في ميونيخ ابتسم.. لأنك لست في ألمانيا بل في بافاريا

شعارها «ميونيخ تحبك».. وحديقتها الإنجليزية أبرز معالمها السياحية

من أهم معالم ميونخ
من أهم معالم ميونخ
TT

في ميونيخ ابتسم.. لأنك لست في ألمانيا بل في بافاريا

من أهم معالم ميونخ
من أهم معالم ميونخ

«أهلا بك في بافاريا» هذه العبارة ستتردد على مسمعك طيلة إقامتك في تلك المدينة الراقية والنظيفة، والسبب وراء هذا الترحيب هو تشديد أهالي ميونيخ على أن مدينتهم هي عاصمة «دويلة» بافاريا، وليست مدينة ألمانية، فهم يفتخرون بإرثهم التاريخي ويحتفلون بمطبخهم البافاري و«حدائق البيرة» المنتشرة في كل زاوية، وكيف لا وهم من ابتكر فكرة ألبير غاردن أو الـ«Beer Garten» كما تُسمى بالألمانية، وهي عبارة عن مساحات مفتوحة ليست فقط لتناول الجعة كما يظن البعض إنما لتناول المأكولات.
وتجدر الإشارة إلى أن القانون في المدينة يسمح للزبائن بجلب طعامهم من المنزل، فلا أحد يجبرهم على شراء المأكولات، وهذه الفكرة بدأت في عام 1718، وتطورت على يد الأسياد والملوك، إلى أن أصبحت إرثًا ثقافيًا تقلده بلدان كثيرة أخرى، والفكرة الأهم من «البير غاردن» هي الجلوس في الهواء الطلق، لأن هذا الأمر لم يكن متوفرا أمام أهالي بافاريا إلى أن ولدت هذه الفكرة وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من الثقافة البافارية.
ربيع ميونيخ متقلب هذا العام شأنه شأن كل أرجاء أوروبا، لم أصدق مصلحة الأرصاد الجوية بأن هناك موجة ثلوج آتية، فودعت الشمس في لندن وانطلقت في رحلة تحليق قصيرة لا تتعدى الساعتين، وعند خروجي من الطائرة استقبلتني الرياح الباردة ولم أصدق عيني عندما رأيت الثلوج تتساقط مما أدى إلى تغيير برنامج زيارتنا بشكل كبير، وتم إلغاء كثير من النشاطات الخارجية بما فيها زيارة الحديقة الإنجليزية على متن عربة يجرها الخيل، ورحلة على الدراجة الهوائية في ثنايا المدينة القديمة، وركوب الأمواج في قناة المياه داخل الحديقة، واضطررنا إلى ركوب موجة البرد، غير أن الصقيع لم يقف عائقًا أمام تعرفنا على ميونيخ.
* أهم المعالم
من المعالم البارزة في ميونيخ ساحة «مريانبلاز» التي يقف قبالتها مبنى البلدية الجديد والمبنى القديم. أما Rathaus - Glockenspiel فهي ساعة مزينة فيها شخصيات متحركة، وتوجد أعلى برج بناية البلدية الجديدة. المنطقة بين كارلسبلاتز ومريانبلاتز معروفة بازدحامها، وهي مليئة بالمطاعم والمتاجر. وإلى جانب مبنى البلدية توجد كاتدرائية برافينكرخه Frauenkirche)) أشهر المباني في مركز المدينة. وفي المركز أيضًا توجد عدة كنائس مثل: كنيسة سانت بيتر، وهي أشهر مباني ميونيخ العتيقة، وهناك الميخائلزكرخه (Michaelskirche) وهي أكبر كنائس عصر النهضة شمالي الألب، وكنيسة تياتينركخه (Theatinerkirche) وهي كنيسة على الطراز الباروكي الإيطالي.
وتتميز ميونيخ بأربع جادات مركزية كبيرة تمتد بين مركزها وضواحيها، وهي: براينر شتراسا (Brienner Straße) ولودويغشطراسا (Ludwigstraße) ومكسيمليانشتراسا (Maximilianstraße) وجادة فرينتسريغنشتراسا (Prinzregentenstraße). كما توجد عدة متاحف فنية مهمة منها «بينكوتك» القديم والجديد وبينكوتك المعاصر. كما كانت تنشط في ميونيخ المجموعة الفنية «الفارس الأزرق» (Blaue Reiter)، قبل الحرب العالمية الأولى.
وهناك متحف العلوم (Deutsches Museum) الكائن على جزيرة وسط نهر أيزر وهو من أقدم متاحف العلوم في العالم،
ميونيخ من أغنى مدن ألمانيا وأغلاها، كما أن مستوى الحياة فيها والأمن الذاتي والعام من الأعلى في أوروبا كلها. وتبلغ نسبة الأجانب الذين لا يحملون الجنسية الألمانية في ميونيخ قرابة 23 في المائة، منهم 40.000 تركي و20.000 يوناني و20.000 صربي.
