اقتصاديات أميركا الجنوبية في انتظار «تأثير الدومينو» بعد إشعاله بـ«ثقاب السياسة»

تواجه عامًا صعبًا مع زيادة المخاطر

تحل البرازيل في المرتبة السابعة على مستوى العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي (رويترز)
تحل البرازيل في المرتبة السابعة على مستوى العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي (رويترز)
TT

اقتصاديات أميركا الجنوبية في انتظار «تأثير الدومينو» بعد إشعاله بـ«ثقاب السياسة»

تحل البرازيل في المرتبة السابعة على مستوى العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي (رويترز)
تحل البرازيل في المرتبة السابعة على مستوى العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي (رويترز)

وسط ظروف اقتصادية عالمية صعبة، سكب كثير من الكيروسين على اقتصاديات أغلب الدول، وأشعلت الظروف السياسية المتوترة منذ مطلع العام الحالي في أميركا الجنوبية كثيرا من «أعواد الثقاب»، لتهدد بتفجير الأوضاع في أبرز دول القارة.
ومن فنزويلا التي تعاني أزمة اقتصادية متنامية بسبب تراجع أسعار النفط، الذي يعتمد عليه اقتصادها بصورة كبيرة، وهي البلد التي تمتلك الاحتياطي الأكبر على مستوى العالم، ما دفع رئيسها إلى إعلان حالة «طوارئ اقتصادية» تسببت في غضب شعبي تجاهه ومطالبات بإقصائه، إلى البرازيل أكبر اقتصادات القارة التي عزلت رئيستها قبل أيام، بسبب اتهامات بالتدليس على الشعب في عجز الموازنة، وتشهد حاليا اضطرابا واسعا، وصولا إلى الأرجنتين التي تشهد صراعا قويا بين رئيسها الحالي ورئيستها السابقة، المتهمة بالتعامي عن تلاعبات مالية كبرى.. يشهد اقتصاد القارة الأميركية الجنوبية أكبر تهديد من نوعه، خصوصا في ظل تراجع توقعات النمو لهذا العام.
وبشكل عام، شهدت دول أميركا الجنوبية نموا كبيرا خلال أعوام التسعينات من القرن الماضي، والعقد الأول من الألفية الجديدة.. لكنها تشهد أيضا نسبا عالية من التضخم في غالبها، مع فجوات اقتصادية واسعة بين الأغنياء والفقراء، تعد هي الأكبر قاريا على مستوى العالم.
* البرازيل في «حلقات مفرغة»
تحل البرازيل في المرتبة السابعة على مستوى العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وهي الدولة صاحبة أكبر اقتصاد في أميركا الجنوبية قاطبة، وتعد القاطرة الرئيسية لهذه القارة، التي يسهم نموها في نمو يرشح إلى جيرانها، والعكس صحيح، إذ يهدد الوضع المتأزم في البرازيل اقتصاد القارة بشكل كبير، حيث يتوقع كثير من المحللين أن تصاب القارة بما يعرف بـ«تأثير الدومينو» في حالة تفاقم الأوضاع البرازيلية.
وبحسب أرقام حديثة أصدرها البنك الدولي في منتصف شهر أبريل (نيسان) الماضي، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للبرازيل نحو 2.42 تريليون دولار، لتأتي بعد الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا سابع أقوى اقتصاد على مستوى العالم. لكن، واستمرارا للتأثر العالمي بأوضاع تراجع النمو، سادت التوقعات المتشائمة بالنمو في دول أميركا اللاتينية، حيث توقع صندوق النقد الشهر الماضي ركودا عميقا في البرازيل خاصة.
وفي نهاية العام الماضي، كانت البرازيل تمني نفسها ببداية جديدة وعام سعيد مع انطلاق عام 2016، الذي ستحتضن فيه البرازيل دورة الألعاب الأولمبية بعد نحو شهر من الآن، آملة في أن تحدث تلك الدورة انتعاشة حقيقية في اقتصادها من شأنها أن تحقق فائضا ماليا.
لكن توالي الضربات على الاقتصاد البرازيلي لم يجعل الحلم موجودا في الأفق القريب، وبعد انتشار فيروس زيكا الذي أدى إلى تراجع السياحة بشكل بالغ، بل تهديد العائد المتوقع من دورة الألعاب الأولمبية، أدت فضائح مالية مركبة، تتعلق بالفساد في شركة بتروبراس الوطنية النفطية، والتلاعب بالحسابات العامة فيما يتعلق بمعدلات عجز الموازنة الحقيقية للتدليس على المواطنين، إلى تجميد رئاسة ديلما روسيف والبدء في إجراءات إقالتها.
واتهمت المعارضة روسيف، بارتكابها جريمة مسؤولية، بعدما حملت المصارف الحكومية أعباء النفقات العامة لإخفاء العجز الكبير في الميزانية في 2014. بعد إعادة انتخابها. وفي عام 2015، وافقت على مراسيم بنفقات إضافية دون الحصول على الموافقة المسبقة من البرلمان. وواجهت حكومة روسيف احتجاجات واسعة في يونيو (حزيران) عام 2013. كان رفع أسعار تذاكر النقل العام شرارتها... وبلغت ذروتها آنذاك بوصول عدد المتظاهرين إلى نحو 800 ألف شخص.
وتراجعت معدلات النمو في البرازيل كثيرا منذ انتخاب روسيف في دورتها الرئاسية الثانية، إضافة إلى تراجع قيمة العملة المحلية بنحو 60 في المائة... وذلك تزامنا مع عجز كبير في الموازنة فاق نحو 10 في المائة من قيمة الناتج المحلي ومعدل بطالة قياسي.
