زحلة تتصدر انتخابات البقاع: إشكالات ورشى و«حزب الله» يوزّع أصواته على المتنافسين

نسبة اقتراع مرتفعة في عرسال وخطة أمنية محكمة طالت البلدة والحدود

شرطيات لبنانيات يفحصن أوراقا ثبوتية لناخبات قبل دخولهن أحد مراكز الاقتراع في بيروت أمس (إ. ب. أ)
شرطيات لبنانيات يفحصن أوراقا ثبوتية لناخبات قبل دخولهن أحد مراكز الاقتراع في بيروت أمس (إ. ب. أ)
TT

زحلة تتصدر انتخابات البقاع: إشكالات ورشى و«حزب الله» يوزّع أصواته على المتنافسين

شرطيات لبنانيات يفحصن أوراقا ثبوتية لناخبات قبل دخولهن أحد مراكز الاقتراع في بيروت أمس (إ. ب. أ)
شرطيات لبنانيات يفحصن أوراقا ثبوتية لناخبات قبل دخولهن أحد مراكز الاقتراع في بيروت أمس (إ. ب. أ)

مرّ استحقاق الانتخابات البلدية بخير على منطقة البقاع الواقعة شرق لبنان والتي تُعتبر من أكثر المناطق تأثرا بالأزمة السورية لامتلاكها حدودا مشتركة مع سوريا يُسيطر على قسم كبير منها المسلحون، ولاستقبالها مئات آلاف اللاجئين. وبعكس ما كان متوقعا لم تشهد بلدة عرسال الحدودية أي إشكالات تُذكر مع نجاح الخطة الأمنية المحكمة التي فرضها الجيش اللبناني، لتنحصر الإشكالات المحدودة بمدينة زحلة حيث الأكثرية المسيحية نتيجة المنافسة الكبيرة بين لائحة الأحزاب ولائحتين تابعتين للعائلات. ولم تُرهب العبوة الناسفة التي تم اكتشافها قبل 24 ساعة على انطلاق العملية الانتخابية في منطقة شتورة، وكذلك قرار وزارة الداخلية بتأجيل الانتخابات في جديتا وحوش الحريمة لأسباب «أمنية وطائفية»، الناخبين الذين توجهوا بالآلاف من العاصمة بيروت إلى قُراهم البقاعية للمشاركة بالعملية الانتخابية التي اتخذت وبشكل عام طابعا سلميا ديمقراطيا يُسقط المبررات التي تقدم بها المجلس النيابي اللبناني لتأجيل الانتخابات النيابية مرتين على التوالي.
وشهدت مدينة زحلة أشرس المعارك في البقاع، إذ سُجل أكثر من أشكال بين مناصري حزب «القوات اللبنانية» ومناصري «الكتلة الشعبية»، وسط تأكيدات من أكثر من مصدر أنّه تم دفع رشى وشراء عدد كبير من الأصوات. وعلمت «الشرق الأوسط» أن هذه العمليات لم تقتصر على زحلة بل طالت بلدات في البقاع الغربي، حيث وصل سعر الصوت الواحد لحدود ألف دولار أميركي.
ودخل رئيس حزب «القوات» سمير جعجع على خط المعركة بعد انطلاق العملية الانتخابية ببطء صباحا، فشدد على أن «الانتخابات البلدية في زحلة طابعها إنمائي لكن دخل إليها بعض الفرقاء لإعطائها بعدا سياسيا». وقال: «لدي ثقة بأهالي زحلة وخياراتهم، لكن ليس مقبولا أن تكون نسبة الاقتراع أقل من 20 في المائة، لذلك أدعوهم إلى التصويت لأننا نحتاج إلى نسبة اقتراع محترمة».
وأكدت منسقية زحلة في «القوات اللبنانية» في بيان أنه «تم فضح وكرين لشراء الأصوات الأول تابع للائحة (زحلة تستحق) المحسوبة على الوزير السابق نقولا فتوش، والثاني تابع للائحة (زحلة الأمانة) التابعة للكتلة الشعبية»، لافتة إلى أنه ورغم إقدام القوى الأمنية على إقفال المركزين فإنه لم يتم توقيف أحد من المعنيين. وقال البيان إنه «وبعد إقفال هذين المركزين، وصلت عناصر، تعتمر قبعات صفراء، تابعة لما يسمى (حزب الله) وحاولت افتعال إشكال آخر لإقفال مركز اقتراع حوش الأمراء بعدما تبين أن نسب الاقتراع فيه مرتفعة وتصب في معظمها لصالح لائحة (إنماء زحلة)».
أما النائب في حزب «الكتائب» إيلي ماروني فأكّد أنّه تم «شراء الأصوات بطريقة وقحة وممارسة أعمال العنف في أكثر من قلم انتخابي»، لافتا إلى أنها مواضيع ستُبحث «في لقاء على أعلى المستويات، لأننا نريد معركة ديمقراطية ولا نريد إلغاء أحد».
