وزيرة السياحة التونسية: الاتفاق مع إيران جر علينا صداعًا حقيقيًا

اللومي قالت لـ «الشرق الأوسط» إن العمليات الإرهابية التي عرفتها البلاد أثرت سلبا في مناخ الاستثمار

وزيرة السياحة التونسية سلمى اللومي
وزيرة السياحة التونسية سلمى اللومي
TT

وزيرة السياحة التونسية: الاتفاق مع إيران جر علينا صداعًا حقيقيًا

وزيرة السياحة التونسية سلمى اللومي
وزيرة السياحة التونسية سلمى اللومي

دافعت سلمى اللومي، وزيرة السياحة في تونس، عن الحكومة الحالية التي يقودها الحبيب الصيد، وقالت إنها حكومة مظلومة وعملت الكثير من أجل تغيير الأوضاع لاقتصادية والاجتماعية، لكن كثرة الملفات وتشعبها جعل نتائجها متضائلة، ولا تعكس حجم العمل الضخم الذي قامت به منذ توليها السلطة في فبراير (شباط) 2015. وأكدت اللومي في حوار أجرته معها «الشرق الأوسط» بمقر وزارة السياحة في العاصمة التونسية أن ضعف الدعم الحزبي والسياسي بالنسبة إلى حكومة الصيد، هو الذي أثر في أدائها وجعل أحزاب المعارضة تتهمها بالفشل. كما ربطت وزيرة السياحة التونسية بين مدى فاعلية البرامج الحكومية في المجالات الاقتصادية والدور الكبير الذي تلعبه السياحة في ضمان عائدات مهمة من العملة الصعبة، وفي تحسين مناخ الاستثمار وتشغيل العاطلين عن العمل.
وفيما يلي نص الحوار..
* اقترح الرئيس التونسي تشكيل حكومة وحدة وطنية على أنقاض حكومة الحبيب الصيد على الرغم من تحسن الظروف الأمنية ونجاحها النسبي في ضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي.. ما موفقك من هذه الدعوة، خاصة أنك من قيادات حزب النداء؟
- ما يحدث الآن لا يعكس مدى المجهود الذي بذلته الحكومة التي يقودها الحبيب الصيد، إنها بصريح العبارة «حكومة مظلومة»؛ لأنها عملت الكثير في صمت من خلال مجهودات أعضائها، ولكن النتيجة لم تعكس البتة حجم المجهود. ومن موقعي الحكومي أجزم أن غياب السند الحزبي وراء الحبيب الصيد، وحرصه على الاستقلالية والحياد والتوجه فقط إلى العمل، من بين أهم الأسباب التي أدت إلى اتهام حكومته بالفشل، على الرغم مما حققته من نقلة نوعية، خاصة على مستوى ضمان الأمن وتعقب التنظيمات الإرهابية في معاقلها. وكان من الضروري أن يتأثر الاقتصاد التونسي برمته؛ بسبب الأعمال الإرهابية التي أثرت في مناخ الاستثمار وجلب المستثمرين واستعادة الانتعاش الاقتصادي، خاصة على مستوى القطاع السياحي.
* وهل تدعمين فكرة تعيين رئيس حكومة من حزب النداء الذي تنتمين إليه؟
- أنا أدعم المبادرة الرئاسية باعتبارها خطوة تصب في الصالح العام، وتسعى إلى تحسين أوضاع التونسيين، وخلق مناخ آمن للعمل والاستثمار. أما فيما يتعلق برئاسة الحكومة، فالأمر موكول إلى صاحب المبادرة، التي جاءت بعد تشخيص دقيق للواقع السياسي والاجتماعي في تونس، وما علينا إلا الإسراع باتخاذ القرار حتى يواصل أعضاء الحكومة تنفيذ برامج التنمية في مناخ مستقر.