ومساء الجمعة، قالت الحكومة البرازيلية المؤقتة إنها تخطط لخفض جذري في الإنفاق العام، في محاولة لإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية، ولكنها سوف تتفادى أن يمس ذلك التقشف البرامج الاجتماعية للمحتاجين.
ووضع الرئيس المؤقت ميشال تامر الخطط في أول اجتماع له مع الحكومة، وذلك بعد يوم تصويت مجلس الشيوخ المثير للجدل لتعليق ممارسة الرئيسة روسيف مهامها، في انتظار محاكمتها، وتكليف تامر، نائبها سابقا، بمهامها.
ولم تسلم الحكومة المؤقتة بدورها من الانتقادات والاتهامات بالفساد، فيما يشير إلى أن البرازيل تسير في «حلقات مفرغة» من الاتهامات المتبادلة بالفساد.
وقال وزير الاقتصاد البرازيلي المعين حديثا، هنريك ميريليس، لوسائل الإعلام، إن الحكومة ستتخذ «إجراءات صارمة» لمواجهة الأزمة الاقتصادية. وقال إنها تعتزم تقليل الإنفاق، واستهداف الثغرات الضريبية، ومراجعة العقود العامة «بدقة بالغة».
وذكر ميريليس أن الحكومة تنظر في فرض ضرائب جديدة في محاولة لتحقيق التوازن بين الميزانيات والحد من النمو «غير المستدام» للديون، التي حملها مسؤولية الأزمة الاقتصادية في البلاد. ولكنه وعد بأن الحكومة الجديدة ستواصل البرامج الاجتماعية للمحتاجين ذات الشعبية التي تبنتها حكومة روسيف اليسارية. وقال ميريليس لمحطة «غلوبو» التلفزيونية إن «البرامج الاجتماعية التي لا تمثل إلا نسبة صغيرة في الموازنة، لكنها أساسية لهؤلاء الذين يحتاجون إليها، ستظل قائمة».
وتعهد الفريق الحكومي الجديد بانتهاج سياسة مختلفة تماما. وبعد أول اجتماع لمجلس الوزراء الجمعة، قال رئيس ديوان الحكومة (مثل رئيس حكومة) أليسو بادجيا: «انتهينا من الفساد ونرحب بالفعالية». ولكن، وفقا لموقع «كونغريسو إم فوكو» المتخصص، فإن عددا من أعضاء الحكومة الجديدة ليسوا بعيدين عن شبهات الفساد، إضافة إلى أن الحكومة تعطي انطباعا بالعودة إلى الوراء، لكون تشكيلها لا يشمل أي نساء أو سود أو شخصيات قريبة من الطبقات الفقيرة. وبينما تستمر المناوشات والاشتباكات السياسية، فإن الشعلة الأولمبية التي وصلت البرازيل بالفعل، وتطوف بمدنها حاليا، لا تجد العدد الكافي من التشجيع الذي كان متوقعا مع مطلع العام، إذ يبدو أن الجماهير منشغلة أكثر بتنظيم المظاهرات المساندة للخصوم السياسيين.
* الأرجنتين «منحوسة» برؤسائها
الأرجنتين ثاني أقوى اقتصادات أميركا الجنوبية، والثالث «لاتينيا» بعد البرازيل والمسكيك، وتحل في المرتبة الـ24 على مستوى العالم بناتج إجمالي يقدر بنحو 537.66 مليار دولار، بحسب أحدث أرقام البنك الدولي.
وتشير أغلب المؤشرات الحديثة إلى توقعات «إيجابية» لانتعاش الاقتصاد الأرجنتيني خلال النصف الأخير من العام الحالي، وربما بشكل أكبر خلال السنة المقبلة، خصوصا بعد حل أزمة الصناديق السيادية في البلاد.
وتعد الأرجنتين نموذجا جيدا لنهوض الاقتصاد، الذي شهد انهيارا كبيرا مع مطلع الألفية الجديدة، بعد الوصول إلى نقطة «العجز التام» عن الوفاء بالديون الخارجية، ووجود أكثر من 40 في المائة «تحت خط الفقر»، إلى الحد الذي فجر ثورة شعبية في ديسمبر (كانون الأول) عام 2001. وتسبب في الإطاحة بنحو 4 رؤساء خلال فترة قصيرة. لكن الرئيس الأسبق نستور كريشنر نجح في تحقيق أمر شبه إعجازي، حين تمكن من تحسين الأوضاع الاقتصادية لبلاده خلال 4 سنوات فقط، معتمدا على خطة للإصلاح الاقتصادي الشامل، وتحسين مستوى المعيشة، وإعادة جدولة الديون الخارجية، مع خطة تقشفية محسوبة نجحت في إنعاش الاقتصاد.
ورغم نجاح كريشنر، فإن مشكلة الأرجنتين الرئيسية يبدو أنها تنبع دائما من رؤسائها، والذين كان من بينهم أيضا، كريسيتنا فرنانديز كيرشنر، زوجة «الرئيس البطل» نستور، وخليفته في الحكم.
وقبل يومين، وجه قاضي الاتهام الرسمي إلى الرئيسة السابقة كريستينا كيرشنر، اتهاما بالإضرار بالمال العام بسبب عملية مضاربة في أسعار صرف العملات أجراها المصرف المركزي في الأشهر الأخيرة من ولايتها التي استمرت من عام 2007 إلى 2015، وذلك قبيل انتخاب الرئيس الجديد ماوريسيو ماكري.
ويشتبه في أن كيرشنر والمتهمين الآخرين «ينتمون إلى مجموعة من الموظفين الذي ارتكبوا بشكل منهجي ومتفق عليه ومنظم، عدة أعمال في انتهاك مباشر لصلاحياتهم ووظائفهم»، حسب القضاء، الذي أكد أن هذه الأعمال كان هدفها أن «ينفذ البنك المركزي عمليات في سوق الدولارات المقبلة في ظروف أدت إلى الإضرار بالمال العام».
