لا يختلف اثنان على أن المتسوق العربي مؤثر كبير على حركة البيع في الغرب. فالسياحة بالنسبة له لا تكتمل من دون تسوق، وبالتالي يصرف خلال إجازته في الخارج أضعاف ما يصرفه في الداخل لأسباب كثيرة، منها أنه يكون في حالة نفسية مرتاحة تجعله يستمتع بالشراء أكثر، إضافة إلى ثقته بجودة المنتجات في بلاد «الفرنجة» أو ربما عدم توفرها في بلده الأم. لكن رغم قوته، فإن الصورة المرسومة له في الأذهان سابقًا تختلف عما هي عليه اليوم. ففي الماضي كان مخلصًا لمحلات وماركات معينة، يعرفها جيدًا ويثق بها، كما كان يُقيم الأشياء حسب أسعارها.
بعبارة أخرى، كلما كانت غالية زادت ثقته فيها وجودتها. كان أيضًا لا يقبل سوى الجديد والفريد، مما جعل المحلات الكبيرة مثل «سيلفريدجز» و«هارودز» وغيرها تغير استراتيجياتها، بتخلصها من قديمها وطرح آخر صيحات الموضة قبل أن يشد الرحال إليها. ذهب بها الأمر في السنوات الماضية إلى تغيير تاريخ موسم التنزيلات بتقديمه بعدة أسابيع، إن لم نقل أشهرا، حتى تتمكن من تحقيق المعادلة الصعبة: تخلصها من بضاعة قد تبور وتوفير بضاعة جديدة تبيع بسرعة. لكن صورته الحالية فتختلف كثيرا، إذ إنه أصبح أكثر انفتاحا على الموضة بشتى أنواعها. لم نعد نراه فقط في محلات «هارودز» و«سيلفريدجز» أو في شوارع مثل «سلوان ستريت» و«بوند ستريت» فحسب، بل أيضًا في «أكسفورد ستريت» ومحلات مثل «بريمارك» المتخصصة في أزياء مستنسخة من عروض الأزياء لكن بأسعار زهيدة جدًا، وأحيانًا حتى في الأسواق الشعبية التي لم يكن يعرف بوجودها أو يخطر على باله زيارتها منذ أقل من عقد مضى.
اللافت أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الطبقات المتوسطة أو الشباب المتعطش للموضة فحسب، بل تشمل أيضًا الطبقات العارفة بخبايا الموضة، بما فيها الطبقات الثرية. فهذه لم تعد تمانع في الحصول على قطع مخفضة بشرط أن تكون بجودة عالية وتصاميم كلاسيكية تطعم بها خزانتها أو تبني عليها مظهرًا مميزًا تجمع فيها الكلاسيكي بالعصري أو الحداثي أحيانًا.
دور كبير في هذا التغير يعود إلى ما أصبح يُعرف بـ«ستريت ستايل» أو موضة الشارع التي راجت أخيرًا بفضل مدونين تحولوا إلى مؤثرين في عالم الموضة، إلى حد أن بيوت الأزياء العالمية باتت تتهافت عليهم وتطلب ودهم للتعاون معها في حملات ترويجية تصل إلى الملايين من متابعيهم على «إنستغرام» أو «سنابتشات» وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا ما قامت به أيضًا بعض «الآوتليتس» المترامية خارج المدن الكبيرة وتقدم منتجات لأسماء كبيرة بأسعار مخفضة بنسبة قد تصل إلى 60 في المائة أحيانًا. «بيستر فيلادج»، الذي يبعد عن وسط لندن بـ46 دقيقة بالقطار، واحد من هذه «الآوتليتس»، حيث تُعرض فيه تصاميم من «سيلين»، «فالنتينو»، «ديور»، «غوتشي»، «برادا»، «بيربري» إلى جانب «غاب»، «فراشن كونيكشن» وغيرها، استضاف أخيرًا المدونة الكويتية المعروفة آسيا الفراج وزوجها محمد البلوشي ضمن حملة عالمية للاحتفال بالتوسعات التي تشهدها القرية البريطانية، وتشمل انضمام أسماء جديدة إلى لائحتها الطويلة. غني عن القول إن الهدف من هذا التعاون هو الوصول إلى زبائن عرب يعشقون التسوق، بمساعدتهم على التمييز بين قطع موسمية لن تنفعهم، وقطع يمكن أن تضيف إليهم وتبقى معهم لسنوات. هؤلاء الزبائن لا يمانعون في شراء معطف مخفض من «سيلين» أو «بيربري» بسعر 1300 دولار أو فستان سهرة من «سان لوران» أو «فالنتينو» أو «غوتشي» بسعر 3000 دولار. وضربة الحظ تكون عندما تقع بين أيديهم قطعة فريدة عُرضت على منصات ميلانو أو باريس لكن لم يتم إنتاجها تجاريًا، وبالتالي لا تتوفر في أي مكان آخر، ما يزيد من شعبية «بيستر فيلج»، بدليل أنه يستقبل ما لا يقل عن 6.3 مليون زائر من كل أنحاء العالم في السنة، ما يجعله الأكثر زيارة بعد قصر باكينغهام مباشرة. أما علاقة الحب التي تربط بينه وبين السائح العربي، فتزداد توطدا. فبينما يبحث هو عن قطع كلاسيكية لمناسبة معينة، تتبنى «بيستر فيلج» استراتيجية تغازله بلغة قائمة على الترف والتسهيلات الكثيرة والخدمة الخاصة التي تشعره بأنه مهم.
