من فلسفة الجمال إلى علم الجمال.. مدخل عام إلى الاستطيقا

يتعالى عن تجاربنا الحسية المباشرة ويستمد قيمته من ذاته

من فلسفة الجمال إلى علم الجمال.. مدخل عام إلى الاستطيقا
TT

من فلسفة الجمال إلى علم الجمال.. مدخل عام إلى الاستطيقا

من فلسفة الجمال إلى علم الجمال.. مدخل عام إلى الاستطيقا

يعتبر التفكير في الجمال، من المواضيع الفلسفية التي نجدها حاضرة في مختلف المتون والتأملات الفلسفية. لكن هذا الحضور ظل من داخل الفلسفة وضمن إحدى مباحثها الكبرى، وهو مبحث الأكسيولوجيا (القيم). وفلسفة الجمال هنا هي كل الأفكار والتصورات النظرية العامة التي نجدها لدى الفلاسفة حول موضوعة الجمال. ونصادفها لديهم كلما تعلق الأمر بحديثهم عن الجمال. ففي أفكار كونفوشيوس، في الصين القديمة، وتصوراته التي وصلتنا، تأملات حول الجمال. وهو لا يعرفه بكونه كل ما يقوم على التناسق والانسجام، بين الفكرة والعمل، أي بين الصورة والجوهر، وبين الجسد والروح، أو لنقل بين الشكل والمضمون. فكلما تحقق الانسجام بين الداخل والخارج، صار الشيء جميلا. وكأن تصوره للجمال، لا يخرج على تصوره لوحدة الوجود القائمة على إلغاء التناقضات بين الخير والشر، بين الألم والفرح وغير ذلك، التي تعكسها كل الفلسفات الروحية لبلاد الصين القديمة. وهي الأفكار التي ظلت مؤثرة إلى حدود عصر النهضة. كما نجد الاهتمام بالجمال وبالأفكار الجمالية، حاضرا لدى اليونان وعبر تاريخ الفلسفة. وما دام موضوعنا ليس تصورات الفلاسفة للجمال، فسنحاول أن نبين كيف انتقلنا من فلسفة الجمال إلى علم الجمال. لذلك تجدر الإشارة إلى أن هذا الانتقال، لم يتم إلا في حدود النصف الأخير من القرن الثامن عشر. وهذا ما يوضحه الفيلسوف الألماني بومغارتن في قوله: «عندما عرف هذا الفرع بالاستطيقا (فرع من فروع الفلسفة يعنى بعلم الجمال - المحرر)، وحدد موضوعه في تلك الدراسات التي تدور حول منطق الشعور والخيال الفني. وهو منطق يختلف كل الاختلاف عن منطق العلم والتفكير العقلي. ومنذ ذلك التاريخ تقريبا، صار لعلم الجمال مجاله المستقل عن مجال المعرفة النظرية وعن مجال السلوك الأخلاقي. وسار في تأكيد هذا الاتجاه، الفيلسوف الألماني الكبير إيمانويل كانط، الذي انتهى إلى القول إن الخبرة الجمالية لا ترجع إلى النشاط النظري الذي يقوم به الذهن، الذي يحدد شروط المعرفة في علوم الرياضة والفيزياء، كما لا ترجع إلى النشاط العلمي الذي يحدد السلوك الأخلاقي المعتمد على الإرادة، لكنه يرجع إلى الشعور باللذة الذي يستند على اللعب الحر بين الخيال والذهن». ففلسفة الجمال، لا تتناول الفنون الجميلة من وجهة نظر تاريخية. بمعنى أن فلسفة الجمال لا تؤرخ للآثار الفنية. بل موضوعها الأساسي، هو معاينة العوامل والمؤثرات المساهمة في تشكيل الوعي الجمالي لدى الإنسان. هذا الوعي الذي لا يمكن اعتباره، بنظري، وعيا تلقائيا أو حدسا مباشرا وفطريا، يتشكل لدى الذات انطلاقا من مقولاتها ومبادئها الفطرية، كما تصورت ذلك الفلسفة الحديثة مع بعض روادها. بل يحتاج الوعي الجمالي إلى تربية وتنشئة اجتماعية خاصة. فهو ليس ثمرة لإدراكاتنا الطبيعية والمباشرة التي تتشكل في احتكاكنا التلقائي والعفوي مع العالم. صحيح أن لدينا القدرة على الانبهار ببعض المشاهد الطبيعية، مثل جمالية وردة أو قوس قزح أو حمرة شفق أو غيرها. لكن هذه المشاهد الطبيعية، لا تتحول إلى قيم جمالية إلا حينما يتم تحويلها إلى أعمال فنية، وإلى روائع تخرجها من موجودات الطبيعة الخام، وتضفي عليها الحياة، وذلك بتحويلها إلى قيم جمالية تضفي عليها القيمة. وفي هذا السياق، تورد أميرة حلمي مطر في كتابها «مدخل إلى علم الجمال وفلسفة الفن» كلاما لشارل لاولو يقول فيه: «إن الطبيعة ليس لها قيمة جمالية، إلا عندما تنظر إليها من خلال فن من الفنون، أو عندما تكون قد ترجمت إلى لغة أو إلى أعمال أبدعتها عقلية أو شكّلها فن وتقنية». وبهذا المعنى تصير الاستطيقا أو علم الجمال، ليس مجرد أفكار نظرية عامة حول الجمال. فهذا من اختصاص فلسفة الجمال. أما علم الجمال، حسب ستيفان كروبر، فهو «بحث عن قوانين التذوق الجمالي، وموضوعه هو تلك الأشياء التي نحبها لذاتها. في حين أن باقي الأشياء الأخرى، نحبها لأنها وسائل تحقق لنا أهدافا أخرى. وهو يبحث في أبسط الأشياء التي نحبها: كالصوت، أو اللون، أو الخط، أو الإيقاع، أو الكلمة. ثم في مركبات هذه البسائط الأولية في الأعمال الفنية، من عمارة، ونحت، وتصوير، وموسيقى، وأدب». لذلك، فإدراك هذه القيم، ليس نتيجة عملية معطاة، بل تحتاج إلى بناء وتوجيه.