وكان نائب الأمين العام لما يسمى «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم أطل في مؤتمر صحافي صباحي مع انطلاق العملية الانتخابية، ليُعلن أن الحزب سيوزّع أصواته على اللوائح الـ3 المتنافسة في زحلة وهي، لائحة «إنماء زحلة» المدعومة من الأحزاب المسيحية: «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية» و«الكتائب اللبنانية» ولائحة «زحلة الأمانة» المحسوبة على «الكتلة الشعبية» ورئيستها أرملة الوزير الراحل إلياس سكاف، ولائحة «زحلة تستحق» التي يرأسها موسى فتوش شقيق النائب نقولا فتوش، في وقت قررت حركة «أمل» إعطاء أصواتها لـ«الكتلة الشعبية». وقد أصرت لائحة الأحزاب على اتهام اللائحتين الأخريين وخاصة لائحة فتوش بدفع الرشاوى للناخبين، وهو ما لم يتم إثباته بحسب وزير الداخلية نهاد المشنوق، الذي قال بعيد اجتماع لمجلس الأمن الفرعي في سراي زحلة: «استنادا إلى الأجهزة الأمنية والمدعي العام في البقاع، لم يثبت دفع أموال وشراء أصوات، لكن إذا ثبت وجود تجاوزات سنحول الأمر إلى القضاء». ولكن مساء أعلن المشنوق في تصريح عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أن قوى الأمن الداخلي أوقفت أحد الأشخاص في مدينة زحلة بتهمة القيام بأعمال رشوة، بعد انتشار فيديو له وهو يقوم بتوزيع الأموال، لافتا إلى أن القضاء المختص فتح تحقيقا معه.
ونظرا لحساسية المعركة في زحلة، تم تسجيل أكثر من أشكال في محيط مراكز الاقتراع، وقد شهدت «الشرق الأوسط» واحدة من هذه الإشكالات حين حاول مناصر إحدى اللوائح أن يصدم بسيارته عددا من مناصري لائحة منافسة.
وفيما تخطت نسب الاقتراع في زحلة الـ42 في المائة، بلغت النسبة في بلدة عرسال الواقعة على الحدود مع سوريا ما بين 55 و60 في المائة وهي نسب مرتفعة جدا خاصة في ظل الأوضاع الاستثنائية التي ترزح تحتها البلدة التي تستضيف أكثر من 120 ألف نازح سوري منعوا من التنقل طوال ساعات يوم أمس.
وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الجيش نفذ «عملية أمنية دقيقة جدا فنشر ما يزيد عن 2150 عنصرا داخل البلدة وعلى الحدود لمنع تسلل المسلحين من المنطقة الجردية للتصدي للاستحقاق البلدي»، لافتة إلى أن 150 عنصرا من قوى الأمن الداخلي أشرفوا أيضا على حسن سير العملية داخل مركزي الاقتراع اللذين حصرت عملية الانتخاب فيهما لأسباب أمنية.
وقال علي الحجيري، رئيس بلدية عرسال الحالي والذي شكّل لائحة مكتملة خاض بها الاستحقاق بوجه لائحتين أخريين، أن «كل الأمور مرت على خير، ونسب الاقتراع تجاوزت الـ50 في المائة». وأكّد لـ«الشرق الأوسط» أنّه سيهنئ الفائز أيا كان ويتعاون معه.
أما في مدينة بعلبك، التي تُعتبر أحد معاقل ما يُسمى «حزب الله»، فقد تهافت المئات للاقتراع لإحدى اللائحتين المتنافستين، الأولى تضم الأحزاب وعلى رأسها ما يسمى «حزب الله» والثانية تدعمها العائلات وتيار المستقبل. وقال النائب في كتلة الحزب النيابية كامل الرفاعي لـ«الشرق الأوسط» إن الإقبال كان جيدا وبلغ نحو 50 في المائة، لافتا إلى أن «ما تم السعي إليه ليس الفوز باعتبار أنّه حاصل، إنما تحقيق فرق شاسع في النتائج بين اللائحتين».
أما بلدة سعد نايل حيث الأكثرية السنية، فقد شهدت إقبالا كثيفا جدا على مراكز الاقتراع وتجمهر المئات في الطرقات، فيما صدحت الأغاني الحماسية في أرجاء المنطقة.
وأشارت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» إلى أن نسب الاقتراع ارتفعت في القرى والبلدات، حيث كان هناك لوائح مكتملة وتنافس حاد وتراوحت ما بين الـ50 و60 في المائة، فيما تراجعت هذه النسب إلى 30 في المائة في المناطق حيث كانت اللوائح غير مكتملة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.