خفايا وأسرار اللوبي الإيراني في الكونغرس.. تحريك قضايا مزعومة ضد السعودية

مسؤولون أميركيون أكدوا ضلوع جماعات الضغط المرتبطة بطهران في إثارة مشروع «العدالة ضد داعمي الإرهاب» * تصعيد التوتر بين واشنطن والرياض يهدد إرث أوباما

الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)
الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)
TT

خفايا وأسرار اللوبي الإيراني في الكونغرس.. تحريك قضايا مزعومة ضد السعودية

الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)
الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)

تصاعدت مطالبات في الولايات المتحدة تساندها بعض وسائل الإعلام الموجهة من بعض جماعات الضغط الموالية لطهران والمساندة للاتفاق النووي، بضرورة الكشف عن الأوراق والملفات غير المعلنة التي تزعم وجود علاقة للسعودية بهجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001.
هذه الملفات عبارة عن 28 ورقة ضمن تقرير حبيس الأدراج في مبنى «الكابيتول»، حيث يقع مقر الكونغرس منذ نحو 14 عامًا.
وأشارت تقارير صحافية الشهر الماضي إلى احتمالية إقرار البرلمان الأميركي (الكونغرس) مشروع قانون «العدالة ضد داعمي الإرهاب»، الذي يُتيح تحميل السعودية مسؤولية هجمات سبتمبر في المحاكم الأميركية.
يقول مسؤول استخباراتي سابق في إدارة بوش الابن إنه يعتقد أن اللوبي الإيراني ومن خلفه بعض الأعضاء الديمقراطيين في الكونغرس الأميركي، الذين صوتوا في معركة الاتفاق النووي لصالح تمرير «قرار التأييد» وراء مشروع قانون «العدالة ضد داعمي الإرهاب»، وذلك كإجراء انتقامي من السعودية المناهضة للاتفاق النووي.
شهدت العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة المزيد من التوتر خلال الأسابيع الماضية، وعادت المزاعم القديمة حول الرياض والإجراءات القانونية التي كان البعض يرغب باتخاذها ضدها في الفترة اللاحقة على خلفية مأساة 11 سبتمبر إلى السطح مرة أخرى.
يميل جناح اليسار بالحزب الديمقراطي، الذي يؤيد بقوة رغبة الرئيس باراك أوباما في إقامة تحالف استراتيجي بعيدا عن التحالفات التقليدية لأميركا في الشرق الأوسط وصوب إيران، لتأييد التحرك بعيدا عن المملكة العربية السعودية. ومن جهة أخرى، يميل جناح الوسط بالحزب الديمقراطي لتجنب التورط في ذلك الجدل. وعلى الرغم من أن بعض الجمهوريين اليمنيين ألقوا بتصريحات معتدلة تدعو لإصلاح العلاقات السعودية الأميركية، ما زال هناك جانب من اليمين يرفض ذلك. وفي الوقت نفسه، التزم جانب كبير من الجماعات العرقية الشرق أوسطية التي تعيش بالخارج، الذين كان من المفترض أن يؤيدوا المملكة العربية السعودية في مناقشات الرأي العام الأميركية، الصمت المطبق.
وربما لا يكون مفاجئًا أن يصدر تصريح عن الجانب السعودي ينادي بـ«الإصلاح الاستراتيجي» للعلاقات بين كلا البلدين في أعقاب زيارة الرئيس أوباما للرياض الشهر الماضي، التي نظر إليها مجلس التعاون الخليجي بصفة عامة باعتبارها زيارة مخيبة للآمال: فقد صرح الأمير تركي الفيصل لـ«سي إن إن» في حوار أجري معه في 20 أبريل (نيسان) بأن وقت «إعادة تقييم العلاقات مع أميركا قد حان - إلى أي حد يمكن أن نذهب في اعتمادنا على أميركا. إلى أي حد يمكننا أن نعتمد على ثبات توجهات القيادة الأميركية. ما الذي يجعل مصالحنا المشتركة تلتقي.. لا أعتقد أننا يجب أن نتوقع أن يعود أي رئيس أميركي جديد إلى الأيام الخوالي عندما كانت الأمور مختلفة».
ولكي نفهم الظاهرة وتداعياتها على مستقبل السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، أجرت الشقيقة مجلة «المجلة»، في عددها الصادر هذا الشهر تحقيقًا موسعًا يتضمن مناقشات مع مسؤولين أميركيين سابقين بالاستخبارات المطلعين على تنظيم القاعدة وتحالفاته المعقدة، وحوارًا مع خبير أميركي مرموق حول مكافحة الإرهاب والرئاسة الأميركية، وحوارًا مع عالم نفس من نيويورك لديه خبرة في السرية و«ازدواجية المعايير» في النفسية السياسية الأميركية.
