نزال بين الحرس الثوري وحكومة روحاني يهدد مكاسب ما بعد {الاتفاق النووي}

إيران تتجه إلى الشركات الأجنبية للخروج من أسوأ فتراتها المالية

المرشد الإيراني علي خامنئي يستقبل أول من أمس أسرة القيادي في «حزب الله» مصطفى بدر الدين في طهران (إ.ب.أ)
المرشد الإيراني علي خامنئي يستقبل أول من أمس أسرة القيادي في «حزب الله» مصطفى بدر الدين في طهران (إ.ب.أ)
TT

نزال بين الحرس الثوري وحكومة روحاني يهدد مكاسب ما بعد {الاتفاق النووي}

المرشد الإيراني علي خامنئي يستقبل أول من أمس أسرة القيادي في «حزب الله» مصطفى بدر الدين في طهران (إ.ب.أ)
المرشد الإيراني علي خامنئي يستقبل أول من أمس أسرة القيادي في «حزب الله» مصطفى بدر الدين في طهران (إ.ب.أ)

على الرغم من مخاوف أبدتها الحكومة الإيرانية من تدخل الحرس الثوري في النشاط الاقتصادي وعدم رغبتها بالشراكة الاقتصادية مع المؤسسة العسكرية، فإن الحرس الثوري يتطلع إلى مواصلة ضغوطه بدعم من خامنئي والحفاظ على تأثيره في الاقتصاد الإيراني.
ويعول الحرس الثوري على توصيات خامنئي الأخيرة بشأن سياسة «الاقتصاد المقاوم» لممارسة الضغط على دوائر الحكومة الإيرانية، فضلا عن استمرار سيطرته على مجال الاستثمار الداخلي، وصد المستثمرين الأجانب عن الدخول إلى الاقتصاد الإيراني.
في هذا الصدد، قال قائد مجموعة «خاتم الأنبياء» الاقتصادية التابعة للحرس الثوري، الجنرال عباد الله عبد اللهي، إنها بحاجة إلى مبلغ من 5 إلى 7 مليارات دولار لإتمام مشاريع عملاقة غير مكتملة، موضحا أن إيران ستحقق 40 مليارا سنويا إذا ما اكتملت تلك المشاريع، حسبما أوردت وكالة «تسنيم» المنبر الإعلامي للحرس الثوري. وذكر القيادي في الحرس الثوري أن المجموعة استثمرت حتى الآن ما يعادل 25 مليارا وأنها متقدمة بنسبة 85 في المائة. ولم يذكر عبد اللهي تفاصيل وطبيعة تلك المشاريع. ويحاول الحرس الثوري أن يكون أكبر الرابحين في إيران بعد رفع العقوبات وإعادة الأموال الإيرانية المحتجزة لتمويل مشاريعه، ويواجه الحرس الثوري اتهامات بأنه كان أكبر الرابحين من فترة العقوبات، بينما يواجه الشعب الإيراني ظروفا قاسية منذ تطبيق العقوبات.
هذا، وقد اعتادت مجموعة «خاتم الأنبياء» الاقتصادية للبناء، أكبر شركة بقطاع الإنشاءات في إيران منذ فترة طويلة، على الفوز بتعاقدات مربحة من الدولة، لكنها أصبحت تواجه الآن أوقاتا صعبة بعد أن بدأت تنافسها شركات أجنبية أقدر على جذب التمويل، في وقت يحاول فيه الاقتصاد الإيراني الانفتاح على العالم الخارجي بعد سنوات من العقوبات. ويعد ما حل بالشركة من مشكلات عنصرا جديدا غير مرغوب لدى أصحابها «الحرس الثوري»، وأصبح له نفوذ اقتصادي بعد الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينات. وبدأت المجموعة نشاطها بأوامر من خامنئي وتعاون بين الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني وقائد الحرس الثوري آنذاك محسن رضايي في 1988. ومنذ ذلك الحين أصبحت الشركة الضخمة تهيمن على قطاع البناء وفازت بعقود بمليارات الدولارات من الدولة، شملت منشآت للنفط والغاز ومد الطرق وبناء السدود.
