معنى أن تكون رومانطيقيًا أو لا تكون

الشعوب بحاجة إلى مفكرين ممتلئين حماسة للتغيير والمغامرة في المجهول

ألفريد دي موسيه
ألفريد دي موسيه
TT

معنى أن تكون رومانطيقيًا أو لا تكون

ألفريد دي موسيه
ألفريد دي موسيه

من نافل القول إن الرومانطيقية هي إحدى أهم الحركات الفكرية والفنية والأدبية التي ظهرت في الغرب إبان القرن التاسع عشر. لنقل إنها ظهرت في أوروبا الغربية في أواخر القرن الثامن عشر، وازدهرت كليا في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وقد ظهرت أولا في بريطانيا وألمانيا قبل أن تنتقل إلى فرنسا وإيطاليا وإسبانيا لاحقا. وقد ظهر هذا التيار باعتباره رد فعل على الجفاف العقلاني الذي ساد عصر التنوير، وكذلك باعتباره رد فعل على القواعد الكلاسيكية الصارمة للفن، وهي قواعد أصبحت قسرية وإكراهية أكثر من اللزوم. وأول شيء تتميز به الرومانطيقية، هو التركيز على الأنا الشخصية أو الأنا الذاتية. ففي السابق، كان الفنان أو الأديب يختفي وراء الأنا الجماعية للأمة أو العشيرة أو القبيلة. أما الآن فقد أصبح يتحدث باسمه الشخصي، ويعبر عن عذاباته الداخلية وعواطفه المجروحة بشكل غنائي مؤثر.
وتتميز الرومانطيقية أيضًا، بالرغبة في استكشاف كل إمكانيات الفن والأدب من أجل التعبير عن نشوة الحب أو جروحات القلب. وبالتالي فالرومانطيقية تعريفا، هي رد فعل القلب على العقل، أو انتقام القلب من العقل إذا جاز التعبير. فالكاتب أو الشاعر أو الفنان أو الرسام أو الموسيقار الرومانطيقي، يعطي الأولوية لمشاعره الداخلية وحميميته الجوانية، قبل أي شيء آخر، ولا يهمه رأي المجتمع في ذلك، سواء أكان راضيا عنه أم لا. إنه ينتهك القواعد الاجتماعية الصارمة والامتثالات الاجتماعية الخانقة، لكي يعبر عن مكنون صدره ويرخي العنان لمشاعره المتدفقة. بهذا المعنى فإن الرومانطيقية هي عبارة عن حساسية سيكولوجية أولا وقبل كل شيء آخر. فالإنسان الرومانطيقي يبحث عن الهروب من الواقع والعيش في عالم الخيال والأحلام الوردية البهيجة. وأحيانا يغوص في المالينخوليا والعذابات السحيقة. ذلك أن الإنسان الرومانطيقي حساس إلى أقصى الحدود. ولذلك فإن عالم الواقع بكل قساوته وإكراهاته وقيوده يجرحه ويخنق انطلاقته وحريته.
ولهذا السبب فإن كبار شعراء وفناني الرومانطيقية عبروا عن الانطلاقة والحرية بكل قوة وفرح وهيجان. يكفي أن نفكر هنا باسم الرسام الفرنسي الكبير: دولاكروا، أو باسم الشعراء الإنجليز: كوليردج، ووردزورث، وشيلي، وبايرون، وكيتس.. إلخ. كلهم كانوا من عشاق الحرية والتمرد. كلهم عاشوا حياتهم بشكل رومانطيقي رائع وتراجيدي في آن.
وينبغي أن نذكر أيضا كبير أدباء ألمانيا: غوته، فقد وصل بالرومانطيقية إلى ذروتها العليا من خلال آلام فيرتر أو فاوست، أو من خلال أشعاره الكبرى. لكن غوته لم يكن فقط روائيا، أو شاعرا، أو أديبا، وإنما كان مفكرا وعالما أيضا. وهكذا جمع في شخصه بين أشياء عدة دفعة واحدة. وهذا نادر. ولهذا السبب يعد مفخرة ألمانيا حاليا.
وتتميز الشخصية الرومانطيقية عادة بالنوستالجيا: أي الحنين إلى شيء غامض، مبهم، مضى وانقضى ولن يعود. وأكبر مثال على ذلك المفكر السويسري أو الفرنسي الشهير: جان جاك روسو. فقد كان كاتبا نوستالجيا - أي حنينيا - بامتياز. وكثيرا ما تنضح كتاباته واعترافاته بالحنين إلى الحبيبة الماضية أو الأيام المنصرمة أو الذكريات الملوعة.
ولهذا السبب قال غوته جملته الشهيرة: فولتير أغلق العالم القديم، وروسو دشن العالم الجديد. وكان يقصد بذلك أن فولتير ختم العصر الكلاسيكي والعقلاني في الفن والأدب والفكر، وأن روسو افتتح العصر الجديد للحساسية الفكرية والأدبية: أي الرومانطيقية بالذات. نعم لقد كان روسو أول الرومانطيقيين، لأنه كان يحب الطبيعة جدا ويرمي بنفسه في أحضانها كأنها الأم الحنون. وهذه هي أيضا صفة أخرى أساسية من صفات الرومانطيقية. فلا يمكن أن تكون شخصا رومانطيقيا إن لم تعشق الطبيعة عشقا وتنصهر فيها انصهارا كاملا.
نعم إن الشخص الرومانطيقي يحب الطبيعة ويناجيها ويبثها همومه ومشاعره وعواطفه كأنها حبيبة أو عشيقة أو صديقة. وفي أدبه تكثر صور الأشجار والأنهار وخرير السواقي وصوت العندليب ونسمات الهواء العليل.. إلخ. هذا بالإضافة إلى ضوء القمر في الليالي الجميلة.