وكانت المحصلة هي تكوين صورة حول فترة زمنية تتضمن غموضا غير مسبوق واضطرابا في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وعدم وجود معارضة منظمة ومتجانسة للأجندة الاستراتيجية للرئيس أوباما فيما يتعلق بإيران والمملكة العربية السعودية ومناطق الحروب بالوكالة في المنطقة.
هناك مقدمة مهمة للتصعيد الجديد في التوتر بين السعودية والولايات المتحدة: ففي الأسابيع الأخيرة، ظهرت تقارير في وسائل الإعلام الأميركية تشير إلى أن إيران لم تلتزم تماما بالاتفاقية النووية الإيرانية، ومع ذلك استمرت إدارة أوباما في السعي بقوة لرفع أكبر قدر ممكن من العقوبات التي ما زالت مفروضة على إيران.
فعلى سبيل المثال، اختبرت إيران صاروخين باليستيين جديدين في مارس (آذار) تزعم الولايات المتحدة أنهما ينتهكان القيود التي فرضتها الأمم المتحدة على برنامج الصواريخ الإيراني. ومن ثم، قدم البيت الأبيض عرضا اقترح فيه فرض جولة جديدة من العقوبات على إيران، وهو الاقتراح الذي أثار أزمة قانونية مفاجئة.
وأصبح واضحا أن الصفقة النووية تجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، السيطرة على طموحات طهران فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية. ولكن في الوقت نفسه، كانت إدارة أوباما تدفع بقوة لكي ترفع العقوبات الإضافية المفروضة على إيران، فعلى سبيل المثال، اتضح في أواسط شهر أبريل أن إدارة أوباما كانت تحث حكام الخمسين ولاية على إلغاء القوانين التي تقضي بحرمان الشركات التي تشارك في أعمال مع إيران من التمويل الحكومي. ووفقا لما نشرته «الشرق الأوسط» خلال الأسابيع الماضية، يبدو أن إدارة أوباما عازمة على منح إيران القدرة على التعامل بالدولار في تعاملاتها المالية الدولية - وهي المنحة التي يمكنها إثراء خزائن الحكومة الإيرانية وهو ما يمكن أن تستغله السلطات لتحقيق أي غرض تختار السعي لتحقيقه.
ومن جهة أخرى، بدأت بعض الأصوات الإعلامية الأميركية تدق جرس الإنذار حول هذه التوجهات الجديدة. ففي مثال صارخ، كتب المعلق المحافظ، ماكس بوت، في مجلة «كومنتاري»، التي تعارض الصفقة النووية الإيرانية: «بدأ احتفاء الرئيس بإيران يأتي بنتائج عكسية، حيث يكثف الملالي الذين لم يتخلوا عن أساليبهم الداعمة للإرهاب، جهودهم تأييدا للميليشيات الدموية في سوريا والعراق وما بعدهما - ومن ثم يدفعون بالمزيد من السنة إلى براثن الجماعات المتطرفة مثل جبهة النصرة و(داعش)».
وفي الوقت نفسه، يبدو أن الرئيس كان يثير غضب حلفائه السابقين في دول الخليج ويخسر تأييد رؤيته «للتوازن الاستراتيجي» مع إيران على صعيد الرأي العام الأميركي.
أضف إلى ذلك تطورًا آخر في أواسط أبريل أغضب مؤيدي اتجاه الإدارة صوب إيران بالإضافة إلى الحكومة الإيرانية نفسها:
ففي 20 أبريل في قرار جاء بتصويت 6 في مقابل 2، أصدرت المحكمة الأميركية العليا حكما بفرض ملياري دولار نيابة عن ضحايا الإرهاب الذي ترعاه إيران بما في ذلك تفجير ثكنات فيلق البحرية في 1983 في لبنان، الذي أسفر عن مقتل 241 من العاملين به. ووفقا للحكم، يمكن للمدعين في القضية أن يحصلوا على الأموال من البنك المركزي الإيراني الذي جمدت أصوله الولايات المتحدة. وفي أعقاب ذلك، هدد الرئيس حسن روحاني مباشرة بالطعن على قرار صرف ملياري دولار برفع دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وبمعنى آخر، لم تكن مناقشات السياسة الخارجية بصفة عامة في صالح تطلع الرئيس في المضي قدما في الهدف المميز لسياسته الخارجية ألا وهو إعادة التوازن بالاتجاه لإيران.
وفي أبريل أيضا، تغيرت ديناميات المناقشات الأميركية العامة على نحو درامي، بعيدا عن التركيز على إيران والصفقة النووية وباتجاه النقاط التاريخية للجدال بين الولايات المتحدة والسعودية.