* وكيف تقيمين الموسم السياحي الجديد؟ وهل استعادت السياحة التونسية عافيتها؟ وكم تتوقعون أن يكون عدد السياح الوافدين على تونس؟
- مررنا خلال الموسم السياحي الماضي بسنة صعبة كانت مؤثرة، ولكننا تحركنا ووصلنا إلى الأسواق السياحية التقليدية، وقلنا لشركائنا إن تونس ليست وحدها في مرمى الإرهاب، ولذلك علينا أن نقف بكل الوسائل ضد ظاهرة التطرف، ونحن نعتبر أن دعم السياحة التونسية بعد ثورة 2011 يعد من بين أهم وسائل مقاومة الإرهاب. وعلى الرغم من الصعوبات الجمة التي اعترضتنا فقد بلغ عدد السياح الذين قدموا إلى تونس خلال الموسم الماضي نحو 5. 6 مليون سائح.
* وعلام تعول السياحة التونسية لاسترجاع مكانتها بين الدول السياحية المنافسة على غرار المغرب ومصر وتركيا؟
- اعتمدنا منذ السنة الماضية على برنامج لإعادة هيكلة السياحة التونسية باعتماد استراتيجية طويلة الأمد أساسها تنويع المنتوج التونسي، وتغيير هيكلة السياحة التقليدية المعتمدة على السياحة الشاطئية بنسبة 80 في المائة. ونحن بإمكاننا تسويق منتوج سياحي مغاير يعتمد على نحو 40 ألف موقع أثري في تونس، وبالاعتماد أيضا على السياحة الطبية والاستشفائية والموانئ الترفيهية، وهذه المنتجات السياحية قادرة على جلب نوعية مغايرة من السياح.
* هل تجاوزت تونس تأثير الهجمات الإرهابية التي وقعت السنة الماضية (متحف باردو وسوسة وحافلة الأمن الرئاسي)؟
- نحن ندرك أن الإرهاب موضوع عالمي بامتياز، وأنه لا يمكن لبلد وحده أن يحارب هذه الآفة. لقد كلفتنا تلك العمليات الإرهابية الكثير من الناحية المالية، وكذلك من خلال تأثيرها في مناخ الاستثمار، غير أننا تمكنا من توقيع عدة اتفاقيات مع بلدان الاتحاد الأوروبي، وحاولنا إقناع جميع الأطراف بضرورة مقاومة الإرهاب بصفة جماعية. وعلى مستوى تأمين المنشآت السياحية عملنا بالتعاون مع وزارة الداخلية على تحديد مواصفات أمنية في كل الفنادق السياحية، وهي بمثابة دفتر تحملات يحدد إسناد رخصة استغلال المؤسسات السياحية من عدمه، كما أمنا بشكل كبير المطارات والمسالك والمناطق السياحية الكبرى، بالإضافة إلى تحسيس وكالات الأسفار وشركات النقل السياحي بأهمية التأمين الذاتي لمحارب الإرهاب، ومن المؤكد أن كل هذه الإجراءات ستعطي نتائجها بداية من هذا الموسم.
* تمثل السوق الأوروبية أهم مصدر لتدفق السياح على تونس. هل يمكن للأسواق الجديدة، على غرار روسيا وأوكرانيا واليابان وغيرها، أن تعوض خسائر السياحة التونسية من العملة الصعبة؟
- شهدنا خلال الموسم السياحي الماضي تدفق أعداد كبيرة من السياح القادمين من الجزائر الشقيقة، وهؤلاء ساعدوا الحكومة التونسية على ضمان نجاح الموسم السياحي، وتجاوز الأزمة التي عرفها القطاع. وخلال هذه السنة نعول من جديد على السائح الجزائري والسائح الليبي والعربي للقدوم إلى تونس، والتمتع بمناخها المعتدل والجيد. ولكننا في الوقت نفسه توجهنا إلى أسواق أخرى على غرار السوق الروسية، ومن المنتظر تحقيق نتائج جيدة نتيجة الحملات الدعائية المتتالية التي نفذناها على أكثر من صعيد.
