الزائر لمعرض لندن السنوي للكتاب، الذي أقيمت دورته الـ45 في شهر مارس (آذار) الماضي، لا يمتلك إلا بالغ الإعجاب بالتقدم المضطرد في صناعة النشر في العالم الغربي، وبتعدد وسائل تعميم الفكر والمعرفة، بالاستفادة من معطيات التكنولوجيا الحديثة، التي وسعت نطاق تبادل المحتوى المعرفي إلى فضاءات لا نهائية عبر الكوكب. لكن المدقق لما وراء فورة النشر المتعاظم هذه لا يلبث أن يدرك أن النسق الناظم لغالبية هذا النشاط ليس سوى منطق الربح المادي البحت. يكاد ألا يختلف أحد على أن أرقام المبيع من الكتب والأعمال الأدبية لا تضمن بالضرورة جودة العمل الثقافي المطروح على الجمهور، ومع ذلك فإن التدقيق في تفاصيل الإنتاج في صناعة النشر المعاصرة يشير إلى أن السيد «أرقام» هو ما يشكل السلطة النهائية في الحكم على الأعمال الفكرية والثقافية، وما اختلف عن ذلك فهو في غالب الأمر نشر مدعوم وموجه، كجزء من العمل الآيديولوجي الذي تمارسه الجهات السياسية الفاعلة، في إطار سعيها الدائم للتأثير على العقول والقلوب، الأمر الذي ينبغي له أن يكون مثار قلق بالغ للمعنيين بالشأن الثقافي والفكري، لما في ذلك من تأثيرات خطيرة بعيدة المدى على ثقافة الأمم، بل وعلى تقدم المعارف البشرية عمومًا.
فعلى الرغم من أن تطبيقات التقنية المعاصرة قد فتحت الأبواب على نحو غير مسبوق لتعدد قنوات النشر والتوزيع، بما فيها فكرة النشر الذاتي، سواء في إطار الأعمال المطبوعة أو حتى الإلكترونية، فإن معظم ما ينتجه العالم من كتب - مثلاً - إنما يصدر عن واحدة من 5 دور نشر معولمة تتحكم فيما بينها بما لا يقل عن 50 إلى 75 في المائة من مجمل العناوين الصادرة في العالم الغربي، وهي الأسواق الأساسية للكتاب المعاصر. وبحكم منطق الأشياء البسيط، فإن دور النشر الخمس السمان هذه تتوخى أساسًا الربح من وراء أعمالها، لا خدمة الثقافة والمجتمع - مهما ادعى بعضهم خلاف ذلك - وبالتالي فإن مرجعية قراراتها تترأسها الأرقام، وبمنظور المدى القصير غالبًا، كما هو الحال في غالبية الشركات الكبرى التي همها الأول تحقيق نمو في نتائج الربع الحالي، للمحافظة على قيمة سهم الشركة في الأسواق المالية. لا بل والأخطر من ذلك أن صناعة النشر لهذه البيوتات الضخمة ليست في معظم الأحيان جل نشاطها التجاري، بل هي مجرد واجهات للنشر في إطار مجموعات إعلامية ضخمة. وهكذا - يقول المختصون - «تتحول عملية النشر من نشاط ثقافي ربما يحقق أرباحًا، إلى نشاط يهدف إلى الربح من خلال عملية النشر». وتصبح غاية الكتاب أو العمل الثقافي الأساسي إرضاء الجمهور لتحقيق أفضل أرقام للمبيع، دون كثير اهتمام بالقيمة الأدبية أو المعنوية للعمل. الثقافة تنتهي إذن على يد هذه الطغمة، لتكون مجرد أداة أخرى لتعظيم الأرباح لرأس المال، في سوق تنافسية قاسية لا ترحم.
ولعل مما يفاقم الأمور أن الشركات الكبرى لم تعد بأي شكل شركات وطنية تخدم أسواقا محلية، بل هي جزء لا يتجزأ من «نسيج الإمبراطورية المعولم» وفق النسق الذي اقترحه مايكل هاردت وأنطونيو نيجري في كتابهما المعروف، المسمى بهذا الاسم. وبالتالي فهذه الشركات ليست مضطرة لتقديم منتج ثقافي يناجي الهوية ويعالج قضايا الأمة، بل هي تخاطب أذواقا «شعبية» قادرة على تجاوز الحدود الثقافية والاجتماعية لتحقيق أعلى أرقام مبيع ممكنة، وكأنها وجبات سريعة مبسترة عابرة للقارات، بينما الثقافة الحقيقية (في تجلياتها من أدب إلى موسيقى وسينما ومسرح..) هي في الأصل نتاج هويات محددة وانتماءات عميقة تقاطعت عبر الزمان والمكان.