وجاء أول عامل في ذلك التغير قبل عدة أيام من رحلة أوباما المقررة للمملكة العربية السعودية «لتهدئة الأجواء» مع زعماء مجلس التعاون الخليجي، عندما تم بث مقطع فيديو تصدر عناوين الأخبار في برنامج «60 دقيقة». صور البرنامج حوارا مطولا مع السيناتور الديمقراطي السابق بوب غراهام الذي كان يلعب دورا رئيسيا في التحقيقات الأميركية الحكومية الأولى في هجمات الحادي عشر من سبتمبر بعد وقوع الهجمات. (جدير بالذكر أن غراهام كان يعرب باستمرار عن تأييده للصفقة النووية الإيرانية). في الحوار، لفت غراهام انتباه الناس إلى وثيقة الـ«28 ورقة» الشهيرة الآن - ما زالت جزءا سريا من تقرير قدمته لجنة بالكونغرس كانت تحقق في إخفاق الاستخبارات فيما يتعلق بهجمات الحادي عشر من سبتمبر.
ولمّح غراهام مرارا أثناء الحوار، على غرار الكثير من المسؤولين والشخصيات الإعلامية، إلى أن هذه الصفحات تتضمن معلومات تزعم وجود صلة بين السعودية وأخطر العمليات الإرهابية التي حدثت على الأراضي الأميركية على الإطلاق. وفي إطار عرضه لأفكاره المعروفة، كان غراهام يلجأ إلى لب المناقشات الأميركية العامة، الذي يتعلق بموضوع مطروق منذ 12 عاما، على الرغم من أنه لم يحدث أي تطور في ما يتعلق بوثيقة الـ«28 صفحة» يبرر تصدير ذلك باعتباره «خبرا جديدا».
جدير بالذكر في هذا السياق، أن الحكومة السعودية كانت تدعو منذ عام 2003 للإفراج عن الـ28 صفحة حتى تتم مناقشتها صراحة وعلانية.
وأشار مسؤول أمني أميركي أنه قبل نحو 13 عاما أكد وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل أن بلاده ليس لديها شيء تخفيه أو تسعى لحجبه، بل «تؤمن المملكة أن نشر الصفحات الثماني والعشرين المحجوبة - لأسباب غير واضحة حتى الآن - سيمكنها من الرد على أي مزاعم بصورة واضحة وموثوقة، وإزالة أي شكوك حول دور السعودية المعلن والحقيقي في حربها ضد الإرهاب والتزامها بذلك أمام العالم».
على أي حال، ففي ظل ثقافة سياسية تتشكك بصفة عامة في «نظريات المؤامرة»، وصف كثير من نقاد إدارة أوباما ما يعتقدون أنه كان جهودا مستترة للتلاعب بالرأي العام الأميركي من خلال تشتيت الانتباه بعيدا عن إيران وصوب المملكة العربية السعودية.
وقد استشهد الصحافي المحافظ، لي سميث، الذي يكتب في مجلة «ويكلي ستاندرد» بمصدر سابق بمجلس الأمن الوطني مطلع على وثائق الـ«28 صفحة» وهو يقول: «لا يوجد شيء مهم بهذه الصفحات». ومن ثم استنتج سميث أن هذا الجدل كان متعمدا «بنية توريط السعوديين». وتأييدا لذلك الموقف، قال إدوارد تورزانسكي، ضابط الاستخبارات في الحكومة الأميركية خلال فترة حكم ريغان «لجأت الإدارة إلى نمط سلوكي استخدمت عبره أي أداة أمكنها استخدامها لكي تعزز العلاقات مع إيران.. (و) بصفة عامة يتضح أن الإدارة تحجب أجزاء محددة من المعلومات في أوقات محددة، لكي يكون لديها رصيد سياسي يمكنها من تحقيق الغرض الذي ترغب فيه وتنشر أجزاء أخرى من المعلومات في أوقات أخرى للدفاع عن نفس الهدف. وقد تميل بعض وسائل الإعلام لعدم انتقاد الرئيس وحمايته عندما تتعرض مبادرته السياسية لخطر محدق».
وقد أثار إحياء النقاش حول الـ«28 ورقة» نقاشًا إعلاميًا محملا بالعواطف، حتى أصدرت بعض الشخصيات العامة انتقادات حادة ضد السعودية بصحيفة «نيويورك تايمز» 21 أبريل الماضي.
وفي الوقت نفسه، جاءت تغطية صحيفة «وول ستريت جورنال» الأقرب لليمين على الدرجة نفسها من الحدة. ويبدو أن تلك التعليقات التي تم نشرها في صحيفة معروفة بانتقادها لسياسات إدارة أوباما كانت تستهدف التركيز على المناحي التي تثير غضب خصوم أوباما في واشنطن. بمعنى آخر، كان المقال يحاول إثارة غضب الجمهوريين لكي يتخلوا عن الرغبة في إصلاح التحالفات العربية التقليدية لأميركا.
بالتزامن مع إصدار تقرير «60 دقيقة»، كانت هناك محاولات في الكونغرس للتصويت على مشروع قانون يطلق عليه «قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب»، كان قد تقدم به أحد الجمهوريين وسيناتور ديمقراطي في سبتمبر الماضي وهو ما يمكن أن يدفع أسر ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر أن يقاضوا السعودية عن الأضرار التي لحقت بهم في المحاكم الأميركية - رغم عدم وجود دليل يدين المملكة في الأحداث.
