دمشق تتهم المعتقلين العرب بالحقد على الدولة وحيازة مقاطع فيديو مسيئة وتهريب الأغنام

الوثائق السورية المسربة أظهرت وجود ثلاثة أشقاء سعوديين وقاصر مصري بين الموقوفين

بيان باللبنانيين المعتقلين والمعلومات المتوفرة عنهم
بيان باللبنانيين المعتقلين والمعلومات المتوفرة عنهم
TT

دمشق تتهم المعتقلين العرب بالحقد على الدولة وحيازة مقاطع فيديو مسيئة وتهريب الأغنام

بيان باللبنانيين المعتقلين والمعلومات المتوفرة عنهم
بيان باللبنانيين المعتقلين والمعلومات المتوفرة عنهم

أظهرت وثائق جديدة من ضمن الوثائق السورية المسربة تنشرها «الشرق الأوسط» أن قسما كبيرا من المعتقلين العرب لدى «شعبة المخابرات» السورية و«إدارة المخابرات الجوية» و«شعبة الأمن السياسي» في سوريا، اعتقلوا بتهمة «الاشتباه بهم»، فيما سجلت تهما أخرى مثل تناقل مقاطع فيديو للتظاهرات والاحتجاجات التي عمت سوريا عام 2012، ومنح أحد الموقوفين رقم هاتفه لمعارضين استخدموه في البلاد.
وفي الوثائق التي حصل عليها مركز «مسارات» الإعلامي السوري المعارض، وردت أسماء ستة سعوديين، بينهم ثلاثة أشقاء، اعتقلوا في الفترة التي تتراوح بين شهري يوليو (تموز) 2012، وسبتمبر (أيلول) 2012، إضافة إلى سعودي أوقف لدى شعبة الأمن السياسي، وأفرج عنه بعد 27 يوما من اعتقاله في 29 سبتمبر 2012.
وشملت قائمة المعتقلين في سوريا، مواطنين عربا من المملكة العربية السعودية، والإمارات، والأردن، وفلسطين، وتونس، واليمن، وليبيا، ولبنان، والسودان، والعراق، والصومال، وللمرة الأولى مواطنا من جزر القمر. وتتراوح التهم بين حمل السلاح، و«العمل مع المجموعات الإرهابية المسلحة» و«العلاقة مع المجموعات الإرهابية المسلحة»، و«الاشتباه بوضعهم»؛ والأخيرة تصدرت قائمة التهم في الوثائق.
ووردت تهم أخرى مثل «العلاقة مع تنظيم القاعدة»، والاشتباه بعلاقتهم بالأحداث الحالية بالقطر، و«الإقامة غير المشروعة»، و«انتهاء مدة جوازات السفر»، و«محاولات التسلل إلى القطر»، و«التحريض على التظاهر» و«حمل السلاح إلى جانب المجموعات الإرهابية المسلحة» و«حمل السلاح وقطع الطرقات». وسجل إعادة البعض إلى «إدارة الهجرة والجوازات»، فيما أحيل آخرون إلى المحامي العام في دمشق، وأخلي سبيل البعض الآخر ممن لم تثبت مشاركتهم في التظاهرات الاحتجاجية أو سائر الأعمال المرتبطة بالأزمة السورية.
وأظهرت الوثائق اعتقال ستة سعوديين، بينهم ثلاثة أشقاء هم هاني أحمد علاء الدين (من مواليد عام 1984)، وشقيقاه محمد (1986) ومهند (1990)، معتقلون منذ 11 سبتمبر 2012، لورود أسمائهم في لوائح المطلوبين. ولا تتضمن الوثائق أي إشارة لإطلاق سراحهم. كما أظهرت اعتقال محمد حمدان سيار الخالدي، من مواليد عام 1947 في الرياض، وهو معتقل لدى شعبة المخابرات في 20 سبتمبر 2012، بتهمة «الاشتباه بوضعه الأمني، وعدم تجديد إقامته في القطر».
وورد في القائمة اسم عبد الرحمن عمر زعرور، من مواليد 1982 في السعودية، اعتقل لدى شعبة المخابرات في 29 سبتمبر 2012 بتهمة «علاقته بالمجموعات الإرهابية المسلحة». كما ورد اسم أنور مصلح بدال مصلح، من مواليد عام 1985 في السعودية، وهو معتقل لدى شعبة المخابرات في 29 سبتمبر 2012 بتهمة «علاقته بالمجموعات الإرهابية المسلحة».
وسجل اعتقال قاصر مصري، كان يبلغ من العمر 16 عاما، هو أحمد مصطفى عبد الله، من مواليد عام 1996، معتقل لدى شعبة المخابرات بتهمة «علاقته بالمجموعات الإرهابية المسلحة».
وإلى جانب اللبناني عبد الغني محمد درباس (من مواليد عام 1951) من طرابلس – حدادين، والمعتقل في 23 سبتمبر، بتهمة العمل مع المجموعات الإرهابية المسلحة، أظهرت الوثائق اعتقال آخرين بتهمة العلاقة مع المجموعات والاشتباه بعلاقته معهم، وحيازة أسلحة وعبوات ناسفة، وتسهيل فرار مطلوبين، والمشاركة في أعمال الشغب والمظاهرات والأعمال الإرهابية، وانتهاء مدة الإقامة، ليحالوا إلى المحامي العام الأول في دمشق.
وورد ضمن القائمة اسم اللبناني شادي أبو غنيم، الذي أوقف في 23 يناير (كانون الثاني) 2007 بتهمة «التردد على دولة الإمارات العربية بقصد الحصول على أموال لصالح جماعة عصبة الأنصار، وهو ناشط لصالح جند الشام»، كما ورد اسم اللبناني حسين ديب زعيتر، مواليد 1965، من دون تاريخ للتوقيف، وتهمته تهريب السلاح إلى سوريا.