ولم يتردد الحرس الثوري في إبداء استيائه على الملأ بعد معارضة حكومة روحاني تعزيز استثماراته في فترة ما بعد رفع العقوبات. ونقلت وكالة «تسنيم» للأنباء عن محمد علي جعفري، قائد الحرس قوله، في مارس (آذار)، إن «الحرس الثوري لديه إمكانيات هائلة في مجالات البناء. ومن المؤسف أن الحكومة لم ترحب بما اقترحه من مشروعات وبأنشطته»، كما كرر جعفري وقادة آخرون من القوات المسلحة استعدادهم للشراكة مع الحكومة في تنفيذ رغبات المرشد الأعلى في تطبيق سياسة «الاقتصاد المقاوم»، وكان خامنئي بداية هذا الشهر طلب من مساعد روحاني الأول إسحاق جهانغيري قيادة محاربة الفساد في البلاد والعمل بـ«الاقتصاد المقاوم».
بداية هذا الشهر، قال رئيس مجموعة «خاتم الأنبياء»، عباد الله عبد اللهي الذي يرتدي في كثير من الأحيان الزي العسكري، بصفته من قادة الحرس أن عدد من يعملون في مشاريع المجموعة يبلغ مليون شخص. لكن مسؤولين تنفيذيين في صناعة البناء ومحللين يقولون: إن هيمنة الشركة على القطاع ستتبدد على الأرجح مع وضع حكومة روحاني خططا لمشاريع ضخمة في مجال البنية التحتية لإنعاش الاقتصاد، بعد رفع العقوبات الدولية التي كانت سارية على إيران بسبب برنامجها النووي.
فبدلا من اللجوء إلى مجموعة «خاتم الأنبياء» بدأت الحكومة تتجه إلى الشركات الأجنبية لبحث العقود والمشروعات لأسباب، من بينها أنها تريد دعما ماليا من الخارج في ظل الميزانية المقيدة بانخفاض الأسعار وما لحق بالبلاد من أضرار بسبب العقوبات.
في هذا الصدد، قال سعيد ليلاز، الاقتصادي المقيم في طهران لوكالة «رويترز»، إن «إيران تمر بواحدة من أسوأ الفترات المالية في تاريخها. فالحكومة ليس لديها المال كما أن مجموعة (خاتم الأنبياء) وغيرها من شركات المقاولات ليس لديها موارد مالية.. لذلك فإن الأولوية لدى الحكومة في مشروعات البناء هي إيجاد مصادر تمويل أجنبية».
في سياق متصل، قالت شركة دايو للهندسة والبناء، الكورية الجنوبية، في وقت سابق من هذا الشهر، إنها توصلت إلى اتفاق أولي مع إيران لترتيب تمويل بقيمة 5.‏1 مليار دولار لقطاع من طريق سريع يربط طهران ببحر قزوين.
وكانت مجموعة «خاتم الأنبياء» قد أبدت اهتمامها بهذا المشروع، لكن وكالة مخابرات الحرس الثوري «تسنيم» ذكرت أنها لم تعرض سوى 40 في المائة من التمويل المطلوب.
وقال مصدر صيني مطلع على سير المفاوضات إن الشركة الوطنية لمعدات النقل والهندسة الصينية توشك على الاتفاق مع طهران على مشروع للسكك الحديدية باستثمارات قدرها ثلاثة مليارات دولار لربط العاصمة بمدينة مشهد المقدسة في شمال شرقي إيران. وكانت مجموعة «خاتم الأنبياء» أبدت اهتمامها أيضا بهذا المشروع.
وقالت مصادر إن شركة صينية أخرى، هي مجموعة داليان لصناعة بناء السفن، تتباحث بشأن اقتراح لبناء سفن للحاويات وناقلات نفط لحساب إيران بما تصل قيمته إلى 12 مليار دولار. وإذا فازت داليان بهذه العقود فسيكون ذلك على حساب شركة إيران الصناعية البحرية، التي تملك حصة الأغلبية فيها «خاتم الأنبياء».
