معنى أن تكون رومانطيقيًا أو لا تكون

الشعوب بحاجة إلى مفكرين ممتلئين حماسة للتغيير والمغامرة في المجهول

ألفريد دي موسيه
ألفريد دي موسيه
TT

معنى أن تكون رومانطيقيًا أو لا تكون

ألفريد دي موسيه
ألفريد دي موسيه

من نافل القول إن الرومانطيقية هي إحدى أهم الحركات الفكرية والفنية والأدبية التي ظهرت في الغرب إبان القرن التاسع عشر. لنقل إنها ظهرت في أوروبا الغربية في أواخر القرن الثامن عشر، وازدهرت كليا في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وقد ظهرت أولا في بريطانيا وألمانيا قبل أن تنتقل إلى فرنسا وإيطاليا وإسبانيا لاحقا. وقد ظهر هذا التيار باعتباره رد فعل على الجفاف العقلاني الذي ساد عصر التنوير، وكذلك باعتباره رد فعل على القواعد الكلاسيكية الصارمة للفن، وهي قواعد أصبحت قسرية وإكراهية أكثر من اللزوم. وأول شيء تتميز به الرومانطيقية، هو التركيز على الأنا الشخصية أو الأنا الذاتية. ففي السابق، كان الفنان أو الأديب يختفي وراء الأنا الجماعية للأمة أو العشيرة أو القبيلة. أما الآن فقد أصبح يتحدث باسمه الشخصي، ويعبر عن عذاباته الداخلية وعواطفه المجروحة بشكل غنائي مؤثر.
وتتميز الرومانطيقية أيضًا، بالرغبة في استكشاف كل إمكانيات الفن والأدب من أجل التعبير عن نشوة الحب أو جروحات القلب. وبالتالي فالرومانطيقية تعريفا، هي رد فعل القلب على العقل، أو انتقام القلب من العقل إذا جاز التعبير. فالكاتب أو الشاعر أو الفنان أو الرسام أو الموسيقار الرومانطيقي، يعطي الأولوية لمشاعره الداخلية وحميميته الجوانية، قبل أي شيء آخر، ولا يهمه رأي المجتمع في ذلك، سواء أكان راضيا عنه أم لا. إنه ينتهك القواعد الاجتماعية الصارمة والامتثالات الاجتماعية الخانقة، لكي يعبر عن مكنون صدره ويرخي العنان لمشاعره المتدفقة. بهذا المعنى فإن الرومانطيقية هي عبارة عن حساسية سيكولوجية أولا وقبل كل شيء آخر. فالإنسان الرومانطيقي يبحث عن الهروب من الواقع والعيش في عالم الخيال والأحلام الوردية البهيجة. وأحيانا يغوص في المالينخوليا والعذابات السحيقة. ذلك أن الإنسان الرومانطيقي حساس إلى أقصى الحدود. ولذلك فإن عالم الواقع بكل قساوته وإكراهاته وقيوده يجرحه ويخنق انطلاقته وحريته.
ولهذا السبب فإن كبار شعراء وفناني الرومانطيقية عبروا عن الانطلاقة والحرية بكل قوة وفرح وهيجان. يكفي أن نفكر هنا باسم الرسام الفرنسي الكبير: دولاكروا، أو باسم الشعراء الإنجليز: كوليردج، ووردزورث، وشيلي، وبايرون، وكيتس.. إلخ. كلهم كانوا من عشاق الحرية والتمرد. كلهم عاشوا حياتهم بشكل رومانطيقي رائع وتراجيدي في آن.