* وما نصيب السياحة الداخلية في السياحة التونسية؟ وهل يمكن أن تعوض النقص المسجل على مستوى الوافدين؟
- ركزنا بالفعل على السياحة العائلية، ومن المطلوب خلال السنوات المقبلة رفع نسبة السياحة الداخلية من مجموع النشاط السياحي، فهي تمثل في بعض البلدان نسبة 30 في المائة، لكنها في تونس تمثل أقل من 10 في المائة فقط، ولا يمكن القول إن السياحة الداخلية تعوض السياحة الأجنبية، ولكنَّ كليهما يكمل الآخر ولا يلغيه.
* استثمرت تونس بكثافة في القطاع السياحي وغلبت السياحة على الفلاحة في مرحلة ما بعد الاستقلال، فهل ندمت تونس على حجم هذه الاستثمارات وهل ستغير استراتيجيتها الاقتصادية على ضوء المتغيرات العالمية، وخاصة منها ظاهرة الإرهاب التي غيرت كثيرا من معادلة توزيع السوق السياحية في العالم؟
- لا يمكن لتونس أبدت أن تندم عن الاستثمار في القطاع السياحي، ولكن عليها اليوم أن تلائم منتوجها السياحي مع الواقع المتغير، فالسياحة التونسية ظلت تعمل بالأسلوب نفسه والطرق نفسها لنحو 50 سنة، ولذلك فإنه من الضروري اليوم التوجه إلى سياحة مختلفة تعتمد على منتوجات سياحية مغايرة وعدم الاقتصار على سياحة الشواطئ.
* تحدثت الحكومة التونسية إثر عملية سوسة الإرهابية عن نشر نحو ألف عسكري في المناطق السياحية وتجهيز الفنادق بوسائل المراقبة. فإلى أين وصل هذا المشروع؟ وهل التزم أصحاب النزل بهذا القرار؟
- استجاب معظم أصحاب الفنادق للقرار الحكومي، ومن لم يستجب لذلك القرار قد يعرض مؤسسته السياحية إلى الإقفال. وخلال الموسم السياحي الحالي (2016) قررنا إجبارية التأمين الذاتي في مجال السلامة داخل الفنادق وفي محيطها، ولا يمكن لأي مستثمر سياحي أن يفتتح منشأة سياحية دون تقديم شهادة تأمين ذاتي ضمن الملف.
وعلى وجه العموم نقول إن كل المؤشرات الحالية تنبئ بعودة النشاط السياحي إلى سالف عهده، والسبب حسب رأيي أن تونس تبقى وجهة سياحية مميزة ومطلوبة من قبل وكالات الأسفار، حتى وإن تأثرت بصفة ظرفية نتيجة أحداث خطيرة كالتي عرفتها سنة 2015، ولا يمكن أن أقدم رقما عما ننتظره من سياح خلال هذا الموسم، ولكنه قطعا سيكون أفضل من السنة الماضية.
* ما رأيكم حول اتفاق التعاون السياحي والاستثماري مع إيران الذي أبرم نهاية السنة الماضية؟
- خلف لنا هذا الاتفاق ذو الطابع التقني بالأساس «صداعا حقيقيا»، دون أن يتطرق كثير ممن تحدثوا عنه إلى محتواه. فهو عبارة عن اتفاقية تقنية تهدف إلى تدريب أطر سياحية، اعتبارا بأن تونس وإيران تنضويان ضمن المنظمة العالمية للسياحة. وما قيل حول هذا الاتفاق من جلب آلاف السياح الإيرانيين إلى تونس لا أساس له من الصحة، فالسوق السياحية التونسية معتمدة بالأساس على الأسواق الأوروبية التقليدية وبعض دول الجوار، ولا مجال للحديث هنا عن تغيير لعقيدة التونسيين أو التأثير على حياتهم بأي شكل من الأشكال.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.