من يحكم ليبيا؟

صراع الدولة والميليشيا والقبيلة

من يحكم ليبيا؟
TT

من يحكم ليبيا؟

من يحكم ليبيا؟

«من المخجل أن ترى مجموعة من الثوار في طرابلس يرتدون الملابس بشكل، وفي مصراتة بشكل آخر.. هذه أمور صغيرة، لكن الرمزية فيها خطيرة للإنسان الذي يأتي من الخارج.. هذا مؤشر من مؤشرات قياس الاستقرار في الوطن».
هكذا يقول البروفسور محمد بالروين، من مدينة مصراتة الواقعة إلى الشرق قليلا من العاصمة الليبية طرابلس. وبالروين من الشخصيات المعتبرة في ليبيا، وهو أستاذ للعلوم السياسية والإدارة، ورئيس قسم العلوم الاجتماعية بجامعة تكساس (إي آند إم إنترناشيونال)، وعاد إلى ليبيا بعد الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي وكان أحد المنافسين على رئاسة الحكومة العام الماضي.
وتعاني العملية السياسية في ليبيا، الممتدة على ساحل البحر المتوسط بطول نحو ألفي كيلومتر، من عراقيل وشد وجذب بين قوى عدة، لكن يبدو أن التيار الجهادي المتشدد والمسلح أيضا يحظى بسطوة ونفوذ كبيرين. ومشكلة «غياب الدولة المركزية القادرة» لا تؤرق الليبيين وحدهم، بل جيرانهم أيضا خاصة في تونس والجزائر ومصر.
أصبح الحال في الدولة التي حكمها القذافي - دون نظام محدد المعالم طيلة 42 عاما - يشبه الوقوف على براميل من البارود التي تتفجر هنا وهناك بين وقت وآخر، بينما ما زالت تتناثر على جانبي الطرق الصحراوية الألوف من صناديق الأسلحة والذخيرة التي جرى نهبها، مع أسلحة ثقيلة أخرى، من مخازن جيش القذافي منذ فبراير (شباط) عام 2011؛ أي حين لحقت بما يعرف بـ«ثورات الربيع العربي» في تونس ومصر.
وحين ترى جدرانا مهدمة بقذائف المدفعية أو جثثا مثقوبة بالرصاص ملقاة في المزارع، لا بد أن تسأل: من الجهة المنوط بها حفظ الأمن في أهم الدول الأفريقية المنتجة للنفط؟ وفي الخلفية يعيش المؤتمر الوطني العام (البرلمان) على وقع المعارك الميدانية والصراعات السياسية.. كان أبرزها إقرار قانون العزل تحت تهديد السلاح لطرد قيادات ليبرالية من العملية السياسية، من بينهم أول رئيس حكومة للثوار، الدكتور محمود جبريل، وليخلو الجو للإسلاميين؛ بمن فيهم جماعة الإخوان المسلمين والمتشددون الآخرون الذين تدور الشبهات حول ارتباط بعضهم بقيادات تابعة لتنظيم «القاعدة في شمال وغرب أفريقيا»، خاصة في الجزائر ومالي.
يقول محمد بن سعيد، أحد مسؤولي الأمن في العاصمة الليبية، لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، إن حادثة خطف رئيس الحكومة الدكتور علي زيدان يوم الخميس الماضي مجرد «حادث بسيط، مقارنة بالرعب الذي يعيش فيه غالبية الليبيين على أيدي جماعات مسلحة لا تعرف لها أولا من آخر، ولا اتجاها ولا طريقة، خاصة الرعب في قطاعات من الشرائح الوسطى للموظفين التنفيذيين، وأخص منهم الموظفين في الأمن والجيش».
ويشير بن سعيد إلى أنه ليس هناك تفسير لإحجام شهود العيان، الذين كانوا يطلون من الشرفات المجاورة، عن تصوير قافلة السيارات المدججة بالأسلحة التي خطفت زيدان من فندق «كورنثيا» بالعاصمة، إلا أن كلا منهم كان يخشى أن يكون هدفا للقتل من جانب المسلحين، لأنه ببساطة «لا توجد جهة مسؤولة يعول عليها في طول البلاد وعرضها».
