* كيف يموت بطل؟
السؤال يتكرر كلما رحل عن دنيانا إنسان طبق الآفاق شهرة، وجمع حوله حب الناس على ألوانهم ومشاربهم واقترب منه، حسًا وعاطفة، مئات الملايين في عقود ومراحل شتّى.
محمد علي توفي في مدينة فينكس عن 74 سنة مساء يوم الجمعة الثالث من هذا الشهر، وبذلك أنهى الموت فصلاً وإن لم يغلق كتابًا.
بعد 17 سنة على الحلبة المحترفة (من 1964 إلى 1981) شهدت - في معظمها - انتصارات غير مشهودة، و32 سنة من الصراع مع مرض الباركنسون جاء رحيل محمد علي عاصفًا كما معظم ما تردد حوله من أخبار طيلة حياته. أثار منذ الدقيقة الأولى ردّات فعل عاطفية وإيجابية من الذين عرفوه على الحلبة ومن الذين لم يعاصروا الستينات والسبعينات حين راقص على الحلبة ملاكمين أشداء مثل جو فرايزر (ثلاث مرات) وجورج فريمان وفلويد باترسون وصوني ليستون وصوني بانكس وسواهم.
في الواقع، ولمن يكترث للتفاصيل، من بين 61 مباراة خاضها خسر خمسة مباريات فقط وربح الباقي. وكان بلغ سن التاسعة والثلاثين، وهو سن متقدّمة نسبيًا في عالم الملاكمة (كما في عالم الرياضات الأخرى) عندما اعتزل بعد مباراته الأخيرة أمام تريفور بربيك في عام 1981، تلك التي انتهت بهزيمته.
* أقوال حرب
السينما تحوّلت إليه أكثر من مرّة، وهو لم يقل لا. كان محمد علي من أولئك الذين يعرفون قيمة الصورة الإعلامية، وهو الذي سطا عليها حينًا بخفة دمّه وحينا بوسامته وحينًا آخر برقصه على الحلبة متجنبًا لكمات أعدائه على نحو تطيش معها اللكمات القوية لتضرب الهواء، قبل أن يسدد «البطل» لكمته السديدة.
أول هذه الأفلام حمل عنوانين في مرحلتين: «المقاتلون» » (The Fighters) و«محمد علي.. المقاتل» (Muhammed Ali، the Fighter). وهو كان فيلمًا تسجيليًا طويلاً (مدته ساعتان ونصف الساعة) تم إنتاجه سنة 1974 عن تلك المباراة الأولى التي خاضها ضد جو فرايزر سنة 1971. كانت، في واقعها، من أقسى المباريات في تاريخ الملاكمة في أي زمن، إذ جسدت قوّتين مختلفتين: محمد علي الذي كان من الخفة والمهارة بحيث اكتسب الصيت بأنه يضرب كالصاعقة، مقابل جو فرايزر الذي لُقب، من قوّة ضرباته، بالشاحنة. خمس عشرة جولة لا رحمة فيها امتلأت بالتوقعات وحملت، خارج الحلبة ذاتها، انقسام الرأي العام بين عملاقي ملاكمة من لون بشرة واحدة. على ذلك، كان الانقسام، بين المشاهدين السود والبيض آنذاك، متناصفًا: معظم السود أحبوا محمد علي ومعظم البيض اصطفوا وراء فرايزر وراهنوا عليه.
يكشف هذا الفيلم الذي توجه إلى أشرطة الفيديو آنذاك ما سبق، لكنه لا يمضي عميقًا ليقرأ أسبابه ودلالاته: محمد علي كان، في أواخر الستينات، عبّر عن معارضته للحرب الفيتنامية بقراره عدم قبول تجنيده، وتحدي المحكمة التي أمرت بسجنه بسبب ذلك. قال إنه لا يكن عداوة للفيتكونغ. أن السود الأميركيين أحق بالأموال المصروفة والمستهلكة في تلك الحرب، وأنه «ضد البيض الذين ما زالوا يحاولون قهر ذوي البشرات الأكثر دكانة»، ثم أضاف: «يريدون سجني، فليكن. منذ 400 سنة ونحن (يقصد الأفرو - أميركيين) في السجن».
بطبيعة الحال وجد مؤيدو الحرب، جلهم من اليمينيين، خصوصًا فوق سن الثلاثين، موقف محمد علي أقرب لأن يكون خيانة وطنية، في حين استقبل هذه الكلمات نسبة كبيرة جدًا من الأميركيين الشباب (سود وبيض) وحول العالم.
في حين يغفل «المقاتلون»، أخرجه اثنان هما ريك باكستر (فيلمه الوحيد) وويليام غريفز (مخرج عدة أفلام تسجيلية قصيرة وطويلة وتوفي قبل عامين)، ما هو خارج الحلبة، يقدّم للجمهور كل المباراة بلا توليف يُذكر، بل تمامًا كما وقعت. لا عجب أنه انتشر جيدًا آنذاك، خصوصًا أن ملايين الناس إما لم تشاهد المباراة منقولة على شاشة إحدى المحطات الأرضية أو أنها أرادت الاحتفاظ به.