في ميونيخ مطار هو مطار «شتراوس»، وهو ثاني أكبر مطارات ألمانيا بعد مطار فرانكفورت. كما يمكن الوصول إلى ميونيخ عبر القطار بالخطين S1 وS8. وتتمتع ميونيخ بنظام مواصلات كبير يشمل القطار التحتي (U - Bahn) وقطار الضواحي (S - Bahn) والترام الكهربائي والحافلات.
وتشتهر ميونيخ بفريقين معروفين في كرة القدم هما بايرن ميونيخ وميونيخ 1860. والفريقان يلعبان في استاد «إليانتس آرنا» الجديد الذي يتسع لقرابة 69.900 متفرج.
* الحديقة الإنجليزية
من المعالم السياحية المهمة في ميونيخ الحديقة الإنجليزية (Englischer Garten)، التي تمتد على 3.7 كيلومتر مربع.
وهي تقع في قلب المدينة وتعبرها قناة يرتادها محبو رياضة ركوب الأمواج، نعم ركوب الأمواج، قد تكون الفكرة غير معقولة إنما هي موجودة في ميونيخ حيث استطاع الألمان «بـشطارتهم» سد فقرة من القناة وجعلوها أعلى من حيث العلو لتخول الرياضيين ممارسة هذه الرياضة البحرية في قلب مدينة، وتشتهر أيضًا بالخضرة فيها والبرج الصيني وواحد من أجمل وأكبر مقاهي «البير غاردن» في المدينة، وتكون أكثر روعة في فصل الصيف حيث يتجمع السياح وأهل المدينة في أرجائها، ويتناولون الطعام ويستمعون للموسيقى.
* بحيرة «تيغرنزي»
تعد هذه الزيارة من أجمل ما يمكن أن تختبره في ميونيخ أو بالأحرى في تخومها، فيمكن الوصول إلى البحيرة من خلال الطريق السريع ولا تتعدى المسافة الساعة من الزمن، تصل بعدها إلى منطقة راقية تفرض فيها البحيرة نفسها في وسطها بجمالها وروعتها التي تحيط بها الجبال والبيوت المنمقة التي يصحو أصحابها على منظر ولا في الكتب الخيالية، وبحسب ماركس دليلنا السياحي البافاري فهذه المنطقة يسكنها أثرياء ميونيخ من بينهم لاعبو كرة القدم، وبما أننا زرناها في يوم ربيعي غريب لأن الشمس ضلت طريقها واستبدلت بموجة من الصقيع والثلوج، إلا أن البرد لم يمنعنا من التوقف لزيارة واحدة من أقدم الكنائس التابعة للرهبان المؤسسين للمدينة والمدرسة الداخلية التي كانت تابعة لهم أيضًا، وهناك طريقة حلزوني يلتف حول البحيرة يأخذك في رحلة رائعة تختبر خلالها روعة المكان، وفي فصل الصيف يمكنك أن تستقل عربة معلقة كهربائية للوصول إلى رأس الجبل ومشاهدة البحيرة من فوق، ولكن وبما أننا اخترنا التوقيت الخاطئ للزيارة فاكتفينا بتخيل المنظر واستمتعنا به من على مستوى الطريق وليس من علو يذكر.
* المشي في أحياء المدينة
في أي مدينة تزورها حول العالم، يكون المشي هو أفضل طريقة لاكتشاف الخبايا والمعالم الجميلة، وهذا هو حال ميونيخ التي تستقبل السياح في طرقاتها المخصصة للمشاة، وأهم ما تلاحظه فيها هو علو مبانيها المنخفض، فأهالي ميونيخ وقعوا على عريضة تمنع بلدية بافاريا بمنح تصاريح لبناء مبانٍ عشوائية شاهقة العلو، فهناك بناية واحدة في المدينة مؤلفة من عدة طوابق فتبدو عملاقة بالمقارنة مع المباني الأخرى المحاذية.
يوجد في وسط المدينة سوق للمأكولات تبيع الأجبان والمأكولات البافارية الخاصة بهذا القسم من البلاد، وبجانبها «بير غاردن» مفتوح للعموم.
* مدينة المسارح والموسيقى
إذا كنت تحب الفن وتعشق المسرح والموسيقى فأنت في المكان المناسب، حيث توجد في ميونيخ مسارح كثيرة والعروض الفنية فيها لا تنضب، فقمنا بزيارة خاصة لمسرح برينزريغينتن Prinzregententheater وأقول خاصة لأنها كانت فعلاً هكذا، فأخذتنا مديرة المسرح إيزابيل في جولة ما وراء الكواليس في وقت كان يتأهب فيه الموسيقيون لحفل كبير في المساء، ويا لها من تحضيرات في مسرح عريق، قديم وأثري، تعرفنا إلى دهاليزه وكيفية تشغيل التأثيرات الصوتية على الطريقة التقليدية.
* معامل بي إم دبليو
بي إم دبليو هي فعلا فخر الصناعة الألمانية، وإذا كانت لديك شكوك بذلك أنصحك بزيارة معامل تلك السيارات الفارهة ومن المحتم أنك ستغير رأيك.