وينبغي أن نذكر أيضا كبير أدباء ألمانيا: غوته، فقد وصل بالرومانطيقية إلى ذروتها العليا من خلال آلام فيرتر أو فاوست، أو من خلال أشعاره الكبرى. لكن غوته لم يكن فقط روائيا، أو شاعرا، أو أديبا، وإنما كان مفكرا وعالما أيضا. وهكذا جمع في شخصه بين أشياء عدة دفعة واحدة. وهذا نادر. ولهذا السبب يعد مفخرة ألمانيا حاليا.
وتتميز الشخصية الرومانطيقية عادة بالنوستالجيا: أي الحنين إلى شيء غامض، مبهم، مضى وانقضى ولن يعود. وأكبر مثال على ذلك المفكر السويسري أو الفرنسي الشهير: جان جاك روسو. فقد كان كاتبا نوستالجيا - أي حنينيا - بامتياز. وكثيرا ما تنضح كتاباته واعترافاته بالحنين إلى الحبيبة الماضية أو الأيام المنصرمة أو الذكريات الملوعة.
ولهذا السبب قال غوته جملته الشهيرة: فولتير أغلق العالم القديم، وروسو دشن العالم الجديد. وكان يقصد بذلك أن فولتير ختم العصر الكلاسيكي والعقلاني في الفن والأدب والفكر، وأن روسو افتتح العصر الجديد للحساسية الفكرية والأدبية: أي الرومانطيقية بالذات. نعم لقد كان روسو أول الرومانطيقيين، لأنه كان يحب الطبيعة جدا ويرمي بنفسه في أحضانها كأنها الأم الحنون. وهذه هي أيضا صفة أخرى أساسية من صفات الرومانطيقية. فلا يمكن أن تكون شخصا رومانطيقيا إن لم تعشق الطبيعة عشقا وتنصهر فيها انصهارا كاملا.
نعم إن الشخص الرومانطيقي يحب الطبيعة ويناجيها ويبثها همومه ومشاعره وعواطفه كأنها حبيبة أو عشيقة أو صديقة. وفي أدبه تكثر صور الأشجار والأنهار وخرير السواقي وصوت العندليب ونسمات الهواء العليل.. إلخ. هذا بالإضافة إلى ضوء القمر في الليالي الجميلة.
أعطني الناي وغني
فالغنا سر الخلود
وأنين الناي يبقى
بعد أن يفنى الوجود
هل اتخذت الغاب مثلي
منزلا دون القصور
فتتبعت السواقي
وتسلقت الصخور
هل تحممت بعطر
وتنشفت بنور..
جبران خليل جبران أحد أعظم الرومانطيقيين العرب. لم أقرأ قصيدته مرة إلا وأصابتني رعدة شديدة، وذهلت عن نفسي، وبخاصة عندما تسمعها من فم فيروز بعد تحوير خفيف وناجح جدا.. هل سمعت صوت الملائكة؟
وفي فرنسا يطلقون مصطلح الرومانطيقية على ذلك التيار الأدبي الذي ابتدأ نحو عام 1820 واستمر حتى عام 1850 تقريبا. وكان على رأسه الشاعر الكبير فيكتور هيغو، لكن كان من أعلامه أيضا كوكبة من كبار الكتاب والشعراء ليس أقلهم ألفريد دوموسيه، وفيني، وجيرار دونيرفال، ولامارتين، وسواهم كثيرون.
وقد دخل الرومانطيقيون في معركة حقيقية مع الكلاسيكيين عندما أصدر فيكتور هيغو مسرحيته الشهيرة باسم «هيرناني». وحولها دارت معركة كبيرة انتهت بانتصار التيار الرومانطيقي على التيار الكلاسيكي الذي هيمن على القرنين السابع عشر والثامن عشر.
وبالتالي فالرومانطيقية كانت تمثل الحداثة في وقتها، والكلاسيكية كانت تمثل التيار التقليدي الراسخ الذي يمنع الفنان من التنفس بحرية وانطلاق. ثم جاءت الحداثة الشعرية على يد رامبو، لكي تمثل انقلابا على الرومانطيقية وتجاوزا لها. وحدث الشيء ذاته في الشعر العربي أيضا.
