إسرائيل.. الاستثناء الوحيد

لماذا لا يخرج الإسرائيليون إلى الشوارع لإسقاط الحكومة التي تعدمهم الأمل؟

إسرائيل.. الاستثناء الوحيد
TT

إسرائيل.. الاستثناء الوحيد

إسرائيل.. الاستثناء الوحيد

أيضا في إسرائيل ارتفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام». ارتفع عدة مرات، بدأت في صيف العام 2011. تأثرا بمظاهرات واعتصامات ميدان التحرير في القاهرة وغيرها من الميادين العربية، وتجدد في سنة 2014 ثم في مارس (آذار) 2015. لكن لهيبها خبا المرة تلو الأخرى. وبنيامين نتنياهو، الذي يجمع المراقبون على أنه أضعف رئيس حكومة في تاريخ إسرائيل، والذي تقول استطلاعات الرأي إن أداءه في إدارة الحكم لا يتعدى 4.6 من 10. ما زال يتربع على سدة الحكم. ولا يوجد أمل حقيقي لتغييره في الظاهر.. وظلت إسرائيل الاستثناء الوحيد في المنطقة التي لم يطلها ما يسمى «الربيع».
فلماذا يا ترى؟ هذا السؤال يطرح بقوة واستغراب في كل مكان. يطرحه السياسيون في العالم، ويجاهرون به في أحاديثهم مع سياسيين إسرائيليين. يطرحه الناس في إسرائيل نفسها. وفي الشهر الماضي قاله عدد من قادة اليهود الأميركيين، القلقين على إسرائيل من إسرائيل. وفي العادة يتوصلون إلى الاستنتاج بأن السبب يكمن في التحول الإسرائيلي إلى اليمين والمزيد من اليمين.

هل حقا الاتجاه يمينا هو السبب في تأخير التغيير في إسرائيل؟ يجيب كثير من الخبراء والسياسيين، بـ«لا».. فما يعرف باليسار في إسرائيل: «حزب العمل» اليوم، الذي يتزعم المعارضة، كان قد حكم إسرائيل منذ قيامها، بل كان مسيطرا على قيادة الحركة الصهيونية منذ تأسيسها في سنة 1897. وقد ارتكب أقسى الموبقات خلال حكمه. لا يقول ذلك العرب الفلسطينيون الذين وقعوا ضحية هذه السياسات فحسب، بل يقوله كبار الخبراء والمهنيين الموضوعيين في إسرائيل نفسها.
هو الذي شرد الشعب الفلسطيني. عندما انتصر على العرب سنة 1948، لم يتصرف كمنتصر ذكي ينهي الصراع بكبرياء، بل عمل كل ما في وسعه – ومعه الكثير من العرب والفلسطينيين - لكي لا تقوم دولة فلسطينية وفق قرار التقسيم. ثم تبرع لخوض حرب ليست له ضد مصر في سنة 1956 (العدوان الثلاثي). ثم خاض حربا أخرى سنة 1967 وحقق فيها انتصارا أكبر من انتصاره السابق، إذ احتل الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء المصرية والجولان السوري. وهنا أيضا تصرف كمن يدوخ في سكرة النصر.
وعندما وافق الرئيس المصري جمال عبد الناصر على مشروع روجرز، صدته «حكومة اليسار» الإسرائيلية وصاحت رئيسة الحكومة، غولدا مائير: «أين هو الشعب الفلسطيني؟». وعندما عرض الرئيس المصري أنور السادات تسوية للصراع، رفضوه باشمئزاز. فكانت حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973. التي حارب فيها الأميركيون مباشرة لإنقاذ إسرائيل من هزيمة. ثم راحوا يطلقون مشاريع الاستيطان والتهويد في القدس وبقية الأراضي المحتلة.
فقط في سنة 1977 انتصر اليمين وتسلم الحكم. وعلى الرغم من أن هذا اليمين نفذ الفظائع، في غزوة الليطاني وفي حرب لبنان الأولى وفي حروب لاحقة وفي مشاريع الاستيطان المكثف، إلا أنه - اليمين - شهد تغييرا واسعا باتجاه اليسار. فهو الذي كان يؤمن بأن «أرض إسرائيل – فلسطين – كلها خاضعة لليهود»، وفي نشيده القومي الخاص به يتحدث عن إسرائيل كل المنطقة الممتدة من النيل حتى الفرات، تراجع عن مواقفه بشكل حاد وفي اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر، أزالوا المستوطنات في سيناء وأعادوا الأراضي المصرية حتى آخر حبة تراب، وكانت تلك سابقة تاريخية وقانونية. واعترفوا، خلال تلك الاتفاقيات، لأول مرة بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. لم يوافقوا في حينه على دولة فلسطينية، بل حاولوا إبادة منظمة التحرير الفلسطينية (في حرب لبنان)، لكن الاعتراف بتقرير المصير وضع أساسا لهذا الحق في الوعي الإسرائيلي.