على مدى ساعتين من الزمن ستتعرف خلال BMW plant tour على كيفية تصنيع السيارات من طراز «بي إم دبليو» 3 Series من الألف إلى الياء، الجولة برفقة دليل من الشركة، حضر نفسك لقطع مسافات طويلة مشيا على الأقدام، ستشاهد كيف يتم تجميع السيارة على يد روبوتات عملاقة لا تعرف التعب، المصنع يعمل طوال أيام السنة من دون توقف، وعندما تصل إلى المرحلة شبه النهائية من تصنيع السيارة تسمع الموسيقى العربية تصدح في المكان، وعندما سألنا عن السبب أخبرنا الدليل أن غالبية العاملين في قسم تركيب الأجهزة الإلكترونية في السيارات والمقاعد هم من الجنسية التركية، وأجمل ما تشاهده خلال الجولة في النهاية منظر صاحب السيارة الذي ينتظر بالخارج لتسلم الحلم الذي وصى عليه منذ أشهر ليصبح حقيقية، فيتسلم الزبون السيارة ويركبها لأول مرة منذ خروجها من المصنع، وبحسب الدليل أيضًا هناك نسبة كبيرة من الزبائن الذين يأتون من بلدان أوروبية مجاورة ليتسلمون سياراتهم في ميونيخ، ويقومون بجولة في ألمانيا وعدة بلدان أخرى والعودة بالسيارة الجديدة إلى بلدهم.
* الأكل
المطبخ البافاري غني جدا ويعتمد على لحم البقر بشكل كبير، ومن المطاعم الجميلة التي زرناها كان مطعم تيفولي Tivoli التابع لفندق هيلتون، وفيه طاهٍ سوري يقوم بتحضير أفضل أنوع المازة الشرقية، وفي فترة المساء يتحول المطعم إلى واحة بافارية تقدم اللحوم والأجبان والخبز اللذيذ.
ومن المطاعم التي تبقى محفورة بالذاكرة مطعم شوينغشاكل Shwingshackl المقابل لبحيرة تيغرنزي وهو حائزة على نجمة ميشلان أطباقه لذيذة وأنيقة، وفيه تلقى معاملة خاصة جدًا، لأنه صغير الحجم، ويقع بمحاذاة البحيرة، ومن الممكن تناول الطعام على متن قارب صغير يرسو مباشرة على ضفته.
ولمحبي المأكولات النباتية أنصحك بمطعم «تيان» Tian وهو متخصص بالمأكولات النباتية والفيغين، وهنا أحذرك بأنك سوف تفاجأ بالكميات التي تبدو صغيرة في الأطباق والتي من شأنها أن تشبعك بسرعة، ابتكار الأطباق أكثر من رائع والأهم هو أنك لن تفتقد اللحم ولو كنت من أنصار أكله.
ومن ألذ أنواع الشنيتزيل التي يمكن أن تتذوقها في ميونيخ فهي مقدمة في مطعم تشارلز ليندبيرغ Charles Lindberg وقد يكون من أفضل المطاعم التابعة لفندق قريب من المطار.
* الإقامة
اخترنا فندق هيلتون ميونيخ بارك Hilton Munich Park وكما يدل الاسم فيتمتع الفندق بموقع مثالي قريب من الحديقة الإنجليزية وقلب المدينة، يتميز بغرفه وأجنحته الواسعة ويطل مباشرة على قناة الماء، وفيه مركز صحي وهناك عدة أسباب تجعل منه العنوان الأفضل لإقامة السياح المقبلين من منطقتنا العربية، لأنه يقدم كل ما يتناسب مع ثقافتهم واحتياجاتهم مثل خيمة كبيرة فيها جلسات جميلة تقدم الشيشة والمأكولات العربية، كما أنه من الممكن طلب المأكولات اللبنانية إلى الغرف عن طريق خدمة الغرف، ويقدم أيضًا القهوة العربية والتركية، واللحم الذي يستخدم في الأطباق كله حلال.
ويضم الفندق 5484 غرفة وجناحًا وما يميزه هو طريقة توزيعها، حيث من الممكن وصلها ببعضها، وهذا ما يتناسب مع العائلات العربية التي تسافر إلى ألمانيا بغية العلاج، وبالتالي يتحتم عليها البقاء في ميونيخ لمدة طويلة.
* ميونيخ في سطور
* يزيد عدد سكان ميونيخ عن 1.3 مليون نسمة، وهي ثالث مدن ألمانيا من حيث السكان بعد برلين وهمبورغ. تقع على ضفاف نهر أيزر (Isar) شمال جبال الألب البافارية.
تأسست باسمها القديم «مونشن» (دير الرهبان) عام 1158، وتحصنت كمدينة مركزية بعد 50 عامًا من ذلك. في عام 1327 احترقت كلية ميونيخ وأعيد بناؤها بعد عدة سنوات. في القرنين السابع عشر والثامن عشر كبرت ميونيخ ونمت لتصبح واحدة من أكبر مدن أوروبا الغربية، وتحولت إلى مدينة جامعات مهمة ومركزية. فيها أسس هتلر الحركة النازية كما تأسست فيها حركة سرية مناهضة للنازية عام 1942 باسم «السوسنة البيضاء». وقد دُمرت ميونيخ أثناء الحرب العالمية الثانية وأعيد بناؤها بعد الحرب وفق مخطط صارم. شعار مدينة ميونيخ هو «München mag Dich»، أي «ميونيخ تحبك».



