السعودية أكبر المستثمرين العرب في مصر بنحو 6 مليارات دولار

العلاقات الاقتصادية السعودية المصرية.. استثمار طويل المدى ودعم وقت الشدة

السعودية أكبر المستثمرين العرب في مصر بنحو 6 مليارات دولار
TT

السعودية أكبر المستثمرين العرب في مصر بنحو 6 مليارات دولار

السعودية أكبر المستثمرين العرب في مصر بنحو 6 مليارات دولار

قدمت دول مجلس التعاون الخليجي مساعدات لمصر على هيئة هبات وودائع وتسهيلات ائتمانية تجاوزت 30 مليار دولار منذ 30 يونيو (حزيران) عام 2013، كان للمملكة العربية السعودية الحصة العظمى منها. ورغم أن هذه المساعدات ضمنت بقاء الاقتصاد المصري «طافيا» أمام موجات الاضطراب الأمني والاقتصادي، فإن المصريين أصبحوا أكثر حاجة الآن إلى الاستثمارات السعودية الموفرة لتمويل ووظائف في الأجل الطويل.
وقد مكنت المساعدات السعودية البترولية، وتسهيلات السداد الممنوحة للجانب المصري، من القضاء على أزمات الوقود وانقطاع الكهرباء وتعطل حركة السلع التي استمرت لأعوام، كما دعمت المنح والودائع وضع احتياطي النقد الأجنبي، ما ساعد مصر على الوفاء بالتزاماتها تجاه العالم الخارجي، وتوفير السلع الغذائية المستوردة للسوق المحلي، ولكن تدهور إيرادات قطاع السياحة في الفترة الأخيرة جعل مصر في حاجة أكبر لمورد مستقر للعملات الأجنبية، وهو الاستثمار.
والسعودية هي المستثمر الثاني في السوق المصرية، والأول خليجيا وعربيا، وقد حافظت على موقعها في السنوات الماضية رغم انخفاض جاذبية السوق المصري، والتدهور الأمني والاقتصادي، عقب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011.
وشهدت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين تفاعلاً ونموًا مستمرًا تضاعف عدة مرات منذ الثمانينات من القرن الماضي، وتبلغ قيمة الاستثمارات السعودية في مصر حاليا نحو 6 مليارات دولار موزعة على نحو 3400 شركة، وفي منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز زيادة الاستثمارات السعودية في مصر إلى 30 مليار ريال (8 مليارات دولار)، وتوفير احتياجات مصر من المواد البترولية لمدة 5 سنوات، ودعم حركة النقل بقناة السويس من خلال السفن السعودية.
وتتوزع الاستثمارات السعودية الحالية في مصر بين عدة قطاعات، حيث يستحوذ قطاع الصناعة على أكثر من ملياري دولار من الاستثمارات السعودية موزعة على 742 شركة، بينما يستحوذ قطاع الإنشاءات على 1.2 مليار دولار موزعة على 539 شركة، وفي المركز الثالث يأتي قطاع السياحة بـ947 مليار دولار موزعة على 276 شركة، ثم قطاع التمويل بـ687 مليون دولار موزعة على 112 شركة.
وتستثمر أكثر من 1000 شركة في قطاع الخدمات نحو 573 مليون دولار من الاستثمارات السعودية، وفي قطاع الزراعة تقوم 397 شركة باستثمار 533 مليون دولار، وفي قطاع الاتصالات تستثمر 273 شركة 69 مليون دولار.
ومن أبرز الاستثمارات السعودية الحكومية في مصر الشركة العربية لأنابيب البترول (سوميد)، وتساهم السعودية بنسبة 15 في المائة من رأسمال (سوميد) البالغ 400 مليون دولار، ويربط خط الشركة بين مينائي العين السخنة بخليج السويس وميناء كرير على البحر المتوسط، بخط أنابيب مزدوج طوله 320 كيلومترًا لنقل خام الزيت العربي ومنتجاته إلى الدول العربية، وفي قطاع التمويل تظهر المساهمات السعودية في عدد من البنوك، مثل بنك فيصل الإسلامي المصري، وبنك الدلتا الدولي، والبنك المصري الخليجي، وشركة بيت التأمين المصري السعودي، ومجموعة النعيم للاستثمار، والشركة السعودية المصرية للاستثمار والتمويل، وشركة ديار للإدارة والاستثمار.
وفي قطاع السياحة، تسيطر الاستثمارات السعودية على عدد من أهم الوجهات السياحية في مصر، مثل فندق سميراميس إنتركونتننتال، وفندق جراند حياة في العاصمة المصرية القاهرة، وسلسلة فنادق «فورسيزونز» بشرم الشيخ والقاهرة والإسكندرية، وفنادق مشروع «سيتي ستارز» بالقاهرة.
أما أهم الاستثمارات في القطاع الصناعي بمصر، فهي استثمارات شركة «الزامل» للمباني الحديدية المحدودة، وشركة المصنع الوطني لمكيفات الفريون (العيسى - جيبسون) أوليمبيك إلكتريك، وشركة مصر الخليج لتصنيع الزيوت، وشركة «يونيون إير» للمكيفات - السعودية للتجارة والمقاولات، وشركة صافولا مصر، وشركة مصر لإنتاج السكر.
وفي القطاع الزراعي، يعرف الكثير من المصريون شركة المملكة للتنمية الزراعية (كادكو)، وشركة النعام المصرية السعودية، وشركة النوبارية لإنتاج البذور (نوباسيد)، وشركة الوادي لتصدير الحاصلات الزراعية.