في عام 1977 قررت شركة «كولمبيا» أن الوقت حان لفيلم بيوغرافي عن محمد علي وعرضت المشروع عليه لا على أساس نيل موافقته على السيناريو المقتبس عن كتابه «الأعظم: قصتي الخاصة» فحسب، بل القيام ببطولته بنفسه أيضًا. بعد نيل موافقته، عيّنت المخرج توم غرايز الذي سبق واقترن اسمه بأفلام متنوعة، من بينها «جزيرة الأفعى» (مغامرات) و«فتاة في الغابة» (دراما) و«100 بندقية» (وسترن من بطولة جيم براون)، مخرجًا لهذا الفيلم الذي عرض في التاسع عشر من مايو (أيار) سنة 1977 بعد أربعة أشهر من وفاة المخرج الذي كان «الأعظم» آخر أعماله.
على الشاشة حضر محمد علي بكل ثقله ومعه أرنست بورغناين في دور مدرّبه الأول أنجيلو وأنازيت تشايس في دور زوجته بليندا علي، واتسع الفيلم ليشمل شقيق محمد علي (واسمه رحمان) في دور شقيقه، وجيمس أيرل جونز في دور مالكولم أكس.
فنيًا، لا يعدو الفيلم أكثر من التقاط مراحل حياة مرتّبة بكل عناية لإرضاء شهوة الجمهور. لكن العمل لم يخفق على صعيد توفير تلك المحطات المهمة في حياة البطل (من بداية حبه للملاكمة ثم احترافه، مرورًا بإشهاره إسلامه وبموقفه من الحرب الفيتنامية) وتأثيراتها عليه.
محمد علي لديه «كاريزما» كبيرة بلا ريب، لكنها ليست موجودة في تمثيله. تلك الكاريزما هي أكثر حضورًا في شخصيته وفي تحدياته لمنافسيه على اللقب كما في ترويج نفسه بين الجمهور، لكن حين طُلب منه الانضباط أمام كاميرا تريد تسجيل حياته واقعيًا، تبدّى عدم إلمامه بما لا يستطيع تقديمه، وهو التمثيل.
* فيلم آخر
بدهيًا، لم يتحوّل محمد علي إلى نجم شبّاك سينمائي، ولا طُلب منه أن يمثل في السينما كشأن رياضيين أفرو - أميركيين كثيرين انتقلوا من الميادين التي شغلوها ليصبحوا نجومًا معروفين (بينهم جيم براون نفسه). لا عجب إذن أن باقي الأفلام التي ظهر محمد علي فيها كانت كلها تسجيلية، أما تلك الروائية فقد تم إسناد بطولاتها إلى ممثلين محترفين.
أول أفلام المجموعة في الفترة اللاحقة للفيلم الروائي الوحيد الذي مثله محمد علي كان «عندما كنا ملوكًا» (1996) الذي دار حول المباراة التي أقيمت في زائير سنة 1974 بين محمد علي وجورج فريمان.
كان لافتًا في هذا الفيلم شدّة ارتباط محمد علي بأصوله الأفريقية من ناحية ومهارته في الترويج لنفسه وللمباراة المتوقعة أيضًا، حتى إذا ما أقيمت نقلت الكاميرا معظم فقراتها المهمّة مشتركة في الاحتفاء ببطلها الذي كان لا يزال يكرر إنه «الأوسم» و«الأعظم».
في عام 2000 وجدنا هذا الاستثناء في دراما مصنوعة للتلفزيون بعنوان: «علي: بطل أميركي». أنتجه جمال جوزف الذي رشح للأوسكار عن موسيقى وضعها سنة 2007 لفيلم بعنوان «اندفاع أوغست»، لحساب شركة «فوكس تليفيجين»، وقام بدور الملاكم ديفيد رامزي في حين لعب كليرنس ويليامز الثالث دور أبيه مارسيلوس كلاي.
معظم الفيلم كان عن حياة محمد علي، عندما كان لا يزال على دين أبيه. يتطرق - عبر مشاهد فلاشباك - إلى شبابه (أداه آرون ميكس) وصولاً لحين تعرف على مالكولم أكس (كما أداه هنا جو مورتون) واعتناقه الإسلام حسب المذهب السني.
كان واضحًا أن محمد علي، وقد توقف عن اللعب منذ أكثر من نحو عقدين، ما زال أيقونة لدى هواة الملاكمة حول العالم لذلك لم تتردد شركة «كولمبيا»، مرّة أخرى، في دراسة مشروع جديد حول قصّة حياته تتجاوز معه عثرات الفيلم الأول بإسناد الدور إلى محترف. المشروع كان انطلق في التسعينات وتتدافع لتحقيقه عدد كبير من المخرجين بينهم سبايك لي (الذي قام لاحقًا بتحقيق فيلمه عن مالكولم أكس) وأوليفر ستون ونورمان جويسون وباري سوننفلد، لكن مايكل مان («مانهنتر»، «آخر الموهيكنز»، «حرارة» من بين أخرى) هو من فاز به، في حين وجد الممثل ول سميث الفرصة السانحة لتسجيل نصر مهني بقبوله دور محمد علي.