فهي لم تعد تكتفي بوصفتها الناجحة في طرح تصاميم كلاسيكية مخفضة، بل تعمل جاهدة على إيجاد طرق مبتكرة لكسب رضاه.
تقول صوفي هيدلي، مديرة التواصل والعلاقات في «بيستر فيلج»: «ازدهار مواقع التسوق الإلكتروني جعل من السهل على أي واحد منا أن يجلس في بيته ويتسوق من دون تعب أو جهد، لهذا علينا أن نقدم تجربة تسوق مختلفة تماما.. تجربة تكون ممتعة وبنكهة اجتماعية وحميمة في الوقت ذاته. نحن الآن نركز على الخدمات المتنوعة، من توفير مطاعم جديدة إلى حسن الضيافة التي نعرف أنها جزء من شخصية الزبون العربي وثقافته. وهي خدمات قد لا توفرها حتى شوارع الموضة الراقية في (سلوان ستريت) بلندن، أو (أفينو مونتين) بباريس أو (فيا مونتينابوليوني) بميلانو وغيرها، تشمل توفير غرفة للشخصيات المهمة يمكن الاسترخاء فيها وأخذ قسط من الراحة بعد عناء التسوق أو للتواصل مع مشتريه شخصية، تساعد على اختيار ما يناسبه وغيرها من التفاصيل الصغيرة والمهمة».
وتشير إلى أن التعاون مع آسيا الفراج وزوجها محمد البلوشي أيضًا نوع من التواصل مع هذا الزبون.
لم يكن اختيار آسيا وزوجها مستغربا، نظرا لما يتمتعان به من شعبية في المنطقة العربية. فآسيا وجدت لنفسها مكانة من بين المدونات نظرا لتشبثها بالحجاب في كل الصور التي تنشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، بينما يروج زوجها لمظهر جريء وعصري يمكن أن يجمع فيه الدشداشة، مثلاً، مع حذاء رياضي من «نايكي». مظهر آسيا بالتحديد، يثير مخيلة الغرب، لأنها تجسد صورة المرأة العربية العصرية، وبالتالي تخاطب كثيرات من بنات جيلها اللواتي أعجبن بطريقتها في الجمع بين الثقافتين الغربية والعربية، بأسلوب يمكنهن الحصول عليه بسهولة، لأنه لا يعتمد كليًا على الماركات العالمية. وهو ما تشرحه آسيا في لقاء خاص خلال وجودها في «بيستر فيلج» قائلة: «لم أتردد لحظة واحدة عندما تم الاتصال بنا للانضمام إلى الحملة، خصوصا أنني سأعمل مع زوجي لأول مرة. سبب اختيارنا يعود إلى أننا نروج لأسلوب خاص بنا كمدونين بالأساس ولا نتبع الماركات العالمية بطريقة عمياء». وتتابع آسيا أنها توصلت من خلال ملاحظاتها أن الرجل العربي، مثله مثل المرأة، يتشبث بمظهره التقليدي في الخليج لكنه «يتحلى بجرأة ورغبة في تجربة أساليب جديدة عندما يسافر إلى الخارج. وهذا ما نأخذه بعين الاعتبار في عملنا والصور التي ننشرها: تلك الازدواجية بين الغرب والشرق وبين الأنيق والعملي». يتدخل زوجها محمد البلوشي مضيفًا أن الشاب العربي يبقى في الغالب وفيا لماركات معينة مثل «جيورجيو أرماني» أو «لويس فويتون» ومهمة المدونين، برأيه، اقتراح أفكار وأسماء جديدة. يوضح: «ليس بالضرورة أن يصرف الواحد منا مبالغ طائلة للتألق، فهناك ماركات متوسطة وأخرى أرخص يمكن مزجها بإكسسوارات غالية للحصول على أسلوب خاص ومميز. مهمتنا أن نُعرِّفه بها: كيف يمكنه أن ينسق حذاء رياضيًا مثلا مع زي تقليدي، أو مزج بدلة من (زارا) مع حذاء من (كريستيان لوبوتان)».