وعندما تمكن اليسار بقيادة إسحق رابين من الفوز في الانتخابات سنة 1992، وقع اتفاقيات أوسلو، والتي على الرغم من كل ما شابها من ملاحظات وانتقادات، إنما دفعت فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة خطوة كبيرة إلى الأمام، وأدت إلى وضع اللبنات الأولى لهذه الدولة بواسطة السلطة الوطنية الفلسطينية. وقد اغتال اليمين المتطرف رابين وعاد اليمين إلى الحكم بقيادة بنيامين نتنياهو (1996)، فتبنى اتفاقيات أوسلو وانسحب من الخليل ومن 13 في المائة إضافية من أراضي الضفة الغربية.
وعندما تولى الحكم آرئيل شارون، رمز التطرف اليميني، انسحب من قطاع غزة حتى آخر شبر. صحيح أنه فعل ذلك من دون تنسيق مع القيادة الفلسطينية، بدافع الغطرسة وغرور القوة، لكنه سجل سابقة أخرى في إزالة كل المستوطنات والانسحاب من أرض غزة المحتلة عام 1967 بنسبة 100 في المائة. وكان شارون قد قبل مشروع «خريطة الطريق» الأميركي لتسوية الصراع، وهو مشروع مليء بالثقوب لكنه يرمي في النهاية إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية. وفي 27 مايو (أيار) من سنة 2003، أي بعد يومين من مصادقة حكومته على مبادئ خريطة الطريق، وقف شارون أمام قادة حزبه وقال: «تحت احتلالنا يعيش ملايين الفلسطينيين في نابلس ورام الله وجنين وبيت لحم والخليل، ونحن، حكومة إسرائيل، برئاسة الليكود، نريد (إنهاء الاحتلال)، السيئ لإسرائيل».
وعندما لاحظ شارون أن المتطرفين في الليكود يتآمرون لإسقاطه، شق حزبه. وأقام مع شيمعون بيريس حزب «كديما»، الذي فاز في الانتخابات. وشُل شارون وراح في غيبوبة طويلة، فتولى الحكم من بعده إيهود أولمرت، وهو أيضا من غلاة اليمين. وشن حربا ثانية على لبنان وأخرى على غزة، لكنه دخل في مفاوضات متقدمة على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. ومع أن كلمة «لو» لا تجدي نفعا في السياسة، إلا أن هناك قناعة واضحة بأن أولمرت كان سيتوصل إلى اتفاق مع الرئيس الفلسطيني على تسوية «دولتين لشعبين» لولا سقوطه في قضية فساد.
المشكلة إذن ليست في يمينية الإسرائيليين، بل في ضحالة وضيق أفق السياسيين. الإسرائيليون تعبوا وأرادوا إسقاط نتنياهو الفاشل، وخرجوا في صيف 2011 بعشرات الألوف إلى الشوارع، بشكل يومي. وبلغ عددهم ذات مرة 400 ألف متظاهر. لكن نتنياهو دبر لهم حربا. فقد اغتال قائد حماس أحمد الجعبري، وتوقع أن ترد حماس عليه بقوة. وحصل ما توقعه: حماس أطلقت الصواريخ على البلدات الإسرائيلية وهو رد بحرب. وعندما تجدد النشاط الاحتجاجي للإسرائيليين، راح يثير أجواء حرب على إيران بحجة تدمير مشروعها النووي. ثم دبر حربا ثانية على غزة في سنة 2014. وعندما جاء موعد الانتخابات وبدا أنه سيخسرها، خرج بدعوته الهستيرية في يوم الانتخابات يحذر الناخبين اليهود من أن العرب يتدفقون بعشرات الألوف على صناديق الاقتراع بحملة منظمة ممولة من الخارج لإسقاطه. فحصل على 30 مقعدا (ربع عدد مقاعد البرلمان)، قسم كبير منها جاءته من المستوطنين ومن مصوتي حلفائه ليبرمان (الذي هبط من 13 إلى 6 مقاعد) ونفتالي بنيت (الذي هبط من 12 إلى 8 مقاعد).