وفي ألمانيا كان يقف على رأس المدرسة الرومانطيقية كلٌّ من الشاعرين الكبيرين غوته وشيلر، ثم سار على نهجهما بعدئذ، شعراء وفنانون كبار ليس أقلهم هولدرلين، ونوفاليس، والموسيقار الكبير فاغنر صديق نيتشه وأستاذه وعدوه في آن معا.
ويعد النقاد أن فاغنر يمثل ذروة الموسيقى الرومانطيقية. وأما على المستوى الفلسفي فيمكن اعتبار فيخته بمثابة الممثل الأعلى للفلسفة الرومانطيقية، أي فلسفة الحرية الذاتية للفرد. ومعلوم أنه هو الذي هيج الشعب الألماني وأيقظ نزعته القومية ضد الفرنسيين عن طريق خطاباته الملتهبة الموجهة إلى الأمة الألمانية. وقد أخذ القوميون العرب عنه ذلك لاحقا عندما حاولوا إيقاظ نزعة القومية العربية، بغية تمييزها عن القومية التركية أو القومية الفارسية.. إلخ.
فقد ضرب فيخته على الوتر الحساس، وعرف كيف يحرك مشاعر الأمة الألمانية، ويذكرها بأمجادها ويعطيها الثقة بنفسها، لكي تنطلق من جديد وتصنع المعجزات. وبالتالي فالشعوب بحاجة أحيانا إلى مفكرين رومانطيقيين ممتلئين حماسة، للتغيير وصنع المستقبل والمغامرة في المجهول. وهذه هي أيضا إحدى سمات العقلية الرومانطيقية. فالرومانطيقي شخص يحب الأسرار والمجاهيل والانخراط في عملية استكشافها، حتى لو أدى به ذلك إلى حتفه في نهاية المطاف.
وأخيرا فإن الرومانطيقي عكس الشخص الواقعي، إنه لا يحسب أي حساب للعراقيل والصعاب. ولهذا السبب، فإن الواقعية جاءت بعد الرومانطيقية مباشرة وليس قبلها. فبعد أن تعب الكتّاب والمفكرون من العقلية الرومانطيقية جاءت العقلية الواقعية، لكي تحل محلها وبخاصة في مجال الرواية والفكر. وهذه هي حال التاريخ: مدٌ وجزر، صعود وهبوط. وكلما تعب الإنسان من شيء انتقل إلى نقيضه والعكس بالعكس. فالواقعية أيضا تعبوا منها لاحقا، ولذلك جاءت بعدها مدرسة فنية جديدة هي مدرسة ما فوق الواقعية، أي السريالية. وعلى هذا النحو تتعاقب المدارس الفنية والأدبية بعضها وراء بعض.
أخيرا نقول: لقد أعطت الرومانطيقية للعالم بعضا من أجمل رواياته وأشعاره وسيمفونياته ولوحاته الفنية الكبرى. يكفي أن نذكر هنا اسم ألفريد دوموسيه الذي كان يتجول في الطبيعة في غابة فونتنبلو القريبة من باريس التي ألهمته إحدى أجمل قصائده: ذكرى أو ذكريات.
ويكفي أن نذكر اسم موزار وبيتهوفن والسيمفونيات الخالدة، هذا من دون أن ننسى فاغنر. يكفي أن نذكر رواية جان جاك روسو: «هيلويز الجديدة»، أو قصائد لامارتين عن فصل الخريف أو عن البحيرة التي كان يلاقي محبوبته على ضفافها. ثم ماتت المحبوبة بداء السل، وهي في عز شبابها، فراح يبكيها متفجعا على شاطئ البحيرة، متذكرا أيامه الهنيئة معها. وقد ترجمت إلى العربية أكثر من مرة. وبالتالي فلا يمكن لأحد أن يقلل من أهمية العطاء الذي قدمته الحركة الرومانطيقية للآداب العالمية.



أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

أحمد زين
أحمد زين
TT

أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

أحمد زين
أحمد زين

يضعنا التلقي النقدي لمسار الرواية العربية في تحولاتها أمام تجربة روائية متميزة أبانت عن كفاءة واقتدار على مستوى منجزها السردي الموازي بين الكتابة السردية الروائية والقصصية، وإن انتصرت في المراحل الأخيرة لجنس الرواية من منطلق انفتاحه على أكثر من جنس، إلى تعدد الشخوص واللغات والقضايا التي تنزع إنتاج معنى.

إن الروائي اليمني أحمد زين (1968)، منذ تجربته البكر «تصحيح وضع» (دار الانتشار العربي - 2004)، إلى «رماية ليلية» (دار المتوسط - 2024)، وغيرهما، رسخ تقاليد كتابة روائية تنبني على الجدة، وتنطبع بروح التجريب المناهض للمتداول والمألوف على مستوى الشكل الروائي، إذا ما ألمحت لكونه يتفرد - في تصوري - بخصوص الإنجاز الروائي بوضع مسافة زمنية تمتد من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات بين رواية وثانية، الشيء الذي يوضح أن ثمة تفكيراً روائياً قبلياً قبل الإقدام على التحقق والاكتمال. يلاحظ هذا أيضاً على سبيل التمثيل لدى الروائي اللبناني الراحل إلياس خوري، والتونسي الحبيب السالمي، واليمنيين علي المقري ووجدي الأهدل، وأيضاً لدى الروائيات هدى بركات، ونجوى بركات، وأنيسة عبود، ومنصورة عز الدين، ونادية الكوكباني.

بيد أن التفكير الروائي يؤجل التمرين على فعل القص دون أن يلغيه. فبعض الروائيين يؤسسون عالمهم الروائي انطلاقاً من وحدات حكائية صغرى هي في الجوهر قصص قصيرة تحتكم لرابط يجسد حبكة النص الروائي، نحو ما نقف عليه في «وردية الليل» لإبراهيم أصلان، كما في ثلاثية «زهرة الآس» لمحمد عز الدين التازي. على أن مما يستلزم التأكيد ما أحبذ دعوته بـ«الموازاة الأجناسية»، وفق ما عكسته تجربة الروائي الراحل محمد زفزاف، الذي حافظ على إيقاع إصدار مجموعة قصصية في سنة، ورواية في سنة ثانية، إلى حين رحيله. والحالة ذاتها جسدها محمد صوف، في حين نجد من الروائيين من لم يصدر مجموعة قصصية على امتداد تجربته السردية، نحو ما يطالعنا لدى الروائيين جبرا إبراهيم جبرا، ورشيد الضعيف، وعبد الله العروي، وشعيب حليفي.

خصائص إبداعية

يقود المعبر عنه إلى محاولة تشكيل تصور حول منجز أحمد زين الروائي. وهو في الجوهر ما يؤلف مشتركاً بين أكثر من روائي عربي، وإن كانت الخصوصية تفرض ذاتها، وهو المسعى الذي ندرسه هنا، ومنه الاستمرارية الإبداعية التي تتجسد على مستوى جنس الرواية، وتبرز في مواصلة الكتابة والإضافة، وهذا ما سبقت الإشارة إليه بالمسافة الزمنية التي يرسمها الروائي بين رواية وثانية في نوع من التفكير الذي يهجس بأفق التلقي، وما يترتب من تفسير وتأويل. أقول بمعنى آخر، إن الروائي أحمد زين وهو في وضعية الإنجاز يتمثل إبداعه وحالة قارئه. فمن خلال الآثار السابقة تتولد قناعة القيمة والرغبة في الإضافة - كما سلف - وهو ما يحقق التكامل بين أفقين: أفق الروائي المبدع، وأفق القارئ المتلقي. على أن ما تعكسه الاستمرارية الإبداعية يتمثل في المرجعية الروائية التي تتجلى في كون المكتوب صورة دقيقة عن وجود مقروء. فكفاءة الإنجاز الروائي لا يمكن أن تتخلق عبثاً، وإنما انطلاقاً من الانفتاح على تجارب روائية عربية وعالمية بالأخص، تفسح إمكان القول إن أي تميز روائي وليد قراءة. فأحمد زين في تفرده روائياً بمنزلة قارئ تأسيساً من أن لا كتابة دون قراءة، ثم القدرة على التصريف، وهي ترتبط بالسابق؛ إذ الروائي الكفء يجيد تصريف وتذويب مقروئه في تعبيره الروائي، بحيث يصعب الوصول إلى استجلاء الأثر والتأثير. يحدث هذا على مستوى النصوص المقروءة، إلى تداخل الأجناس وفق ما سنقف عليه في العملين الأخيرين: «فاكهة للغربان» و«رماية ليلية».