وسجل اعتقال ياسر إبراهيم الخطيب، هو إماراتي من أصل سوري مواليد 1987، تهمته «ممانعة إحدى دوريات الفرع 220 من إلقاء القبض على مطلوب وتسهيل فراره»، و«هو حاقد على الدولة»، وذلك بتاريخ 13 أغسطس (آب) 2012، وأحيل إلى النيابة العامة في 22 من الشهر نفسه.
وإلى جانب المعارضين المسلحين، أظهرت الوثائق توقيف ناشطين مدنيين، من بينهم سناء أسامة المدني (1985)، وهي فلسطينية سورية، اعتقلت لدى شعبة المخابرات في 19 سبتمبر 2012، بتهمة «التواصل عبر (فيسبوك) مع معارضين ونشر مقاطع مسيئة، واتهام عناصر الجيش والأمن بقتل المدنيين». كذلك اللبناني أيمن رياض كلش (1993)، للعثور ضمن هاتفه النقال على علم «تنظيم القاعدة» «ومشاركته بالتظاهرات المعادية»، واعتقل اللبناني زاهر محمود الحلبي بتهمة «تقديم المساعدات الغذائية للجماعات المسلحة بدير الزور».
كما أوقف اللبناني يحيى جدعان سراي الدين (1989) بتهمة التفوه بعبارات مسيئة للدولة، أما الفلسطيني عبد المجيد محمد الرنتيسي، فيحاكم بتهمة «الإساءة للجيش العربي السوري وتمجيد العصابات الإرهابية المسلحة».
وعلى صعيد المعارضة المسلحة، أظهرت الوثائق اعتقال العراقي عدي مهدي جبارة (1975)، لورود معلومات تفيد أنه «المنسق بين الإرهابيين في العراق وما يسمى الجيش الحر في سوريا»، إلى جانب تهم مثل «سرقة صندوق فيه أسلحة، وبيع بندقيتين». وسجل اعتقال الأردني عصام خالد سليمان جمعة (1978)، بتاريخ 6 أغسطس 2012، بتهمة «تسهيل عمل الإرهابيين من خلال إعطائهم رقمه الخلوي». واعتقل اللبناني وسام حشاش البب بن أحمد (1990)، للاشتباه بوضعه الأمني، و«العثور ضمن هاتفه على مقاطع مسيئة للقيادة السياسية العليا»، كما المصري كفاح أحمد حلمي سويق، لورود «معلومات عن أنه مسلح ببندقية ومسدس حربي».
وأبرزت الوثائق اعتقال آخرين في الفترة نفسها، بتهم الدخول خلسة إلى الأراضي السورية، وتهريب «ضباط وعسكريين خونة لصالح ما يسمى بالجيش الحر»، و«التخطيط لشن هجمات، باستخدام سيارة مثل تلك التي كان يركب فيها»، في إشارة إلى قضية العراقي معتز حسين الجنابي (1988)، الذي أوقف لدى المخابرات في 27 أغسطس 2012.
وإلى جانب التهم المتصلة بالأزمة السورية، والتي تصدرت التهم الموجهة للمعتقلين، برزت تهم جنائية، مثل تلك المنسوبة إلى اللبناني بلال علي شقرا (1988)، الذي أوقف في 30 يوليو 2012 للعثور معه على كمية من «البودرة غير معروفة الماهية»، وست حبات مخدرة.
وأظهرت الوثائق توقيف الفلسطيني راضي محمد الصالح (1963)، بتهمة «قيامه بمعالجة المجرمين الجرحى». أما المصري محمد كمال الدين الردف (1990)، الموقوف لدى «شعبة الأمن السياسي»، فهو متهم بضبطه أثناء تصويره أبنية «دمرتها العصابات المسلحة في قدسيا بريف دمشق».
أما الفلسطينية أميرة حسن الأحمد (1989)، فاعتقلت لدى شعبة الأمن السياسي في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2012 بتهمة «موضوع إذاعة بحث بجرم التغيب»، وأحيلت إلى المحامي العام بدمشق في 15 من الشهر نفسه. أما الأردني «محمد سميح الخطيب» (1982)، فاعتقل من قبل المخابرات وأحيل إلى شعبة الأمن السياسي في 26 يونيو (حزيران) 2012، بتهمة وجود «بلاغ صادر بحقه عام 2011، استنادا لمعلومات تفيد أنه لوحظ عليه ثراء مفاجئ، وزيارته من قبل أشخاص ملتحين يحملون حواسب محمولة».
أما الموقوفون لدى إدارة المخابرات الجوية فيبلغ عددهم ستة أشخاص، أولهم أوقف في 5 مايو (أيار) 2012، وهو الجزائري بلال طاهر سعيدو (1980)، بتهمة «مشاهدته الساعة الرابعة فجرا يتجول أكثر من مرة أمام منزل الإعلامي رفيق لطف، وأوقف لدى محاولته الهرب». أما الآخرون، فأوقفوا بتهمة «الاشتباه بوضعه».
وأبرزت الوثائق أسماء موقوفين على خلفيات سرقة عن طريقة الخطف، وتصريف 9900 دولار مزور بدمشق، ومحاولة تزوير جوازات سفر، إلى جانب تهمة الفلسطيني السوري هاني صبحي الحسين (1983)، الذي اعتقل لدى المخابرات في 21 أغسطس 2012 بتهمة «ارتكابه جرم السكر العلني»، فضلا عن تهم جنائية ملاحقين بموجبها من قبل سلطات بلادهم، كما في حالة الأردني يحيى محمد علي خزني، وتهمة تهريب الأغنام إلى الأردن.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.