«ليست العظمة في ألا تسقط أبدًا، بل في أن تسقط ثم تنهض من جديد»، بهذه العبارة لكونفوشيوس تستقبلك الخشبة المتواضعة التي تقدّم عليها مسرحية «جوهر في مهبّ الريح» في سجن رومية. فأبطالها الأربعون هم من المساجين الذين أخذوا على عاتقهم إيصال معاناة زملائهم في المبنى الأزرق (المأوى الاحترازي للمساجين ذوي الأمراض النفسية). فتقمصّوا شخصياتهم المضطربة نفسيًا، ونقلوها أمام الجمهور على مدى 5 حفلات متتالية من على خشبة مسرح استحدثت خصيصًا للمناسبة داخل أحد مباني سجن رومية. ويأتي هذا العمل ضمن مشروع «قصة منسيين وراء القضبان»، المنفّذ من قبل مؤسسة «كثارسيس» للعلاج بالدراما، وبدعم من الاتحاد الأوروبي وبالتعاون مع وزارتي الداخلية والعدل. أما هدف المسرحية كما تقول مخرجتها والمعالجة بالدراما زينة دكّاش، فيكمن في الدفع إلى تعديل القوانين القديمة المتعلّقة بالسجناء، ولا سيما المحكوم عليهم بالإعدام والمؤبّد والمرضى النفسيون بينهم.
لماذا «جوهر» ومن هو؟ تردّ زينة دكاش: «هو اسم الحمار الذي اختاره المساجين الذين أتعامل معهم، كرمز للصبر والعناد والانتظار الطويل دون أن يعرف مصيره». ولذلك تجد «جوهر» في استقبالك عند يمين مدخل المسرح. فقد رسمه أحد السجناء ولوّنه ومثّله يقفز في الهواء الطلق على الرغم من أنه «حمار».
منذ اللحظة الأولى لبداية المسرحية التي تدور أحداثها في غرفة صغيرة ذات أضواء خافتة، وقد توزّع جمهور يتألّف من نحو 100 شخص في أرجائها بصعوبة، تشعر بتعاطف كبير مع نزلاء هذا السجن، الذي ما إن تدخله ويغلق الباب الحديدي الأسود الضخم وراءك، حتى تحسّ بقساوة المكان لا سيما أن أوضاعه مزرية إلى أبعد حدود. يوسف شنكل كان أول ممثل سجين يطلّ على المسرح، وقد ارتدى بذلة رمادية مع نفس ربطة العنق التي شارك فيها منذ سبع سنوات في فيلم «12 لبناني غاضب» مع المخرجة نفسها. ومن خلال مونولوج استغرق نحو 10 دقائق، طلب خلاله يوسف من الحضور التصفيق له ليشعر بالراحة، تحدّث عن ثلاثة من زملائه السابقين في السجن وبالفيلم المذكور، الذين رحلوا عن الدنيا إثر إصابة اثنين منهم بمرض السرطان في أثناء وجودهما في السجن، فيما الثالث تعرّض لحادث سير أودى بحياته بُعيد مغادرته الحبس. ومن ثمّ انتقل يوسف إلى لبّ الموضوع وإلى القانون 463 لتخفيض العقوبات، الذي مع صدوره اعتقد المساجين أنهم انفرجوا، ليكتشفوا أنه مجحف في حقّهم كونه يطالبهم بتسديد التعويضات الشخصية للمدعين عليهم التي تصل إلى مئات الملايين من الليرات. وتساءل: «يعني من أين يمكننا أن نحصل على هذا المال ونحن داخل السجن؟ وحتى لو صرنا خارجه فهو أمر مستحيل، مما يجعلنا نفقد الأمل من الخروج تمامًا». ويخرج يوسف شنكل ليحلّ مكانه 8 مساجين، يقدّمون رقصة تعبيرية على أنغام نشيد ديني يجسدون فيها معاناتهم بالفن الإيمائي ضمن مشهد افتراضي. فأحدهم كان يغسل ثيابه على يديه، وآخر يبحث عن طاقة فرج، وثالث يكلّم نفسه، ورابع ينظر إلى الفراغ، وخامس يقود سيارة خيالية، وغيرها من الحالات التي تدلّ على معاناة المساجين من المرضى النفسيين والمحكوم عليهم بالمؤبد والإعدام والمسجونين في مأوى احترازي إلى حين الشفاء، وهو أمر مستحيل في عالم الأمراض النفسية. فمن يعاني من هذا المرض يمكنه الوصول إلى حالة استقرار وليس الشفاء تمامًا منه، فكيف إذا كان مسجونًا منذ أكثر من 30 عامًا دون أن يتلقّى أي علاج؟