ورغم التعديل الذي شهدته الحكومة المصرية في الأيام الماضية، فإن الحكومتين اتفقتا على أن حل مشكلات مستثمري المملكة على رأس أولويات الدولة، فقد صرح وزير الاستثمار المصري السابق، أشرف سالمان، قبل إنهاء فترته، بأن مصر طرحت على الجانب السعودي خلال اجتماع اللجنة التنسيقية المصرية السعودية عدة مشروعات في قطاعات مختلفة في مرحلة ما قبل الدراسة، ولكنها ذات ملامح واضحة. وأضاف سالمان أن الجانب السعودي اختار قطاعات محددة لاستثمار 30 مليار ريال (8 مليارات دولار) من خلال صناديق الاستثمار السعودية في «الإسكان، والسياحة، والزراعة، والطاقة»، على مدار السنوات الخمس القادمة.
وفي أول تصريحات وزيرة الاستثمار الجديدة، أكدت داليا خورشيد على ضرورة تشكيل فريق عمل لبحث كل مشكلات الشركات السعودية في مصر، وأصدرت توجيهات بسرعة التواصل والتنسيق مع الجهات المعنية لحل وتذليل العقبات التي تواجه مشروعات تلك الشركات.
وقالت وزيرة الاستثمار إن المرحلة المقبلة ستشهد تواصلا مستمرا مع المستثمرين المحليين والأجانب، وفي مقدمتهم أصحاب المشروعات السعودية العاملة بمصر.
وأكدت الوزيرة أنها اجتمعت مع أعضاء مجلس إدارة الجمعية المصرية السعودية لرجال الأعمال، ونخبة من المستثمرين السعوديين، لبحث آليات حل المشكلات التي تواجه بعض المشروعات السعودية العاملة في مصر.
وقالت خورشيد: «نعمل معكم من منطلق إيماننا بأننا وسطاؤكم لدى كل الهيئات وكيانات الدولة»، مضيفة: «نتواصل ونتكامل مع كل الوزارات والجهات الإدارية بالدولة لصالح المستثمر، ولدفع وتنشيط حركة الاستثمار، كما نسعى لإيجاد حلول ودية مع كل الأطراف قبل اللجوء للجان فض المنازعات أو التحكيم الدولي».
ووجه أعضاء مجلس إدارة الجمعية المصرية السعودية لرجال الأعمال الشكر لوزيرة الاستثمار على الاهتمام الجاد الواضح الذي توليه لملف مشكلات بعض الشركات السعودية العاملة بمصر، لافتين إلى أن «مشكلة منح تراخيص الأراضي، إلى جانب بعض القرارات من جانب الأجهزة الإدارية بالدولة، تمثل أهم العراقيل التي تواجه بعض المشروعات السعودية العاملة في مصر».
وأكد المستثمرون السعوديون على «حرصهم، وكل ممثلي مجتمع الأعمال السعودي، على الوجود بالسوق المصرية، ونية الكثيرين منهم التوسع باستثماراتهم خلال الفترة المقبلة، في ظل الفرص الواعدة المتاحة، والجهود التي تبذلها الدولة المصرية لمضاعفة حركة الاستثمار وتطوير وتهيئة مناخ الأعمال».
ولا تقتصر العلاقات الاقتصادية المصرية - السعودية فقط على الاستثمارات، فملف العمالة المصرية في السعودية يُعد من أهم الملفات المهمة على صعيد العلاقة بين الدولتين، وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن أعداد المصريين العاملين بالمملكة العربية السعودية يُقدر بنحو مليوني مصري، وهي أكبر مستقبل للعمالة المصرية المهاجرة التي تدعم ميزان المدفوعات المصري بتحويلاتها من الخارج. ويشغل العاملون المصريون قطاعات حيوية مهمة في المملكة، منها الصيدلة والطب والمحاسبة والتعليم والإنشاءات والمقاولات.
وبخصوص العلاقات التجارية، فإن المملكة هي الشريك التجاري السادس لمصر، بعد روسيا، والإمارات، والصين، وألمانيا، وإيطاليا، وقبل الولايات المتحدة، وإنجلترا، وباقي دول العالم.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين الدولتين أكثر من مليار دولار خلال الربع الأول من العام المالي 2015 / 2016، حيث صدرت مصر ما قيمته 273.7 مليون دولار للسعودية، واستوردت منها ما قيمته 795.4 مليون دولار، وتستحوذ المملكة على 5.5 في المائة من التجارة الخارجية المصرية، وهذه الأرقام منخفضة مقارنة بالربع الأخير في العام المالي الماضي 2014 / 2015 الذي بلغ فيه حجم التبادل التجاري 2.2 مليار دولار.
ورغم سيطرة البضائع النفطية على جزء كبير من العلاقات التجارية السعودية - المصرية، فإن مصر تقوم بتبادل عدد كبير من البضائع مع السعودية أيضًا، غير المواد البترولية، حيث تتبادل الدولتان مواد البناء والكيماويات والأسمدة والصناعات الهندسية والإلكترونية بحصص متقاربة، بينما تغلب الصادرات المصرية على الصادرات السعودية في قطاعات الملابس الجاهزة والمفروشات والأثاث والحاصلات الزراعية والصناعات الغذائية والصناعات اليدوية، بينما تستورد مصر الصناعات الطبية بشكل أكبر من السعودية مقارنة بصادراتها للمملكة.
وقد بلغ عجز الميزان التجاري المصري 3.4 مليار دولار في النصف الأول من العام المالي 2015 / 2016، ما يعني أن مصر ما زالت في حاجة لتحسين بنود ميزانها التجاري، إما بزيادة صادراتها، وبالتالي خفض عجز ميزانها التجاري الذي يقترب من 20 مليون دولار في هذه الفترة، أو تحقيق فائض في الميزان المالي والرأسمالي، عن طريق زيادة صافي تدفق الاستثمارات من الخارج التي تجاوزت 3 مليارات دولار بصعوبة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى ديسمبر 2015، وبإمكان مصر أن تحقق تحسنا ملحوظا في هذه المؤشرات إذا استطاعت إقناع المستثمرين والحكومة السعودية بزيادة التعاون وتقديم تسهيلات مُحفزة للمستثمرين السعوديين.