وبذلك، فإن الاستمرارية الإبداعية قناعة بما للكتابة الروائية من بلاغة التأثير، عكس التوقف الذي يطول بعض التجارب الروائية بمبررات لا يمكن التكهن بخلفياتها. يقول أحمد زين في حوار مع الشاعرة اللبنانية الراحلة عناية جابر: «الروائيون الذين أصدروا روايات في الستينيات والسبعينيات وربما الثمانينيات كفوا عن الكتابة، ولم يعد أحد من أولئك، أقصد الأحياء منهم، يكتب الرواية».

في دور الذاكرة

تظل الذاكرة حاضرة على امتداد الآثار الروائية لأحمد زين. ويمثل حضورها وظيفة غايتها الامتياح من الذاتي في معايشته وقائع سياسية واجتماعية وثقافية عرفها اليمن، وتبقى في أمسّ الحاجة للتوثيق والتأريخ من منظور الرؤية الروائية المغايرة، بما هي بمنزلة إبدال لما يثبته المؤرخ وعالم الاجتماع.

بيد أن ما لا يجب أن يُفهم، كون الروائي أحمد زين يسهم في تدوين سيرته الذاتية، علماً بأن لا كتابة في منجاة من البعد الذاتي، وخاصة أن ميثاق التعاقد الذي يربط الروائي بقارئه يتحدد منذ البداية في دقة التجنيس؛ أي رواية وليست سيرة ذاتية. على أن من النقاد الذين تناولوا التجربة تحديداً من يجنح إلى القول إن شذرات الذات تتوزع بين الروايات المنجزة. هذا التصور يبدو صحيحاً. وهو ما عبر عنه الروائي جبرا إبراهيم جبرا قبل كتابته «البئر الأولى» و«شارع الأميرات»، في حين اختار محمد زفزاف القول إنه يفضل إملاء سيرته الذاتية على طرفٍ ما دون كتابتها. يرد في الحوار نفسه: «أرى أن الذهاب إلى هموم خاصة أو ذاتية، في المعنى الضيق للذاتية، بعيداً عن القضايا المفصلية التي يعانيها المجتمع في لحظته الراهنة، وتمس عصب الحياة، وتربك أحوال الناس؛ سيبدو ليس صعباً فحسب، إنما أيضاً نوع من الترف، في حال حصل».

الفضاء اليمني

يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد السداسية الروائية من 2004 إلى 2024؛ بمعنى أن زمن المنجز السردي يتأطر في عشرين سنة من دون أن يتوقف أو ينتهي. والأصل أن الامتداد دعوة ليقظة الذاكرة كي تحكي سيرة الفضاء بما يتفاعل فيه من أحداث ترتبط بأمكنة وأزمنة تمتلك هدف إنتاج المعنى السياسي والاجتماعي والثقافي. ومن ثم، فالذاكرة تعد ذاكرة فضاء في دينامياته التي عاشها، وما انطبع بها من إخفاقات وحروب لم تفتأ تنتهي إلا لتوقد من جديد. من هنا، فإن زين يحكي في منجزه واقع اليمن ومأساته سواء كما عيشت في حينها، أو كما تخلقت بعيداً عنه في رحلة الاغتراب وقلق الوجود. يقول زين: «في اليمن، يتقدم العام دوماً، يسحق ما هو خاص أو في هيئته، فلا مجال لمقاربة أحوال الفرد، والتفتيش عن فردية؛ لأن عوامل كثيرة تغيبها».

وتقود الاستمرارية الإبداعية المتحدث عنها إلى التأكيد على قناعة الإضافة الفاعلة والمنتجة... وهو وعي الروائي أحمد زين بقيمة وأهمية جنس الرواية في وعلى ملامسة القضايا، والتعبير عن تنوع الأحداث في رصد ومتابعة تعمل الذاكرة على استصفائها والامتياح منها.

* كاتب من المغرب

يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد سداسية أحمد زين الروائية من 2004 إلى 2024


«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة
TT

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

تنتمي رواية «أشباح الأمومة»، للكاتبة الإسبانية كاشا أجيري، إلى نوعية النصوص غير التقليدية من حيث الموضوع، والجريئة من حيث الأفكار التي تطرحها، حيث تعيد تفكيك مفهوم الأمومة، بعيداً عن التصورات المثالية، وتكشف عن مساحة من القلق والتوتر، أحياناً الغضب والرفض، في علاقة الأم بالعالم وبطفلها الوليد.