رحّالة سعودية تكشف عن جمال الأحساء وتجارب التخييم والسفر المنفرد

وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
TT

رحّالة سعودية تكشف عن جمال الأحساء وتجارب التخييم والسفر المنفرد

وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)

شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة تغيراً في مفهوم الرحلات؛ إذ لم تعد مجرد انتقال جغرافي، بل باتت تجربة ثقافية متكاملة تعكس علاقة الإنسان بالمكان وتعيد تعريف الاكتشاف، ويتنامى الاهتمام بالرحلات البرية والتخييم بوصفه جزءاً من أسلوب حياة يقوم على الوعي بالطبيعة واحترامها، وجاء ذلك مدفوعاً بتنوع الطبيعة في السعودية من الصحاري الممتدة إلى الأودية الخضراء والسواحل المتباينة؛ ما أوجد بيئة خصبة لهذا النوع من الترحال.

وتتقدم الرحلات المنفردة بوصفها مساحة لاختبار الذات، حيث أصبح التخييم ممارسة تقوم على التخطيط الدقيق، والانفتاح على المجهول، والتوازن بين الأمان وروح المغامرة.

وضمن هذا المشهد تظهر الرحالة السعودية سلوى إبراهيم، التي اختارت من الجغرافيا المحلية بوصلتها، بصفتها صانعة محتوى متخصصة في التعريف بالأماكن السياحية في السعودية، وتحاول من خلال رحلاتها أن يرى الناس المكان كما عاشته، وأن يشعروا به كما شعرت.

وصف الصورة: لقطة تبرز تشكيلات الصخرية في صحراء «بجدة» بمدينة تبوك (إرشيف الرحالة)

وأوضحت سلوى إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أنه على الرغم من انفتاح الوجهات العالمية وسهولة الوصول إليها، لا ترى أن هويتها تمتد خارج هذه الجغرافيا التي تنتمي إليها، «نصبت تركيزي الأساسي على السعودية ودول الخليج؛ لما تحتويه من طبيعة عملت على توثيقها من خلال سلسلة أسميتها الجانب الآخر، والتي تستعرض فيها مواقع غير تقليدية وتجارب بعيدة عن المسارات المعتادة، ففي مدن السعودية أماكن مدهشة لا يعرفها كثيرون».

وأشارت إلى أن رحلاتها تمتد لفترات طويلة «لا أعتمد على جدول يومي صارم، بل أمنح نفسي الوقت الكافي للتشبع بالمكان، وقد أقضي ليلتين أو ثلاثاً في موقع واحد، أو حتى أياماً عدة إذا وجدت فيه ما يستحق البقاء»، مستشهدة بتجربتها في وادي الديسة، حيث عادت إليه أكثر من مرة خلال رحلاتها.

وصف الصورة: ملايين النخيل الممتدة في مشهد حي بمدينة الأحساء (إرشيف الرحالة)

وتحدثت عن أبرز الوجهات التي تركت أثراً في تجربتها، مشيرة إلى ثلاثة أودية رئيسية في السعودية، لكل منها طابعه الخاص؛ إذ وصفت وادي الديسة بأنه مساحة طبيعية تحيط بها الجبال الشاهقة وتتخللها ممرات خضراء ومياه موسمية، تمنح إحساساً مختلفاً عن البيئة الصحراوية، في حين يتميز وادي «طيب اسم» بتداخل فريد بين الجبال الحادة ومياه خليج العقبة، في مشهد يجمع بين عنصرين متناقضين داخل تناغم، إلى جانب وادي «لجب» فسلطت الضوء على أنه «تجربة حسية بحد ذاته، حيث يمر الزائر داخل ممر صخري ضيق بارتفاعات شاهقة، تتدفق فيه المياه بين الجدران».

ووصفت صحراء «بجدة» في منطقة تبوك بأنها «من أكثر المواقع غرابة بصرياً؛ نظراً لتداخل الجبال الحمراء مع الرمال والطعوس في تشكيلات جيولوجية معقدة، بالإضافة إلى انتشار الكهوف الطبيعية؛ ما يجعلها بيئة استكشافية متقدمة لا يمكن الوصول إليها بسهولة». وكشفت عن أن سيارتها كانت عنصراً أساسياً في بدء هذه الرحلات «حضرت سيارتي جيب رانجلر ذات الدفع الرباعي كجزء أساسي من التجربة، حيث منحتني القدرة على الوصول إلى أماكن لا تستطيع السيارة الصغيرة خوضها».

لقطة للرحالة سلوى إبراهيم خلال رحلتها في كهوف بجدة بمدينة تبوك(إرشيف الرحالة)

وتنطلق رحلات سلوى بعد مرحلة تحضير دقيقة وطويلة، تتجاوز الجانب اللوجستي إلى الجاهزية الذهنية الكاملة، فهي تعتمد على تخطيط شامل يشمل دراسة الخرائط ومسارات الوصول، وتحديد مواقع التخييم بدقة، إلى جانب حفظ أرقام الطوارئ والتنسيق مع مرشدين محليين موثوقين، بما يضمن تقليل أي مخاطر محتملة أثناء الرحلة، بالإضافة إلى تجهيز ما يكفي من المؤن الغذائية وأواني طبخ سهلة التنظيف.