و«الدولار المقبل» خيار يتخذ بشأن قيمة سعر الصرف في موعد مقبل، ويشكل مراهنة على ما سيكون عليه سعر الصرف بين عمليتين بعد أشهر. وباقتراحها في سبتمبر (أيلول) 2015 سعر صرف يبلغ 10.50 بيزوس لـ«دولار مقبل»، بدلا من 9.60 بيزوس (قيمة السوق)، تسبب البنك المركزي في خسارة البلاد ملايين الدولارات.
وتؤكد كيرشنر ردا على الاتهامات، أن إجراءات المصرف المركزي مطابقة لمهمته «حماية الاستقرار النقدي والمالي والوظيفة والتنمية الاقتصادية مع عدالة اجتماعية». وتنفي الرئيسة الأرجنتينية السابقة أي تورط لها بالفساد، وتعدها ضحية «اضطهاد سياسي» يقوم به خصومها المحافظون.
وإلى جانب هذه القضية، ورد اسم كيرشنر في قضية تحويل أموال إلى سويسرا عبر ملاذات ضريبية يشتبه في تورط عدد من أعمدة حكمها فيها. كما تخضع كيرشنر وابنها النائب ماسيمو لإجراءات للاشتباه بارتكابهما مخالفات في إدارة نشاطات عقارية عائلية.
أما الرئيس الحالي، موريسيو ماكري، فيواجه مظاهرات احتجاجية تقدر بالآلاف، اعتراضا على سياسة التقشف وخفض الإنفاق التي يتبناها، وذلك بعد أن فقد أكثر من مائة ألف عامل وظائفهم في القطاعين العام والخاص منذ تولي مقاليد الحكم.
ويؤكد ماكري دائما أنه يواجه الفساد، وأن الإجراءات الصعبة ضرورية للنهوض مجددا بالاقتصاد الأرجنتيني المتضرر، لكن أسماء عدد من المقربين منه وردت في «أوراق بنما»، بما يشي بأن الأمور لن تستقر قريبا.
* فنزويلا تنتظر الانفجار
وإلى الشمال، حيث تعوم فنزويلا على بحر داخلي من النفط، مدد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الجمعة، حالة «الطوارئ الاقتصادية» لثلاثة أشهر، وهي الحالة السارية منذ منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، في ظل أزمة اقتصادية طاحنة تعصف بالبلاد.
وتشهد فنزويلا مظاهرات كبرى من المعارضة، التي تطالب بإقالة مادورو، متهمة السلطات الانتخابية بأنها تفعل ما بوسعها لتأخير العملية. وذلك مقابل مظاهرات موالية، في وقت يتوقع فيه أن يعلن مادورو سلسلة من الإجراءات الاقتصادية.
وتجيز حالة «الطوارئ الاقتصادية» للحكومة أن تضع يدها على ممتلكات للقطاع الخاص لضمان توفير المواد الأساسية للمواطنين، وهو ما ترى فيه المعارضة تمهيدا للطريق أمام «عمليات تأميم جديدة».
فنزويلا التي تملك أكبر احتياطي من النفط في العالم، تعاني من أزمة اقتصادية حادة، ناجمة عن تراجع أسعار «الذهب الأسود»، المصدر الرئيسي للبلاد من العملات الصعبة. وباتت البلاد تعاني من نقص المواد الأساسية، والتضخم الذي يعد الأعلى في العالم بنسبة 180.9 في المائة سنويا في عام 2015. في حين تراجع إجمالي الناتج المحلي بنسبة 5.7 في المائة، للسنة الثانية على التوالي.
وانخفض إنتاج النفط الخام في البلاد بشكل ملحوظ منذ عام 1999. حيث تنتج فنزويلا حاليا نحو 2.6 مليون برميل يوميا، مقارنة بـ2.69 مليون برميل يوميا في عام 2014.. وهو أيضا رقم أقل كثيرا من إجمالي إنتاج بلغ 3.2 مليون برميل يوميا عام 2002. ورغم ذلك، فمازلت تحتل مكانة بين الأوائل، وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد العام الماضي، يبلغ 299.95 مليار برميل، وتقع معظم احتياطيات النفط المؤكدة في فنزويلا في حزام أورينوكو للنفط الثقيل التي تمتلك 220.5 مليار برميل من احتياطات النفط المؤكدة. وقد أدى إعادة استثمار الحكومة لعائدات النفط في البرامج الاجتماعية بدلا من الاستثمار في التنقيب والإنتاج والتكرير إلى انخفاض الإنتاج.
وقامت الحكومة الفنزويلية بتأميم صناعة النفط في 1970. وأسست شركة النفط والغاز الطبيعي الوطنية PDVSA تحت إدارتها، وهي أكبر شركة من حيث عدد الوظائف في الدولة. وقد أخذت الشركة حصة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي والإيرادات الحكومية وعائدات التصدير.
* توتر إقليمي
ولم تسلم أغلب دول الجوار في أميركا الجنوبية من التوتر. حيث تظاهر آلاف المواطنين في بيرو نهاية الأسبوع الماضي، لمطالبة اللجنة المشرفة على الانتخابات الرئاسية باستبعاد كيكو فوجيموري، وهي متصدرة السباق، بعد أن استبعدت اللجنة اثنين من منافسيها.
وقال المحتجون إن هناك مؤامرة تحاك ضد الشعب باستبعاد المرشحين من أمام فوجيموري، بهدف وصولها عمدا إلى كرسي الحكم، رغم أنها ابنة الرئيس السابق ألبرتو فوجيموري، المحبوس حاليا باتهامات شراء الأصوات وأخرى تتعلق بالفساد.
وفي تشيلي، وقعت مصادمات عنيفة مع نهاية الأسبوع الماضي في العاصمة سانتياغو، بعد مظاهرات حاشدة احتجاجا على خطط إصلاح القطاع التعليمي. بينما شهدت لاباز عاصمة بوليفيا بدورها مظاهرات أخرى على مدار نحو شهر لذوي الاحتياجات الخاصة، الذين يطالبون الحكومة بزيادة مخصصاتهم الحكومية.