وفي هذا السياق، أعتقد، من وجهة نظر متواضعة، أن التربية الفنية، إن تم تعميمها وتجذيرها داخل مجتمعاتنا العربية، فستكون تربية على الاختلاف بالضرورة. لأن القيم الجمالية في العمق، قيم إنسانية وكونية، تقوم على الاختلاف من شخص إلى آخر، في إدراكه لها. كل حسب خلفياته النظرية والمعرفية، وحمولاته الآيديولوجية، وسياقاته الثقافية. وهكذا يكون تعميم هذه القيم، تعميما للتسامح وتقبّل الآخر. وهو ما جعل كثيرا من الفلاسفة، ومن بينهم كانط، يخصص إحدى نقدياته للحكم الجمالي وللقيم الجمالية. فهو يخصص كتابه: «نقد ملكة الحكم»، لفحص الأسس التي يقوم عليها الحكم الجمالي، الذي يختلف في تأسيسيته، على الحكم العقلي - المنطقي. «فالحكم على الجميل مختلف عند كانط عن الحكم على موضوعات العالم الخارجي. لأنه حكم منعكس، لا يقع على الأشياء الخارجية، وإنما على الذات نفسها، وعلى ما يجري بها إزاء الأشياء الخارجية. ذلك لأن الجميل، لا يندرج تحت تصور معين من تصورات الذهن، لأنه ليس حكما منطقيا ناتجا عن تعميم، ولكنه حكم خاص. فقولي هذه الزنبقة جميلة، هو حكم مختلف عن قولي كل الزنبق جميل». ولكي يحدد لنا كانط، الفرق بين الحكم الجمالي والحكم المنطقي، نجده حدد الحكم بالجميل والجليل في أربعة شروط استمدها من قائمة المقولات المنطقية. فحدده من حيث الكيف، والكم، والجهة، والعلاقة. فمن حيث الكيف، حدد الجميل بأنه ما يسرنا بغير أن يترتب على سرورنا به منفعة أو فائدة أو لذة حسية. ومن هنا يختلف الجميل عما يسبب اللذة، أو ما يرضي حاجة جسمانية. ومن جهة الكم، يعرف الجميل بأنه ما يسرنا بطريقة كلية، وبغير استخدام أي تصورات عقلية. فوصفي لشيء ما بأنه جميل، لا يستند إلى أدلة عقلية وبراهين منطقية. ومن ثم، فسرورنا وبهجتنا بالجميل لا ترجع إلى دوافع شخصية أو إلى أسباب خاصة. وهو يفترض اشتراك الجميع في الاعتراف بقيمته الجمالية. ومن حيث الجهة، يتصف الجميل بأنه حكم ضروري، أي أن عكسه مستحيل. ويرجع السبب في ذلك، إلى أن له أصولا مشتركة لدى جميع أفراد الإنسانية. فالذات الإنسانية، طبيعتها واحدة، ويمكنها أن تستجيب استجابة واحدة عندما تكون بصدد الجميل. ومن جهة العلاقة، يتصف الجميل بأنه يوحي بالغائية بغير أن يتعلق بغاية محددة. وبهذه الشروط، أمكن لكانط أن يقدم تفسيرا للحكم الجمالي، كان له، فيما بعد، أبعد الأثر في الفلسفة الحديثة والمعاصرة»، حسب أميرة حلمي مطر.
وبناء على ذلك، تطرح بعض الإشكالات النظرية والعملية في العلاقة بين علم الجمال والفن، من قبيل: هل عالم الجماليات سيتدخل في عمل الفنان، ليحدد له القواعد والقيم التي عليه أن يتبعها أو ينتجها في عمله الفني، ما سيلغي الحرية التي تعتبر شرطا هيغيليا، في كل عمل فني يتجلى فيه الجميل والجليل، ويعبر عن ذاته، باعتباره جوهرا يتعالى عن تجاربنا اليومية؟ وتدعيما لذلك، عبر أحد علماء الجمال الفرنسي، إذ قال: «ينبغي ألا يتدخل علم الجمال في فرض القواعد التي ينبغي أن يتلزم بها الفنان لتحقيق الجمال في إنتاجه، أو أن يتشرط للجمال شروطا معينة. بل هو يبحث في أحكام الناس الجمالية، شأنه في ذلك، شأن عالم المنطق الذي لا يفرض على العلماء قواعد التفكير التي ينبغي عليهم أن يسيروا عليها، بل هو يكتفي بتحليل خطوات تفكيرهم».
وإذا أردنا أن نحدد العلاقة بين الفنان المبدع للعمل الفني والناقد المقيم لهذا العمل والفيلسوف المنظر لهذين العملين، فإننا سرعان ما نجد أن المشكلة تمتد بين الفنان والناقد، فالفنان يرى الناقد يقيم عملا وهو لا يعرف كيف يخلقه، ثم تمتد المشكلة بين الناقد والفيلسوف، لأن الحدود بينهما تظل مبهمة. فالناقد، في الوقت الذي يتناول فيه تقييم عمل فني معين يتناول أفكارا متعلقة بالفن. ولكن المشكلة تبدو له حين يجد الفيلسوف يحلل التجربة الجمالية أو العمل الفني لكي يصل إلى معايير أو مبادئ عامة كلية تفسد فردية العمل الفني، لأن مثل هذه الأسئلة عن طبيعة الجمال الفني أو الفن عموما، ليست في الواقع إلا أسئلة فلسفية.
ما يجب أن يبقى في الذهن، هو أن فلسفة الجمال، كما ناقشناها، هي أفكار نظرية عامة حول موضوعة الجمال، بينما علم الجمال - الإستطيقا، هو تخصص قائم الذات من داخل الفلسفة، يعيد طرح أسئلته حول الجميل والقيم الجمالية، من أجل فهم منطق الذوق الجمالي، وكيف تنتج القيم الجمالية في كليتها؟ وفي هذا، إن كانت الفلسفة قد نحت، منذ كانط إلى هيغل، في اتجاه تعريف الجمال بكونه ما يتعالى عن تجاربنا الحسية المباشرة، ويستمد قيمته من ذاته، فتجدر الإشارة إلى أن هذا التصور، سيعرف نقاشا حادا في الفلسفة المعاصرة وسوسيولوجيا الحقل الفني - باعتباره حقل إنتاج هذه القيم الجمالية المتصارع حولها في العمق - حينما تطرق مجموعة من الباحثين سواء في مدرسة فرانكفورت (أدورنو نموذجا)، أو في المدرسة الفرنسية مع بيير بورديو، إلى الجمال والقيم الجمالية، باعتبارها ليست متعالية على الواقع وعلى التجربة المعيشة للناس، بل إن الجمال وإدراك القيم الجمالة هو جزء لا يتجزأ من السياقات الثقافية، التي تقضي بأن هناك ارتباطا بين الظروف والشروط التاريخية لإنتاج عمل فني أو قيم جمالية معينة، وبين شروط استقبال وتلقي هذه الأعمال والقيم. وذلك واضح في دراسته حول زيارة المتاحف الفنية التي تعرض أعمالا فنية تختزن قيما جمالية، يتطلب فهمها تنشئة وتربية وتطبيعا خاصا. لذلك كانت هذه المعارض الفنية حكرا على الطبقات البرجوازية، التي يسمح لها تكوينها ووقتها وتحررها النسبي من إكراهات السوق وثقافتها، أن تخلق لها فضاءات مستقلة، نسبيا، تعرض فيها قيما لا يمكن إدراكها أو فهمها وتأويلها، إلا إذا كان زائرها حاملا لثقافة فنية وتربية جمالية خاصة. فلوحة الجوكندا أو غرنيكا لبيكاسو، أو الحذاء لفان كوخ، قد تكون من منظور علم الجمال أو فلسفة الجمال، تراثا إنسانيا وروائع جمالية وفنية خالدة. لكنها بالنسبة لإسكافي أو إنسان من العامة، قد لا تثير فيه أي اهتمام. من هنا، يبدو الجمال قيمة لا تعلو على الشروط التاريخية والثقافية التي تنتج فيها.