على الرغم من هذا المستوى العالي من التنظيم، تترك مساحة محسوبة للعفوية، «بعض التجارب الأكثر تميزاً قد تنشأ من تغير غير متوقع في المسار، ويقودني ذلك إلى مواقع لم تكن ضمن الخطة الأصلية»، هذا التوازن بين الانضباط والمرونة يشكّل الإطار العام لأسلوبها في السفر والاستكشاف.

وتعتمد سلوى في اختيار وجهاتها على مزيج من البحث المسبق والاقتراحات الواردة من متابعيها عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب الحدس الشخصي الذي يلعب دوراً حاسماً في اتخاذ القرار النهائي، مستخدمةً تطبيقات الخرائط وتوصيات المرشدين، مع متابعة كثيفة لما يردها من جمهورها، حيث ترى أن تكرار الإشارات إلى موقع معين مؤشر يستحق التوقف عنده.

كشفت سلوى في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مدينة الأحساء تمثل حالة خاصة تتجاوز كونها محطة ضمن رحلاتها، لتتحول مشروعاً شخصياً تسعى من خلاله إلى إعادة تعريف المنطقة بصرياً، إذ تُعدّ مسقط رأسها، «لا أكتفي بتقديم النخيل كصورة تقليدية، إنما أنقل تجربة كاملة تعكس تنوع الأحساء الفريد، حيث تضم ملايين النخيل وتلتقي بيئات متعددة في مساحة واحدة، إلى جانب صحراء ممتدة نحو الربع الخالي والدهناء وامتداد بحري، هذا التداخل يجعل الأحساء واحدة من أغنى البيئات الطبيعية في السعودية».

وصف الصورة: جانب من رحلات سلوى إبراهيم في وادي الديسة تظهر الجبال المحيطة بالوادي (إرشيف الرحالة)

وترتكز فلسفة سلوى في السفر من رؤية تتجاوز الإحساس بالمكان، إذ ترى أن الجمال لا يرتبط بمدى انتشار الوجهة، بل بقدرة الزائر على التفاعل معها شعورياً؛ فالمواقع البسيطة أو غير المعروفة تحمل في نظرها قيمة استثنائية لمن ينسجم معها، مستشهدة بتجربتها في العلا، حيث تفرض التكوينات الصخرية والجبال حضوراً بصرياً وروحياً خاصاً.

وأما تجربة السفر المنفرد، فلم تكن بداية سهلة بالنسبة لسلوى، حيث رافقتها مخاوف طبيعية دفعتها في أولى رحلات التخييم إلى البقاء بالقرب من الطرق طلباً للأمان، غير أن تلك المرحلة تحولت لاحقاً نقطة مفصلية في مسارها، ومع مرور الوقت أصبح السفر الفردي عنصراً أساسياً في تشكيل شخصيتها، انعكس أثره على حياتها المهنية في عملها ممرضةً، وأسهم من قدرتها على اتخاذ القرار والتعامل مع المواقف تحت الضغط.

تمثل تجربة سلوى نموذجاً يعكس ما تتسم به بيئة السعودية والخليج من درجات عالية من الأمان، غير أن ذلك لا يلغي أهمية الوعي والمسؤولية، خاصةً لدى الفتيات الراغبات في خوض تجربة السفر الفردي أو التخييم، على أن يتم التخطيط المسبق، واختيار مواقع معروفة، وتجنب المناطق المعزولة دون خبرة كافية، تُعدّ هذه عناصر أساسية لضمان تجربة آمنة.

ويشهد قطاع السياحة تطورات كبيرة بما في ذلك مواقع مهيأة للتخييم وبنية تنظيمية كبيرة، أسهمت في ترسيخ ثقافة الرحلات البرية، لتتحول السعودية وجهة استكشاف متنامية تستقطب رحَّالة من داخلها وخارجها، خاصة خلال موسم الشتاء.


«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
TT

«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)

على الضفة الغربية لنهر النيل في أسوان تتخذ «غرب سهيل» موقعاً استثنائياً بين القرى المصرية؛ فهي تتخذ مكانها فوق سفح جبلي، مستمدة خصوصيتها من جمال الطبيعة، ومسجلة حضورها كنموذج حي للسياحة الريفية المستدامة.

لكن لا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أصبحت القرية النوبية في أقصى جنوب مصر أيضاً وجهة عالمية تُروى قصتها في المحافل الدولية بعد اختيارها ضمن أفضل القرى السياحية لعام 2024 في برنامج منظمة الأمم المتحدة للسياحة.

وهو اختيار لم يأت صدفة، بل عبر مسار طويل من التحول، بدأ من جذور ضاربة في التاريخ الفرعوني، مروراً بتهجير أبناء النوبة، وصولاً إلى المشهد الحالي الذي جعل من القرية متحفاً طبيعياً مفتوحاً، يحيا فيه التراث، ويتنفس يومياً مع سكانها وزائريها.

هذه القرية التي يصفها أهلها بـ«بلدي الحبوب»؛ من فرط حبهم واعتزازهم بها، لا تعد مجرد محطة في جولة السائح داخل أسوان، إنما باتت تشكل الوجهة ذاتها، بما تملكه من طاقة بصرية، وبما تحتضنه من ذاكرة إنسانية وثقافية تمتد إلى العصور الفرعونية؛ حين كانت المنطقة مركزاً للتعبد والطقوس اليومية للملوك.