هذا المزج بين الغالي والرخيص وبين الغربي والشرقي مهم بالنسبة للمرأة أيضًا، حسب تعليق آسيا، مستشهدة بالمرأة السعودية تحديدا. فهي «تعتمد في بيئتها كليا على العباءة لكن عندما تسافر، تُصبح العباءة جزءا من كل، بحيث تلبسها مع بنطلون جينز وحذاء من (لوبوتان) أو حذاء رياضي إذا كانت ستمشي كثيرا في الأسواق والحدائق، ما يضفي عليها حيوية من دون أن تتأثر حشمتها».
عندما ظهرت آسيا لأول مرة منذ نحو أربع سنوات، أثارت الكثير من الانتباه ليس فقط لأنها من الشابات المحجبات، بل أيضًا لأنها على العكس من باقي المدونات، ركزت على موضة شعبية يقدر عليها أغلبية الناس، مثل الظهور بأزياء من محلات «إيتش أند إم» و«فوريفير 21» وما شابهها. فهدفها، كما تؤكد، لم يكن التودد أو الوصول إلى الماركات العالمية بقدر ما كان ربط علاقة مع عامة الناس، ورسم صورة بسيطة لكن مؤثرة بأقل التكاليف. «فالمسألة تتعلق بالذوق والقدرة على مزج الغالي والرخيص بأسلوب ذكي لا أقل ولا أكثر»، لأن هذا هو دور المدونات حسب رأيها. فهنا يكمن الفرق بينهن وبين محررات الأزياء العاملات في مجلات براقة. فبينما تعمل هذه الأخيرة على بيع الحلم بتسليط الضوء على أزياء غالية تظهر بها عارضة بالغة الجمال والرشاقة، ترى آسيا أن دورها كمدونة موضة هو إطلاع شرائح أكبر على ما يجري في ساحة الموضة وكيف يمكن تطويع هذه الموضة بسهولة. ولا تنفي آسيا أهمية محررات الأزياء ولا المجلات ودورهن التثقيفي أو الفني، فهي تعترف بأنها مثل غيرها، تستقي أفكارها منهن، لكنها تعمل بعد ذلك على ترجمتها إلى الواقع. «وربما هذا هو سبب نجاحنا في دخول المنافسة، فنحن نصل إلى شرائح أكبر من الناس، لا يتمتعون بالضرورة بإمكانيات عالية أو رشاقة العارضات، لكنهن متعطشات للموضة وتطويعها لصالحهن».
من خلال الاختيارات التي قامت بها في «بيستر فيلج» ونشرتها على مواقعها، فإن هذه الشريحة هي التي يُعول عليها وتستهدف جذبها. فالكثير من بيوت الأزياء العالمية مثل «برادا» و«غوتشي» و«ديور» وغيرها لديها بضاعة فائضة تفضل أن تتخلص منها بأسعار مخفضة على أن تبور، حتى تعم الفائدة على الكل. وهذه القطع يمكن تنسيقها مع أخرى من محلات شعبية للحصول على مظهر خاص ومتميز. ولا تخفي صوفي هيدلي، أن «برادا» مثلا، تبيع في «بيستر فيلج» أكثر مما تبيع في محلها بـ«بوند ستريت»، والسبب أن زبائن القرية من كل الطبقات والأعمار والجنسيات.
بريطانيا تستهدف المتسوق العربي بكل الوسائل
من الاستعانة بمدونين عرب إلى إغراءات الأسعار المخفضة
الزبون العربي مهم بالنسبة لبريطانيا عموما كما أنه أصبح سائحا في كل مكان ما دام فيه محلات للتسوق - آسيا الفراج وزوجها محمد البلوشي في «بيستر فيلج»
بريطانيا تستهدف المتسوق العربي بكل الوسائل
الزبون العربي مهم بالنسبة لبريطانيا عموما كما أنه أصبح سائحا في كل مكان ما دام فيه محلات للتسوق - آسيا الفراج وزوجها محمد البلوشي في «بيستر فيلج»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