هذه الهجمة - دعنا نسميها «التجارية» - على العمل الثقافي والتي سلّعت الفكر والأدب، وحولت أنبل نتاجات العقل البشري إلى بضائع تباع وتشترى، تناقض على نحو بنيوي مفهوم المنتج الثقافي، بوصفه أداة لنقل المعنى. إن لوحة دافنشي «الموناليزا» مثلاً، عمل مميز أساسًا لأن الرسم يعكس موهبة هائلة تخلب الألباب عبر الزمن، لا لكون سعر اللوحة قد تجاوز عدة عشرات من ملايين الدولارات، ورواية ماركيز «مائة عام من العزلة» حوار إنساني عابر للثقافات رغم محليته العميقة، حتى لو كان سعر النسخة دولارات قليلة، كما أيضًا المصادر اللانهائية للمعارف المختلفة المتوفرة مجانًا على الإنترنت هذه الأيام. فالمعنى الذي يستخلص من العمل الثقافي - على أشكاله وفي مقدمتها الكتاب - ليس له علاقة محددة بقيمته التبادلية المباشرة، ومساهمته في تكوين أفكار البشر وتعليمهم وتهذيب أرواحهم لا تقدر بثمن. في المقابل، فإن أرقام المبيع المتضخمة لبعض الروايات (الشعبية) لكتّاب - أو كاتبات - يتعمدون الإثارة عن طريق التفنن في استعراضات رخيصة للجنس، لا تمنح بالضرورة قيمة ثقافية فعلية للعمل.
الشعبية الجارفة لأعمال قليلة القيمة الثقافية أثارت انزعاج شوبنهور - الفيلسوف المعروف - منذ زمن بعيد، فكتب: «إن هذه الشعبية المتزايدة لهذه الروايات إنما تعكس تدنيًا في الذوق الثقافي، وهو مما قد تترتب عليه تأثيرات شديدة السلبية على عقل الجمهور». ولا شك أن عشرات من هذه الروايات - ومثلها المسلسلات المكسيكية والتركية المعاصرة - قد اختفت من التداول ولم يعد يقرؤها أحد، على الرغم من أنها كانت دون شك عملاً تجاريًا مربحًا لناشريها ومنتجيها في وقتها وخلال مرحلة معينة.
إذن فالأعمال الثقافية - ومن بينها نشر الكتب - عمل اجتماعي أساسًا يمس عن قرب حياة البشر، كما يعنينا جميعًا بوصفنا مواطنين في دولنا وأممنا، وأيضًا بوصفنا مواطنين عالميين، وينبغي له المحافظة على هذه الكينونة إذا كنا لا نريد تسليم مقاليد عقولنا للمنظومة الرأسمالية الجشعة، لتعيد تشكيلها كما ترغب.
الكتب - مثلاً - يستوجب ألا يترك أمر إنتاجها في يد مجموعة من قطط النشر السمان، الذين يفرضون أذواقهم في الاختيار على الجمهور في أجواء موضات شعبية عابرة، أو الاكتفاء بالاحتفاء بالكتب الملونة آيديولوجيًا التي تصدرها مؤسسات مسيسة وشبه حكومية، لننتهي - كمجموع إنساني - وقد خسرنا أصواتًا ومنتجات ثقافية ممكنة، كان يمكن أن تغني التجربة الإنسانية وتحلق بها، بدلاً من انتصار أجندات تجار «إرضاء الجمهور». قد تتناقض المرحلة التي نعيشها راهنا مع أفكار تبدو خشبية اليوم وخارج الموضة، كالتأميم أو توسيع أعمال القطاع العام، وسيسخر العامة من الداعين إلى تطبيق مثل تلك الأفكار على صناعة النشر، لكن جميع المثقفين - مهما اختلفت توجهاتهم - مطالبون برفع الصوت عاليًا للتكاتف والضغط باتجاه بناء مجموعة عالمية ومحلية من التشريعات والإجراءات، التي تحمي عمليات إنتاج الثقافة الموازية، وتمنح فضاءات أوسع للفكر في المجال العام، دون قيود أرقام البيع، أو نسب المشاهدة، أو الدعاية للزعيم.
بغير ذلك، ستزداد القطط السمان ثراءً، وستزداد أرواح البشر فقرًا. يا مثقفي العالم، اتحدوا، أقله من أجل الكتاب!
من يحمي العمل الثقافي من جشع رأس المال؟
صناعة النشر بين التجارة والآيديولوجيا
من يحمي العمل الثقافي من جشع رأس المال؟
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