تجربة سياحية مختلفة (غرب سهيل الفيسبوك)

ويرتبط اسمها تاريخياً بجزيرة «سهيل» المجاورة، وهي الجزيرة التي اكتسبت قداسة كبيرة في الدولة القديمة لصلتها بالإله خنوم وزوجته الإلهة ساتت.

ولذلك حين تزورها حتماً ستشعر بقدسية المكان وأهميته الروحية، لا سيما حين تتأمل نقوش الملوك على الجرانيت الصلد، والتي تعد كتاباً مفتوحاً لفصول من التاريخ.

لكن على الرغم من كل هذا الزخم الحضاري والتاريخي، فإن للقرية وجهاً آخر معاصراً يجتذب شرائح أخرى من السياح؛ فبعد تعلية خزان أسوان في بدايات القرن العشرين، حين انتقلت أسر نوبية كثيرة إلى الضفة الغربية بحثاً عن أرض جديدة تستوعبهم، أعاد الأهالي بناء حياتهم، محافظين على ملامح العمارة النوبية القديمة بطراز «القبو»، وبألوان زاهية تتوزع على الجدران كأنها توقيع شخصي لكل بيت.

ويبدأ كل شيء عند الاقتراب من القرية عبر نهر النيل، وتستوقفك المراكب الشراعية التي تتمايل بخفة، قبل أن تكشف عن ضفة ملونة دافئة تحتضنك في حب، وهي عبارة عن بيوت بقباب دائرية وزخارف يدوية، وأطفال ببشرة داكنة يلوحون للقادمين بابتسامة لا تفارقهم.

بيت نوبي داخل القرية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

من قرية بسيطة إلى وجهة عالمية

لذلك حين تتوجه إليها فلن تجد نفسك في قلب قرية جميلة فقط، إنما ستكتشف إنك تخوض تجربة سياحية متكاملة، ومختلفة فهنا ستجد البيوت تستقبلك بترحاب، وتقدم لك الأكلات النوبية، وتعكس العادات اليومية.

وإذا تجولت في شوارعها ستدرك حينئذ أنك داخل مساحة مفتوحة للتراث النوبي بكل تفاصيله: الألوان، الموسيقى، الحرف، اللغة، والضيافة.

فالسائح هنا اختار مقصداً حياً للسياحة البيئية؛ وربما يرتبط ذلك بمجموعة المبادرات التي أطلقها الأهالي في المكان والتي تحولت بمرور الوقت إلى مشروع جماعي، أو رمز للسياحة البيئية يُعرف بأسلوبه الخاص، حتى أصبحت اليوم واحدة من أكثر المحطات طلباً لدى الشركات السياحية العالمية.

ربما يكون السر وراء ذلك هو أنك تدخل مكاناً لا يشبه أي مكان آخر؛ فالضيافة في غرب سهيل ليست خدمة بقدر ما هي أسلوب حياة؛ فهنا البيوت مفتوحة كأنها جزء من الشارع، والوجبات النوبية تقدم كما لو أن الزائر فرد من العائلة.

سحر النوبة وجمالها في المكان (فندق إندو ماندو )

الصورة التي تبهر الزائر

من أبرز ما يلتقي به الزائر داخل تلك البيوت التي تحولت العديد منها إلى «بيوت ضيافة» أو مكان سياحي للإقامة، هو المشغولات اليدوية التي تحمل روح النوبة، وتتنوع بين السلال، الحُلي، المشربيات، الرسوم الهندسية، والحرف التي ما زالت النساء يمارسنها منذ أجيال تعيش مع الجذور والفلكلور المصري الجنوبي.

ويمكن للسائح أن يستمتع بأنشطة متعددة يعيشها في المكان؛ حيث يمكنه أن يبدأ يومه برحلة نيلية على المراكب الشراعية، يتبعها ركوب الجِمال على الشريط الرملي، قبل الانتقال إلى جلسات داخل البيوت النوبية لتناول الطعام المحلي المكون من أطباق تقليدية مثل الفطير النوبي، الطواجن، السمك، أو العصائر التقليدية مثل «الكركديه» والدوم.

بينما تتحول الجلسات المسائية إلى مشاهد لا تنسى، بين الموسيقى النوبية التي تؤديها الفرق الشعبية الجنوبية، والرقصات الدائرية على صوت الدفوف، وإذا نظرت إلى أعلى ستبهرك سماء مضاءة بنجوم الجنوب التي تبدو أكثر قرباً من أي مكان آخر.

من اللافت في «غرب سهيل» وجود شباب القرية في كل مكان، وتوليهم مهمة تقديم الخدمات للسياح بشكل احترافي؛ حيث تحولت السياحة إلى مصدر رزق مستدام بالنسبة لهم.

غرف بألوان مبهجة و نقوش فالكلورية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

مكان الإقامة

أنصحك أن تترك حياة الرفاهية في الفنادق الكبرى في جنوب مصر، وتتوجه إلى بيوت الضيافة بغرب سهيل؛ التجربة هنا مختلفة وممتعة؛ فهي مجهزة على الطراز النوبي، بعضها بإطلالات رائعة مباشرة على النيل، وبعضها الآخر في شوارع جانبية لكنها تضم غرفاً رحبة وشرفات واسعة.