* أستاذ الفلسفة (المغرب)



مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

حمل العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/تموز 2026)، عدداً من الملفات الثقافية، ويقدم العدد بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة، والتعليم، والعلوم، والتراث، والفلسفة.

وأبرز ملفات العدد، ملف «اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية»، تناول قضايا اللغة والهوية وتعريب العلوم. فعبر أربعة مقالات تتناول العلاقة بين اللغة وإنتاج المعرفة، والتحديات التي تواجه العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وآفاق تجديد حضورها في البحث العلمي والتعليم والثقافة؛ يؤكد هذا الملف، أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل وإنما وعاء للهوية.

وبمناسبة تجديد ولاية الأمين العام لمنظمة «الإيسيسكو»، الدكتور سالم بن محمد المالك، فقد أجرت معه رئيسة تحرير مجلة «الإيسيسكو» الشاعرة روضة الحاج، مقابلة، تحدث فيها عن أهم عناوين المرحلة الجديدة للمنظمة، وهي «تعظيم الأثر وترسيخ الشراكات».

فمنذ أن تولى المالك قيادة منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) عام 2019، دخلت المنظمة طوراً جديداً من الحضور والتأثير؛ اتسعت فيه دوائر الشراكات، وتعددت المبادرات، وتعزز حضورها الدولي؛ حتى غدت نموذجاً لمنظمة تنبض بالحركة وتستشرف المستقبل بثقة وطموح.

كما حمل غلاف العدد صورة مدينة قازان عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026؛ احتفاءً بمدينة استطاعت أن تقدم نموذجاً فريداً للتفاعل الخلاق بين الحضارات، وأن تجمع بين أصالة التراث وروح العصر، لتبدو فضاءً رحباً للتعايش والتنوع الثقافي.

وفي كلمتها في افتتاحية العدد، تزفّ رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج، بشرى صدور المجلة ابتداءً من هذا العدد بثلاث لغات (العربية، والفرنسية، والإنجليزية) لتوسيع رسالتها الحضارية عالمياً.

اللغة العربية: ثراءٌ وتغريب

تحت عنوان: «اللغة العربية.. بين واقع مُغْنٍ وتغريب مُضْنٍ»، كتب أحمد سليم بن أحمد الأرمي، الأمين العام للرابطة الموريتانية لحماية اللغة العربية، ويناقش الكاتب واقع اللغة العربية في العالم من زاويتين متقابلتين؛ الأولى تؤكد المكانة الدولية المتنامية للعربية، والأخرى ترصد مظاهر التراجع داخل المجتمعات العربية نفسها.

قدّم المقال قراءة تحليلية مقارنة لواقع اللغة العربية اليوم على الساحتين الدولية والمحلية.

ويرى الكاتب أن واقع العربية دولياً يمر بمرحلة نمو واعتراف واعدين؛ فهي لغة رسمية معتمدة في الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية، وتتبوأ المرتبة الخامسة عالمياً من حيث الانتشار. كما يشير إلى تزايد حضورها التعليمي في المدارس والمعاهد الغربية والأميركية والآسيوية كلغة ثانية أو ثالثة، ويتحدث بها أكثر من 300 مليون شخص من غير الناطقين بها كعنصر تواصل وإدارة.

لكن، وفي مقابل هذا «الواقع المغني» والاعتراف الخارجي المتصاعد، يطرح الكاتب تساؤلاً نقدياً مؤرقاً حول مدى مواءمة هذا التقدير العالمي مع الوضع الاعتباري الداخلي للعربية في دولها الأصلية، محذراً من وطأة التغريب وتراجع تمكين اللغة معرفياً وإدارياً في أوطانها.

تعريب التعليم الطبي

مقالٌ آخر، في الملف ذاته، حمل عنوان: «تعريب التعليم الطبي: بين استعادة الهوية وتعزيز جودة التعلم»، للدكتور خالد آل عبد الرحمن، أستاذ طب الأسرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية.