تتداخل في العمل، الصادر أخيراً عن «دار العربي» بالقاهرة، ترجمة أحمد عويضة، تجربة الأمومة وفعل الكتابة الإبداعية عندما تكتشف البطلة، وهي روائية في شهرها التاسع من الحمل وعلى وشك الولادة، جريمة مروعة تهز الرأي العام، حيث قامت امرأة تُدعى «أليس» بإغراق طفليها التوأم الرضيعين في حوض الاستحمام.

تزداد الصدمة حين تكتشف البطلة أنها كانت تعرف هذه الأم القاتلة شخصياً في الماضي، رغم انقطاع أخبارها لفترة طويلة، وبدلاً من أن تستغل إجازة الأمومة المرتقبة للعناية بطفلها الرضيع وتتفرغ لتربيته، تقرر استغلال هذه الفترة كغطاء وفرصة للبحث والتقصي والكتابة.

تبدأ البطلة رحلة تتبع وبحث جنائي وأدبي لمعرفة الحقيقة المظلمة والدوافع النفسية والاجتماعية التي تقف وراء إقدام أم على إنهاء حياة طفليها، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع أسئلتها الداخلية حول معنى أن تكون أماً وأن تكون مبدعة في آن واحد.

الأمومة والإبداع

تمزج حبكة الرواية بين البناء الكلاسيكي لقصص التشويق والإثارة وأسلوب التحقيق الصحافي والجرائم الواقعية، مع طرح الأفكار الفلسفية والتأملات الفكرية، على خلفية كسر واحد من أكبر المحرمات أو «التابوهات» الاجتماعية والثقافية، وهو الاعتقاد السائد بأن الأمومة تحمل دائماً حباً مطلقاً وغريزة تضحية لا تشوبها شائبة.

وتوازن الكاتبة بين نوعين من «الخلق»: الولادة البيولوجية للطفل، والولادة الفنية للعمل الإبداعي، من خلال استلهام تجارب وسير ذاتية لكاتبات وشاعرات عانين من المعضلة ذاتها، واختبرن أشباح الأمومة واكتئابها وتأثيرها على مسيرتهن، مثل الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث، والروائية البريطانية دوريس ليسينغ.

عالمان متناقضان

جاءت الأجواء العامة للرواية مشحونة بالتوتر والترقب والنقد الذاتي الحاد، حيث تعيش البطلة في منطقة رمادية تفصل بين عالمين متناقضين: عالم الأمومة المليء بالمتطلبات الجسدية والنفسية وعزلة رعاية الرضيع، وعالم الكتابة الذي يتطلب الانفصال والتركيز والبحث.

تضع تلك الأجواء القارئ أمام تساؤلات تكاد تكون غير مسبوقة دون أن تقدم بالضرورة إجابات جاهزة: هل الأمومة يمكن أن تتحول أحياناً إلى سجن أو زنزانة؟ وكيف يتعامل القانون والمجتمع مع حماية الأطفال وفي الوقت نفسه مع الاضطرابات النفسية للأمهات؟ هل يمكن فصل غريزة الأمومة عن الأنوثة؟ أين يقع الحد بين الإبداع والتدمير؟ ولماذا ينظر دائماً إلى الأمومة على أنها قدر بيولوجي، لا خيار إرادي؟ وكاتشا أجيري كاتبة ومخرجة من إقليم الباسك، وواحدة من الأصوات الأدبية الأكثر إثارة للجدل والاهتمام في المشهد الثقافي الإسباني المعاصر. تميزت مسيرتها الأكاديمية والعملية بتنوع إبداعي لافت، حيث جمعت بين البحث المتخصص في السرديات السينمائية والإبداع الأدبي الجريء. بدأت حياتها المهنية كاتبة سيناريو قبل أن تتجه للرواية، مما أضاف بعداً بصرياً متميزاً لأسلوبها السردي.