الإسرائيليون ببساطة محبطون. كل محاولاتهم لإسقاط نتنياهو قد فشلت. والمعارضة بالمقابل لم تطرح لهم بديلا مقنعا. قادتها باهتون ومتقاتلون، لا يتفقون على وحدة لأن كلا منهم يريد أن يكون رئيسا لهذه الوحدة. فإذا أضفنا إلى ذلك التوتر القائم في المنطقة وظاهرة «داعش»، والذي يستغله نتنياهو ليخيف الإسرائيليين، وأضفنا أخطاء عربية غير قليلة في التعاطي مع الجمهور الإسرائيلي، وإلى جانب هذا الوضع الاقتصادي الجيد وازدهار التكنولوجيا العالية ومستوى المعيشة العالي وانهيار الجيشين السوري والعراقي، فإننا نجد هذا الإسرائيلي ليس محبطا فحسب بل أيضا مطمئن بأنه لا يواجه خطرا ماحقا. يريد التغيير، ولكنه لا يخوض نضالا شرسا لتحقيقه.
الخبير المتابع للتطورات السياسية في إسرائيل، يوناتان شمؤور، يعتبر الأمر مجرد غباء وخوف، أو بالأحرى تخويف. فيقول: «قياسًا إلى يهود العالم، فإن الإسرائيليين أغبياء، فالدولة المستقلة قد لحست عقولهم! لماذا يأتون بثلاث كتائب للقيام بحملة عسكرية صغيرة في غزة للاشتباك مع بضع مئات من مقاتلي حماس، بل ولا تخضعهم، بينما كانت هذه الكتائب الثلاث ذات يوم تكفي لإلحاق الهزيمة بالجيش المصري؟ إسرائيل 2016. لا يوجد أي تهديد وجودي حقيقي لسكان الدولة، فالجيوش العربية المحيطة بها مفككة أو هي صدئة. الاقتصاد مزدهر. ومن جهة الثراء القومي، الناتج المحلي الخام، تندرج إسرائيل في مصاف أغنى (25) دولة في العالم، لكن الشعور السائد هو أن كل شيء ينهار. عندما يقوم الجميع بالسفر في إجازة إلى الخارج، فإنهم ينزعون عن أعناقهم أيقونات نجمة داود، ويخلعون الثياب المكتوب عليه كلمات بالعبرية. ليس بالأمر اللطيف أن تكون إسرائيليًا خارج البلاد. دولة اليهود فقدت القدرة على التفكير بوضوح وبذهن صاف. الحكمة ليست مجرد «آي كيو» عال، إنها شرط إلزامي، لكنه ليس كافيًا بالقطْع. الحكمة، على الدوام، هي الشجاعة قبل كل شيء. الغباء الإسرائيلي لم يبدأ من اليوم. دعامات الحماقة وضعت قبل سنين، وحجارة البلاهة التي تُبنى بها جدران هذا المكان تتزايد طوال الوقت، وتقوي السور الذي يوصد العقل. نزلت المصيبة على إسرائيل عام 1967. تلك الحرب، التي اعتبرها العائدون منها بسلام – أعجوبة، بدأت تشوش المنظومة. خلال أسبوع تضخمت إسرائيل ليصبح حجمها أربعة أضعاف ما كان عليه قبل ذلك. مذيعو نشرات الأخبار كانوا ينتشون كل ليلة وهم يعلنون عن حالة الطقس: جبل الشيخ، قناة السويس، شرم الشيخ. إمبراطورية. عام 1979 (توقيع اتفاقيات كامب ديفيد)، كان يُفترض أن يكون صفعة إيقاظ. يمكن التوقف عن التضحية بالعقل لصالح نظرية النهضة العبرية. انتهى. نجحنا. حقًا نجحنا. يوجد سلام. المعادلة وضحت للجميع. بعد مائة عام، الدول العربية تعترف بدولة إسرائيل الصهيونية. الثمن هو التنازل عن الحلم بالإمبراطورية والانكفاء إلى خطوط وقف إطلاق النار من العام 1949. التي تُعرف بالحدود الدولية لإسرائيل.