في هذا المقال، يطرح الكاتب رؤية استراتيجية وتربوية غاية في الأهمية، تفكك إشكالية لغة التدريس في كليات الطب العربية. ينطلق الكاتب من رؤية مفادها أن اللغة هي وعاء التفكير العميق وليست مجرد أداة تواصل؛ وبالتالي فإن التعليم باللغة الأم هو الركيزة الأساسية للفهم الإبداعي والتفكير النقدي وتجنب تلقين الحفظ.

يستعرض المقال الجذور التاريخية لازدهار الطب العربي إبان الحضارة الإسلامية حين كانت مؤلفات ابن سينا والرازي مراجع رئيسية لأوروبا. ثم يحلل التحديات المعاصرة المتمثلة في الإرث الاستعماري، وهيمنة الإنجليزية في النشر، مستشهداً بتجارب دولية ناجحة تدرس الطب بلغتها الوطنية (اليابان، ألمانيا، فرنسا، الصين، وإسبانيا)، وتجربة سوريا الرائدة منذ عام 1919.

ويرى الكاتب أن اللغة تؤدي دوراً أساسياً في بناء الهوية الثقافية وتعزيز الانتماء. وعندما يتلقى المتعلم معارفه بلغته الأم، يصبح أكثر قدرة على الفهم والتفكير والإبداع.

وفي تحليل مقارن، يتساءل الكاتب: هل اللغة عائق أم أداة؟ ويوضح أن المقارنة بين الدول تشير إلى أن الدول المستقلة علمياً وسيادياً تُدرِّس بلغاتها الوطنية، في حين الدول التي خضعت للاستعمار تميل لاستخدام لغات أجنبية. ويرى أن هذا يدعم فكرة أن اللغة ليست عائقاً بل أداة، وأن اختيار لغة التعليم يعكس توجهاً حضارياً وثقافياً.

تعريب العلوم

وضمن الملف، جاء مقال: «تعليم العلوم لماذا بالعربية بعيداً عن الهوية؟»، للكاتبة الدكتورة ندى نور الدائم، أستاذة مساعدة بجامعة الخرطوم كلية الآداب قسم اللغة العربية.

وفي هذا المقال، تقدم الكاتبة طرحاً تربوياً وعلمياً جريئاً يتجاوز الخطاب التقليدي المرتبط بالهوية، ليركز على «كفاءة التعلم وجودة التعليم» معياراً وحيداً لاختيار لغة التدريس. وتوضح الكاتبة أن الطفل الذي يُجبَر على دراسة العلوم بلغة أجنبية يخوض معركتين متزامنتين: معركة فهم المفاهيم العلمية، ومعركة فك رموز اللغة الجديدة؛ ما يؤدي إلى تراجع جودة الفهم بنسبة تصل إلى 60 في المائة مقارنة بالمتعلم بلغته الأم.

وتستند الكاتبة إلى دراسات حديثة لـ«يونيسكو» (2026) تؤكد أن التدريس بلغة المنزل يزيد من فرص الفهم والاستيعاب بنسب تتراوح بين 40 في المائة و160 في المائة في بعض الدول. كما تفنّد حجة صعوبة المصطلحات العلمية، موضحة أن المصطلحات لا تشكل سوى 4 في المائة من أي كتاب تخصصي. وتُذّكر بمآثر علماء المسلمين بصفتهم مؤسسين لهذه العلوم (كالخوارزمي وابن الهيثم وابن النفيس) والذين تلقوا علومهم بلغة مجتمعهم، محذرة من أن إجبار الأطفال على لغات أجنبية في مراحلهم المبكرة يحدِث قطيعة معرفية واجتماعية داخل الأسرة العربية.

الدبلوماسية اللغوية

وضمن الملف، كتب الدكتور يوسف إسماعيلي، (خبير بمركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها في المغرب)، مقالاً بعنوان: «الدبلوماسية اللغوية وتعليم العربية عالمياً».

ويقدم الكاتب تأصيلاً لمفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بصفتها أداة استراتيجية فاعلة وصامتة في فضاء العلاقات الدولية المعاصرة وقوتها الناعمة. ويطرح المقال رؤية حديثة للعلاقة بين اللغة والسياسة الدولية؛ إذ يؤكد أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل أو وعاء للتراث، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لبناء نفوذها وتعزيز حضورها العالمي.

ويشرح الكاتب مفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بصفته مجموعة السياسات والمبادرات التي توظف تعليم اللغة ونشرها ضمن الاستراتيجية الثقافية للدول والمؤسسات الدولية. وتمتاز هذه الدبلوماسية بأنها تعمل بهدوء وعلى المدى الطويل، مستهدفة الإنسان قبل الدولة، وبانيةً علاقات تقوم على الفهم المتبادل أكثر من المصالح الآنية.

ويستعرض المقال نماذج تاريخية تؤكد أن أثر اللغة قد يتجاوز أثر القوة العسكرية. ويستشهد بالتجربة الأندلسية، حيث أصبحت العربية لغة الإدارة والطب والفلسفة والعلوم، وتعلمها المسلمون وغير المسلمين؛ لأنها كانت لغة المعرفة والارتقاء الاجتماعي. وحتى بعد زوال الحكم الإسلامي، بقي أثر العربية في الجامعات الأوروبية والمصطلحات العلمية التي انتقلت إلى اللغات الحديثة.

ثم ينتقل الكاتب إلى واقع العربية اليوم، ويبيّن أنها من أكثر لغات العالم انتشاراً، وتحظى بمكانة رسمية في المنظمات الدولية، كما يتزايد الإقبال على تعلمها في الجامعات الغربية، والمعاهد الدبلوماسية، ومراكز الدراسات، وقطاعات الاقتصاد، والطاقة، والإعلام.

ومع ذلك، يرى المقال أن العربية لا تزال تواجه تحديات تتمثل في اختزالها في بُعدها الديني، وربطها بالصراعات السياسية، وتقديمها بوصفها لغة صعبة، إضافة إلى غياب خطاب عالمي موحد يبرز قيمتها الحضارية والمعرفية.

ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل العربية عالمياً لا يعتمد على انتشارها العددي، بل على تطوير رؤية ثقافية حديثة لتعليمها، تجعلها أداةً للحوار والتواصل والمعرفة، وتقدمها بصفتها لغة حية قادرة على الإسهام في العالم المعاصر.

قازان: جوهرة تتارستان

وضمن ملفات العدد الجديد، يأتي الاستطلاع عن «قازان» بعنوان: «قازان.. جوهرة تتارستان وعاصمة الثقافة في العالم الإسلامي 2026»، للكاتب العماني الدكتور سالم بن هلال الحبسي، (مدير الأمانة العامة للجان الوطنية والمؤتمرات في الإيسيسكو).

ويحتفي المقال بمدينة قازان التاريخية عاصمة جمهورية تتارستان الروسية، والتي اختيرت لتكون عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026. ويبرز الكاتب الموقع الاستراتيجي والجغرافي للمدينة على ضفاف نهر الفولغا. ويركز على القيمة الحضارية الكبرى لقازان بوصفها نموذجاً تاريخياً وواقعياً فريداً للتعايش الخلاق، والتفاعل الثقافي الحيوي بين ثقافة الشرق الإسلامية وتراث الغرب الروسي، حيث تلتقي فيها أصالة المعالم التراثية بروح العصر، لتغدو منارة حقيقية للتنوع الثقافي والتسامح الديني والاجتماعي.

يستعرض الكاتب التاريخ الممتد لقازان منذ أكثر من ألف عام، ودورها في انتشار الإسلام في منطقة الفولغا بعد اعتناق بلغار الفولغا الإسلام عام 922م، وهو الحدث الذي يمثل البداية التاريخية للإسلام في الأراضي الواقعة ضمن روسيا الحالية. كما يوضح كيف حافظت المدينة على هويتها الإسلامية رغم التحولات السياسية التي مرت بها، لتصبح لاحقاً مركزاً للإصلاح الفكري والثقافي للمسلمين في روسيا.

ويؤكد المقال أن تجربة قازان تثبت إمكانية الجمع بين الانتماء الديني والانفتاح الحضاري، وأن المدن تستطيع أن تصبح أدوات للتقارب بين الشعوب عندما تستثمر تاريخها الثقافي بصورة إيجابية.

إسهامات عربية في الكيمياء

من المقالات المهمة في هذا العدد، مقال: «إسهامات العلماء العرب والمسلمين في إرساء أسس الكيمياء الحديثة»، للدكتور عبد الوهاب السعدون، الأمين العام السابق للاتحاد الخليجي للبتروكيماويات (السعودية).

يعيد هذا المقال قراءة تاريخ علم الكيمياء من منظور علمي، مبيناً أن مساهمة العلماء العرب والمسلمين لم تقتصر على نقل المعارف القديمة، بل تمثلت في تحويل الكيمياء من ممارسات يغلب عليها الطابع الفلسفي والخيميائي إلى علم تجريبي قائم على الملاحظة والقياس والتجربة.

يبدأ الكاتب باستعراض الظروف التي مهدت لازدهار العلوم في الحضارة الإسلامية، مع اتساع الدولة الإسلامية ونشاط حركة الترجمة في العصرين الأموي والعباسي، حيث جرى استيعاب التراث اليوناني والفارسي والهندي، ثم تطويره وإضافة إسهامات أصلية إليه.

ويبرز المقال الدور المحوري لجابر بن حيان الذي يعدّه كثير من المؤرخين المؤسس الحقيقي لعلم الكيمياء الحديثة؛ لما أدخله من منهج تجريبي صارم، واعتماده المختبر والتجربة أساساً للبحث العلمي، إضافة إلى تطوير عمليات التقطير والتنقية والترشيح والأكسدة، وتحضير عدد من الأحماض والمركبات الكيميائية.

كما يتناول إسهامات الرازي، الذي ربط الكيمياء بالطب، وأسهم في تطوير المعرفة بالمواد الكيميائية واستخداماتها العلاجية، إلى جانب الكندي وغيره من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للمنهج العلمي الذي تبنّته أوروبا لاحقاً.

ويشير الكاتب إلى أن الكتب العربية في الكيمياء تُرجمت إلى اللاتينية، وظلت مراجع رئيسية في الجامعات الأوروبية لقرون، وأن كثيراً من المصطلحات والممارسات المخبرية الحديثة تعود جذورها إلى أعمال العلماء المسلمين.

المعرفة والتحولات الاجتماعية

وكتبت الدكتورة شادن دياب، «خبيرة دولية في علم المناخ والبيئة – فرنسا»، مقالاً بعنوان: «نظرية المعرفة والتحولات الاجتماعية والبيئية في العالم العربي».

ويطرح هذا المقال سؤالاً فلسفياً معاصراً حول العلاقة بين المعرفة والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التغير المناخي والأزمات البيئية والتكنولوجية. وترى الكاتبة أن هذه التحديات لا تفرض حلولاً تقنية فحسب، بل تستدعي إعادة التفكير في مفهوم المعرفة نفسه.

تنطلق الدراسة من أفكار الفيلسوف مارتن هايدغر، الذي ربط المعرفة بالتجربة الإنسانية والوجود العملي، ثم تقارنها برؤية ابن خلدون التي تجعل المعرفة نتاجاً للتعلم والخبرة والممارسة الاجتماعية، لتؤكد أن المعرفة ليست معطى ثابتاً، وإنما عملية متجددة تتشكل داخل السياق التاريخي والاجتماعي.

وتنتقل الكاتبة إلى مناقشة التغير المناخي بوصفه أزمة معرفية بقدر ما هو أزمة بيئية؛ لأن مواجهة آثاره تتطلب تطوير أنماط جديدة من التفكير، وإعادة بناء السياسات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية على أسس أكثر استدامة.

وتخلص الدراسة إلى أن المجتمعات العربية تحتاج إلى بناء منظومة معرفية قادرة على التفاعل مع هذه التحولات، تجمع بين التراث الفكري والعلوم الحديثة، وتربط البحث العلمي بصنع القرار، حتى تصبح المعرفة أداة لإدارة المستقبل لا مجرد وسيلة لفهم الماضي.