اشتُهرت أجيري بروايتها هذه التي نُشرت في الأصل تحت عنوان «الأمهات لا يفعلن»، وقد أحدثت ضجة كبيرة بسب جرأتها في نقد الأمومة وربطها بين الإبداع والعنف. تُرجمت أعمالها إلى عدة لغات وحصلت على تكريمات مهمة منها «جائزة أكاديمية اللغة الباسكية»، كما تعد من أهم الأصوات النسوية في أوروبا اليوم، حيث تقدم رؤية فريدة تدمج بين الحساسية الأدبية والتفكيك النقدي للأنماط الاجتماعية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«الأدب هو الخيمياء، معرفة ما قبل معرفة علمية وبربرية وعقلانية وعاطفية وطوباوية وسياسية وباردة وحارقة ومجنونة وجميلة ورهيبة وإيقاعية ومرهقة وقبيحة ومنعشة.

الأدب لغز لا يحتاج إلى إجابات هنا والآن؛ لأنه لا يطرح عليَّ أسئلة. أكتب وكل شيء يعود إلى مكانه أخيراً، كل حرف، كل نفس، كل همسة.

تقول أمي كل صباح وإيريك مربوط إلى مقعده بالسيارة: «قل وداعاً لماما»، فيقول الصغير: «وداعاً، وداعاً» وهو يلوّح بكفه الصغيرة. بدا سعيداً مع تلك الجدة التي التقاها للتو وبدت والدتي سعيدة أيضاً. ومن المؤكد أن نيكولاس أيضاً سعيد بلوح التزلج الخاص به واستعجاله ركوب الأمواج، تعجل إلى درجة أنه لم يمنحني حتى قُبلة وداع. وفوق كل ذلك فأنا أيضاً سعيدة، سعيدة وأنا وحدي في منزل أمي.

أهرب أنا أيضاً خلف الأبواب المغلقة، كل شيء مثالي: درجة الحرارة والرائحة وصوت المحيط وهذا الإيقاع المحموم والجذاب لأزرار لوحة المفاتيح. سيعود الجميع إلى الداخل خلال ساعتين أو ثلاث. سيعود إيريك نائماً ومجهداً بعد اللعب بين الصخور البركانية وأمي مفتونة كمن ينظر لأول مرة داخل محارة طفل من ذوات الصدفتين، ثم يعود نيكولاس بأنفه متقشر الجلد ورائحته البرية بعدما صار أشقر أكثر من أي وقت مضى.

سينتهي هذا الكمال في غضون ستة أيام، سيعود العالم الحقيقي خلال ستة أيام ستقول لنا أمي: «وداعاً» وهي تشعر بارتياح حقيقي في حين تستعيد وحدتها. ستشعر بالفخر جراء الهدية التي أهدتها إلينا، وسوف تذّكر نفسها بألا تكرر التجربة لفترة طويلة.

سأعود لأراقب حسابي الجاري، وأستعد من جديد لمشقة العمل موظفة، وفوق كل هذا سيتعين عليّ قراءة كل تلك الصفحات التي تركتها خلفي. لقاء عنيف وغير سار هناك ينتظرني، الأموات والأحياء، «أليس» والتوأمان وشبح سيلفيا بلاث وشبح ابنها المنتحر».


«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات
TT

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

في لغة سلسة تجمع بين البساطة والعذوبة، ترصد رواية «سطوح طهران»، للكاتب مهبد سراجي، حقبة قلقة ومليئة بالتوتر السياسي والاجتماعي من تاريخ إيران في حقبة السبعينات، وتحديداً السنوات القليلة التي سبقت اندلاع الثورة على نظام الشاه، وإعلان ما سُمِّيت لاحقاً «الجمهورية الإسلامية».

ووصف النقاد الرواية الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بترجمة إيناس التركي، بأنها «من الروايات النادرة التي تبقى في ذاكراتك طويلاً بعد طي صفحتها الأخيرة؛ حيث تذكِّرنا بالخير والشر في الحياة، وبأن للفرح جانباً مؤلماً، وبأن الحب يأتي بأشكال متعددة».