«المناطق (المحتلة) وقعت بأيدي إسرائيل أيام حكم اليسار. المستوطنات أنشئت بأيدي حكومات «المعراخ»: ليفي اشكول، يغئال الون، غولدا مائير، إسحاق رابين، شيمعون بيريس. جميعهم نظفوا أياديهم من أثر الإسمنت في احتفالات وضع حجر الأساس. جرثومة الغباء بدأت تتكاثر. لكن يومها أيضًا، حاولت السلطة تبرير أفعالها بشكل منطقي. هنا لم تكن فلسطين أبدًا.
احتللنا الأرض من الأردن، وها قد تنازلت عنها. مستعدون لانسحاب يضمن الأمن، كومة من الكلمات الجوفاء، التي لم توصل إلى أي مكان، سوى إلى فقدان السلطة ومجيء مناحيم بيغن. وهو أيضًا، باتفاقية السلام مع مصر، التي أصرت على شمل البند الفلسطيني – حاول التمسّك بمنطق ما: سنقيم الحكم الذاتي – قال. مثل كاتالونيا في إسبانيا، ومثل اسكوتلندا في بريطانيا، ومثل بورتوريكو في الولايات المتحدة الأميركية. هنالك الكثير من هذا، فلماذا لا يكون هنا. رحل بيغن، وجاء رابين، وجاء أوسلو، وجاء القاتل. وهنا ظهر بيبي (نتنياهو). نتنياهو يفهم جيدًا نظرية القطيع. وعلومه بالبقر تجعله يبث موجات وتذبذبات من الخوف، تجعل الجماهير المذعورة تصطف كتفًا إلى كتف. الذعر والهلع هما أضمن وأنجح سبيل لتكتيل القطيع. نتنياهو نجح في تكتيل الناس وتحويلهم إلى قطيع، مستعينًا بالتخويف الدائم: الإرهاب، إيران، ما يسمى «حزب الله»، حماس، أولاد المقصات، العرب – أولئك الذين في الخارج، وأولئك الذين بين ظهرانينا. الخوف ثم الخوف ثم الخوف. إسرائيل تحولت إلى قطيع مذعور. العقل، المسحوق أصلاً، يبدو مثل خرقة حقيرة. العقل هو اليسار: خائن وعدو. ومن أجل التحكم بالإسرائيليين، يريدهم بيبي خائفين مذعورين. وهذه مشكلة، لأن الإسرائيلي شجاع. ولكي يعود ليصبح خوّافًا، فمن الواجب تهويده. هذه هي معادلة حكم بيبي. هذه هي الخدعة التي تمكنه من الصمود والبقاء. هذا هو أكبر الاختراعات. من الصباح وحتى المساء. في كل خطاب. في كل مقولة. في كل ظهور أمام الناس – ظهوره هو، أو حاشية السلطة، أو رفاقه في الائتلاف، أو جوقة المعقبين. في البوستات، والمقابلات، ومشاريع القوانين، وقرارات الوزراء. يهوّدون كل ما أمكن: الفنون، التربية والتعليم، الحياة. كلنا يهود، يهود، يهود. دولة يهودية، وليقل الجميع إننا هكذا. عندما تقع عملية معادية – والعمليات لا تنتهي أبدا – تضرب المهدّة (المطرقة الثقيلة) الإسرائيلية بأقصى قوتها: العرب يُعملون بنا قتلاً لأننا يهود. هم «لا يقتلون»، ولا «يضربون»، ولا «يقاتلون» – بل يُعملون قتلاً.
مثلما فعلوا باليهود في بلاد المهجر. ايخمان (النازي) الذي حرق (اليهود) والفتاة العربية التي هجمت بالمقص – سيّان. اليهودي (Jew) يبقى هو اليهودي (Jew)، والأغيار هم الأغيار! لا ينفع وصف هذه المقولة بأنها أكذوبة، ماذا ينفع إن أنت حاولت القول: إن العرب يحاربون الإسرائيليين لأنهم محتلون؟ الكذب والحقيقة هما اصطلاحان ينتميان إلى العالم المنطقي. ولكن نحن نغوص في المشاعر. المشاعر اليهودية. كل عملية فلسطينية تعزّز قوة بيبي. كل حدث كهذا يمكّنه من وسم المزيد من البهائم بطبعة اليهودي. الخوف، الذي يخدمه أيّما خدمة، هو أفضل أداة لنفي العقل والمنطق، وهو المطلوب بالذات لمواصلة الاحتلال.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.