عارف الساعدي: الشعر مفتاحي للعالم

وضمن باقة من المواد الأدبية، تنوعت بين الشعر والنثر، جاء الحوار مع الشاعر العراقي الدكتور عارف الساعدي، بعنوان: «الشعر مفتاحي للعالم!»، وأجراه الناقد المغربي الدكتور نصر الدين شردال.

يتحدث الحوار عن الساعدي الشاعر الذي «ظل وفياً لخصائص القصيدة العربية الأصيلة في جزالة لغتها، وإحكام إيقاعاتها وبراعة صورها، وحداثة رؤيتها، وتخلق أنساقها، وتعدد دلالاتها وتناسل تأويلاتها، واستمر في بلورة هذه الإمكانيات الجمالية في أعماله الشعرية».

وفي هذا الحوار قال الساعدي عن الشعر إنه «ذلك الكائن الغامض الذي يتسلل إلى أرواحنا، فنغوص فيه دون أن نعرف متى وإلى أین ننتهي، لكنه يبقى أشبه بالحلم الذي حلمناه. ولم نصح منه».

وقال إن أول التماساته مع الشعر «هي حكايات جدتي لأمي وأنا ابن السنة العاشرة: حين كانت تغوص بنا ما بين الأساطير والجنّي والطنطل، مجموعة خرافات أشبه بأفلام الكرتون، ولكنها حكايات مخصبة لبذرة الشعرية، منذ تلك اللحظات وأنا بلا وعي أخزن هذه الحكايا لتخرج فيما بعد كلمات موزونة بلا معنى».


الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار
TT

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

يتحدث الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، في نص له شبه مجهول، عن فارسين اثنين يلتقيان صدفة عند أحد مفترقات الطرق الأندلسية. وإذ يسأل أحدهما الآخر: «من أين أنت قادم؟»، «من غرناطة»، يجيب الآخر. ثم يعود الأول ليسأل: «وإلى أين ستعود؟»، «إلى غرناطة» يجيب الثاني. وقبل أن يفترقا بقليل، يسأل الأول الثاني: «وما هي مهنتك؟»، فيجيب الثاني قائلاً، وقد بدت عليه أمارات الدهشة والاستغراب: «وماذا عليه أن يعمل من يكون قادماً من غرناطة؟!».

قد لا يجد القارئ في هذه الحوارية القصيرة، ما يتسق مع الموضوع الذي تتصدى له هذه المقالة. ذلك أن الدلالة الأقرب إلى الذهن التي يمكن استخلاصها من الحوار، هي أن الحب المَرضي الذي يكنّه لوركا لمدينته الواقعة في الجنوب الإسباني، والذي جعله يتخذ من الفارس الثاني قناعاً له، قد دفعه إلى القول بلسان أحد أبطاله المتخيلين، بأن الانتماء إلى مدينة بجمال غرناطة وعراقتها، قد يكون كافياً لمنح ساكنها شعوراً بالاكتفاء والثمل العشقي بالمكان، إلى حد لا يسمح له بفعل أي شيء آخر.

ولأن الشعر حمَّال أوجه ومتعدد الطبقات، فقد استدرجني النص، الذي التصق بذاكرتي، منذ قراءتي له قبل عقود عدة، إلى تأويل آخر، تراءى لي معه بأن الفارس الثاني هو الشاعر، وأن غرناطة هي الشعر الذي يستغني بنفسه عن أي إضافة، ويصرّ على أن يكون محور اهتمام المشتغل به وديدنه، و«مهنته» الوحيدة.

ولعلهم لم يكونوا بعيدين عن الحقيقة، أولئك الذين يرون في الشعر فناً نرجسياً بامتياز، بحيث لا يقبل معه أي «ضرَّة» منافسة، وأن تحقُّقه على النحو الأمثل، يحتاج بحكم انفتاح معجمه التعبيري على ضروب لا نهائية من الاحتمالات ومصادفات التجاور، إلى عدد لا نهائي أيضاً من الحيوات. إلا أن ثمة أسئلة مُلحّة لا بد من طرحها في هذا المجال، يتصل بعضها بإمكانية الجمع بين فنين أو أكثر، وبتعددية الهوية الإبداعية، ويتصل بعضها الآخر بقدرة المبدع على أن يقدّم نوعين من الإبداع بالمستوى نفسه، والعمق إياه.

والواقع فيما يخص السؤال الأول، أن ما ينطبق على الشعر، ينطبق بهذا القدر أو ذاك على الفنون الأخرى، التي لا يرضى كلٌّ منها بأنصاف الحلول، ولا يقبل التنازل عن حصته من الولاء، لأي منافس أو شريك. ويكفي أن نلقي نظرة متفحصة على تجارب المبدعين في المجالات كافة، لكي نصل إلى الاستنتاج بأن الفنون المختلفة، وإن تباينت أساليبها وأشكال تعبيرها، تحمل في عمقها الأخير الخصائص الجينية نفسها، والنزوع الأحادي إياه. كما أن كل فن من الفنون، يحتاج من صاحبه، فيما يتعدى الموهبة الفطرية، إلى أن يبذل في سبيله، جماع طاقته وذروة اشتعالاته، وكامل سنوات عمره. ومن دون ذلك لن يمكّنه من بلوغ هملايا الإبداع، وسيتركه في أحسن الحالات، في مكان وسط بين القمم والسفوح.