«التعاون الإسلامي» تؤكد دعمها وتضامنها مع الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل

شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
TT

«التعاون الإسلامي» تؤكد دعمها وتضامنها مع الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل

شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)

أعربت الأمانة العامة لمنظمة «التعاون الإسلامي» عن بالغ القلق إزاء تدهور أوضاع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، البالغ عددهم أكثر من 9500 أسير، من بينهم 73 أسيرة و350 طفلاً، علاوة على المعتقلين من قطاع غزة الذين لا يُعرَف عددهم.

وحذّرت الأمانة العامة من خطورة ما يتعرّض له الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي «من جرائم ممنهجة وغير إنسانية، وآخرها المصادقة على عقوبة الإعدام بحقهم، وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية التي كفلها لهم القانون الدولي الإنساني، من تعليم وعلاج واتصال بالعالم الخارجي، علاوةً على إخضاعهم للتعذيب والاعتداء عليهم بشكل متعمَّد ومنهجي، والتجريد من الإنسانية والإرهاب النفسي، والعنف الجنسي، والاغتصاب، والتجويع، والحبس الانفرادي، وغيرها من الإجراءات التي ترتقي إلى مستوى جريمة حرب وجريمة إبادة جماعية، بموجب القانون الجنائي الدولي»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية (واس)».

وأكدت الأمانة العامة أن هذه الإجراءات، التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي، «تشكل انتهاكاً لجميع المعايير والقواعد التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني، وميثاق حقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف، وغيرها من المواثيق الدولية ذات الصلة؛ الأمر الذي يتطلب مضاعفة الجهود لملاحقة ومساءلة إسرائيل، وفق القانون الجنائي الدولي».

وحمّلت الأمانة العامة للمنظمة إسرائيل «المسؤولية الكاملة عن حياة جميع الأسرى الفلسطينيين، لا سيما الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن». وجدَّدت دعوتها جميع أطراف المجتمع الدولي إلى «تحمّل مسؤولياتها وإلزام الاحتلال الإسرائيلي باحترام واجباته تجاه حقوق الأسرى الفلسطينيين».


السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».