وفي تلك البيئة المشحونة، أصدر مسؤولون بالبيت الأبيض تصريحات تجعل الإدارة الأميركية تبدو كـ«صوت الاعتدال» إن لم تكن أكثر المدافعين عن المملكة العربية السعودية. وأعلن البيت الأبيض معارضته لمشروع القانون - لأسباب إجرائية، وفقا للمتحدث باسم البيت الأبيض جوشوا إرنست: «إن تخوفنا الرئيسي هو أن هذا القانون يمكن أن يضع الولايات المتحدة ودافعي الضرائب وجنودنا ودبلوماسيينا في خطر بالغ إذا ما تبنت الدول الأخرى قوانين مشابهة». كما أجرت الإدارة أيضًا سلسلة من المكالمات الهاتفية مع عدد من الشخصيات الرئيسية بالكونغرس لحثهم على التصويت ضد التشريع. وفي تصريحات رسمية حول لقاء الرئيس بزعماء مجلس التعاون الخليجي في الرياض، تمت الإشارة أكثر من مرة إلى أنه لم يتم التطرق إلى التشريع أو إلى وثيقة الـ28 صفحة.
وفي ظل وصول التوتر السعودي الأميركي للذروة، أصدر اثنان من القادة السابقين بلجنة الحادي عشر من سبتمبر اللذان يشاطران الرأي العام الاحترام والجدية في الأمور المتعلقة بالمأساة تصريحات مهمة، الحاكم السابق توم كيان والنائب السابق لي هاميلتون. يسعى التصريح لتصحيح عدد من المفاهيم الخاطئة التي تمت إثارتها في الأسابيع الأخيرة كنتيجة للمناقشات الإعلامية المحمومة حول الـ«28 ورقة».
وقد بذل كل من هاميلتون وكيان جهودا مضنية في تصريحاتهما لكي يؤكدا أن التقرير الضخم الذي أصدرته لجنة الحادي عشر من سبتمبر ذا أهمية كبرى للمملكة العربية السعودية، نظرا لحقيقة أن معظم المختطفين في تلك الهجمات كانوا مواطنين سعوديين. ولكنهما أقرا أيضًا بأن المملكة نفسها أصبحت الهدف الرئيسي للجماعات المتطرفة، وأن «السعودية حليف للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، كما قتل الكثير من الجنود السعوديين في المعركة ضد عناصر (القاعدة)».
خلال فترة الخطاب التصعيدي الذي امتد لعدة أسابيع، كان من المدهش أن نلاحظ أن بعض أكبر المنظمات الإسلامية الأميركية في واشنطن التزمت الصمت فيما يتعلق بقضية الـ«28 ورقة» و«قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب». كما لم يعربوا عن اعتراضهم على ميل إدارة أوباما بعيدا عن المملكة العربية السعودية وباتجاه إيران. وعلى النقيض، انضمت بعض المنظمات الإسلامية الأميركية للفريق المؤيد لسياسات الإدارة الأميركية فيما يتعلق بإيران، وأعربوا عن حماسهم للمساعدة في تلك العملية.
ومن أبرز الأمثلة في ذلك السياق كان «مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية - كير» الذي تأسس في التسعينات على يد أعضاء من «رابطة فلسطين الإسلامية» المؤيدة لحماس في شمال أميركا. وسرعان ما خلقت المنظمة لنفسها مساحة بين الجماعات المسلمة الرئيسية في أميركا حيث كانت تمزج بين النشاطات في الحقوق المدنية والتصريحات السياسية من حين لآخر. ووسط الجدال العام حول الاتفاقية الإيرانية النووية في عام 2015، دعت «كير» الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي للحديث في أميركا، ولم تكن المرة الأولى: «أخذا في الاعتبار التوتر الذي يتنامى بين إيران والولايات المتحدة، من الضروري الحفاظ على خطوط الاتصال مفتوحة بين البلدين، وهذه إحدى طرق الاستمرار في فتحها».
ولكن الجماعة لم تبذل أي جهود لتخفيف التوتر بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية - وعلى الرغم من أن المزاعم ضد الحكومة السعودية عادت للظهور مرة أخرى خلال ربيع 2016، التزم كل من موقع المنظمة وقياداتها الصمت التام حيال القضية.
جدير بالذكر في هذا السياق أنه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، تم تصنيف «كير» باعتبارها «تنظيما إرهابيا» من قبل حكومة الإمارات، ربما نظرا لوجود الكثير من التقاطعات مع الجماعات المسلحة التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين.
