من فلسفة الجمال إلى علم الجمال.. مدخل عام إلى الاستطيقا

يتعالى عن تجاربنا الحسية المباشرة ويستمد قيمته من ذاته

من فلسفة الجمال إلى علم الجمال.. مدخل عام إلى الاستطيقا
TT

من فلسفة الجمال إلى علم الجمال.. مدخل عام إلى الاستطيقا

من فلسفة الجمال إلى علم الجمال.. مدخل عام إلى الاستطيقا

يعتبر التفكير في الجمال، من المواضيع الفلسفية التي نجدها حاضرة في مختلف المتون والتأملات الفلسفية. لكن هذا الحضور ظل من داخل الفلسفة وضمن إحدى مباحثها الكبرى، وهو مبحث الأكسيولوجيا (القيم). وفلسفة الجمال هنا هي كل الأفكار والتصورات النظرية العامة التي نجدها لدى الفلاسفة حول موضوعة الجمال. ونصادفها لديهم كلما تعلق الأمر بحديثهم عن الجمال. ففي أفكار كونفوشيوس، في الصين القديمة، وتصوراته التي وصلتنا، تأملات حول الجمال. وهو لا يعرفه بكونه كل ما يقوم على التناسق والانسجام، بين الفكرة والعمل، أي بين الصورة والجوهر، وبين الجسد والروح، أو لنقل بين الشكل والمضمون. فكلما تحقق الانسجام بين الداخل والخارج، صار الشيء جميلا. وكأن تصوره للجمال، لا يخرج على تصوره لوحدة الوجود القائمة على إلغاء التناقضات بين الخير والشر، بين الألم والفرح وغير ذلك، التي تعكسها كل الفلسفات الروحية لبلاد الصين القديمة. وهي الأفكار التي ظلت مؤثرة إلى حدود عصر النهضة. كما نجد الاهتمام بالجمال وبالأفكار الجمالية، حاضرا لدى اليونان وعبر تاريخ الفلسفة. وما دام موضوعنا ليس تصورات الفلاسفة للجمال، فسنحاول أن نبين كيف انتقلنا من فلسفة الجمال إلى علم الجمال. لذلك تجدر الإشارة إلى أن هذا الانتقال، لم يتم إلا في حدود النصف الأخير من القرن الثامن عشر. وهذا ما يوضحه الفيلسوف الألماني بومغارتن في قوله: «عندما عرف هذا الفرع بالاستطيقا (فرع من فروع الفلسفة يعنى بعلم الجمال - المحرر)، وحدد موضوعه في تلك الدراسات التي تدور حول منطق الشعور والخيال الفني. وهو منطق يختلف كل الاختلاف عن منطق العلم والتفكير العقلي. ومنذ ذلك التاريخ تقريبا، صار لعلم الجمال مجاله المستقل عن مجال المعرفة النظرية وعن مجال السلوك الأخلاقي. وسار في تأكيد هذا الاتجاه، الفيلسوف الألماني الكبير إيمانويل كانط، الذي انتهى إلى القول إن الخبرة الجمالية لا ترجع إلى النشاط النظري الذي يقوم به الذهن، الذي يحدد شروط المعرفة في علوم الرياضة والفيزياء، كما لا ترجع إلى النشاط العلمي الذي يحدد السلوك الأخلاقي المعتمد على الإرادة، لكنه يرجع إلى الشعور باللذة الذي يستند على اللعب الحر بين الخيال والذهن». ففلسفة الجمال، لا تتناول الفنون الجميلة من وجهة نظر تاريخية. بمعنى أن فلسفة الجمال لا تؤرخ للآثار الفنية. بل موضوعها الأساسي، هو معاينة العوامل والمؤثرات المساهمة في تشكيل الوعي الجمالي لدى الإنسان. هذا الوعي الذي لا يمكن اعتباره، بنظري، وعيا تلقائيا أو حدسا مباشرا وفطريا، يتشكل لدى الذات انطلاقا من مقولاتها ومبادئها الفطرية، كما تصورت ذلك الفلسفة الحديثة مع بعض روادها. بل يحتاج الوعي الجمالي إلى تربية وتنشئة اجتماعية خاصة. فهو ليس ثمرة لإدراكاتنا الطبيعية والمباشرة التي تتشكل في احتكاكنا التلقائي والعفوي مع العالم. صحيح أن لدينا القدرة على الانبهار ببعض المشاهد الطبيعية، مثل جمالية وردة أو قوس قزح أو حمرة شفق أو غيرها. لكن هذه المشاهد الطبيعية، لا تتحول إلى قيم جمالية إلا حينما يتم تحويلها إلى أعمال فنية، وإلى روائع تخرجها من موجودات الطبيعة الخام، وتضفي عليها الحياة، وذلك بتحويلها إلى قيم جمالية