هيئة المفاوضات العليا تعلق مشاركتها في محادثات جنيف جزئيًا

مخاطر الإطاحة بمحادثات السلام دفعت بالأطراف الدولية إلى التدخل

رياض حجاب المنسق العام للهيئة العليا للتفاوض التي تمثل المعارضة السورية ترأس اجتماعًا لأعضاء الهيئة الموجودين في جنيف أمس (إ.ف.ب) .. وفي الاطار المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا في جنيف أمس (إ.ب.أ)
رياض حجاب المنسق العام للهيئة العليا للتفاوض التي تمثل المعارضة السورية ترأس اجتماعًا لأعضاء الهيئة الموجودين في جنيف أمس (إ.ف.ب) .. وفي الاطار المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا في جنيف أمس (إ.ب.أ)
TT

هيئة المفاوضات العليا تعلق مشاركتها في محادثات جنيف جزئيًا

رياض حجاب المنسق العام للهيئة العليا للتفاوض التي تمثل المعارضة السورية ترأس اجتماعًا لأعضاء الهيئة الموجودين في جنيف أمس (إ.ف.ب) .. وفي الاطار المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا في جنيف أمس (إ.ب.أ)
رياض حجاب المنسق العام للهيئة العليا للتفاوض التي تمثل المعارضة السورية ترأس اجتماعًا لأعضاء الهيئة الموجودين في جنيف أمس (إ.ف.ب) .. وفي الاطار المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا في جنيف أمس (إ.ب.أ)

غربت شمس جنيف، أمس، على قرار الهيئة العليا للمفاوضات إبلاغ الوسيط الدولي خلال اجتماع عقد بعد الظهر عن قرارها «تعليق» المشاركة في المحادثات الرسمية غير المباشرة في قصر الأمم، لكن أعربت عن استعدادها للاستمرار في المناقشات التي وصفتها بـ«التقنية»، والخاصة بالمرحلة الانتقالية. هذا بينما جدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي باراك أوباما في مشاورات هاتفية، أمس، تأكيد عزمهما على تعزيز وقف إطلاق النار في سوريا، بحسب ما أعلنه الكرملين.
وقال المبعوث الدولي، بعد اجتماع مع وفد الهيئة ضم ثلاثة أشخاص فقط، هم جورج صبرا وعبد المجيد حمو وأحمد الحريري، إن الوفد أراد عبر القرار الذي نقله «التعبير عن الاستياء والقلق من تدهور الوضع الإنساني، وما لحق بقرار وقف الأعمال العدائية (من انتهاكات)»، لكن الوفد قبل البقاء في جنيف بناء على اقتراح شخصي منه.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر دبلوماسية مواكبة لما يحصل في جنيف، أن دي ميستورا تشاور مع المسؤولين الأمميين حول «المخرج» الذي يمكن اللجوء إليه من أجل تلافي وضع حد للمحادثات، وإبقاء وفدي النظام والمعارضة في جنيف. وأضافت هذه المصادر أن وفد المعارضة يكون عبر قراره البقاء وقبول الاستمرار في المناقشات الفنية خارج مبنى قصر الأمم المتحدة، قد تلافى جانبا كبيرا من الانتقادات التي يمكن أن يوجهها النظام إليه واتهامه بإفشال المحادثات عبر تعليق المشاركة أو الانسحاب. كذلك قالت هذه المصادر إن قرار الهيئة العليا هو «الحد الأدنى» الذي كانت تستطيع القيام به من أجل الاستجابة لدعوات الفصائل التي طالبت بالانسحاب والإبقاء على وحدة الهيئة والتلاحم بين الجناحين السياسي والعسكري للمعارضة.
