الألمان يقترضون من أجل شراء سيارة فاخرة أو شقة أو رحلة طويلة

أكثر من 5.5 مليون ألماني غير قادرين على تسديد الأقساط بسبب الضيق المالي

حسب تقرير المصرف المركزي في ألمانيا لعام 2015 تصل نسبة المقترضين في ألمانيا مقارنة مع عدد سكانها (84 مليون نسمة) إلى حوالي 10.86 %
حسب تقرير المصرف المركزي في ألمانيا لعام 2015 تصل نسبة المقترضين في ألمانيا مقارنة مع عدد سكانها (84 مليون نسمة) إلى حوالي 10.86 %
TT

الألمان يقترضون من أجل شراء سيارة فاخرة أو شقة أو رحلة طويلة

حسب تقرير المصرف المركزي في ألمانيا لعام 2015 تصل نسبة المقترضين في ألمانيا مقارنة مع عدد سكانها (84 مليون نسمة) إلى حوالي 10.86 %
حسب تقرير المصرف المركزي في ألمانيا لعام 2015 تصل نسبة المقترضين في ألمانيا مقارنة مع عدد سكانها (84 مليون نسمة) إلى حوالي 10.86 %

على الرغم من اعتبار ألمانيا دولة غنية مقارنة مع بلدان غربية أخرى، فإن الفرد فيها غارق في الديون، وانخفاض نسبة الفائدة المصرفية شجع على الإقبال على الاقتراض أكثر، إما من أجل شراء سيارة أو منزل أو شقة أو أثاث منزل فاخر، أو القيام برحلة طويلة من دون أن يدخل المقترض في الحسبان احتمال عجزه عن التسديد لأسباب مختلفة منها التسريح من العمل.
فحسب تقرير المصرف المركزي في ألمانيا لعام 2015 تصل نسبة المقترضين في ألمانيا مقارنة مع عدد سكانها (84 مليون نسمة) إلى نحو الـ10.86 في المائة، أكثر من 5.5 مليون (رجالا ونساء) غير قادرين تماما على تسديد الأقساط بسبب الضيق المالي، وهذا يعرضهم لإجراءات قانونية صعبة مثل مصادرة الممتلكات أو حجز الراتب الشهري.
والمشكلة الكبيرة أن نسبة لا باس بها من المقترضين لا يملكون عقارات أو ممتلكات تمكنهم من تغطية احتياجاتهم المعيشية سوى رواتبهم الشهرية، فالمصارف في ألمانيا تمنح قروضًا على أساس راتب ثابت.
وحسب الأرقام، فإن عدد الذين تراكمت عليهم الديون زاد في العام الماضي بنحو 100 ألف بينما لم تتعد الحالات العادية الـ13 ألف، وارتفع عدد من تراكمت عليه الديون بشكل كبير جدًا وتمتنع المصارف عن منحه المزيد إلى 4 مليون في غرب ألمانيا وإلى 3.1 مليون في شرقها ونحو الثلثين من رجال. وظهرت زيادة في نسبة المقترضين في العمر ما بين الـ20 و29 سنة، لذا يمكن القول بأن الديون أصبحت مشكلة الشباب كذلك.
وينوه التقرير بأن السبب الرئيسي لهذا التراكم في الديون وارتفاعه المتواصل هو تدني الدخل والتسريح من العمل، لكن بالدرجة الأولى يرجع السبب لقلة المعلومات عن عواقب عدم سداد القرض وزيادة بيوت المال إعلاناتها المغرية عن عروض الاقتراض، هذا الإغراء جعل متوسط حجم القرض للشخص الواحد ما بين الـ10 إلى 50 ألف يورو.
وفي الوقت الذي تصل فيه نسبة المقترضين في بافاريا وهي الأقل إلى 7.7 في المائة، وذلك لانخفاض عدد العاطلين عن العمل ترتفع في برلين إلى 15.2 في المائة وأعلى نسبة هي في مدينة بريمرهافن وتصل إلى 20.7 في المائة.
ويواجه أغلب المقترضين في ألمانيا مشكلة تؤثر على حياتهم بالكامل أو قد تدمرها. إذ إن تراكم الفائدة رغم انخفاضها حاليا تصبح مع الوقت متوازية تقريبا للمبلغ الذي اقترض لتبدأ إنذارات البنك بعدها بالحجز ثم البيع بالمزاد العلني، فتضطر العائلة إلى التخلي عن المنزل على سبيل المثال بعد أن تكون قد دفعت أكثر من نصف ثمنه والانتقال إلى شقة صغيرة.
وطرأ توجه جديد، فالمدينون من الإناث في ازدياد مطرد وزادت النسبة العام الماضي 0.6 في المائة لتصل إلى 7.39 في المائة مما يعني ارتفاعها ما بين عام 2004 و2015 إلى 23.3 في مائة، فيما وصلت لدى الرجال إلى 0.7 في المائة بمعدل 12.4 في المائة، لكن مقارنة مع الأعوام الماضية أي منذ عام 2004 فإن النسبة لدى الرجال ما فوق سن الـ18 انخفضت نحو 9.6 في المائة.
