تونس تبحث عن رئيس الحكومة التاسعة.. ووزير المالية أبرز المرشحين

السبسي حذر التونسيين من الوقوع في الهاوية.. والغنوشي أقنع الحبيب الصيد بالاستقالة

من اجتماعات سابقة للحكومة التونسية برئاسة الباجي قايد السبسي (أ.ف.ب)
من اجتماعات سابقة للحكومة التونسية برئاسة الباجي قايد السبسي (أ.ف.ب)
TT

تونس تبحث عن رئيس الحكومة التاسعة.. ووزير المالية أبرز المرشحين

من اجتماعات سابقة للحكومة التونسية برئاسة الباجي قايد السبسي (أ.ف.ب)
من اجتماعات سابقة للحكومة التونسية برئاسة الباجي قايد السبسي (أ.ف.ب)

بدأ ساسة تونس وصناع القرار فيها يستعدون لمرحلة، ما بعد حكومة الحبيب الصيد، بعد البيانات الحكومية والحزبية الرسمية التي صدرت أمس، وكشفت عن توصل قيادات الحزبين الكبيرين في البلاد، «النهضة» و«نداء تونس»، إلى خطوة أولى من «التوافق» حول تغيير الفريق الحاكم وتشكيل «حكومة وحدة وطنية»، ودعا الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي نقابات العمال ورجال الأعمال إلى المشاركة فيها.
وفي الوقت الذي كشفت فيه رئاسة الجمهورية عن النص الكامل لمبادرة الرئيس ومبرراتها الأمنية والاقتصادية، تزايدت تخوفات المراقبين لتطورات الأوضاع لأن «الوثيقة الرئاسية» فسرت معنى تحذيرات قائد السبسي للتونسيين من «السقوط في الهاوية» إذا لم ينجحوا في الإفلات من العجز المالي الشامل العام المقبل. وانطلقت معارك الكواليس بين قيادات الأحزاب الحاكمة والمعارضة والنقابات منذ فاجأ الرئيس التونسي يوم 2 من الشهر الحالي الجميع بـ«مبادرة» مثيرة للجدل حول «تشكيل حكومة وحدة وطنية»، أورد رئيس الحكومة الحبيب الصيد وساسة بارزون أن السبسي لم يعلمهم مسبقًا بها.
وتسبب ذلك في معارضة الحبيب الصيد وساسة من عدة تيارات علنا للمبادرة طوال أسبوعين بحجة «مناقضتها للدستور»، و«حاجة البلاد للاستقرار»، ولاستكمال «المهمات الوطنية والدولية التي كلفت بها الحكومة الحالية عند تشكيلها قبل نحو 6 أشهر»، ومن بينها تنظيم الانتخابات البلدية والمحلية مطلع العام المقبل، وتنظيم مؤتمر دولي كبير عن الاستثمار والتنمية في تونس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وأكدت تصريحات خالد شوكات القيادي البارز في حزب نداء تونس الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة تلك «التحفظات».
اعتراضات.. ثم مساندة
لكن «المعركة بين قصري رئاسة الجمهورية والحكومة» لم تدم طويلاً. فقد نجح قائد السبسي في «امتصاص غضب» معارضي مبادرته عبر سلسلة اللقاءات الفردية والجماعية التي عقدها مع وزراء بارزين في عهد زين العابدين بن علي، ثم مع زعماء الأحزاب المشاركة في الائتلاف الرباعي الحاكم وفي المعارضة. كما «امتص» الرئيس التونسي خلال محادثات الكواليس «غضب المعارضة اليسارية»، و«تحفظات حزب النهضة» بزعامة راشد الغنوشي، بعد سلسلة التصريحات التي صدرت عنهم، ودافعوا فيها خاصة عن «حاجة البلاد إلى الاستقرار الحكومي»، في بلد تغيرت فيه الحكومة 8 مرات منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير (كانون الثاني) 2014. وقد صدرت مثل تلك التصريحات خاصة عن رئيس كتلة النهضة في البرلمان نور الدين البحيري قبل أن «يتطور» موقفه بدوره إلى مساند للمبادرة الرئاسية. وهكذا انتصرت «البراغماتية» مجددا في قيادة حركة النهضة والأحزاب اليسارية التي انخرطت في مسار «الترحيب والمساندة» لمبادرة قائد السبسي الداعية إلى تشكيل «حكومة وحدة وطنية».
تغييرات.. وثوابت