من العلا... 3 دروس سعودية لتمكين الاقتصادات الناشئة

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
TT

من العلا... 3 دروس سعودية لتمكين الاقتصادات الناشئة

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

بعث مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة في نسخته الثانية العام الحالي، رسالة حاسمة إلى العالم مفادها أن «زمن التبعية قد انتهى».

وأطلق وزير المالية السعودي محمد الجدعان، من قلب الحدث الذي يشارك فيه وزراء مالية ومحافظو بنوك مركزية وقادة مؤسسات دولية، «بيان الثقة»، مختصراً رؤية المملكة لتمكين الاقتصادات الناشئة في 3 رسائل حاسمة: الأولى، أن استقرار الاقتصاد الكلي هو «الأساس المتين» لأي نهضة تنموية وليس عائقاً لها كما يُشاع؛ والثانية، أن مصداقية السياسات لا تُبنى ببراعة الخطط الورقية، بل بـ«جسارة التنفيذ» على أرض الواقع؛ والثالثة، أن الأسواق الناشئة لم تعد تابعة، بل باتت «المحرك السيادي» الذي يقود 70 في المائة من النمو العالمي.

من جهتها، رسمت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، مشهداً قلقاً حيال ارتفاع مستويات الدَّين، معتبرةً أن تمكين القطاع الخاص هو المخرج الآمن لتعزيز النمو.


التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.