تضفي عليها القيمة. وفي هذا السياق، تورد أميرة حلمي مطر في كتابها «مدخل إلى علم الجمال وفلسفة الفن» كلاما لشارل لاولو يقول فيه: «إن الطبيعة ليس لها قيمة جمالية، إلا عندما تنظر إليها من خلال فن من الفنون، أو عندما تكون قد ترجمت إلى لغة أو إلى أعمال أبدعتها عقلية أو شكّلها فن وتقنية». وبهذا المعنى تصير الاستطيقا أو علم الجمال، ليس مجرد أفكار نظرية عامة حول الجمال. فهذا من اختصاص فلسفة الجمال. أما علم الجمال، حسب ستيفان كروبر، فهو «بحث عن قوانين التذوق الجمالي، وموضوعه هو تلك الأشياء التي نحبها لذاتها. في حين أن باقي الأشياء الأخرى، نحبها لأنها وسائل تحقق لنا أهدافا أخرى. وهو يبحث في أبسط الأشياء التي نحبها: كالصوت، أو اللون، أو الخط، أو الإيقاع، أو الكلمة. ثم في مركبات هذه البسائط الأولية في الأعمال الفنية، من عمارة، ونحت، وتصوير، وموسيقى، وأدب». لذلك، فإدراك هذه القيم، ليس نتيجة عملية معطاة، بل تحتاج إلى بناء وتوجيه.
وفي هذا السياق، أعتقد، من وجهة نظر متواضعة، أن التربية الفنية، إن تم تعميمها وتجذيرها داخل مجتمعاتنا العربية، فستكون تربية على الاختلاف بالضرورة. لأن القيم الجمالية في العمق، قيم إنسانية وكونية، تقوم على الاختلاف من شخص إلى آخر، في إدراكه لها. كل حسب خلفياته النظرية والمعرفية، وحمولاته الآيديولوجية، وسياقاته الثقافية. وهكذا يكون تعميم هذه القيم، تعميما للتسامح وتقبّل الآخر. وهو ما جعل كثيرا من الفلاسفة، ومن بينهم كانط، يخصص إحدى نقدياته للحكم الجمالي وللقيم الجمالية. فهو يخصص كتابه: «نقد ملكة الحكم»، لفحص الأسس التي يقوم عليها الحكم الجمالي، الذي يختلف في تأسيسيته، على الحكم العقلي - المنطقي. «فالحكم على الجميل مختلف عند كانط عن الحكم على موضوعات العالم الخارجي. لأنه حكم منعكس، لا يقع على الأشياء الخارجية، وإنما على الذات نفسها، وعلى ما يجري بها إزاء الأشياء الخارجية. ذلك لأن الجميل، لا يندرج تحت تصور معين من تصورات الذهن، لأنه ليس حكما منطقيا ناتجا عن تعميم، ولكنه حكم خاص. فقولي هذه الزنبقة جميلة، هو حكم مختلف عن قولي كل الزنبق جميل». ولكي يحدد لنا كانط، الفرق بين الحكم الجمالي والحكم المنطقي، نجده حدد الحكم بالجميل والجليل في أربعة شروط استمدها من قائمة المقولات المنطقية. فحدده من حيث الكيف، والكم، والجهة، والعلاقة. فمن حيث الكيف، حدد الجميل بأنه ما يسرنا بغير أن يترتب على سرورنا به منفعة أو فائدة أو لذة حسية. ومن هنا يختلف الجميل عما يسبب اللذة، أو ما يرضي حاجة جسمانية. ومن جهة الكم، يعرف الجميل بأنه ما يسرنا بطريقة كلية، وبغير استخدام أي تصورات عقلية. فوصفي لشيء ما بأنه جميل، لا يستند إلى أدلة عقلية وبراهين منطقية. ومن ثم، فسرورنا وبهجتنا بالجميل لا ترجع إلى دوافع شخصية أو إلى أسباب خاصة. وهو يفترض اشتراك الجميع في الاعتراف بقيمته الجمالية. ومن حيث الجهة، يتصف الجميل بأنه حكم ضروري، أي أن عكسه مستحيل. ويرجع السبب في ذلك، إلى أن له أصولا مشتركة لدى جميع أفراد الإنسانية. فالذات الإنسانية، طبيعتها واحدة، ويمكنها أن تستجيب استجابة واحدة عندما تكون بصدد الجميل. ومن جهة العلاقة، يتصف الجميل بأنه يوحي بالغائية بغير أن يتعلق بغاية محددة. وبهذه الشروط، أمكن لكانط أن يقدم تفسيرا للحكم الجمالي، كان له، فيما بعد، أبعد الأثر في الفلسفة الحديثة والمعاصرة»، حسب أميرة حلمي مطر.