والذين يعانون أكثر من غيرهم من الديون هم في الأعمار ما بين الـ60 و70 سنة، وكانت نسبتهم 4.12 في المائة وما فوق الـ70 نحو 35.4 في المائة. هؤلاء يصعب عليهم التسديد لأن نسبة لا بأس بها منهم تحصل على تقاعد قليل يكفي تكاليف الحياة اليومية، وهنا تكمن المشكلة الكبيرة ليست فقط بالنسبة لهم، بل بالنسبة للمصارف التي اقترضوا منها لأن أمل التسديد ضعيف جدا، لذا نرى نسبة من يشتري أوراق يانصيب ضمن هذه الفئة كبيرة.
واليوم أصبح اللجوء إلى الاقتراض من الأمور السهلة دون الوضع في الحسبان تأثير التسديد على ميزانية البيت، إذ إن 27 في المائة من الاقتراض يكون بالدرجة الأولى لشراء سيارة، وتقارب الفائدة المصرفية الخمسة في المائة، مما يعني اقتطاع قسم من الراتب الشهري إذا ما أضيفت إلى هذه النسبة الأقساط المتوجب تسديدها.
ويلجأ البعض إلى إيفاء الأقساط المستحقة للمصرف عبر قرض أو قروض صغيرة جديدة بناء على فائدة مصرفية تصل إلى 6.19 في المائة. وهذا النوع يشكل 22 في المائة من حجم الاقتراض، وبعد إعادة جدولة الديون يرتفع المبلغ المقترض. والاعتقاد الخاطئ السائد لدى البعض أن اللجوء إلى قروض صغيرة منخفضة الفائدة يخفف من وطأة الدين، فالحجم الإجمالي الذي يجب أن يسدد يصبح مضاعفا في أغلب الأحيان إذا ما أضيف إليه القرض الأساسي.
والعروض الكثيرة التي تخفي في طياتها بنودًا غير واضحة توقع الكثيرين في مأزق، خاصة من اشترى شقة وعجز عن تسديد أقساطها، منها ما يسمى بـ«الدسبو كرديت» أي أن المقترض يمكنه كتابة صكوك تفوق قيمتها ما لديه في الحساب، فيعطيه المصرف على هذا الأساس قرضًا لسداد العجز، ويتم حساب الفائدة والعمولات على المبلغ المسحوب ويمكن التسديد ضمن فترات ومبالغ مختلفة، لكن في النهاية تصل الفائدة على كامل المبلغ إلى نحو 12 في المائة. وعند العجز عن التسديد تحجز الشقة أو المفروشات أو تباع بالمزاد العلني بأرخص الأسعار.
والسبب الرابع للاقتراض في ألمانيا هو تجديد مفروشات البيت أو إدخال تغييرات على الديكور وتكاليفه باهظة في ألمانيا، هنا يصل حجم القرض التي يتم بين العميل والمصرف إلى نحو 8 آلاف يورو بفائدة 6.34 في المائة، فإذا كان متوسط الدخل نحو 1500 يورو صافٍ، فإن الأقساط التي يجب أن تدفع تؤثر سلبًا على كامل الميزانية.
ومن يُرِد تحديث منزله، أي تحسين وضع النوافذ أو الأبواب والأرضية يرفع حجم القرض ليصل إلى نحو 12 ألف يورو بفائدة 73.5 في المائة وتسديدها على مدة 63 شهرًا، لكنه يواجه مشكلة إذا ما تأخر إنهاء ورشة التصليح فترتفع الأسعار، عندها يحتاج إلى مبلغ أكبر قد يرفض المصرف منحه إياه أو بفائدة أعلى.
ويصل متوسط نسبة القرض المصرفي لشراء سيارة جديدة وسريعة أو دراجة نارية بالأخص للشباب إلى 4.97 في المائة وتكون القيمة 25 ألف يورو وما فوق، وقد يقع الدائن في العجز حتى ولو كان متوسط دخله الصافي 2.448 يورو شهريا لأن الأقساط الشهرية تتجاوز الألف يورو، مع ذلك تعتبر شروط التسديد ميسرة.
وفي فصل الصيف يكثر الاقتراض للقيام برحلة استجمام في بلدان بعيدة مثلا في البلدان الآسيوية أو القارة الأميركية أو رحلة على متن سفينة، مما يعني الحاجة إلى 5 آلاف يورو على الأقل للزوجين من دون أولاد بفائدة تصل إلى 5.97 في المائة تقسط على 39 شهرا. لكن على المقترض مراجعة حساباته، لأن القسط الشهري يؤثر على ميزانية البيت لمدة ثلاثة أعوام، وإذا ما كرر الاقتراض لنفس الهدف في السنة التالية فإن العبء يكون ثقيلا جدا.
ويحب الكثير من الشباب في ألمانيا حتى ولو كان دخلهم منخفضًا أن يبقى يوم الزفاف ذكرى للعمر، لذا يخططون بشكل سخي يدفعهم إلى استدانة مبالغ تتجاوز الـ10 آلاف يورو بنسبة مصرفية تصل إلى 6.48 في المائة، وهي نسبة مرتفعة، والسبب في ذلك يعود إلى أن الاحتفال بالزفاف بالنسبة للمصرف ليس شيئا يمكن حجزه أو استرجاعه عند عدم التسديد.
وقد تكون زيارة طبيب الأسنان باهظة الثمن، خاصة إذا ما تعلق الأمر بضرورة زرع أسنان، فصندوق الطبابة لا يتحمل التكاليف.
ويصل متوسط المبلغ المقترض لهذا الغرض إلى 7 آلاف يورو من أجل زرع سنتين إلى أربع أسنان.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».