وتزايد نفوذ «الثوار» من خلال ما جرى تشكيله مع بدء الانتفاضة ضد القذافي، من كتائب وميليشيات، واستفحل الأمر بعد مقتل القذافي وتولي الحكام الجدد السلطة، بظهور المئات من الكتائب العسكرية الخاصة والميليشيات التي حولت «العمل الثوري» إلى وظيفة للكسب وفرض السطوة وتأمين فرق قبلية ومذهبية وسياسية على حساب فرق أخرى، وفقا لما أجاب به أحد ضباط الاستخبارات الليبية في عهد القذافي، مشيرا إلى أن الأوضاع كلها أصبحت تنذر بمزيد من التعقيدات بعد أن دخلت قوات أميركية واعتقلت عضو تنظيم القاعدة، أبو أنس الليبي، من طرابلس، وهو المتهم بالاشتراك في تفجيرات ضد مصالح للولايات المتحدة في أفريقيا في تسعينات القرن الماضي.
ومما يدلل على «هشاشة الدولة الليبية حاليا»، ترك هذا الضابط الذي انشق وعمل مع الثوار والحكام الجدد حتى مطلع العام الحالي، ليبيا.. واختار العيش في إحدى العواصم العربية، طلبا للسلامة، مشيرا إلى أن العشرات من المسؤولين، وغالبيتهم في المواقع الوسطى، استقالوا من أعمالهم طوعا وغادروا البلاد بعد أن يئسوا من بناء «دولة العدل والقانون والديمقراطية» التي كانوا يحلمون بها.
وما زالت النعرات القبلية تسيطر على كثير من القادة الجدد. وأبناء المقارحة والورفلة، على سبيل المثال، جرى إقصاؤهم عن العملية السياسية بحجة موالاتهم للنظام السابق، بينما تدفع بعض القبائل الأخرى ثمن حيادها أثناء الانتفاضة ضد القذافي. وحتى القبائل المهمشة لديها مناطق نفوذ وتدافع عن نفسها بالسلاح، ولديها، مثل الكتائب، من الكلاشنيكوف للصاروخ.
ولم تتوقف عمليات القتل والتفجير التي استهدفت شخصيات محلية وأجنبية، ومواقع أمنية ودبلوماسية. ومنذ الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي وقتل السفير الأميركي وثلاثة من مساعديه الخريف الماضي، كان البعض يعتقد أن العنف يتركز فقط في بنغازي التي انطلقت منها شرارا «الثورة» ضد القذافي، لكن دائرة العنف اتسعت وطالت طرابلس، ومدنا أخرى، وهذا مما أصبح معلوما بسبب تركيز وسائل الإعلام على هذا النوع من الحوادث. أما عن وقائع قطع الطرق والقتل والاعتقال وإطلاق النار والانتقام، التي تقوم بها ميليشيات مسلحة يوميا ضد منتسبين للقوات الأمنية والجيش، وضد مسؤولين سابقين ومواطنين عاديين، فحدث ولا حرج.
ومن بين من عملوا وخدموا الثورة ضد القذافي، ثم فروا من البلاد في الأشهر الأخيرة هربا من سطوة المسلحين وأعمال التصفية والقتل، مسؤول محلي من جنوب طرابلس، اختار الإقامة خارج البلاد، يدعى حسين، وقال إنه شارك في مداخلة على إحدى قنوات التلفزيون الليبي بشأن الحاجة إلى دمج الثوار في مؤسستي الجيش والداخلية، فتلقى في اليوم التالي رسالة تتوعده بالتصفية الجسدية. ويقول: «لو لم يقم هؤلاء، من قبل، بتنفيذ تهديداتهم ضد زملاء لي في بنغازي وطرابلس، ما خشيت منهم.. لكن الأمر جدي وخطير، ومن يفترض أنه يحميك يمكن أن يدل المسلحين على تحركاتك».