لكن رغم نداءات رئيس الدولة وكل ساسة تونس البارزين إلى ضرورة «إعطاء أولوية مطلقة للملفات الاقتصادية والاجتماعية، وعلى رأسها الاستثمار والتشغيل»، انتصرت «المناورات السياسية» وبدأ «التنافس» من أجل افتكاك «مواقع إضافية» في الحكومة التاسعة التي أعلن نور الدين بن نتيشة المستشار السياسي لرئاسة الجمهورية أنها سوف تكون جاهزة قريبا. في هذا السياق انتقد زعماء «المعارضة اليسارية والاشتراكية» مثل زياد الأخضر وحمه الهمامي وزهير حمدي، مبادرة تغيير الحكومة وطالبوا أولا بـ«صياغة برامج إنقاذ جديدة». لكن بعد أن استقبلهم الرئيس في قصر قرطاج رحبوا بـ«المبادرة». وذهب الأمر بزعيم «تيار الوطنيين الديمقراطيين الاشتراكيين»، زياد الأخضر، إلى حد المطالبة بأن تسند وزارات السيادة، أي «الداخلية والدفاع والخارجية والعدل»، لممثلي اليسار التونسي أعضاء «الجبهة الشعبية» التي لديها 15 نائبا فقط في البرلمان. في المقابل أعلن عبد الكريم الهاروني، الرئيس الجديد لمجلس الشورى في حركة النهضة، أن حركته «لم ترفع الغطاء عن رئيس الحكومة الحبيب الصيد نهائيًا، وطالب بأن يصبح لحركة النهضة «حصة أكبر في الحكومة المقبلة تتلاءم مع حجمها السياسي»، باعتبارها صاحبة الكتلة الأولى في البرلمان.
الغنوشي على الخط
وفي الوقت الذي استفحلت فيه الخلافات داخل قيادات حزب نداء تونس والمنشقين عنه حول اسم الشخصية التي يمكن أن تعوض الحبيب الصيد، تزايدت الخلافات داخل قيادات بقية الأحزاب حول الحاجة إلى تغيير رئيس الحكومة، ودعا بعضها إلى «مجرد تغيير بعض الوزراء الفاشلين». وأوشكت «مبادرة الرئيس» أن تسقط، في ظل اعتراض قياديين بارزين من النهضة ومن المعارضة على الإطاحة برئيس حكومة الحبيب الصيد، وتسريب «شائعات» عن تورط مافيات الفساد والاستبداد في محاولة الإطاحة به، على غرار ما جاء على لسان الوزير مدير الديوان الرئاسي عماد الدايمي الأمين العام لحزب الرئيس السابق المنصف المرزوقي.
في هذه الأثناء تدخل راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة مجددًا ليدعم «حليفه القديم - الجديد» الرئيس الباجي قائد السبسي، وبالفعل أعلن الحبيب الصيد عن «دعمه لمبادرة رئيس الجمهورية حول حكومة الوحدة الوطنية» أعقاب لقاء جمعه بزعيم حركة النهضة، صاحبة الكتلة الأكبر في البرلمان راشد الغنوشي توج باجتماع مع وفد قيادي عن «ائتلاف الأحزاب الأربعة الأولى في البرلمان المشاركة في الحكومة الحالية.
البديل؟
وكانت حصيلة كل هذه التحركات و«المشاورات» الماراثونية تراجع رئيس الحكومة عن موقفه الرافض للاستقالة. بعد هذا التطور تجنبت تونس الوقوع في أزمة دستورية تعمق أزماتها الاجتماعية والاقتصادية المتعاقبة منذ أكثر من 6 أعوام. لكن الخلاف استفحل مجددا حول اسم «البديل» على الرغم من ترشيح عدد من قيادات حزب قائد السبسي لوزير المالية سليم شاكر لتولي رئاسة الحكومة المقبلة. وقد كشفت مصادر مسؤولة لـ«الشرق الأوسط» أن الرئيس قائد السبسي اقترح أن يكون محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري رئيس الحكومة الجديد. لكن بعض الساسة تحفظوا عليه، على الرغم من خبرته الطويلة في الحكم منذ عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة.
السقوط
في الأثناء حذر عدد من السياسيين من أن يستفحل «الفساد والرشوة» في عهد الحكومة الموسعة المقبلة. وأشار العميد السابق للمحامين التونسيين والوزير السابق عبد الرزاق الكيلاني إلى كون «توسيع الحكومة إلى أحزاب كثيرة سوف يضعفها ويدعم نفوذ مافيات المال الفاسد التي تزايد دورها السياسي والاقتصادي بعد الثورة». ونبه الوزير السابق للمالية والسياحة إلياس فخفاخ من «خطر انفجار الأوضاع الاجتماعية والأمنية والسياسية»، في ظل الحكومة المقبلة التي سوف تكون «أضعف من الحكومات المتعاقبة التي تشكو من السلطات الموازية». كما حذر رئيس الحكومة الأسبق الأمين العام لحركة النهضة علي العريض أمس من كون «النيات الطيبة والبرامج الشاملة لا تكفي لوحدها إذا لم تكن لرئيس الحكومة ووزرائه فرص وآليات لتنفيذها».
في ظل هذه التحركات الماراثونية بحثًا عن «رئيس حكومة جديد»، من المتوقع أن تتواصل الصراعات حول أسماء المرشحين لخلافة الحبيب الصيد ووزرائه بضعة أسابيع، وربما بضعة أشهر، بما يوشك أن يدفع البلاد فعلا نحو ما حذر منه الرئيس قائد السبسي عندما توقع «سقوط البلاد في الهاوية» العام المقبل.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.