جرحى يبرود يلملمون جراحهم في عرسال استعدادا للعودة إلى القتال

مقاتل سوري في «النصرة» لـ {الشرق الأوسط}: أفجر نفسي بحزب الله إذا انتقلت المعركة إلى لبنان

مدرعة تابعة للجيش اللبناني تجوب أحياء عرسال الرئيسية أمس(رويترز)
مدرعة تابعة للجيش اللبناني تجوب أحياء عرسال الرئيسية أمس(رويترز)
TT

جرحى يبرود يلملمون جراحهم في عرسال استعدادا للعودة إلى القتال

مدرعة تابعة للجيش اللبناني تجوب أحياء عرسال الرئيسية أمس(رويترز)
مدرعة تابعة للجيش اللبناني تجوب أحياء عرسال الرئيسية أمس(رويترز)

صفوف من أهالي الجرحى السوريين في بلدة عرسال البقاعية، على الحدود مع سوريا، تزنر مدخل الطوارئ في مشفى الرحمة. صوت الطبيب يعلو في المكان مستنجدا حاملي فئة الدم «ب+» التوجه عند الممرضة للتبرع بالدم، وإنقاذ حياة المقاتل السوري أبو إيهاب، الذي هرب إلى لبنان بعد سقوط يبرود في قبضة قوات النظام السوري. فأصابته شظايا البراميل المتفجرة في رأسه ورجله ويديه.
ثيابه ممزقة بالكامل، وبقع الدماء تظهر الحالة الصحية السيئة التي وصل إليها المقاتل إلى المشفى. يصف الدكتور باسم القلح الوضع الطبي للجريح بالخطير جدا: «لا نعلم إذا كان سيعيش، فدماغه مصاب بكسور خطيرة ويحتاج إلى عناية تفوق الإمكانيات المتوفرة في المشفى». وعن عدد الجرحى الذين تلقوا العلاج في عرسال، يقول: «لحظة سقوط يبرود لجأ إلينا 22 جريحا إصاباتهم تتنوع بين متوسطة وخطيرة، وفي اليوم الثالث والرابع وصل العدد إلى ستة جرحى أغلبهم عادوا إلى منازلهم في المخيمات ويتابعون علاجهم بالأدوية والمسكنات».
في مخيم الأمان المجاور لمخيم شهداء القصير، قصص مقاتلين جرحى يتألمون من وجع الهزيمة أكثر من وجعهم الجسدي وتمنيات بالشفاء العاجل بما يمكنهم من «حمل البارودة والـ(آر بي جي)» للانخراط في المعركة، والقتال على الجبهات السورية من جديد.
يضحك أبو يوسف متذكرا: «كنا نقاتل بـ14 ونص (مدفع رشاش مضاد للطيران) شبه معطل، يطلق ست رصاصات، ثم يتوقف، فأنظر إلى الطائرة الحربية متوقعا أن أُدفن حيا وأقول في سري عندما تقترب من مكان وجودي (سأموت) وعندما تبتعد (لن أموت)». ويضيف ساخرا: «المؤذي في قصة السوري أنه دفع طوال 40 سنة المال والضرائب لجيش بلاده فاشترى له الأسلحة والدبابات والمدافع والطائرات الحربية ليأتي الأخير ويقتله بما اشتراه له من عرق جبينه». ويكمل حديثه قائلا: «عدد سكان يبرود بلغ 150 ألف نازح سوري جاءوا من الغوطة الشرقية والقصير وحمص وريف الشام وعند حصار يبرود، هرب أغلبهم خوفا من الصواريخ؛ فأين هم المقاتلون الذين كانوا يُحكِمون سيطرتهم على المنطقة؟».
يعاني أبو يوسف، وهو مدرس لمهنة الميكانيكا في المعهد الصناعي المتوسط، من شلل نصفي وبتر في يده اليمنى ورجله اليسرى، جاء إلى عرسال عبر الحدود السورية مع 15 مقاتلا، توفي عشرة منهم، وبقي الخمسة الآخرون على قيد الحياة، بينهم أبو يوسف.
يجلس إلى جانبه ابنه رعد، الرقيب أول المنشق عن الجيش النظامي والمقاتل في صفوف جبهة النصرة في سوريا والمستعد للقتال في لبنان إذا انتقلت المعركة إلى الأراضي اللبنانية «انتقاما من حزب الله وإيران و(الرئيس السوري) بشار الأسد» على حد قوله.