وفي ظل دولة غير قادرة على بسط نفوذها على الجميع، أصبحت المشكلة الليبية تشغل بال العديد من الخبراء والمتخصصين في العالم، خاصة العالم الغربي وأوروبا التي تطل على ليبيا من جهة الشمال. وينظر عدد من الأساتذة الغربيين لانتشار السلاح في ليبيا باعتباره المحرك الرئيس للقلاقل. ويقول وزير الثقافة الليبي السابق عطية الأوجلي لـ«الشرق الأوسط» إنه كان في زيارة لبريطانيا لحضور نشاط ثقافي، واغتنم فرصة وجوده هناك للحديث مع عدد من أساتذة الجامعات الغربيين المختصين في شؤون المنطقة للتعرف على وجهات نظرهم، وإن من استمع إليهم هناك يرون أن «العنف في ليبيا سببه انتشار السلاح وغياب أجهزة الأمن وضعف الحكومة المركزية»، وإن علاجه «في بناء قوة أمنية قادرة، وهذا لا يزال بمقدور الشعب الليبي القيام به خصوصا مع توفر القدرات المالية والعون الدولي».
وفي بلاد صحراوية مفتوحة الآفاق يبدو الخيال خصبا ونسج الحكايات سهلا، لكن على أرض الواقع تجد كل طرف يصم الآخر بالفشل. إلا أنه، إجمالا، توجد حالة عامة في الشارع تستشعر غياب القادة الذين يمكن أن ينهضوا بالمسؤولية تجاه دولة كبيرة المساحة وقليلة السكان (نحو 7 ملايين نسمة)، وغنية بالنفط، ويتطلع أبناؤها إلى مستقبل آمن.
ومن شرق البلاد التي كانت أول من انتفض ضد ديكتاتورية القذافي، يلخص الأديب والإعلامي الليبي، عوض الشاعري، المشهد السياسي، قائلا إنه أصبح عرضة لتنازع أطراف محلية عدة «يغلب عليها عدم النضوج والوعي باستحقاقات المرحلة.. فمن جهة، ثمة مؤتمر وطني عام تكون على عجل لا يدرك أعضاؤه أبجديات العمل البرلماني التشريعي، وأخفقوا في حل أي من القضايا الملحة».
ولا يتعلق الأمر بضعف البرلمان فقط، هناك الحكومة أيضا التي تبدو غير متجانسة؛ بل، كما يقول بعض الليبيين، أصبحت عرجاء، بعد إقصاء حليفها المخضرم، جبريل، عن العمل السياسي.
ويضيف الشاعري أن الحكومة الانتقالية تبدو «غير متجانسة، ويثار حولها وحول أعضائها اللغط باستمرار، وعدم قدرتهم على الخروج من عنق الزجاجة، وتشكيل جيش وطني وجهاز شرطة يستطيع ضبط الأمن وتوفير الحماية، حتى لرئيس الحكومة التي تدار من داخل فندق، وكذلك في ظل انتشار الجماعات والميليشيات المسلحة التي تشكل عبئا وسببا مباشرا في فشل الحكومة وأجهزتها في أداء دورها».
ويعدد الشاعري العراقيل التي تواجه ليبيا، ومن بين هذه العراقيل، التلويح بإعلان الفيدرالية في إقليم برقة الغني بالنفط (شرقا)، وتدخل بعض اللاعبين الدوليين في الشأن الداخلي، ونشاط تنظيم القاعدة والتكفيريين والاغتيالات، ووجود عدة مدن ومناطق ما زالت تشكل بؤرا حساسة قابلة للاشتعال، وتحالفات قبلية غير واضحة.
ومع ذلك يظل السؤال: «من يحكم ليبيا؟» دون إجابة سهلة، ويتطلب الأمر معرفة الخارطة التي تتركز فيها القوى الفعلية على الأرض وعلاقاتها المتشعبة مع الإسلاميين المتشددين ومع بعض القبائل والجهات.
