«أرامكو السعودية».. نشاطات للنساء بعيدًا عن النفط

قسم ترفيه يضم 56 جمعية رياضية وثقافية واجتماعية

البازارات فرص للعضوات لعرض ثقافاتهن وتقاليدهن المختلفة والمتنوعة  و جانب من أحد المعارض
البازارات فرص للعضوات لعرض ثقافاتهن وتقاليدهن المختلفة والمتنوعة و جانب من أحد المعارض
TT

«أرامكو السعودية».. نشاطات للنساء بعيدًا عن النفط

البازارات فرص للعضوات لعرض ثقافاتهن وتقاليدهن المختلفة والمتنوعة  و جانب من أحد المعارض
البازارات فرص للعضوات لعرض ثقافاتهن وتقاليدهن المختلفة والمتنوعة و جانب من أحد المعارض

«معسكر الظهران» اسم قد يوحي بأجواء قاعدة عسكرية، وقعقعة سلاح، وجنود وخيام، وما أبعد الحقيقة عن ذلك، إذ إن المعسكر واحة خضراء مزهرة راقية، تفيض بحياة يومية ناعمة.
معسكر الظهران، بالمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، هو الاسم الرسمي لأقدم وأكبر موقع سكني لموظفي شركة «أرامكو»، كبرى الشركات السعودية العالمية التي تعمل في مجالات النفط والغاز الطبيعي والبتروكيماويات.
«الشرق الأوسط» وفي زيارة «تعريفية» تسنى لها اكتشاف الوجه الآخر لـ«أرامكو» بعيدًا عن التنقيب والإنتاج والتكرير والشحن والتوزيع والتسويق، وعن شواغل العرض والطلب والمضاربات، وعن قرارات منظمة الدول المصدرة للنفط «الأوبك» التي تتخذ من العاصمة النمساوية فيينا مقرًا لها.
وسط حضور نسائي مرتب وأنيق، حضرت «الشرق الأوسط» دعوة أقامتها جمعية «الناطقات باللغة العربية» تحت رعاية «أرامكو»، وبالتنسيق مع قسمه للترفيه، احتفالاً بالأمهات، ممن يعملن أو يعمل أزواجهن حاليا بـ«أرامكو»، وكذلك بمن عمل أزواجهن سابقًا، خصوصًا أنهن قد لعبن أدوارا تأسيسية مقدرة أسهمت في النهوض بمجتمع «أرامكو» النسائي.
في حديث مع بدرية الدوسري، رئيسة الجمعية، علمت «الشرق الأوسط» أن مهام وأنشطة الجمعية التي تتكون عضويتها ممن يتحدثن العربية (لا سيما أن (أرامكو) التي بدأت كشراكة سعودية - أميركية، ولا تزال بالطبع ورغم السعودة، تضم جنسيات تتحدث مختلف اللغات) وأن جمعيتهن ثقافية، اجتماعية، صحية، وترفيهية تقتصر عضويتها على جميع الموظفات وزوجات الموظفين من المستوى 11 وما فوق. وللقطاعات الأخرى جمعياتها.
للجمعية دستور يحدد مهام كل منصب إداري، ومن مناصبها رئيسة ونائبتان وسكرتيرة ومسؤولة مالية ومسؤولة عن الدستور. يتم الاختيار الدوري لجميع المناصب بالانتخاب، وذلك لتبادل المهام وتجديد الدماء وللاستفادة من معظم الخبرات والتجارب.
تهدف فعاليات الجمعية لملء فراغ العضوات بأنشطة تعود عليهن بالفائدة وشغلهن ببرامج مفيدة ومتنوعة في مختلف مناحي الحياة، بما في ذلك تنظيم رحلات ترفيهية، وزيارات تعريفية، ودورات تدريبية ومحاضرات مختلفة الأطروحات.
في معرض رد على سؤال عن كم تبلغ ميزانية جمعية تنتسب لشركة بثراء «أرامكو»؟ أكدت الإجابة أن ميزانية الجمعية تتكون من اشتراكات العضوات. ويبلغ رسم العضوية السنوي 950 ريالاً سعوديًا. وتضم الجمعية حاليا 250 عضوة.