كما ستجد منشآت أكبر ذات طابع معماري مستوحى من الطين الملون والقباب، تقدم برامج إقامة كاملة، ومنها رحلات نيلية يومية، زيارات للمناطق الأثرية، جلسات موسيقية فلكلورية، ورش للتعرف على التراث النوبي.

وجهة قريبة من أهم المعالم

إلى جانب ما تقدمه القرية نفسها، تحيط بها مجموعة من أبرز مواقع أسوان التاريخية والطبيعية، وهو ما يعزز من قيمة زيارتها ويجعلها نقطة انطلاق مثالية لاكتشاف المدينة، ومن أبرز هذه الأماكن «معبد فيلة»، وهو واحد من أهم المعابد المصرية المكرسة لعبادة إيزيس، يحتضنه النيل على جزيرة ساحرة.

وبالقرب من القرية أيضاً، هناك «مقابر النبلاء» تلك المقابر الصخرية المحفورة في الجبل، والتي تكشف عن طبقات من التاريخ المصري القديم، ويقبع دير الأنبا سمعان على الجانب الغربي للنيل، وهو أيضاً دير أثري فريد.

ويمكن لمن يزور أسوان الاستمتاع «بجزيرة النباتات» إذا كان من عشاق المحميات الطبيعية؛ فهي تضم نباتات نادرة، يمكن الوصول إليها بالفلوكة، وتستطيع أيضاً الاستمتاع بزيارة «السد العالي»، فهو أحد أبرز إنجازات مصر الهندسية الحديثة، ومتحف النوبة لذي يعرض ذاكرة النوبة وهويتها.

إذا أردت اتباع نصائحي فإن الفلوكة هي الوسيلة الأفضل والأكثر متعة للوصول إلى القرية، ولا تنسى تخصيص يوم كامل للزيارة على الأقل؛ للاستمتاع بالرحلات النيلية، والتجول، وتناول الأطعمة النوبية.

وقم بشراء المنتجات اليدوية من البيوت؛ فهي ذات سعر أقل من المتاجر، كما أنك حين تفعل ذلك ستساهم مباشرة في دعم الأسر المحلية بالمكان.


بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
TT

بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)

تشتهر لندن بكونها إحدى أكثر العواصم العالمية ثراءً بالمؤسسات الثقافية والمتاحف؛ فمن المتاحف الوطنية الكبرى إلى المعارض الفنية الحديثة، تبدو المدينة وكأنها مكتبة مفتوحة للذاكرة الإنسانية. غير أن جانباً مميزاً من هذا الإرث الثقافي لا يظهر في القاعات الواسعة أو المباني الضخمة، بل في فضاءات أكثر حميمية وهدوءاً: بيوت المتاحف: هذه البيوت ليست مجرد مبانٍ تاريخية محفوظة، بل أماكن تعيد إحياء حياة أصحابها وتفاصيل يومهم العادي. ففيها تتقاطع العمارة بالتاريخ، والسيرة الشخصية بالتحولات الاجتماعية الكبرى. وعندما يدخل الزائر أحد هذه المنازل، فإنه لا يشاهد التاريخ فقط، بل يعيش داخله للحظات.

إن فكرة تحويل المنازل التاريخية إلى متاحف ليست جديدة، لكنها اكتسبت في لندن طابعاً خاصاً، حيث ترتبط هذه البيوت غالباً بشخصيات أثرت في الفكر أو الفن أو السياسة. ومن بين أبرز هذه الأمثلة متحف Sir John Soane’s Museum، وبيت Benjamin Franklin House، والتجربة الفنية المميزة في Dennis Severs’ House.

هذه البيوت الثلاثة، رغم اختلاف قصصها، تشترك في هدف واحد: تحويل التاريخ من مادة جامدة محفوظة في الكتب إلى تجربة إنسانية ملموسة.

منزل تاريخي يعود إلى عام 1630 (الشرق الأوسط)

عندما يصبح المنزل وثيقة تاريخية

تتميز بيوت المتاحف بأنها تحافظ على البنية الأصلية للمكان، وهو ما يمنح الزائر فرصة نادرة لفهم كيف كانت الحياة اليومية في فترات تاريخية مختلفة.

فبدلاً من عرض الأثاث أو الوثائق في قاعات معزولة، تبقى الأشياء في أماكنها الطبيعية: المكتب في غرفة الدراسة، والكتب على رفوف المكتبة، وأدوات الطعام على مائدة المطبخ.

هذا الترتيب يمنح الزائر إحساساً بأن الزمن توقف داخل تلك الجدران. وهو إحساس يصعب تحقيقه في المتاحف التقليدية التي تعتمد على العرض المنفصل للقطع الأثرية.

كما أن بيوت المتاحف تمثل أيضاً مصادر مهمة لدراسة التاريخ الاجتماعي؛ فهي تكشف تفاصيل الحياة اليومية التي غالباً ما تغيب عن السجلات الرسمية: طريقة ترتيب الغرف، وأنواع الأثاث المستخدمة، وحتى أسلوب الإضاءة والتدفئة. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة يمكن فهم الكثير عن الثقافة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية في العصور الماضية.