ويقول الباحث المتخصص في الشؤون الليبية، كامل عبد الله، إن الحدثين الأمنيين الكبيرين اللذين وقعا في بداية ونهاية الأسبوع الماضي، يؤشران لخطورة ما آلت إليه الأوضاع الأمنية والسياسية في ليبيا بعد مرور أكثر من عامين على سقوط نظام القذافي. والحدث الأول الذي يشير إليه هو اعتقال «أبو أنس»، الذي تتهمه واشنطن بالضلوع في تفجيرات نيروبي ودار السلام عام 1998، من أمام منزله في العاصمة طرابلس. والحدث الثاني في رأيه هو «اختطاف زيدان على يد مجموعة مسلحة».
ويزيد قائلا إن الأحداث الأخيرة تظهر مدى هشاشة الوضع الأمني الذي يعاني منه الشعب الليبي، خاصة بعد أن أصبح للميليشيات المسلحة سطوة ونفوذ، يفوق ما يجب أن يكون لدى السلطات الرسمية، الممثلة في الحكومة المؤقتة والمؤتمر الوطني العام (البرلمان)، فضلا عن أنها تظهر إلى أي مدى وصلت حدة الاستقطاب الحاصل في البلاد بين مختلف الفصائل والتيارات السياسية والاجتماعية والثقافية، على المستويات كافة.
وبينما تنشط العناصر المسلحة في دولة لا يبدو فيها أثر يذكر للقانون والنظام، تعاني العملية السياسية من تعثر كبير.. ويقول عبد الله إن السبب يرجع إلى «خلافات شديدة بين الأطراف المكونة من تيارات إسلامية وجهادية ومعتدلة وليبرالية ويسارية وجهوية وقبلية تغلب عليها العصبية.. ويحظى التيار الجهادي في ليبيا بسطوة ونفوذ كبير».
ويوجد في المؤتمر الوطني ست كتل سياسية رئيسة: الأولى تمثل «تحالف القوى الوطنية» ذا النزعة الليبرالية، وتعتبر أكبر كتلة داخل البرلمان، وكان ينتمي إليها محمود جبريل، كما ساندت هذه الكتلة الدكتور زيدان في الوصول لموقع رئيس الوزراء. تليها كتلة «العدالة والبناء» الذراع السياسية لجماعة «الإخوان» الليبية.
أما ثالث كتلة سياسية لافتة للنظر داخل البرلمان، فهي كتلة «الوفاء لدماء الشهداء» ذات الاتجاه الإسلامي، ويقودها عبد الوهاب قايد، شقيق أبو يحيى الليبي، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، وتعتبر أكثر تشددا من حليفتها داخل المؤتمر، أي كتلة «العدالة والبناء»، الإخوانية. وكانت هاتان الكتلتان، بما لهما من ظهير مسلح في الشارع، لاعبا رئيسا في الضغط بالسلاح على السلطات الرسمية من أجل إقرار قانون العزل السياسي الذي ما زلت البلاد تعاني من تبعاته إلى الآن.
ويقول عبد الله: «لهاتين الكتلتين نفوذ قوي ومسيطر داخل وخارج (المؤتمر)، سيما أنهما تملكان ظهيرا من الميليشيات المسلحة التي تفوق إمكاناتها العسكرية كثيرا إمكانات السلطات الرسمية الممثلة في المؤتمر الوطني العام والحكومة المؤقتة».
أما رابعة الكتل السياسية أهمية في البرلمان، فهي كتلة «يا بلادي»، والخامسة كتلة «صوت المرأة» الخاصة بالنساء داخل «المؤتمر»، والكتلة السادسة خاصة بالسلفيين. ويعد الصراع الأبرز بين هذه الكتل، ذلك الدائر بين كتلة «تحالف القوى الوطنية» من جانب، وكتلتي «العدالة والبناء» الإخوانية و«الوفاء لدماء الشهداء» من جانب آخر. ويروي عبد الله أن الكتلتين الأخيرتين تمتلكان بشكل صريح «ميليشيات مسلحة» يقودها ثوار سابقون ذوو اتجاه إسلامي متشدد.