ولكن الجماعات الإسلامية ليست هي التنظيمات الوحيدة التي اتخذت موقفا سلبيا تجاه حشد الدعم للتحالف السعودي الأميركي. فعلى الرغم من وجود عناصر سياسية لبنانية أميركية تؤيد موقف السعودية في بلادهم وكذلك جماعات يمنية أميركية وسورية أميركية تتطلع إلى المملكة العربية السعودية لمساعدة إخوتهم في مواطنهم، لم تحاول أي من هذه الجماعات، على مستوى تنظيمي، أن تؤثر في الرأي العام الأميركي لصالح المملكة العربية السعودية في واشنطن. أما بالنسبة للجماعات اليهودية والجماعات الموالية لإسرائيل، فقد أعربت المنظمة اليهودية اليسارية «جي ستريت» عن دعمها للاتفاقية النووية الإيرانية. ولكن المنظمة الأكبر والأكثر موالاة لإسرائيل «إيباك» فقد عارضت بقوة الاتفاقية النووية الإيرانية، وكانت من أكثر المدافعين عن الأردن ومصر والعلاقات الوثيقة مع حلفاء إسرائيل العرب. ولكن فيما يتعلق بالأمور المزعجة بالنسبة للمملكة العربية السعودية - مثل وضع وثيقة الـ«28 ورقة» وقانون العدالة ضد داعمي الإرهاب، لم تتخذ «إيباك» حتى يومنا الحالي أي موقف علني.
وكانت جماعات الضغط الوحيدة للجاليات الأجنبية بالولايات المتحدة التي اتخذت موقفا واضحا من الجدل هي إحدى أكثر الجماعات معارضة للمملكة العربية السعودية: جماعات الضغط الإيرانية. تضمنت المجموعة «المجلس الوطني للعلاقات الإيرانية الأميركية» و«المجلس الإيراني الأميركي»، اللذين كانا ينشران أكثر التصريحات المنذرة بشأن الـ«28 صفحة» كما أن المعلقين السياسيين المطالبين بإصدار «قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب».. كانوا يؤيدون جميعا الخطاب الموالي لطهران وينظرون إلى الحرس الثوري الإيراني باعتباره أفضل من الجهاز الأمني السعودي كحليف في الصراع ضد الإرهاب.
رغم وجود أصوات مناهضة للمملكة السعودية والأصوات التي تطالب بتمرير قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب، أعلنت بعض الأصوات عن تأييدها الواضح للتحالف السعودي الأميركي.
فقد كتب ماكس بوت، أحد المعلقين المحافظين المرموقين في مجلة «كومنتاري» أن واشنطن لا يجب أن تسمح للتحالف الأميركي السعودي بأن ينهار. قال بوت: «تعد المملكة العربية السعودية قوة رئيسية وضرورية لدعم النظام الذي تقوده أميركا في الشرق الأوسط. ولكن إيران، على النقيض من ذلك، يحكمها نظام ثوري عازم على مد حكمها في المنطقة وتدمير إسرائيل والحصول على الأسلحة النووية».
ومن جانبه، أكد جون بولتون، السفير السابق لدى الأمم المتحدة وأحد المدافعين عن إدارة جورج بوش، اعتقاده أن السعودية لا تتحمل هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ففي حوار مع شبكة «فوكس» الإخبارية في 18 أبريل، قال: «دعونا نكن واضحين، لقد نظرت إدارتان مختلفتان للغاية، وهما إدارة جورج بوش وإدارة باراك أوباما، في مئات الآلاف من الصفحات التي تتضمن أدلة تتعلق بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وتوصلت إلى أن المملكة العربية السعودية والمسؤولين بها لم يكونوا متورطين».
وفي الوقت نفسه، يمكن لتأثير تلك المناقشات الحادة - خصوصًا فيما يتعلق بوثيقة الـ«28 ورقة» السرية - أن تزيد حالة البارانويا، والخوف، في السياسات الأميركية.
ومن ثم يقول إيرا موسى، الطبيب النفسي ومدير التدريب بمعهد ويليام ألانسون وايت، بنيويورك: «تظهر الصعوبات عندما تكون الوثائق والتقارير سرية جزئيًا، وبالتالي، لا تستطيع عقولنا احتمال وجود فراغات، خصوصًا إذا ما كان الأمر يتعلق بأكثر الأحداث كارثية في التاريخ الأميركي. ودون المعلومات المفقودة في الصفحات الثماني والعشرين المحجوبة، سوف يطلق الأفراد وكذلك الجماعات ببساطة ودون وعي العنان لخيالهم وللافتراضات لكي يملأوا الفراغات.
كما يصبح الأفراد أكثر عرضة لتصديق الإشاعات التي تأتي من المصادر التي يميلون للارتباط بهم. وعلى الرغم من أنه في وقت ما سيصبح من الضروري الإفراج عن وثيقة الـ(28 صفحة)، يمكننا أن نتساءل: لماذا زادت حاليا التقارير والتكهنات حول محتواها. وسوف تزيد الفانتازيا حول تلك المادة السرية يغذيها مخاوفنا وتوتراتنا، على غرار خوفنا من السير في الظلام أو خوف الأطفال من الأشباح المختبئين تحت الأسرّة».
* ينشر بالتزامن مع الشقيقة {المجلة}