ومع أن التكلفة الباهظة لثنائية الهوية الإبداعية وتعددها، لم تمنع الكثيرين من الإقدام على هذه المجازفة الخطرة، وتوزيع أنفسهم بين أشكال للتعبير شديدة التباين، فإنهم قليلون جداً أولئك الذين استطاعوا تقديم نوعين من الأدب والفن، بالبراعة نفسها والمستوى إياه. ولعل التجربة الفريدة للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو، هي أول ما يخطر على الذهن لدى التحدث عن العبقرية التعددية، وهو الذي لم تمنعه تجربته الرومانسية المتميزة في مجال الشعر، من أن يقدم بالمستوى نفسه أعمالاً روائية موازية في الأهمية، مثل «البؤساء» و«أحدب نوتردام». وإذ استطاع يوهان فولفانغ غوته من ناحية أخرى، أن يرفد اللغة والثقافة الألمانيتين بمشروع ثقافي متكامل، لا تبدو معه الفوارق شديدة الاتساع، بين الشعر والفلسفة والرواية والمسرح، فقد تمكن الروسي باسترناك، صاحب «الدكتور زيفاغو» أن يقدم في الآن ذاته توازناً مشابهاً وثنائي «القطب»، على مستويي الشعر والرواية.

ومع ذلك، فإذا كان الأدب والفكر الأوروبيان، قد قدَّما للعالم عناوين عدّة للهوية الإبداعية المركبة، من أمثال بوشكين، في مجالات الشعر والسرد والمسرح، ووليم بليك في مجال الرسم، ورامبرانت في كتابة اليوميات، إضافة إلى فان غوخ في أدب الرسائل، وأندريه بروتون في الشعر والرواية، وجان بول سارتر في الفلسفة والرواية والمسرح، وآخرين غيرهم، فإن ما يجب التأكيد عليه، هو أن توقيع كل واحد من هؤلاء على صفحة الخلود، كان يتصل بمجال حيوي واحد وأساسي، هو الشعر في حالات بوشكين ووليم بليك وبروتون، والرسم في حالتي رامبرانت وفان غوخ، والفلسفة في حالة سارتر.

ولم يكن للثقافة العربية، أن تظل بمنأى عن ثنائية الهوية الإبداعية أو تعددها، وبخاصة في مجال الجمع بين الرواية والشعر. إلا أن الذين أقدموا على خوض تلك المجازفة، لم يستطيعوا حجب التفاوت الواضح بين هويتهم الإبداعية الأم، وبين الهوية الرديفة، التي بدت أقرب إلى الهواية والحرفة، منها إلى الفطرة الأصلية. فما كتبه جبرا إبراهيم جبرا، وغادة السمان، وكاتب ياسين، والطاهر بن جلون ورشيد الضعيف وغيرهم، من قصائد ودواوين، يصعب أن يقارن بما حققته أعمالهم الروائية من عمق وفرادة وتميز.

كما أن الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب، من أمثال محمد الماغوط، وغازي القصيبي، ومحمد الأشعري، وعباس بيضون، وسليم بركات، وبول شاوول، وحسن نجمي، وعبده وازن وأحمد الشهاوي وكثر غيرهم، تظل على أهمية بعضها، أقل قيمة من قصائدهم ودواوينهم، التي تحتل مكانة متقدمة في الشعرية العربية المعاصرة. أما تجربة إبراهيم نصر الله، التي يقف فيها الشعر والرواية جنباً إلى جنب، وفي خانتين متماثلتين، فتكاد تكون إحدى الاستثناءات القليلة، التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها.

وإذا كان ما تقدم، لا ينفي على نحو قطعي، وجود مبدعين متعددي المواهب، إلا أن هذه الأعطية الاستثنائية، لا تنزل على ممنوحيها نزول النعمة الخالصة، بل هي نقمتهم وسبب شقائهم وانشطارهم على أنفسهم، في الوقت ذاته. ذلك أن التعايش مع نوعين أساسيين من أنواع الأدب والفن، سيضع صاحبه في حالة استنزاف دائمة، وسيتركه نهباً للأزمات الجسدية والنفسية، خاصة وأن كلاً من النوعين سيعتاش على «لحم» الآخر، ويقتات من مخزونه ورصيده.

وإذا كان الشاعر اللبناني الراحل حسن عبد الله، قد اختار التعبير عن القصر المأساوي للحياة، بالقول على طريقته الساخرة: «الحياة قليلة، الحياة أقلُّ من امرأتين»، فإن هذا الأمر ينطبق بالقدر نفسه على ما يترتب عن انشطار الهوية الإبداعية، من مصاعب وتبعات. وقد يكون الوضع المثخن بالقلق الشيزوفريني، للكاتب الذي يجمع بين جنسين إبداعيين في حياة واحدة، مماثلاً لوضع شاعر بدوي قديم، قاده تعلقه المحموم بالنساء، إلى الزواج من امرأتين اثنتين، شُغف بكلتيهما حباً. حتى إذا تكسرت أحلامه على صخرة الواقع المر، هتف قائلاً بقدر كبير من الخذلان:

تزوجتُ اثنتين لفرط جهلي بما يشقى به زوجُ اثنتينِ

فقلتُ أصير بينهما خروفاً أنعَّم بين أكرم نعجتينِ

فصرتُ كنعجةٍ تضحي وتمسي تُداوَلُ بين أخبث ذئبتينِلهذي ليلةٌ ولتلك أخرى عذابٌ دائمٌ في الليلتينِ!

الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب تظل على أهمية بعضها أقل قيمة من قصائدهم


شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
TT

شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا

تحوي البادية الفلسطينية سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى العهد الأموي، أعظمها شأناً قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بُني في عهد هشام بن عبد الملك، واستخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، وهو من طبقتين وفناء أمامي، ضمن مجمّع يحوي مسجداً مع فناء، وحماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم»، وتتميّز بتقاسيمها الهندسية المسبكة. يحوي هذا المجمّع الضخم أرضية فسيفسائية أخرى تخرج عن هذا النسق التجريدي، إذ تحمل تأليفاً تصويرياً صرفاً يتميّز بطابعه الواقعي، وتمثّل شجرة مورقة، تحيط بجذعها مجموعة من الحيوانات.

