وقتاً طويلاً ونقل الغالونات إلى المدرسة، ثم اضطرارها إلى الطبخ على الحطب في ظروف منهكة.

أبو فسيفس التي كانت تُمنّي النفس أن يكون جنينها المقبل طفلة تكون أختاً لابنتها الوحيدة البالغة 13 عاماً، وتنضم لأخوتها الذكور، لم يكتمل حلمها بعدما أجهضت، عادَّةً أن ما جرى جزء من حياة الفقد والوجع الذي يعيشه سكان قطاع غزة على مدار الساعة.

الأطفال الخدج والنازحون يتعرّضون لخطر فقدان الحياة نتيجة الهروب من نيران القصف والاستهداف المباشر للمستشفيات (يونيسيف)

أرقام صادمة

كشف مدير الإغاثة الطبية بقطاع غزة، بسام زقوت، عن أن قطاع غزة، سجل 3958 حالة إجهاض لدى النساء الحوامل خلال النصف الأول من العام الحالي (2026) فقط، مبيناً أن هذا الارتفاع اللامسبوق يعود إلى ظروف لا إنسانية تعيشها الحوامل من تنقل عبر طرقات وعرة ووسائل نقل غير آمنة، وحالات الهلع المستمر جراء القصف، إضافة إلى النوم على الأرض، وانعدام المياه النظيفة أو الساخنة ومواد النظافة، وانتشار المكاره الصحية داخل مخيمات النزوح.

ووفقاً للبيانات الأخيرة الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، فإن الإجهاض بات يمثل خطراً مباشراً يهدد الأمهات والأجنّة على السواء تهديداً مباشراً والنمو السكاني في القطاع بشكل عام.

ويشرح الدكتور أسعد النواجحة، اختصاصي أطفال وحديثي الولادة في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، أن حياة السكان في الخيام، وسوء التغذية، والظروف الصعبة العامة التي يعيشها كل السكان في قطاع غزة بسبب الحرب، أدت إلى ازدياد ملحوظ وبشكل كبير في حالات الإجهاض، وكذلك المواليد الخدج والتي تشير إلى الولادة المبكرة قبل موعدها لدى الأمهات.

طفلة فلسطينية نازحة مصابة بجدري الماء تقف بجوار والدتها داخل خيمة في خان يونس جنوب غزة (أ.ف.ب)

وأوضح النواجحة لـ«الشرق الأوسط»، أن «ذلك كله يتسبب بعدم اكتمال الحمل، أو الولادة المبكرة التي يحتاج بعدها الخدج إلى التنفس الاصطناعي والعناية المركزة، وهي غير متوفرة فتنتهي حياة نسبة كبيرة منهم بالوفاة في الحضانات بفترات تتراوح بين أيام وأسابيع أو أشهر قليلة في حالات نادرة جداً».

وقال: «أي جنين يحتاج إلى 9 أشهر مكتملة ليولد بصحة جيدة، لكن غالبية الولادات في غزة تتم مبكراً؛ ما يجعل قابلية الحياة مستحيلة، وهو ما يؤثر سلباً بشكل أكبر على الأمهات ونفسيتهن وعلى احتمالات الحمل مرة أخرى».

ولفت الطبيب إلى أنه خلال فترة الحرب كان هناك أعداد كبيرة غير معتادة في قطاع غزة، من حالات الإجهاض وكذلك ولادة الأطفال الخدج الذين يعانون ظروفاً صحية صعبة، مشيراً إلى أن مثل هذه الحالات ليست في حاجة إلى دراسة كثيرة لمعرفة الأسباب؛ لأنها نتاج طبيعي للظروف المأساوية التي يعيشها السكان في غزة.

في السياق، لا يستبعد أطباء ومختصون احتمال أن يكون أيضاً لاستخدام إسرائيل أسلحة غير تقليدية تنفث غازات سامة في قطاع غزة، يد في هذه الحالات من التشوهات والإجهاضات والولادة المبكرة. ولم ينفِ منير البرش، مدير عام وزارة الصحة بغزة، تلك الإمكانية، لكنه لفت إلى أن الحسم في حاجة إلى مزيد من الأبحاث والفحوص الطبية.

انخفاض غير مسبوق في المواليد

كشف منير البرش منذ نحو أسبوع، عن أن القطاع يشهد مؤخراً انخفاضاً واضحاً وغير مسبوق في أعداد المواليد الجدد، حيث تراجع العدد من 6076 ولادة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 إلى 2,04 ولادات فقط في أبريل (نيسان) 2026، أي بانخفاض بلغ 67 في المائة خلال بضعة أشهر فقط.

ووفقاً للبرش، فإن هناك أيضاً ارتفاعاً غير مسبوق في حالات الإجهاض وتشوهات الأجنة خلال الحرب، حيث سجلت 921 حالة في شهر واحد، وارتفع معدل الإجهاض إلى 460 حالة لكل 1000 ولادة حية مقارنة بـ140 قبل الحرب، مع توثيق 385 حالة تشوهات خلقية، مرجعاً ذلك إلى آثار الحرب، وسوء التغذية، وانتشار فقر الدم بين الحوامل، والنزوح، وتلوث المياه.

وأشار تقريران أعدتهما منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» بالتعاون مع قسم «حقوق الإنسان العالمية» في جامعة شيكاغو، ونُشرا قبل أشهر، إلى أن ما يجري في غزة يمكن وصفه بسياسة «عنف إنجابي»، تهدف إلى منع الفلسطينيين من الإنجاب، بما يطابق معايير جريمة الإبادة في القانون الدولي.

وحسب التقارير التي استندت إلى شهادات نساء وبيانات صحية وتقارير ميدانية، وثقت بين يناير (كانون الثاني)، ويونيو (حزيران) 2025 نحو 2600 حالة إجهاض، و220 وفاة مرتبطة بالحمل، وألف و460 ولادة مبكرة، وأكثر من ألف و700 مولود ناقص الوزن. مشيرةً إلى أن 2500 رضيع احتاجوا في الفترة ذاتها إلى رعاية مكثفة في حضانات لم تعد قادرة على العمل بكامل طاقتها.

ويؤكد الطبيب النواجحة أن كل الأسباب التي ذُكرت سابقاً من نقص الغذاء والدواء وتدهور القطاع الصحي، والظروف الإنسانية الصعبة، جميعها أسباب انعكست بشكل أو بآخر على صحة الأمهات.

عزوف عن الحمل

تقول الغزية ريهام ياسين (29 عاماً)، إنها ترددت كثيراً في التفكير بالحمل والإنجاب مجدداً بعدما كانت بداية الحرب قد أنجبت طفلاً وحيداً. مشيرةً إلى أنه بعد وقف إطلاق النار فكرت كثيراً بإمكانية الإنجاب مجدداً، إلا أنها تراجعت عن قرارها بعد مشاورات مع زوجها بسبب الأرقام التي تسمع عنها منذ أشهر عن حالات الإجهاض والتشوهات الخلقية والإنجاب المبكر الذي أدى إلى وفاة الأطفال بعد ولادتهم بأيام.

وأضافت: «الحياة في غزة صعبة، ولم أكن أتخيل للحظة واحدة أنني سأنجب مرةً أخرى في مثل هذه الظروف التي قد تهدد حياة طفلي أو تؤدي إلى ولادته مشوهاً».