عقوبات أميركية على أكبر شركتين إيرانيتين لإنتاج السيارات وسبع في مجال السكك الحديد

شعار وزارة الخزانة الأميركية (أ.ب)
شعار وزارة الخزانة الأميركية (أ.ب)
TT

عقوبات أميركية على أكبر شركتين إيرانيتين لإنتاج السيارات وسبع في مجال السكك الحديد

شعار وزارة الخزانة الأميركية (أ.ب)
شعار وزارة الخزانة الأميركية (أ.ب)

أعلنت الولايات المتحدة، الخميس، عقوبات جديدة تستهدف كبرى شركات صناعة السيارات في إيران، إضافة إلى شركات بارزة في مجالات السكك الحديد والتصنيع والمعادن، ضمن سعيها إلى تكثيف الضغط على طهران في حربها معها.

وجاء في بيان لوزارة الخزانة الأميركية: «نظراً إلى أن قطاعَي السكك الحديد وصناعة السيارات يمثلان بعضاً من أكبر مصادر الإيرادات المتبقية للنظام ومن قدراته اللوجستية، يصيب إجراء اليوم مباشرة الشرايين الحيوية التي تعتمد عليها إيران للحفاظ على اقتصادها والتحايل على العقوبات».

وتستهدف العقوبات الجديدة أكبر شركتين لتصنيع السيارات في إيران، وهما «إيران خودرو» (IKCO) و«سايبا» (SAIPA)، اللتين توفران منتجاتهما للسوق المحلية وتصدّران أيضاً إلى شركاء تجاريين الإقليميين.

وشملت العقوبات الجديدة ما مجمله سبع شركات لتصنيع السيارات، وتندرج في إطار مساعيها لحرمان الحكومة الإيرانية من مصادر الإيرادات.وطاولت العقوبات أيضاً «نيروموتور» التي تُعَدّ أكبر شركة لتصنيع الدراجات النارية في إيران.

كذلك استهدف القرار الصادر الخميس جهات في دول أخرى شريكة لقطاع السيارات الإيراني، من بينها شركة «غولدن موتورسايكل» الإندونيسية، وشركات لقطع غيار السيارات.

وأصابت العقوبات الجديدة أيضاً شركات رئيسية في قطاع السكك الحديد الإيراني، منها «شركة السكك الحديدية للجمهورية الإسلامية الإيرانية» المملوكة للدولة، وشركة قطارات الركاب «راجا»، وشركة الشحن الخاصة «راهآهن حمل ونقل».

وبين الجهات المعنية أيضاً بالعقوبات المعلنة الخميس شركات كبرى في مجال تصنيع الصلب وغيرها من الصناعات في إيران، من بينها شركة إنتاج المعدات الثقيلة «هيبكو» (HEPCO)، التي وصفتها وزارة الخزانة الأميركية بأنها «من أكبر الشركات المصنعة لمعدات التعدين وطرق البناء في الشرق الأوسط».

وفرضت واشنطن عقوبات أيضاً على الفرع التابع لـ«هيبكو» في شنغهاي.

وضمّت قائمة العقوبات المستحدثة أيضاً شركات في الإمارات وألمانيا متهمة بمساعدة شركات الصلب الإيرانية.

واستهدفت الإجراءات الجديدة أخيراً ما وصف بأنه شبكة معقدة لتصدير الصلب والنفط يديرها مواطنان يحملان جنسيتَي إيران والدومينيكان، مقيمان في هونغ كونغ.


حاملة أميركية ثالثة ونحو 10 آلاف جندي إلى المنطقة

صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)
صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)
TT

حاملة أميركية ثالثة ونحو 10 آلاف جندي إلى المنطقة

صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)
صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)

يرسل البنتاغون حاملة طائرات ثالثة وسفناً تقل مشاة البحرية إلى الشرق الأوسط، ما يضيف ما بين 9 و10 آلاف عسكري، فيما يدرس الرئيس دونالد ترمب استئناف ضرب إيران بعد الانتخابات النصفية، وفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال».

ونقلت الصحيفة، الخميس، عن مسؤولين أميركيين أن السفن والمقاتلات وعناصر مشاة البحرية والبحارة سيصلون إلى المنطقة بحلول نهاية نوفمبر (تشرين الثاني). وكانت الصحيفة قد أفادت بأن ترمب أبلغ معاونيه أخيراً بأنه يتوقع استئناف قصف إيران في الشهر نفسه.

وغادرت حاملة الطائرات «يو إس إس ثيودور روزفلت» ميناءها في سان دييغو، الأحد، في انتشار كان مقرراً، فيما أبحرت، الاثنين، مجموعة «يو إس إس ماكين آيلاند» البرمائية الجاهزة، التي تضم ثلاث سفن برمائية تحمل عناصر من الوحدة الاستكشافية الـ13 لمشاة البحرية.