غرفة نوم تعود إلى عام 1956 (الشرق الأوسط)

متحف السير جون سوان: عبقرية معمارية داخل منزل صغير

يعد متحف سير جون سوان واحداً من أكثر بيوت المتاحف إثارة للإعجاب في لندن. وكان هذا المنزل مقر إقامة المعماري البريطاني الشهير السير جون سوان الذي ترك بصمة واضحة في العمارة البريطانية في أواخر القرن الثامن عشر.

وكان سوان شخصية استثنائية تجمع بين المعمار والباحث وجامع التحف. فقد أمضى سنوات طويلة في السفر وجمع القطع الأثرية واللوحات الفنية والمخطوطات من مختلف أنحاء أوروبا.

ومع مرور الوقت، امتلأت غرف منزله بهذه المقتنيات إلى حد جعل المكان أشبه بمتحف خاص. لكن سوان لم يكن مجرد جامع للقطع الفنية، بل كان مهتماً أيضاً بكيفية عرضها.

لذلك صمم المنزل بطريقة مبتكرة تعتمد على اللعب بالضوء والمساحات. فقد استخدم فتحات سقفية ومرايا تعكس الضوء الطبيعي إلى داخل الغرف، مما يمنح المكان إشراقاً غير متوقع.

كما صمم جدراناً متحركة يمكن فتحها لتكشف عن لوحات إضافية، الأمر الذي يجعل الزائر يشعر وكأنه يكتشف المتحف تدريجياً.

ومن بين الكنوز التي يضمها المتحف أعمال للفنان البريطاني الشهير ويليام هوغارث (William Hogarth)، إضافة إلى مجموعة واسعة من الآثار المصرية والرومانية.

اليوم، لا يُنظر إلى هذا المكان على أنه متحف فني فحسب، بل أيضاً كدرس حي في العمارة. فالبيت نفسه يُعد عملاً فنياً يوضح كيف يمكن للمساحة المحدودة أن تتحول إلى فضاء ثقافي غني.

منزل تاريخي تحول إلى متحف (الشرق الأوسط)

بيت بنجامين فرانكلين: التاريخ الأميركي يمر عبر لندن

في شارع هادئ بالقرب من ساحة الطرف الأغر تجد منزل بنجامين فرانكلين الذي عاش في هذا البيت بين عامي 1757 و1774، وهي فترة حاسمة سبقت اندلاع (الثورة الأميركية).

وخلال تلك السنوات، كان يعمل ممثلاً لعدة مستعمرات أميركية لدى الحكومة البريطانية، وكان يسعى إلى تسوية الخلافات المتصاعدة بين المستعمرات وبريطانيا.

لكن جهوده الدبلوماسية لم تنجح في منع الأزمة التي انتهت بقيام الثورة الأميركية. ومع ذلك، لعبت تجربته في لندن دوراً مهماً في تشكيل أفكاره السياسية.

لم يكن فرانكلين سياسياً فقط، بل كان أيضاً عالماً بارزاً في مجال الكهرباء. واشتهر بتجاربه حول البرق التي قادته إلى تطوير فكرة مانعة الصواعق.

كما كان شخصية فكرية بارزة في حركة Age of Enlightenment التي دعت إلى استخدام العقل والعلم في فهم العالم.

اليوم، يقدم المنزل للزوار فرصة لفهم هذه المرحلة المهمة من حياة فرانكلين. فالغرف التي عاش فيها، والمكتب الذي كتب عليه رسائله، تعطي صورة واضحة عن الحياة الفكرية والسياسية في القرن الثامن عشر.

إن زيارة هذا البيت تذكرنا بأن الأفكار التي غيرت العالم قد تنشأ أحياناً في أماكن بسيطة، داخل منزل هادئ في مدينة بعيدة عن موطن صاحبها.

منزل دينيس سيفرز: المتحف بوصفه تجربة فنية

في شرق لندن يقع أحد أكثر بيوت المتاحف غرابة وإبداعاً منزل دينيس سيفرز: (Dennis Severs’ House) إنشاء هذا المكان الفنان سيفرز الذي عاش فيه لعقود قبل وفاته عام 1999.

لم يكن مؤرخاً تقليدياً، بل كان فناناً يسعى إلى خلق تجربة حسية كاملة. لذلك صمم المنزل بحيث يبدو كأنه منزل عائلة حقيقية عاشت فيه عبر قرون.

وكل غرفة تمثل فترة زمنية مختلفة، وتحكي جزءاً من قصة خيالية لعائلة من نسّاجي الحرير الذين استقروا في لندن في القرن الثامن عشر. وما يجعل التجربة فريدة هو أن الزائر لا يجد شروحات مكتوبة تقريباً. بدلاً من ذلك يعتمد المتحف على الإضاءة والروائح والأصوات لإعادة خلق أجواء الماضي.

فقد يرى الزائر شموعاً مضاءة، أو مائدة طعام لم تُرفع بعد، أو أدوات عمل تركها أصحابها للحظة. وهذه التفاصيل الصغيرة تجعل المكان يبدو وكأن سكانه سيعودون في أي لحظة. وهكذا يتحول المتحف إلى تجربة فنية تجمع بين التاريخ والمسرح والخيال.