وأعلن دي ميستورا أنه ينوي وفريقه مواصلة المشاورات «مع جميع الأطراف داخل قصر الأمم وخارجه»، وأن الصيغة التي اختارها مرنة للغاية، وهي تسمح بذلك. لكنه بالمقابل أفاد بأن يوم الجمعة المقبل سيكون يوما مهما من أجل «تقييم المحادثات وتقرير كيفية المضي فيها والتركيز على الانتقال السياسي الحقيقي». كذلك، سعى دي ميستورا للالتفاف على موقف المعارضة بإعلانه أن ما تطلبه من احترام وقف الأعمال العدائية وتوصيل المساعدات الإنسانية والبحث في قضية المعتقلين والمغيبين، أمور «لا يمكن تحقيقها في أيام أو في أسبوع»، مما يعني عمليا دعوتها للاستمرار في المحادثات إلى ما بعد يوم الجمعة. فضلا عن ذلك، وككل مرة أشار دي ميستورا إلى عدم ارتياحه لضعف وقف الأعمال العدائية، لكنه اعتبر أن الهدنة «ما زالت قائمة»، رغم الانتهاكات التي تتعرض لها على أكثر من جبهة. كذلك اعتبر وجود هوة واسعة بين مواقف الطرفين بشأن عملية الانتقال السياسي وتمسك كل طرف بمواقفه «أمرًا طبيعيًا». لكن المهم في نظره أن كليهما «قابل بعملية الانتقال السياسي»، مذكرا بأن هناك وقتا كافيا للتوصل إلى اتفاق بحدود شهر أغسطس (آب)، لكتابة الدستور وتحقيق الانتقال الموعود.
أما بشأن مقترح تعيين ثلاثة أو أربعة نواب لرئيس الجمهورية وبقاء الأسد في موقعه بصلاحيات أقل، فقد دعا دي مستورا الجميع إلى «طي الصفحة»، واصفا المقترح الذي لم يأت منه أنه بمثابة «العصف الذهني»، وبالتالي لا يلزم أحدا.
وإزاء صعوبة الوضع، حمل المبعوث الدولي الراعيين الدوليين المسؤولية لإعادة القطار إلى السكة، معربا عن أمله في الحصول على مساعدتهما و«الانخراط» في الجهود السياسية والدبلوماسية، خصوصا أنهما «استثمرا» كثيرا في الجوانب السياسية.
ووجهت «الشرق الأوسط» سؤالا جانبيا لدي ميستورا بعد انتهاء كلامه للصحافة عما إذا كان يتعين على الصحافيين تمديد إقامتهم، لمعرفة ما سيحصل بعد يوم الجمعة، فتدارك الأمر وطلب الانتظار حتى اتخاذ قرار.
وجاء قرار الهيئة العليا للمفاوضات بحضور المنسق العام، رياض حجاب، بعد سلسلة من اللقاءات والمشاورات. وقد كان السؤال الذي استحوذ على اهتمام الدبلوماسيين والمراقبين في جنيف منذ ليل الأحد - الاثنين، تركز على معرفة ما إذا كان وفد الهيئة العليا للمفاوضات الذي التحق به المنسق العام رياض حجاب السبت سيعلق مشاركته في المحادثات غير المباشرة في جولتها الحالية بعد المؤشرات المتراكمة على بداية فقدانه الصبر، بسبب مماطلات وفد النظام وتحاشيه الدخول في صلب العملية السياسية من جهة، وتدهور الوضع الميداني من جهة أخرى. وجاء بيان عشر فصائل مقاتلة بينها أطراف رئيسية مثل جيش الإسلام وأحرار الشام صباح أمس ليزيد الصورة سوداوية. كذلك، صدر بيان عن الجيش السوري الحر يطلب من الهيئة العليا «تعليق المشاركة أو حتى الانسحاب» من المحادثات، رابطا العودة إلى المشاركة فيها بتطبيق القرارات الدولية الخاصة بالحرب السورية. وفي رد مباشر على المعلومات التي انتشرت نهاية الأسبوع عن مقترح دي ميستورا بأن تقوم المعارضة بتعيين ثلاثة نواب للرئيس السوري مع بقاء الأخير في منصبه لمرحلة محددة، رد بيان الجيش الحر بأن دعم فصائل الثورة السورية للحل السياسي «مرهون بتحقيق ثوابت ثورتنا، ورفض مطلق التنازل عن أي منها، خصوصا رحيل الأسد ونظامه المجرم بكل رموزه وأركانه».