ويشير إلى أن «انشقاقه عن جيش الأسد جاء بعد سنة من اندلاع الثورة السورية»، ويقول: «شاهدت اقتلاع أظافر الأطفال الأبرياء الذين رفعوا كلمة (الله أكبر)، كنت أول من شاهد مآسيهم وشعر بأوجاعهم في وقت كان ابن خالة الأسد الضابط عاطف نجيب يستمتع بأنين أصواتهم المؤلمة».
يخبئ رعد بطاقة انضمامه إلى جبهة النصرة في جرود عرسال، تعرّف المنظمة كل مقاتل إلى جانبها بـ«المجاهد» مع شعارها «لا إله إلا الله ومحمد رسول الله» مرفق بصورة أميرهم «الجولاني». جاء إلى عرسال ليرافق والده المصاب ويطمئن على حالة والدته الصحية، وهو يستعد ليعود اليوم (الجمعة) إلى القتال على إحدى جبهات القلمون».
وعن الانفجارات والسيارات المفخخة التي تتبناها «جبهة النصرة في لبنان»، يحمل رعد مسؤوليتها إلى تنظيم «داعش». ويقول: «إذا انتقلت حرب النصرة إلى لبنان فسأكون أول من يفخخ نفسه بين حزب إيران وكل حليف لجرائم الأسد». تنظر إليه والدته بفرح وتربت على كتفه قائلة: «والله كبرت وصرت بطلا».
في الخيمة المجاورة أحد المقاتلين أيضا من يبرود ويدعى أحمد حربا، يبلغ من العمر 27 عاما وهو سائق سيارة أجرة، اعتقل خلال عمله وبعد إطلاق سراحه انخرط في صفوف مقاتلي الجيش الحر. جاء إلى عرسال بعد يومين على إعلان قوات الأسد السيطرة الكاملة على منطقة يبرود، يروي لـ«الشرق الأوسط» الظروف القاسية التي عاشها خلال اعتقاله في فروع المخابرات السورية بدمشق، التي يقول إنها «ربت بداخله حقدا لن يمحوه من قلبه غير الانتقام».
ويشير إلى أنه عند اعتقاله، قال له أحد العسكريين: «نعلم أنك لم تفعل شيئا، ولكن هناك أوامر باعتقالك»، مضيفا: «سجنت سنتين وفي أول أربعة أشهر لم تترك أداة تعذيب إلا وجربت على جسدي وصدري ورأسي في سجون المخابرات، قبل نقلي إلى سجن حمص المركزي، فإبريق المتي المغلي شاهد على معاناتي اليومية، وآثار أشرطة الكهرباء على ظهري ما زالت ظاهرة».
خرج محمد من السجن تاركا وراءه خمسة آلاف مدني يرزحون، على حد قوله، تحت أدوات التعذيب. حمل السلاح في أول معركة في يبرود، وانسحب منها بعد تضييق قوات الأسد الحصار، هاربا إلى عرسال مع خمسة جرحى أصيبوا خلال قتالهم في المنطقة. ويجزم بعودته إلى منطقة يبرود عبر «الموتوسيكل» من خلال سلوك طرق فرعية.
يؤكد غالبية المقاتلين الذين وفدوا أخيرا إلى عرسال من مناطق يبرود وفليطا وراس العين السورية، أنهم «يستخدمون الحدود اللبنانية السورية مع عرسال براحة شبه تامة»، ويشير أحدهم إلى أن «وجود الجيش محصور على عدد من الحواجز التي ليس بمقدورها سد المعابر الفرعية التي يسلكها كل هارب من سوريا». وعند سؤالهم عن مكان أسلحتهم، يجزم عدد كبير منهم بأنهم تركوها على حاجز فليطة التابع لجبهة النصرة، التي «تحلل دم كل مقاتل خارج مع سلاحه، بوصفه ضعيف وخائن»، على حد قولهم.
أما أبو عبد الله، فله قصة أخرى. على الرغم من إعاقته وعدم قدرته على المشي بسبب قطع ساقه، فإنه أصر على المشاركة في المعركة إلى جانب الجيش الحر، فكان يمد المقاتلين بالأكل والغذاء والمعونات الإنسانية. لكن قصف يبرود بالصواريخ، أدى إلى بتر ساقه الثانية ليصبح رجلا بلا قدمين، ويأتي إلى عرسال لاجئا، شأنه شأن 100 ألف لاجئ سوري هربوا من البلدات السورية إلى بلدة عرسال الحدودية.



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».