رصدت «كولمبيا» 100 مليون دولار للمشروع تمددت إلى 107، لكن إيمان كل من سميث ومان بالعمل دفعهما لتقديم عرض مغرٍ: سيتخليان عن أجريهما إذا ما تجاوز الفيلم ميزانيته مرّة أخرى.
الفيلم كان بيوغرافيًا طويلاً (157 دقيقة) تم ترشيحه لأوسكارين ولم ينلهما (أوسكار أفضل ممثل لول سميث وأوسكار أفضل ممثل مساند لجون فويت) لكن هذا أقل مشكلاته. الفيلم فشل تجاريًا إذ جذب أقل من 60 مليون دولار من دون أن يستطيع أحد تحديد السبب.
هناك أسباب داخل الفيلم ذاته، لكن الجمهور لن يعلم بها قبل حضوره، وهو لم يفعل إلا في حدود ذلك الإيراد. من مشكلات الفيلم أن المخرج اختار، ربما باسم الرصانة، أسلوب العرض الهادئ، لكنه كان أكثر هدوءًا مما ينبغي. مقدّمة الناقد الشهير الراحل روجر إيبرت تشير إلى ذلك عندما تقول: «علي فيلم طويل، مسطح وساكت عن بطل الوزن الثقيل. ينقصه الكثير من الإبهار والنار والمرح الذي اشتهر بها محمد علي ومصوّر بنبرة من الأسى أكثر مما هو مصوّر كاحتفاء».
يمكن لي هنا أن أضيف أنه أيضًا جاء، في محال كثيرة، مفككًا ومعظم الشخصيات حول محمد علي هي أقرب لموديلات لشخصيات تفتقد إلى الحرارة وحسن الحضور. ول سميث جيد في الدور بلا ريب، لكن هذا لا يكفي لمنح الفيلم درجات أعلى مما استحق.
* بلسان منافسيه
بعد 9 سنوات تحين الفرصة مرّة أخرى.
المخرج غير المعروف بيت ماغورمِك ينجز فيلمًا تسجيليًا لحساب التلفزيون (بميزانية لا تتعدى مليون و800 ألف دولار) بعنوان «في مواجهة علي» (Facing Ali) لا يصور محمد علي (إلا فيما يرد من مشاهد أرشيفية) بل الملاكمين الذين واجهوه خلال رحلته الطويلة على الحلبة. نرى ونستمع إلى جو فرايزر وهنري كوبر وليون سبينكس وكن نورتون وجورج فريمان وهم يناقشونه، كل بمفرده في مقابلات منفصلة، أمام الكاميرا. معظم ما يقال في محمد علي قدره، لكن هذا لا يفقد الفيلم وهجته، لأن المخرج سعى لتوثيق ما يقال بكم كبير من الأرشيف بحيث إذا ما مدح أحدهم الملاكم الذي وقف أمامه سابقًا، أحال المخرج المشاهد إلى مادة أرشيفية تؤكد هذا المنحى وتؤسس لصواب الرأي المدلى به.
هذا الفيلم، الذي لم ير ما يكفيه من عروض أول ما خرج على الشاشة الصغيرة وقبل توجهه قبل سنوات قليلة إلى رفوف الأسطوانات، من أفضل ما تم تحقيقه من أفلام حول الأيقونة موضوع هذا البحث. فيلم ينتقل بين المقابلات والمواد الأرشيفية وتلك المصوّرة خصيصًا بسلاسة ويمنح المتحدثين الأهمية التي يستحقونها، وبذلك يمنح محمد علي الأهمية التي يستحق. الرابط هو أنه بقدر ما يكون العدو قوياِ، يمنح البطل أسباب قوّته أيضًا.
بقي فيلمان لاحقان: «محاكمات محمد علي» (2013): تسجيلي - تلفزيوني آخر يدور حول موقف محمد علي من حرب فيتنام ويعيد للذاكرة أسباب ذلك الموقف الدينية والسياسية وما دار من لغط مؤيد ومعاد لهذا الموقف.
الثاني «أنا علي» (2014) وهو فيلم حميمي يصوّر حياة البطل المعروف مع عائلته، كما يقابل من عرفه عن كثب ومنهم الملاكمين مايك تاسون وجورج فورمان اللذان ساعدا المخرجة كلير ليفينز تحقيق هذا الفيلم. كذلك يعمد إلى مقابلات يعكس فيها الممثل جيم براون رأيه في الراحل.
كل هذه الأفلام اشتركت بالطبع في إحياء سيرة حياة محمد علي على الحلبة وخارجها، وهذا طبيعي. ما اشترك معظمها فيه أيضًا الحديث عن إسلامه وعن موقفه من الحرب الفيتنامية وكم أحب الأول وكره الثانية.
8 أفلام رصدت حياة الأسطورة ملاكما ومتحديا
الشاشة الذهبية التفتت إليه أكثر من مرة ورحب بها
لقطة من «أنا علي» أحد آخر الأفلام عنه
8 أفلام رصدت حياة الأسطورة ملاكما ومتحديا
لقطة من «أنا علي» أحد آخر الأفلام عنه
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