وعقدت في جنيف طيلة اليومين الأخيرين جملة من الاجتماعات المكثفة للهيئة العليا للمفاوضات والوفد المفاوض ومع «النواة الصلبة» للدول الداعمة للمعارضة، وكذلك لقاءات بين هذه النواة والمبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، للاطلاع منه على سير المحادثات، وتقويم الموقف على خلفية التهديدات باندثار الهدنة والتعرف على أجندته للجولة الراهنة التي من المفترض أن تمتد نظريا حتى يوم الثلاثاء المقبل.
وأفادت مصادر دبلوماسية غربية شاركت في كل هذه الاجتماعات، بأن «خيبة الهيئة العليا من مجريات ما يحصل في جنيف كبيرة»، وأنها «تجد نفسها محشورة بين التطورات العسكرية الميدانية ومماطلة النظام من جهة ثانية، والضغوط الداخلية والخارجية التي تتعرض لها من جهة ثالثة». ولذا، فإن توجها قويا داخل الهيئة لتعليق المشاركة في «محادثات لا طائل منها» يقوى يوما بعد يوم.
بيد أن هذا الوضع الذي يحمل في طياته مخاطر الإطاحة بمحادثات السلام ونسف الهدنة نهائيا دفع بكثير من الأطراف الدولية إلى التدخل. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر متطابقة في جنيف أن الجانب الأميركي طلب من الأطراف الإقليمية المؤثرة على الهيئة العليا، ممارسة الضغوط اللازمة من أجل ألا تعلق مشاركتها في المحادثات أو الانسحاب منها. ويتسق الطلب الأميركي والضغوط الغربية بشكل عام مع ما يريده المبعوث الدولي الذي يتخوف جديا من انسحاب وفد المعارضة، «لأن انسحابه اليوم أو حتى تعليق مشاركته سيعني استحالة الرجوع إلى جنيف قبل مضي وقت طويل، ويعني خصوصا فشلا لمساعيه وانتكاسة للدورين الأميركي والروسي». وقيل للمعارضة إنه يتعين عليها التزام جانب الحذر و«عدم الوقوع» في فخ النظام الساعي لإحراجها فإخراجها. وبدل ذلك، شددت لنصائح «الأصدقاء» على أهمية الاستمرار في تركيز الأضواء على المرحلة الانتقالية، والإصرار على الدخول إليها في أسرع وقت، لأن في ذلك إحراجا للنظام الساعي لتفادي الخوض فيها. كذلك دعيت المعارضة إلى طرح أفكارها الخاصة بالمرحلة الانتقالية «حتى يتركز النقاش على هذه الأفكار».
وبعكس الانطباعات الرائجة لدى أطراف كثيرة من المعارضة التي تعد جميعها دي ميستورا «متحيزًا» للنظام، فقد قالت المصادر الغربية لـ«الشرق الأوسط»، إن المبعوث الدولي «يتفهم» وضع المعارضة والضغوط التي تتعرض لها، وإنه «لم يكن يتوقع أن يثير المقترح الذي نقله للمعارضة في اجتماع الجمعة الماضي ردود الفعل العنيفة» التي أثارها. وبالنسبة إلى المبعوث الدولي، فإن هدفه الأول هو أن ينجح في إبقاء وفدي المعارضة والنظام في جنيف. ولهذا الغرض، فإنه يعول كثيرا على دور الراعيين الدوليين «الولايات المتحدة الأميركية وروسيا» والأطراف المؤثرة للتغلب على الصعوبات الميدانية، وللخروج من الطريق المسدود سياسيا ودبلوماسيا. وبحسب المبعوث الدولي، هناك «حاجة» لتجاوز الخندقة في المواقف إذا كان الجميع يرغب في الوصول إلى نتيجة ما، بدل الدوران في حلقة مفرغة. وقدم دبلوماسيان يمثلان بلدين غربيين نصيحة للمبعوث الدولي بأن يقوم بـ«بادرة قوية» تجاه المعارضة لطمأنتها وإظهار التفهم لهواجسها.