ولزيادة مدخولها تنظم الجمعية أكثر من بازار في العام، وتعتبر البازارات في ذات الوقت فرصًا للعضوات للتعريف بأطعمتهن المحلية وعرض ثقافاتهن وتقاليدهن المختلفة والمتنوعة.
من جانبها تدعم «أرامكو» الجمعية بخدمات لوجيستية، ومن ذلك مكتب تتوفر فيه كل المستلزمات وهاتف ثابت وخدمة الإنترنت وعمليات الصيانة، كما توفر للجمعية على سبيل المثال الصالة حيث أقيم الاحتفال المذكور.
وفي هذا السياق، أوضحت دلال المطلق التي تعمل مستشارة ترفيه بـ«أرامكو» لـ«الشرق الأوسط»، أن قسم الترفيه يضم 56 جمعية ترعى مختلف الأنشطة والأعمار، ومن ذلك جمعيات رياضية وثقافية واجتماعية.
ومعلوم أن المعسكر يزخر بمساجد ومدارس ومستشفيات، بما في ذلك مستشفى بيطري ودار سينما ومحال تجارية وبوستة وبنك، ولا يخلو من صالونات تجميل ومحال حلاقة وغيرها من ضروريات ومستلزمات الحياة المدنية، بما في ذلك شبكة مواصلات داخلية، وتحرسه بوابات عبور رسمية لحماية سكانه وما يضم من منشآت ومواقع عمل.
من جانب آخر، وردا على سؤال «الشرق الأوسط» عن أي دور خيري للجمعية؟ أوضحت السيدة أم عادل العجمي، التي تعتبر نبراسًا من الرعيل الأول الذي أسهم إسهاما مباشرا في تكوين الجمعية التي يزيد عمرها عن 35 عاما، أن سيدات الجمعية كن من قبل يتبرعن بإقامة فعاليات يعود ريعها مباشرة كمساعدات مالية وعينية توزع على الكثير من الأسر المحتاجة التي ظللن يتابعن أحوالها بصورة مستمرة ولصيقة حتى بالمدن المجاورة ومن مختلف الجنسيات، وذلك إلى أن صدر قرار بوقف مساعدات الجمعيات السعودية الخيرية المباشر، واستبدال تقديم التبرعات المالية لجمعيات معينة تم تحديدها تقوم هي بتوزيع ما يصلها من تبرعات بالتعامل المباشر.
في سياق مختلف وضمن المبادرات والأنشطة النسائية داخل معسكر الظهران زارت «الشرق الأوسط» متحفًا كاملاً تقيمه سيدة من أسرة «أرامكو» داخل منزلها، ويضم قطعا تراثيا من مختلف مناطق المملكة العربية السعودية.
ولـ«أرامكو» بدورها داخل المعسكر متحف يركز على المظهر الحضاري والتاريخي لصناعة الزيت بالمملكة، ويحكي قصتها.
بمنزل «الأشقر» بحي الرابية، وهو المنطقة المخصصة لسكن كبار الموظفين التنفيذيين، استقبلتنا هاوية جمع التراث السعودي، منيرة السناني، التي غيرت تصميم صالونها ليصبح جزءا من متحفها الذي خصصت له صالة فوقية كاملة امتلأت بقطع وموروثات لمختلف أنواع الأنشطة اليومية بما في ذلك «دفاتر ورقية غلفت بالجلد تعود لأكثر من 120 سنة كانت تستخدم لتسجيل المعاملات المالية، وتضم تسجيلات لديون مستحقة»، ناهيك بفوانيس إضاءة ومكاوٍ ومفاتيح ومعدات طبية تعود لحقب مختلفة.
يفيض المتحف بأدوات ومعدات وأونٍ وقطع نقدية وأوراق مالية. وكان للسعوديين في غابر الأزمان «بنوك منزلية» لا تزيد عن جراب جلدي يعلق حائطيا لحفظ «القروش» ثم ومع بسطة الرزق بظهور النفط تنوعت المصارف محليا ودوليا، وتوسعت الحسابات البنكية، والبطاقات الإلكترونية والبلاستيكية، كما ظهرت بنوك على سيارات متحركة.