كما اعتبرت مراجعات الصحف العالمية للعمل أننا إزاء نص مبهج، يثير التفكير عن الشجاعة والتضحية والصداقة والحب، كما يظهر دراما فقدان البراءة، ويكشف جانباً مجهولاً عن بلد بات غامضاً، ولا يفهمه إلا القليلون.

في هذه الرواية المؤثرة، يكشف المؤلف عن الجمال، والعنف أيضاً، مؤكداً في الوقت نفسه على المشاعر الإنسانية التي نتشاركها جميعاً.

تدور الأحداث في حي من أحياء الطبقة المتوسطة في طهران؛ حيث يقضي «باشا شاهد» البالغ من العمر سبعة عشر عاماً صيف 1973 على سطح منزله، مع صديقه المقرب «أحمد».

يتمازحان تارة، ويطرحان أسئلة ملحَّة عن الحياة تارة أخرى. يخفي «باشا» حباً سرياً لجارته الجميلة «زاري» المخطوبة منذ ولادتها لرجل آخر. وسرعان ما يتبدد نعيم الوقت المستباح الذي قضاه «باشا» و«زاري» معاً، عندما يساعد الأول من غير قصد شرطة الشاه السرية، فتصبح علاقته بحبيبته في مفترق طرق.

وُلد الكاتب الإيراني مَهبُد سِراجي عام 1956، وانتقل للعيش في الولايات المتحدة عام 1976 وهو في التاسعة عشرة من عمره. استكمل دراسته في جامعة أيوا؛ حيث نال درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية، ثم الماجستير في مجال الإذاعة والسينما، وصولاً إلى درجة الدكتوراه في تصميم وتكنولوجيا التعليم.

يتخذ سِراجي حالياً من منطقة خليج سان فرانسيسكو مقراً لإقامته؛ حيث يعمل مستشاراً في مجال الإدارة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سمعتُ صوت شخص ينشد، وتدفقت الأبيات المتكررة كالماء على حافة ما أمتلكه من وعي:

لو أن لدي كتاباً، لقرأته.

لو أن لدي نشيداً، لغنيته.

نظرتُ حولي حتى رأيت رجلاً عجوزاً يقف على بعد أمتار قليلة ينشد بنبرة ثابتة جوفاء. لم يبدُ المكان مألوفاً بالنسبة إليَّ، فالرداء الأزرق الذي يغطي جسدي، والكرسي المتحرك الذي أجلس عليه، وأشعة الشمس التي تتسلل بين الظلال وتدفئني، كل هذا بدا غريباً:

لو أنني أعرف رقصة، لرقصتها.

لو أنني أعرف قافية، لرددتها.

لو أن لي حياة، لخاطرتُ.

لو أن بوسعي الحرية، لغامرتُ.

في الفناء بالخارج، يجول رجال من جميع الأشكال والأعمار مرتدين أردية زرقاء. كان هناك شيء غريب في كل واحد منهم؛ حيث بدوا تائهين. فجأة امتلأ صدري بموجة من المشاعر، واندفعت إلى حلقي، هُرعت نحوي ممرضة صغيرة ذات وجه لطيف ممتلئ يشبه التفاحة، ووضعت يديها على كتفي وصرخت قائلة:

ساعدوني هنا، ساعدوني!

هرع رجل يرتدي زياً أبيض وحاول أن يثبِّتني. صاحت ذات الوجه الشبيه بالتفاحة:

ابقَ في مقعدك يا عزيزي، ابقَ في مقعدك!

وهو ما يعني على الأرجح أنني كنت أتحرك، ركزتُ على الجلوس بثبات، ونظرتُ نحو الرجل العجوز في الجانب البعيد من الغرفة. أخذ يحدق إليَّ وهو يكرر ترنيمته على نحو محموم:

لو أن لدي حصاناً، لركبته.

لو أن لدي حصاناً، لركبته.

لو أن لدي حصاناً...

اصطحبوني إلى غرفة بها فراش، وقالت لي صاحبة الوجه الشبيه بالتفاحة:

سأعطيك مهدئاً ليجعلك تشعر بالتحسن يا عزيزي.

شعرتُ بوخز في ذراعي، وفجأة أصبح رأسي وذراعي ثقيلين بشكل لا يطاق، وانغلقت عيناي».