وتخضع العاصمة طرابلس لصراع نفوذ بين هذه الميليشيات؛ إذ يسيطر عليها أكثر من 24 تشكيلا مسلحا، وطرابلس نفسها مقسمة لمناطق نفوذ فيما بينها، وتدعي جميعها الشرعية.. «رغم أنها تتبع، في حقيقة الأمر، جهات سياسية ودينية وقبلية»، كما يقول عبد الله، مشيرا إلى أن «المناطق الحيوية في العاصمة طرابلس خاضعة تماما لسيطرة ميليشيات إسلامية، مثل المطارات والأجهزة الأمنية، ومقربة أيضا من جماعة الإخوان المسلمين وقيادات سياسية محسوبة على (الجماعة الليبية المقاتلة) سابقا».
ويحظى ما لا يقل عن 14 إسلاميا، سبق لمعظمهم القتال في أفغانستان والانضمام لـ«الجماعة الليبية المقاتلة»، بمواقع مهمة في الدولة الليبية الجديدة في مرحلة ما بعد القذافي خاصة في «الأجهزة الأمنية والمرافق الحساسة بالدولة، مستفيدة من الأوضاع الجديدة التي نشأت بعد سقوط نظام القذافي»، وفقا لعبد الله.
وتشير المعلومات إلى أن العاصمة تخضع كذلك لـ«صراع ميليشيوي قبلي - إسلامي»، الأول تقوده ميليشيات تابعة لمدينة الزنتان الجبلية الواقعة غرب العاصمة، أبرزها «ميليشيا القعقاع» التي يتهمها الإسلاميون بأنها الذراع العسكرية والأمنية التي تدعم «تحالف القوى الوطنية» الليبرالي ومؤسسه جبريل، وتتصارع مع ميليشيات تنتمي لمدينة مصراتة الواقعة إلى الشرق من طرابلس وميليشيات إسلامية أخرى للسيطرة على العاصمة. ويتبادل كلا الطرفين في العاصمة الاتهامات فيما بينهما بدعم الميليشيات الإسلامية التي لها نفوذ كبير وارتباطات غامضة في ليبيا وخارجها.
وتشير خارطة الميليشيات الإسلامية المسلحة في ليبيا إلى أنها تملك في البلاد ما لا يقل عن تسعة معسكرات تدريبية محصنة منتشرة في جميع مناطق البلاد؛ أبرزها وأهمها على الإطلاق مركز القيادة العسكرية لـ«الجماعة الليبية المقاتلة» بمدينة درنة بالجبل الأخضر، ومعسكر «أبو سليم» في العاصمة طرابلس، وآخر في مدينة الزنتان الجبلية.
ويقول عبد الله: «في بنغازي، في الشرق، يوجد معسكران أحدهما يتبع جماعة (الإخوان) وتشرف عليه قيادات محسوبة على الجماعة ويقع مقره بمنطقة بوفاخر، والآخر يتبع (السلفية الجهادية) ومقره منطقة (الليثي) التي بات يطلق عليها قندهار الصغرى (بسبب سطوة المتشددين فيها)».
أما في مدينة سرت، شرق العاصمة، التي كانت معقلا سابقا للقذافي، فيوجد فيها معسكر «الظهير»، بينما يوجد قرب الحدود التونسية معسكر في «قاعدة الوطية الجوية» التي كانت تابعة للجيش الليبي قبل أن يسيطر عليها المسلحون ويحصنوها جيدا، في حين يوجد في الجنوب، في منطقة سبها وحدها، ثلاثة معسكرات خاصة بالجهاديين.
ما الإجراءات التي تحتاجها ليبيا لكي تكون دولة قوية ومتماسكة؟ يقول البروفسور بالروين ردا على أسئلة «الشرق الأوسط» من مصراتة: «هذا سؤال فلسفي غير بسيط، وهذا من السهل الممتنع.. ليبيا تحتاج لمجموعة من المؤسسات التي تستطيع أن تقوم بواجباتها. غالبية المؤسسات التي لدينا ما زالت هشة، وما زال الاعتماد قائما على مؤسسات تقليدية مثل القبيلة والجهة أو الشخصيات».