تشكّل هذه اللوحة جزءاً من فسيفساء أرضيّة تزيّن مقصورة في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا القصر، وتُعرف بديوان الخليفة. تتوزّع هذه الفسيفساء على قاعة مستطيلة تبدو أشبه بحوض، تحدّها منصة نصف دائرية في الطرف الشمالي. تزيّن هذا الحوض سجادة فسيفسائية تتبنّى النسق التجريدي الهندسي المتبع في أرضية الحمّام الضخمة، وتزيّن المنصة النصف دائرية فسيفساء تصويرية قوامها الشجرة المورقة التي عُرفت باسم «شجرة الحياة»، وباتت رمزاً من أشهر رموز قصر هشام في نواحي أريحا. خرجت هذه الأرضية من تحت الردم في مطلع ثلاثينات القرن الماضي، وحافظت على سائر مكوّناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى زمن اكتشافها، وفيها تظهر سجادة الحوض وسط إطار ناتئ يزيّنه شريط فسيفسائي، والشجرة وسط المنصة المقوّسة التي تعلو هذا الحوض من جهة الشمال. ونقع على لوحين مستطيلين يزيّنان مدخلاً لهذه القاعة من جهة الجنوب.

تعتمد تقاسيم شبكة الحوض بشكل أساسي على شكل يُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «المُعيَّن»، وهو رباعي بسيط، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تزيّن اللوح الذي يستقرّ عند مدخل الحوض شبكة تعتمد المُعيَّن المربّع ذا الأضلاع المتعرّجة، وفيها يحضر هذا الشكل ويتكرّر من حوله في حلل لونية تجمع بين الأحمر والأزرق، ويظهر في وسط اللوح مكعّب يشكّل برعم هذا التأليف. يقابل هذا اللوح لوح مستطيل ثانٍ يحتلّ وسطه مُعيَّن كبير تحدّه أربعة مثلثات، وتزيّن مساحة هذا المُعيَّن تقاسيم مجدولة بيضاوية. في المقابل، تزيّن وسط الحوض سجادة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن في سلسلة متراصة تجمع كذلك بين الأحمر والأزرق. يحيط بهذه السجادة شريط زخرفي عريض يعتمد شبكة من الدوائر المجدولة صيغت في حلة لونية مشابهة، ويحيط بهذا الشريط العريض شريط رفيع تزيّنه سلسلة من الدوائر. يستقر هذا الحوض وسط إطار ناتئ يعلوه من جهتي الشرق والغرب شريط زخرفي قوامه سلسلة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن المربّع. يمتد هذا الشريط من جهة الجنوب، حيث يخرقه في الوسط اللوحان المستطيلان اللذان يزيّنان المدخل.

تحدّ هذا الحوض في الطرف الشمالي منصة نصف دائرية كما أشرنا، وتستقرّ وسط مساحة زخرفية تعتمد تقنية الجصّ المنقوش، وهي التقنية التي سادت بشكل أساسي في زينة هذا القصر، كما في عدد كبير من المواقع الأموية المشابهة. فقدت هذه المساحة الزخرفية الجزء الأكبر من مكوّناتها، وبقي منها الجزء الأسفل، وفيه شريط عريض من الأغصان النباتية اللولبية، يحدّه شريط نحيل يتكوّن من وحدات متراصة تعتمد وحدة تشكيلية شائعة، على شكل ورقة نبتة الأقنثا في صياغة محوّرة هندسياً. يستقر لوح الفسيفساء المقوّس وسط هذا الحلّة من الجصّ المنقوش، وتحدّه سلسلة رفيعة تعتمد كذلك وحدة تشكيلية شائعة، قوامها زهرة اللوتس المجرّدة. يحيط هذا الشريط النحيل شريط زخرفي عريض مجدول، ينعقد حول الشجرة المورقة التي ترتفع وسط فضاء مجرّد، تخلو مساحته البيضاء من أي تفصيل تصويري.

يشكّل حضور هذه الشجرة المثمرة خروجاً استثنائياً عن القاعدة المتبعة في تزيين أرضية الحمّام، ويتّضحّ عند تأمل مكوّناتها أنها شجرة برتقال ضخمة، صُوّرت أغصانها المورقة بأسلوب كلاسيكي شديد الإتقان، يتجلّى في تصوير الأوراق الخضراء بظلالها المتعدّدة. من هذه الأغصان المورقة التي تجسّد بشكل مبهر تقنية التجسيم والتظليل، تتدلّى خمس عشرة برتقالة تلمع وتتلألأ وسط الأوراق الخضراء، وعند جذع هذه الشجرة، أسد يفترس غزالاً، ومن الجهة الأخرى غزالان يرتعان بسلام. يظهر كل من هذين الغزالين وسط شجيرة مختزلة صيغت باللون الأخضر. يحضر في المقدّمة غزال يتقدّم من جذع الشجرة ليقتات من غصن صغير يخرج من طرفها، ويحضر من خلفه غزال يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال ثالث يتهاوى أمام أسد ينقض عليه من الخلف. تحلّ هذه الصورة وسط شجيرتين مماثلتين، وتشكّل جزءاً من مشهد جامع يحتلّ القسم الأسفل من تأليف هذه الفسيفساء.

يتميّز هذا المشهد بطابعه الحيوي، حيث ينقضّ السبع بمخالبه على فريسته التي لا تزال تعدو كأنها تحاول الهروب مذعورة، بينما تقضم الغزالتان العشب بسلام في الجوار، غير عابئتين بما يحصل على مقربة منهما. تقع هذه الصورة في محراب الركن الذي وُصف بديوان الخليفة، ورأى البعض أنها ترمز إلى السلطة الأموية. قيل إن الشجرة الضخمة تمثل دولة بني أمية وحكم الخليفة، وقيل إن مشهد الأسد المنقض على فريسته يمثّل حال من يخالف قوانين الدولة، بينما يمثل مشهد الغزالتين الآمنتين حال من يتقيّد بهذه القوانين.

في الواقع، يستعيد هذا التأليف صورة معروفة، ويتميّز بأسلوبه المتقن الذي يجعل منه تحفة استثنائية، كما أجمع أهل الاختصاص على القول. تكرّرت هذه الصورة في عديد من الأرضيات الرومانية، كما تكرّرت في عدد من المواقع الأموية، وتحتاج إلى وقفة مستقلّة لرصد تحوّلاتها في هذه المواقع.