وبناء على ذلك، تطرح بعض الإشكالات النظرية والعملية في العلاقة بين علم الجمال والفن، من قبيل: هل عالم الجماليات سيتدخل في عمل الفنان، ليحدد له القواعد والقيم التي عليه أن يتبعها أو ينتجها في عمله الفني، ما سيلغي الحرية التي تعتبر شرطا هيغيليا، في كل عمل فني يتجلى فيه الجميل والجليل، ويعبر عن ذاته، باعتباره جوهرا يتعالى عن تجاربنا اليومية؟ وتدعيما لذلك، عبر أحد علماء الجمال الفرنسي، إذ قال: «ينبغي ألا يتدخل علم الجمال في فرض القواعد التي ينبغي أن يتلزم بها الفنان لتحقيق الجمال في إنتاجه، أو أن يتشرط للجمال شروطا معينة. بل هو يبحث في أحكام الناس الجمالية، شأنه في ذلك، شأن عالم المنطق الذي لا يفرض على العلماء قواعد التفكير التي ينبغي عليهم أن يسيروا عليها، بل هو يكتفي بتحليل خطوات تفكيرهم».
وإذا أردنا أن نحدد العلاقة بين الفنان المبدع للعمل الفني والناقد المقيم لهذا العمل والفيلسوف المنظر لهذين العملين، فإننا سرعان ما نجد أن المشكلة تمتد بين الفنان والناقد، فالفنان يرى الناقد يقيم عملا وهو لا يعرف كيف يخلقه، ثم تمتد المشكلة بين الناقد والفيلسوف، لأن الحدود بينهما تظل مبهمة. فالناقد، في الوقت الذي يتناول فيه تقييم عمل فني معين يتناول أفكارا متعلقة بالفن. ولكن المشكلة تبدو له حين يجد الفيلسوف يحلل التجربة الجمالية أو العمل الفني لكي يصل إلى معايير أو مبادئ عامة كلية تفسد فردية العمل الفني، لأن مثل هذه الأسئلة عن طبيعة الجمال الفني أو الفن عموما، ليست في الواقع إلا أسئلة فلسفية.
ما يجب أن يبقى في الذهن، هو أن فلسفة الجمال، كما ناقشناها، هي أفكار نظرية عامة حول موضوعة الجمال، بينما علم الجمال - الإستطيقا، هو تخصص قائم الذات من داخل الفلسفة، يعيد طرح أسئلته حول الجميل والقيم الجمالية، من أجل فهم منطق الذوق الجمالي، وكيف تنتج القيم الجمالية في كليتها؟ وفي هذا، إن كانت الفلسفة قد نحت، منذ كانط إلى هيغل، في اتجاه تعريف الجمال بكونه ما يتعالى عن تجاربنا الحسية المباشرة، ويستمد قيمته من ذاته، فتجدر الإشارة إلى أن هذا التصور، سيعرف نقاشا حادا في الفلسفة المعاصرة وسوسيولوجيا الحقل الفني - باعتباره حقل إنتاج هذه القيم الجمالية المتصارع حولها في العمق - حينما تطرق مجموعة من الباحثين سواء في مدرسة فرانكفورت (أدورنو نموذجا)، أو في المدرسة الفرنسية مع بيير بورديو، إلى الجمال والقيم الجمالية، باعتبارها ليست متعالية على الواقع وعلى التجربة المعيشة للناس، بل إن الجمال وإدراك القيم الجمالة هو جزء لا يتجزأ من السياقات الثقافية، التي تقضي بأن هناك ارتباطا بين الظروف والشروط التاريخية لإنتاج عمل فني أو قيم جمالية معينة، وبين شروط استقبال وتلقي هذه الأعمال والقيم. وذلك واضح في دراسته حول زيارة المتاحف الفنية التي تعرض أعمالا فنية تختزن قيما جمالية، يتطلب فهمها تنشئة وتربية وتطبيعا خاصا. لذلك كانت هذه المعارض الفنية حكرا على الطبقات البرجوازية، التي يسمح لها تكوينها ووقتها وتحررها النسبي من إكراهات السوق وثقافتها، أن تخلق لها فضاءات مستقلة، نسبيا، تعرض فيها قيما لا يمكن إدراكها أو فهمها وتأويلها، إلا إذا كان زائرها حاملا لثقافة فنية وتربية جمالية خاصة. فلوحة الجوكندا أو غرنيكا لبيكاسو، أو الحذاء لفان كوخ، قد تكون من منظور علم الجمال أو فلسفة الجمال، تراثا إنسانيا وروائع جمالية وفنية خالدة. لكنها بالنسبة لإسكافي أو إنسان من العامة، قد لا تثير فيه أي اهتمام. من هنا، يبدو الجمال قيمة لا تعلو على الشروط التاريخية والثقافية التي تنتج فيها.

* أستاذ الفلسفة (المغرب)



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.