كذلك تتوفر بالمتحف نماذج لملابس عادية وملابس مناسبات وعدد من المجسمات التي تتزين بملابس كل منطقة، ومسماة بأكثر ما تشتهر به تلك المناطق من أسماء، وهناك الخالة فتو والعم سراج من الحجاز، والعم صالح والعم حمد من منطقة نجد، على سبيل المثال.
وبالطبع وحتى في قديم الزمان كانت المرأة السعودية تهتم بمظهرها وزينتها حسب تقاليدها، ولكل مناسبة ملبسها و«إكسسوارها»، وبعضها مصنوع من الذهب، وآخر من الفضة الخالصة «كحجول»، ومن تلك المصوغات «زند» يلبس على العضد و«مرتعشة» أشبه بالعقد، و«شناق» يُثبت على جانبي الرأس، ثم ينزل كاسيا الأذنين.
ومن أدوات الزينة مكاحل وأنواع حجارة كانت تسخن وتستخدم ككحل، وهناك حتى نوع من اللحاء كانت النساء «تمضغه» ويصبغ شفاهها بلونه، يسمونه «الديرم».
وللقهوة ركنها ومعداتها من دلاء ومبرد لتبريد البن بعد «تحميسه على المحماس ثم سحنه على البنجر (الهاون)»، ولا يخلو الركن من «كير» لنفخ الحطب ليشتعل ويولع. ولغلي الماء هناك إناء أسطواني يُملأ بالماء وبداخله آخر لوضع الجمر يسمى السمورة «سماور» أكثر ما يستخدم لإعداد الشاي الذي يعتبر والقهوة العربية أكثر المشروبات الساخنة التي يفضلها السعوديون حتى يومنا هذا.
وبالطبع للخليج العربي أثره بالمنطقة الشرقية، وفي هذا السياق يضم المتحف معدات لصيد الأسماك وأدوات غوص لاستخراج اللؤلؤ وكيفية فتح المحار ومقاسات لقياس حجم اللؤلؤ. ولا يفتقد المتحف حتى نماذج لألعاب الأطفال التي كانت تصنع من مواد بسيطة كعظام الخراف «للعبة تسابة» مثلا. أما أكثر ما يثير الرأفة بين المعروضات فهو زجاجة مقوسة لها حلمة بلاستيكية كانت تعرف بـ«رَضّاعة اليتيم» بفتح الراء وتشديد الضاد.
طلت السيدة منيرة بعض غرفها باللونين الأزرق والأبيض، وهما من الألوان التي كانت سائدة سابقا، وأثثتها بأفرشة أرضية «مطرحة» تمامًا كما هي مجالس المنطقة الشرقية التقليدية، ورصت عليها مخدات بيضاء اللون مطرزة بورود ملونة، كما كان الحال قديما، وعلى الجوانب وضعت صناديق تعرف بـ«الصندوق الهندي» كانت تُستخدم كخزانات للملابس المخصوصة التي لا تستعمل يوميًا كملابس الأعياد والمناسبات، بينما للملابس اليومية سلال بسيطة سهلة الاستعمال.
من جانب آخر يتميز «معسكر الظهران» بالخضرة النضرة، وبساطة تخطيطه، وتسمية طرقاته وشوارعه، وترقيم منازله التي حتى الفخم منها تم بناء معظمه بأسلوب معماري مريح مع اهتمام ملحوظ بالحدائق رغم الطبيعة الصحراوية التي تعم المنطقة.
ويعتبر أهم معلم بمعسكر الظهران، لوح أثري يشير لموقع أول بئر اكتشف فيها النفط عام 1938، بعد أربع سنوات من بدء عمليات التنقيب بالمملكة، وأطلق عليها يومذاك اسم «بئر الدمام رقم 7».
وكان المغفور له، الملك عبد الله بن عبد العزيز قد أعاد تسمية الموقع بـ«بئر الخير»، ولا تزال البئر التي استبعدت لأسباب تشغيلية قادرة على الإنتاج، وخيرة لم تنضب من الذهب الأسود.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».