ويضيف البروفسور بالروين: «نحتاج لوجود مؤسسات مثل مؤسسة الشرطة ومؤسسة الجيش ومؤسسة البرلمان ومؤسسة الرئاسة، لكن الليبيين في انتظار انتخابات (لجنة الستين) أو لجنة إعداد الدستور، وأعتقد أنها ستكون هي المحك، لأنها أحد الآمال التي من خلالها نستطيع أن نؤسس لمؤسسة دستورية، ومن خلالها نستطيع أن نبدأ في بناء المؤسسات التي تحتاجها الدولة القوية. أعتقد أنه من الصعب تأسيس دولة قوية في بضع سنين، ولا بد أن نضع الأسس والمنطلقات لـ(دولة قوية ديمقراطية عادلة يحترم فيها الإنسان بصفته إنسانا)». وعن الإجراءات السريعة لوقف دائرة العنف والخطف وعدم الاستقرار، يقول بالروين إن الأهم هي «عملية احتواء الثوار، وألا تستمر كل مجموعة لديها رئيس، والحكومة تتعامل معهم باستخدام أسلوب المسكنات». ويقول: «فلتوضع كل الخيارات أمام الثوار على الطاولة، وأن يكون هناك خيار واحد؛ وهو أن تكون هناك مؤسسة؛ قد تكون الجيش»، لكنه يشير إلى أن المشكلة تكمن في عدم حسم الموضوع ويقول: «الدولة، سواء كانت البرلمان أو الحكومة، تمدد في هذا الوضع أكثر من محاولة علاجه».
ويرى أن الحل الذي يمكن معه العمل على لم شمل الليبيين وحل مشكلات الثوار والجيش والشرطة، يكمن في «إيجاد آلية.. في الحقيقة أن الغائب في ليبيا هو إيجاد منهجيات. الحكومة والبرلمان في الحقيقة، ومع احترامي لهما، عجزا عن إيجاد آليات لكيفية الاحتواء».
ويتهم «الثوار» الحكومة بالتقصير وعدم القدرة على التعاطي مع العديد من الملفات بما في ذلك الملف الأمني، بعد مرور سنة على مقترحات لحل إشكالية الكتائب والميليشيات بتشكيل «حرس وطني» يستوعب الآلاف من عناصرها برواتب مجزية، إلا أن هذا لم يخرج إلى أرض الواقع، بسبب وجود قوى تستفيد على ما يبدو من وجود مجموعات المسلحين بعيدا عن الجيش والشرطة.
وتحدث البروفسور الليبي عن صعوبة مواجهة الثوار حاليا، ويقول: «مواجهة الثوار الآن من الصعوبة بمكان، لأنه لا يوجد جيش يستطيع أن يضاهي الثوار، وعملية احتوائهم يمكن أن تكون من خلال منهجيات معينة من خلالها نستطيع أن نقف على أرجلنا ونوحد كلمتنا ونوحد حتى لباسنا، فمن المخجل أن ترى مجموعة من الثوار في طرابلس يرتدون الملابس بشكل وفي مصراتة بشكل آخر.. هذه أمور صغيرة، لكن الرمزية فيها خطيرة للإنسان الذي يأتي من الخارج.. وهذا مؤشر من مؤشرات قياس الاستقرار في الوطن».
ويزيد بالروين موضحا أن الأمر «ليس مجرد أن تطالب الثوار بأن ينسحبوا، لكن لو وجدوا معسكرات قرب المدن وأعطوهم رواتب حتى لو كانت عالية لفترة محددة، لأن كثيرا من الثوار ينظرون لما يقومون به الآن بوصفه عملا أكثر منه عملية ثورية.. وحين توفر له عملا آخر أو راتبا أعلى، سيتحول. المشكلة أننا نتحدث في ليبيا عن مصطلحات مثل «الحوار»، لكننا لا نتحاور، وكأن الحوار موجه لطرف آخر، بعيدا عن الليبيين».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.