وتوجد في الشرق الأوسط حالياً حاملتا الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» و«يو إس إس جورج واشنطن». وإذا بقيت الأخيرة بعد وصول «روزفلت»، فسيرتفع عدد المجموعات الضاربة بقيادة حاملات الطائرات في المنطقة إلى ثلاث للمرة الأولى منذ أبريل (نيسان)، قبل التوصل إلى وقف هش لإطلاق النار أنهى مؤقتاً القتال الذي اندلع في 28 فبراير (شباط).

وانهار وقف إطلاق النار لاحقاً، وتبادل الجانبان الهجمات على فترات منذ ذلك الحين.

صورة نشرتها «سنتكوم» من حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» مع عبورها من بحر العرب

وأشارت الصحيفة إلى احتمال أن تغادر «جورج واشنطن» المنطقة عائدة إلى مينائها في اليابان، ما يعيد عدد الحاملات إلى اثنتين. ولم يرد البيت الأبيض ووزارة الدفاع على طلبات الصحيفة للتعليق.

وتوجد في المنطقة أيضاً سفن من مجموعة «يو إس إس بوكسر» البرمائية الجاهزة. وقال أحد المسؤولين إن العسكريين على متن السفن التي أبحرت هذا الأسبوع سينضمون إلى أكثر من 50 ألف عسكري أميركي موجودين في المنطقة.

وتأتي التعزيزات بعد أيام من رفض ترمب أحدث مقترح إيراني، وبعد قوله لمجلة «تايم»، في مقابلة نُشرت الخميس، إنه قد يستأنف ضرب إيران بعد انتخابات التجديد النصفي إذا لم يكن هناك اتفاق. وقالت «وول ستريت جورنال» إن بقاء حاملة ثالثة في المنطقة سيمنح ترمب مزيداً من الخيارات والقوة النارية إذا قرر شن هجوم.

وكان المقترح الذي رفضه ترمب سيؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة نحو خُمس نفط العالم، واستئناف المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني، مقابل رفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية.

ومدّد وزير الدفاع بيت هيغسيث، في الأسابيع الأخيرة، انتشار وحدات أخرى أساسية للعمليات القتالية الكبرى، بينها وحدات دفاع جوي تتصدى للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، والفرقة 82 المحمولة جواً التابعة للجيش الأميركي.

وأوضحت الصحيفة أن الفرقة 82 قادرة على تنفيذ مهام متعددة، تشمل التصدي للتهديدات والإنزال المظلي في أراضٍ معادية لتأمين المطارات والمواقع البرية.

وبحسب مسؤولين في البحرية الأميركية، تحتفظ الولايات المتحدة منذ أشهر بنحو 20 سفينة حربية في المنطقة لفرض الحصار والمساعدة في مرافقة السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز.


واشنطن وطهران... تعثر الوساطة يعيد التهديد بالقصف إلى الواجهة

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» تبحر في بحر العرب (سنتكوم)
حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» تبحر في بحر العرب (سنتكوم)
TT

واشنطن وطهران... تعثر الوساطة يعيد التهديد بالقصف إلى الواجهة

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» تبحر في بحر العرب (سنتكوم)
حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» تبحر في بحر العرب (سنتكوم)

بين التفاؤل بإمكانية تحقيق اختراق، والتهديد باستئناف القصف، تتأرجح محاولات إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فيما يكشف تعثر الوساطة عن خلاف يتجاوز حجم التنازلات إلى ترتيب تنفيذها وضماناتها.

ومع دخول الحرب شهرها الثامن، واقتراب الانتخابات النصفية الأميركية، يتمسك الطرفان بأوراق الضغط، من دون أن ينجح الوسطاء في تحويل الرغبة المعلنة بالتفاوض إلى تسوية.

وجاءت رواية «أكسيوس» عن مطالبة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الوفد الإيراني بمغادرة نيويورك، والنفي الإيراني لواقعة «الطرد»، لتضيف مواجهة دبلوماسية إلى مأزق تتداخل فيه حسابات البرنامج النووي وأمن الملاحة والعقوبات.

مغادرة بروايتين

نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أميركي ومصدر مطلع، أن روبيو طلب، مساء الاثنين، مغادرة الوفد الإيراني المشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعدما تبددت توقعات البيت الأبيض بإحراز تقدم في المحادثات. وشمل الطلب وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي غادر مع الوفد فجر الثلاثاء. وبرر المسؤول الأميركي الخطوة بانتهاء الاجتماعات وتجاوز الإيرانيين «فترة الترحيب بهم».

مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران - الأحد (رويترز)

لكن البعثة الإيرانية نفت أن تكون المغادرة نتيجة أمر أميركي، مؤكدة أن برنامج الرحلة أبلغ إلى وزارة الخارجية الأميركية في 17 سبتمبر (أيلول). وحتى رواية «أكسيوس» تضمنت إفادة مصدر بأن عراقجي كان مقرراً أن يعود إلى طهران مساء الاثنين أصلاً. لذلك تبقى واقعة إصدار الطلب الأميركي منفصلة عن مسألة تأثيره الفعلي في موعد الرحيل، ولا يصح تقديم «الطرد» بعدّه رواية متفقاً عليها. أما سبب خطوة روبيو، فتربطه الروايات الأميركية بالإحباط من غياب التقدم عبر الوساطة القطرية. ويمكن قراءتها سياسياً بوصفها رسالة تشدد بعد انحسار التفاؤل، لكن المعطيات المنشورة لا تثبت أنها جزء من قرار بقطع التفاوض. فقنوات الوساطة ظلت مفتوحة، ما يجعلها أقرب إلى تصعيد الضغط داخل المسار الدبلوماسي منها إلى إعلان نهايته.

عقدة الخطوة الأولى

يقوم المقترح الإيراني، الذي لم ينشر رسمياً لكن جرى تسريبه وتناقلته وسائل الإعلام، على إعادة فتح مضيق هرمز خلال أسبوع واستئناف المحادثات النووية، مقابل رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وإعفاء مبيعات النفط من العقوبات، والإفراج عن أصول مجمدة، إلى جانب وقف إطلاق النار على جميع الجبهات. غير أن ترمب رفض الصيغة، بما يعكس استمرار الخلاف على ما ينبغي أن تحصل عليه واشنطن مقابل تخفيف الضغط.

ويلخص باتريك كلاوسن، مدير برنامج فيتربي لإيران والسياسة الأميركية في «معهد واشنطن»، في حديث مع «الشرق الأوسط»، جوهر الصعوبة بقوله: «ترمب يريد الأمرين معاً: فتح المضيق وتقديم تنازلات في البرنامج النووي. تحقيق أي منهما صعب، وتحقيقهما معاً أصعب». ويضيف كلاوسن: «كل طرف، الولايات المتحدة وإيران، لا يثق بالآخر. وسيكون تحديد كيفية تنفيذ التنازلات على مراحل تحدياً؛ إذ يريد كل طرف أن يثبت الآخر أنه سينفذ فعلاً ما وافق عليه، قبل أن ينفذ هو تنازلاته». ويضع هذا التقدير المشكلة في مستويين متداخلين: خلاف على مضمون الصفقة، وآخر على آلية تنفيذها. فاستئناف التفاوض النووي لا يساوي تقديم تنازلات نووية محددة، كما أن الوعد بتخفيف العقوبات لا يساوي استفادة إي ران الفعلية منه».

ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول مطلع أن الطرفين متفقان إلى حد بعيد على الخطوات، لكنهما مختلفان على ترتيبها. وهذه إشارة إلى مساحة تفاوضية قائمة، وليست دليلاً على اكتمال اتفاق ينتظر التوقيع. فترتيب الإجراءات يحدد عملياً من يتخلى أولاً عن ورقة ضغط، وما الذي يضمن حصوله في المقابل.

الوقت سلاح مكلف

بعد مؤشرات التفاؤل الاثنين، عاد ترمب مساء الأربعاء إلى التلويح بالقصف أو الاتفاق. وفي مقابلة نشرتها مجلة «تايم» الخميس، عدّ تكثيف الضربات بعد الانتخابات النصفية بأنه «ممكن». وهذه الصياغة تترك الخيار العسكري مفتوحا، لكنها لا تعني اتخاذ قرار باستئنافه او تحديد موعد له.

سياسياً، يوحي ربط التصعيد بمرحلة ما بعد الانتخابات بمحاولة إقناع طهران بأن الانتظار لن يمنحها بالضرورة شروطاً أفضل. وفي المقابل، تراهن إيران على أن كلفة الحرب وضغوط الاستحقاق الانتخابي تدفعان واشنطن إلى قبول تسوية مرحلية. لكن ذلك يظل تفسيراً للحسابات المحتملة، وليس حقيقة مثبتة عن قرار القيادة الإيرانية.

كما أن الوقت لا يعمل مجاناً لمصلحة أي طرف؛ فإيران تواجه استمرار الحصار والعقوبات وأخطار ضربات جديدة، بينما تواجه إدارة ترمب كلفة إطالة الحرب واحتمالات توسعها.

وأقرّ ترمب في مقابلته مع «تايم» بانخفاض مخزونات بعض أنواع الذخائر، مع تأكيده العمل على زيادة الإنتاج، وهو عامل يضاف إلى حسابات التصعيد، من دون أن يثبت عجزاً عن تنفيذه.

وفي ضوء ذلك، يبدو الاختبار التالي للوسطاء هو بناء خطوات متبادلة قابلة للتحقق، تمنع اضطرار أحد الطرفين إلى تسليم أوراقه مسبقاً. ويمكن لتسوية مرحلية أن تخفف التوتر البحري وتفتح التفاوض النووي، لكنها لن تنجح إذا اعتبرتها واشنطن تأجيلاً للاستحقاق النووي، أو رأت فيها طهران تنازلاً بلا ضمانات. وبين هذين الحدين، يبقى خطر العودة إلى القصف قائماً، حتى مع استمرار تبادل المقترحات.