أعطني الناي وغني
فالغنا سر الخلود
وأنين الناي يبقى
بعد أن يفنى الوجود
هل اتخذت الغاب مثلي
منزلا دون القصور
فتتبعت السواقي
وتسلقت الصخور
هل تحممت بعطر
وتنشفت بنور..
جبران خليل جبران أحد أعظم الرومانطيقيين العرب. لم أقرأ قصيدته مرة إلا وأصابتني رعدة شديدة، وذهلت عن نفسي، وبخاصة عندما تسمعها من فم فيروز بعد تحوير خفيف وناجح جدا.. هل سمعت صوت الملائكة؟
وفي فرنسا يطلقون مصطلح الرومانطيقية على ذلك التيار الأدبي الذي ابتدأ نحو عام 1820 واستمر حتى عام 1850 تقريبا. وكان على رأسه الشاعر الكبير فيكتور هيغو، لكن كان من أعلامه أيضا كوكبة من كبار الكتاب والشعراء ليس أقلهم ألفريد دوموسيه، وفيني، وجيرار دونيرفال، ولامارتين، وسواهم كثيرون.
وقد دخل الرومانطيقيون في معركة حقيقية مع الكلاسيكيين عندما أصدر فيكتور هيغو مسرحيته الشهيرة باسم «هيرناني». وحولها دارت معركة كبيرة انتهت بانتصار التيار الرومانطيقي على التيار الكلاسيكي الذي هيمن على القرنين السابع عشر والثامن عشر.
وبالتالي فالرومانطيقية كانت تمثل الحداثة في وقتها، والكلاسيكية كانت تمثل التيار التقليدي الراسخ الذي يمنع الفنان من التنفس بحرية وانطلاق. ثم جاءت الحداثة الشعرية على يد رامبو، لكي تمثل انقلابا على الرومانطيقية وتجاوزا لها. وحدث الشيء ذاته في الشعر العربي أيضا.
وفي ألمانيا كان يقف على رأس المدرسة الرومانطيقية كلٌّ من الشاعرين الكبيرين غوته وشيلر، ثم سار على نهجهما بعدئذ، شعراء وفنانون كبار ليس أقلهم هولدرلين، ونوفاليس، والموسيقار الكبير فاغنر صديق نيتشه وأستاذه وعدوه في آن معا.
ويعد النقاد أن فاغنر يمثل ذروة الموسيقى الرومانطيقية. وأما على المستوى الفلسفي فيمكن اعتبار فيخته بمثابة الممثل الأعلى للفلسفة الرومانطيقية، أي فلسفة الحرية الذاتية للفرد. ومعلوم أنه هو الذي هيج الشعب الألماني وأيقظ نزعته القومية ضد الفرنسيين عن طريق خطاباته الملتهبة الموجهة إلى الأمة الألمانية. وقد أخذ القوميون العرب عنه ذلك لاحقا عندما حاولوا إيقاظ نزعة القومية العربية، بغية تمييزها عن القومية التركية أو القومية الفارسية.. إلخ.
فقد ضرب فيخته على الوتر الحساس، وعرف كيف يحرك مشاعر الأمة الألمانية، ويذكرها بأمجادها ويعطيها الثقة بنفسها، لكي تنطلق من جديد وتصنع المعجزات. وبالتالي فالشعوب بحاجة أحيانا إلى مفكرين رومانطيقيين ممتلئين حماسة، للتغيير وصنع المستقبل والمغامرة في المجهول. وهذه هي أيضا إحدى سمات العقلية الرومانطيقية. فالرومانطيقي شخص يحب الأسرار والمجاهيل والانخراط في عملية استكشافها، حتى لو أدى به ذلك إلى حتفه في نهاية المطاف.
وأخيرا فإن الرومانطيقي عكس الشخص الواقعي، إنه لا يحسب أي حساب للعراقيل والصعاب. ولهذا السبب، فإن الواقعية جاءت بعد الرومانطيقية مباشرة وليس قبلها. فبعد أن تعب الكتّاب والمفكرون من العقلية الرومانطيقية جاءت العقلية الواقعية، لكي تحل محلها وبخاصة في مجال الرواية والفكر. وهذه هي حال التاريخ: مدٌ وجزر، صعود وهبوط. وكلما تعب الإنسان من شيء انتقل إلى نقيضه والعكس بالعكس. فالواقعية أيضا تعبوا منها لاحقا، ولذلك جاءت بعدها مدرسة فنية جديدة هي مدرسة ما فوق الواقعية، أي السريالية. وعلى هذا النحو تتعاقب المدارس الفنية والأدبية بعضها وراء بعض.
أخيرا نقول: لقد أعطت الرومانطيقية للعالم بعضا من أجمل رواياته وأشعاره وسيمفونياته ولوحاته الفنية الكبرى. يكفي أن نذكر هنا اسم ألفريد دوموسيه الذي كان يتجول في الطبيعة في غابة فونتنبلو القريبة من باريس التي ألهمته إحدى أجمل قصائده: ذكرى أو ذكريات.
ويكفي أن نذكر اسم موزار وبيتهوفن والسيمفونيات الخالدة، هذا من دون أن ننسى فاغنر. يكفي أن نذكر رواية جان جاك روسو: «هيلويز الجديدة»، أو قصائد لامارتين عن فصل الخريف أو عن البحيرة التي كان يلاقي محبوبته على ضفافها. ثم ماتت المحبوبة بداء السل، وهي في عز شبابها، فراح يبكيها متفجعا على شاطئ البحيرة، متذكرا أيامه الهنيئة معها. وقد ترجمت إلى العربية أكثر من مرة. وبالتالي فلا يمكن لأحد أن يقلل من أهمية العطاء الذي قدمته الحركة الرومانطيقية للآداب العالمية.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».