بدوره، قال رجل أعمال يعمل في قطاع النفط والغاز وله صلات مباشرة بمسؤولين إيرانيين كبار، إن «خاتم الأنبياء» اقترحت منذ فبراير (شباط) المشاركة في أكثر من عشرة مشروعات ضخمة لكن الحكومة لم توافق على أي منها. ويبدو أن عدة عوامل وراء إبعاد شركة خاتم الأنبياء، منها أن الشركات الصينية والكورية يمكنها الاستعانة بالدعم المالي من البلدين اللذين يتمتعان بسيولة كبيرة لدى مؤسسات دعم الصادرات والبنوك فيهما، ومن العوامل أيضا أنه في حين ازدهرت الشركات المرتبطة بالدولة مثل «خاتم الأنبياء» خلال سنوات العقوبات، فقد قال مسؤولون في إدارة روحاني إنهم يريدون بناء اقتصاد قوي أكثر كفاءة في عصر ما بعد العقوبات، وذلك بتقوية دور قوى السوق والقطاع الخاص.
من جانبه، قال ليلاز إن «مجموعة (خاتم الأنبياء) لديها قوة هندسية وتقنية هائلة لكنها لا تتمتع بالكفاءة. سيتقلص حجمها تحت ضغوط المنافسة.
على هذا الصعيد، ربما يكون للسياسة دور أيضا. فالحرس الثوري متحالف مع مراكز مصالح للمحافظين الذين يعارضون صعود روحاني نسبيا للسلطة. وربما لا تجد إدارته سببا يذكر يدعوها لدعم المصالح التجارية للحرس الثوري. وعموما حتى بعد رفع معظم العقوبات السارية على إيران، فما زالت بعض العقوبات تؤرق مجموعة «خاتم الأنبياء» بسبب الصلات التي تربطها بالحرس الثوري ومشاركتها في مشروعات، مثل تطوير الصواريخ.
وستظل المجموعة على قائمة للكيانات الخاضعة لعقوبات الاتحاد الأوروبي لمدة سبع سنوات وقائمة أميركية للعقوبات إلى أجل غير مسمى.
وقال خبراء في العقوبات إن هذا لن يمنع كل الشركات الأجنبية من إبرام تعاملات مع «خاتم الأنبياء»، لكنه سيجعلها تفكر بكل حرص في مخاطر التعامل مع كيان أصوله مجمدة من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقالت مصادر بصناعة البناء إن المجموعة أبدت في لقاءات غير رسمية بالمسؤولين الحكوميين احتجاجات على استبعادها من التعاقدات، لكن من غير الواضح ما إذا كانت ستحقق نجاحا كبيرا بهذه الاحتجاجات. كما شكا الحرس الثوري وتنفيذيون في مجموعة «خاتم الأنبياء» على الملأ من المشكلات التي تعاني منها الشركة.
وقد قالت الشركة مرارا إنها ليس لديها أي مشكلة في العمل مع الشركات الأجنبية، وإنها بدأت محادثات بشأن التعاون مع بعض الشركات الآسيوية والأوروبية. وسيخضع ما سيؤول إليه حال المجموعة لاختبار في وقت لاحق من العام الحالي، عندما يتوقع أن تنشر وزارة النفط شروط التعاقدات الجديدة للمستثمرين الأجانب في صناعة الطاقة.
فمن المتوقع أن تدرج الوزارة الشركات التابعة لـ«خاتم الأنبياء» بوصفهم شركاء محتملين تنطبق عليهم الشروط للشركات الأجنبية. وسيتعين على الشركات الأجنبية أن تقرر ما إذا كانت ترغب في الابتعاد عن هذه الشركات بسبب المخاطر القانونية المرتبطة بالعقوبات.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».