الأفلام البوليسية الكلاسيكية.. تطل من جديد

المرأة والسياسة في صلب أفلام الجريمة غير الكاملة

روبرت ميتشوم في دور فيليب مارلو في «وداعًا يا حبي»
روبرت ميتشوم في دور فيليب مارلو في «وداعًا يا حبي»
TT

الأفلام البوليسية الكلاسيكية.. تطل من جديد

روبرت ميتشوم في دور فيليب مارلو في «وداعًا يا حبي»
روبرت ميتشوم في دور فيليب مارلو في «وداعًا يا حبي»

إذا ما احتوى الفيلم الجديد «اقتلني.. موتًا» على ميزة جيدة فهي في أنه يبث الحنين لسينما بوليسية أميركية من الأربعينات اصطلح على تسميتها بـ«الفيلم نوار»، وهي تسمية فرنسية الأصل انطلت على كل تلك المجموعة من الأفلام البيضاء - السوداء حول الشخصيات المهمومة بماضيها، وهي تحاول إما إيجاد الحل للغز جنائي عالق أو هي طرف فيه تحاول الهرب منه.
عنوان الفيلم الجديد وحده يوحي بالماضي، ولو على نحو من السخرية. فالعنوان الأصلي هو «Kill Me‪,‬ Deadly» منسوج على وتيرة «Kiss Mr Deadly» (قبلني للموت)، الذي حققه في الإطار ذاته المخرج الراحل روبرت ألدريتش سنة 1955. هذا من حيث الإيحاء، أما من حيث السخرية، فـ«القتل موتًا» لعب على مفهوم واحد، فلا أحد يستطيع أن يقتل جَرحًا مثلاً، ونتيجة القتل هي الموت تلقائيًا.
فيلم دارت ساندرز يقدّم الهيئة العامّة لسينما النوع البوليسي كما كان سائدًا من مطلع الأربعينات وحتى نهايات الخمسينات، حكاية تحرّ خاص (يؤديه ممثل غير معروف، لكنه جيد دين ليمونت) يتسلم قضية مثيرة عندما تقصده المليونيرة كليرمونت (لسلي آن داون التي لا نراها كثيرًا في الأفلام هذه الأيام) طالبة منه التحقيق في مسألة تلك الرسائل المجهولة التي تتسلمها، والتي يحتوي كل منها على سطر واحد: «سأقوم بقتلك».
تخشى على نفسها لأنها تملك أغلى جوهرة في العالم، وتدرك أن كل مالك سابق لها مات مقتولاً، لذلك تخشى أن تكون الضحية التالية. وما تخشاه يقع. وتحرينا يجد نفسه مصابًا بالرغبة في مواصلة عمله ومعرفة هوية القاتل. لكي يصل إلى النتائج المتوخاة، يتعرف على مونا (كرستن فانغنيز)، المرأة اللعوب التي قد تكون أصل الداء فيما سيلي من مشاهد، ذلك لأنها مصنوعة بدورها على سياق الشخصيات النسائية اللاتي يغررن بأبطال هذا النوع من الأفلام ويجذبهن إلى بيت العنكبوت.
* مصادر أدبية
الفيلم بالأبيض والأسود اقترانًا بأفلام تلك الفترة، والحوار والتعليق على الأحداث (بصوت التحري) مكتوبان بنفَس الأمس أيضًا، كما الحال عندما يصف التحري كيف سطت مونا عليه بجمالها: «امتلكتني كما يمتلك الذئب فريسته».
واحد من أهم ملامح «الفيلم نوار» الماضية كانت تلك المرأة اللعوب. وردت في أفلام كثيرة منها «جوني إيغر» لمرفن لي روي (1940)، و«مخدوع» لويليام كاسل (1944)، و«السيدة الشبح» لروبرت سيودماك (1944)، ووصلت إلى نموذجها الأعلى عندما قام بيلي وايلدر بتحقيق «تأمين مزدوج» (1944) مع فرد ماكموري، الرجل المغرر به، وباربرا ستانويك، المرأة التي أوقعته ودفعته للجريمة ثم حاولت القضاء عليه.