وأمس، كانت الهيئة العليا في وضع تعبئة كاملة وتتجاذبها التيارات المتعارضة. وفهم من مصادرها أن «العسكريين» منها، كذلك ممثلو الائتلاف، يدفعون باتجاه التعليق أو حتى الانسحاب، بينما المستقلون والمجتمع المدني وممثلو هيئة التنسيق يدفعون نحو الاستمرار. وللتدليل على التجاذب، فقد ألغى رياض حجاب المؤتمر الصحافي الذي كان من المفترض أن يعقد عصر أمس إلى ظهر اليوم، للتوسع في المشاورات مع الأطراف الداخلية والخارجية على السواء. وقالت مصادر دبلوماسية غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حجاب «يعلق أهمية أكبر على وحدة المعارضة والتلاحم بين الجناحين السياسي والعسكري» الذي يوفر للهيئة، الشرعية التي تجعلها تتكلم باسم المعارضة والشعب السوري، وهو ما ناضلت من أجله في السنوات الخمس الأخيرة.
ومنذ أول من أمس، أعطى حجاب مؤشرا على ما ستقرره الهيئة، إذ غرد عبر حسابه على «تويتر»، أنه «من غير المقبول أن نستمر بالتفاوض والنظام يصر وحلفاؤه على انتهاك حقوق الشعب ومخالفة القوانين الدولية وفرض الحصار والتجويع والقصف على المدنيين».
وجاء كلام السفير بشار الجعفري، بعد لقائه دي ميستورا، ليزيد قناعة الهيئة العليا بأن النظام لا يرغب في حل سياسي. وكان لافتا أن الجعفري كرس الجزء الأكبر من كلامه للصحافة، للحديث عن قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو عقد اجتماع لوزارته في الجولان. وإذ وصف الجعفري اللقاء مع دي ميستورا بـ«المفيد»، هاجم ما سماه «وفد السعودية»، أي وفد الهيئة العليا للمفاوضات، واعتبر أنه ليست «مصادفة» أن يدلي بـ«تصريحات غير مسؤولة واستفزازية ويدعو إلى مهاجمة الجيش السوري»، وأن تقوم إسرائيل بالتصعيد في الجولان. وكان واضحا أن الجعفري يريد تحاشي الدخول إلى صلب الموضوع، أي عملية الانتقال السياسية التي يريد دي ميستورا والمعارضة والأطراف الدولية الولوج إليها.
دوليا، جدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي باراك أوباما في مشاورات هاتفية، أمس، تأكيد عزمهما على تعزيز وقف إطلاق النار في سوريا، بحسب ما أعلنه الكرملين. وقال الكرملين، في بيان نقلته وكالة «رويترز»، إن «الرئيسين بحثا بالتفصيل الوضع في سوريا، وأكدا خصوصا عزمهما على المساعدة في تعزيز وقف إطلاق النار في هذا البلد والناجم عن مبادرة روسية أميركية، وكذلك إيصال المساعدات الإنسانية».
وفي القاهرة قال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، الذي يقوم بزيارة رسمية لمصر، إنه يشعر بالقلق من احتمال انهيار مفاوضات السلام السورية، وحث الأطراف الرئيسية في الصراع على الضغط لتعزيز فرص تحقيق الانتقال السياسي. وأضاف: «علينا أن نفعل كل ما هو ممكن كي تبقى الهدنة صامدة وكي تمارس كل الأطراف المعنية الضغط اللازم لإتاحة فرصة لتحقيق الانتقال السياسي».



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.