وبعد لوحات مسرحية تضمنت الغناء تارة والإسكتشات الكوميدية السوداء تارة أخرى، أطلّ على المسرح صاحب شخصية «الطفيلي»، وهو الاسم الذي تتمّ مناداته به في السجن. جلس «الطفيلي» على كرسي خيزران يروي للجمهور طبيعة مشكلته النفسية، فهو منذ صغره يعاني من مرض نفسي حاول الشفاء منه من خلال إدمانه على تناول المخدرات. أمه كانت الوحيدة التي تعتني به كما ذكر، حتى أنه كان يحبّ مساعدتها في لفّ ورق العنب ليقول: «منذ صغري أحبّ أعمال اللفّ». بعدها راح يرقص بحركات بدائية على موسيقى أغنية لجو كساب (جو داسان) كما أسماه، تذكّره بأيامه السعيدة في بلدته الأم قبيل دخوله السجن. انطبع أداء الطفيلي في ذاكرة مشاهده، فهو استطاع أن يجسّد شخصية السجين زميله في المبنى الأزرق ببراعة مطلقة، فكشف عن موهبته في التمثيل التي قد تصلح لأداء دور مركّب في مسرحية «هاملت» أو «سيرانو دي بيرجيراك»، فأشعرنا طيلة مدة وصلته بأنه ممثل محترف وصاحب موهبة عالية.
حاولت زينة دكاش إعطاء المساجين مساحة كبيرة لاحتضان مشكلاتهم والإفصاح عنها أمام الملأ، فمررت رسائل مباشرة إلى الجمهور عن أوضاعهم الاجتماعية والمادية والنفسية السيئة. كما عملت المخرجة من ناحية أخرى على الارتقاء بالعمل ليدخل خانة المسرح الأدبي تارة والغنائي التعبيري تارة أخرى. ولم تنس أيضًا تلوين العمل بعنصر الفكاهة من خلال شخصية «مدام لولو» التي يجسّدها أحد المساجين، للإشارة إلى إصابة البعض بحالات انفصام بالشخصية. كما كان لمرور السجين الذي أدّى دور راقصة الإغراء، وقعه على الحضور الذي تابع أداءه بانتباه، بعد أن لفت الحاضرين بحركاته الأنثوية وفستانه الأحمر الملتصق بجسمه في أثناء تقديمه أغنية رومانسية أجنبية موزّعًا قبلاته على الجمهور. المسرح التفاعلي بكل عناصره حضر في مسرحية «جوهر في مهبّ الريح»، إذ سمحت المخرجة لممثليها بمخاطبة الجمهور مباشرة، إن من خلال مواقف تساؤلية أو من خلال الوضع النفسي غير المتّزن الذي يعانون منه افتراضيًا. حتى إن أحد ممثلي السفارة السويسرية الذي كان من بين الحضور، جارى النصّ المكتوب لأحد الممثلين، الذي راح يطالبه بإلحاح في إشعال سيجارته، متوجهًا إليه بالقول: «ولّعلي». فأجابه: «للأسف أنا لا أدخّن»، وليطالبه الممثل مرة جديدة وبردة فعل عصبية بالأمر نفسه.
«جوهر في مهبّ الريح» مسرحية لبنانية أبطالها سجناء يطالبون بالحرّية
https://aawsat.com/home/article/646926/%C2%AB%D8%AC%D9%88%D9%87%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%87%D8%A8%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%AD%C2%BB-%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7-%D8%B3%D8%AC%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%88%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%91%D9%8A%D8%A9
«جوهر في مهبّ الريح» مسرحية لبنانية أبطالها سجناء يطالبون بالحرّية
ضمن مشروع «قصة منسيين وراء القضبان» لمؤسسة «كثارسيس» للعلاج بالدراما
جانب من مسرحية «جوهر في مهبّ الريح»
«جوهر في مهبّ الريح» مسرحية لبنانية أبطالها سجناء يطالبون بالحرّية
جانب من مسرحية «جوهر في مهبّ الريح»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