ولم يكن ضروريًا في عدد من الأفلام أن تكون المرأة فاتنة هدفها الإيقاع بالرجال، فهي قد تكون أيضًا مخلصة لكن كان حريًا بالبطل الابتعاد عنها على كل حال، كما في «هذا المسدس للقتل» لفرانك تاتل (1942) أو «ممر مظلم» لدلمر دَيفز (1947).
على أن «اقتلني.. موتًا» يذكر بفيلم «الصقر المالطي» (1941) أول فيلم أخرجه جون هيوستون وكان مستوحى من رواية داشيل هاميت بالعنوان نفسه. هناك المرأة التي تقصد التحري سام سبايد (همفري بوغارت) لمساعدتها في البحث عن تمثال لصقر يساوي أكثر من وزنه ذهبًا، وما إن يقبل حتى يسقط شريكه قتيلاً، ثم يجد نفسه مخدوعًا ومحاطًا بأشرار آخرين يريدون الوصول إلى ذلك الصقر المالطي.
أما العنوان ذاته فهو أقرب لفيلم ألدريتش، كما تقدّم، لكن الحكاية بعيدة جدًا.
هو أيضًا من مصدر أدبي، كتبه ميكي سبيلاين. وبينما سام سبايد هو اسم التحري المفضل لدى هاميت وبطل رواياته البوليسية، كان مايك هامر اسم التحري الخاص المفضل لدى سبيلاين وبطل رواياته. كان أيضًا أكثر عنفًا من سام سبايد ومن فيليب مارلو، الذي وضعه بالقدر الأعلى من الجودة الكاتب رايموند تشاندلر.
في «قبلني للموت» نتعرّف على التحري مايك هامر (كما يؤديه بفاعلية شديدة رالف ميكر) وهو يقود سيارته في الليل على طريق خارج مدينة لوس أنجليس. فجأة، امرأة (كلوريس ليتشمان) لا ترتدي سوى معطف واقٍ توقفه وتطلب منها أن ينقلها. تبدو هاربة. يبدو كما لو أنه لا يهتم. لكن المرأة التي التقى بها في باطن الليل هَلِعة ومتوترة هي السبيل لمغامرته التي لم يحسب لها، والتي يتعرض فيها للضرب وللتخدير ولمحاولة القتل وينجو من تبعاتها حتى النهاية.
* سياسة واقتصاد
«قبلني للموت» في كليته فيلم سياسي من حيث إن اللغز الذي يجد التحري مايك هامر يتابعه هو ذلك الصندوق الحديدي المغلق المحتوي على أشعة نووية يحاول الأشرار الحصول عليه لغاية يتدخل التحري لإحباطها. في الفصل النهائي من الفيلم تحاول امرأة أخرى دخلت على خط الأحداث اسمها ليلي (غبي رودجرز) معرفة سر ذلك الصندوق بفتحه. يحذرها رئيس العصابة من ذلك فهو يدري خطره، لكنها تصر معتقدة أن الصندوق يحتوي على جوهرة لا تقدر بثمن. تقتل رئيس العصابة وتفتح الصندوق. تتسرب الإشعاعات النووية منه وتقتلها للفور. يهرب هامر مع فتاته (ماكسين كوبر) من داخل البيت راكضين تجاه البحر، قبل أن يضيء الانفجار الكبير سماء الليل.
ما هو سياسي هنا هو أن الخطر النووي مصدره الشرق الأوروبي ورئيس العصابة لاجئ من هناك، وخطته تنص على استخدام الإشعاع في عمل إرهابي.
مثله في التوجه «هذا المسدس للإيجار» لفرانك تاتل. مثله مأخوذ عن رواية أدبية وضعها غراهام غرين الذي دائمًا ما حاك وضعًا سياسيًا في رواياته التي مزجت الجاسوسي بالتشويق البوليسي، ومنها هذه الرواية. تم تصويرها مرّتين؛ الأولى عندما قام ألبرت مالتز (لاحقًا من بين ضيوف «قائمة العشرة» الممنوعين من الكتابة أيام المكارثية) بوضع سيناريو هذا الفيلم، والثانية عندما قام الممثل جيمس كاغني بتحقيقها فيلمًا من إخراجه (الوحيد له في هذا الشأن)، تحت عنوان «طريق مختصرة للجحيم» سنة 1957. لكن «هذا المسدس للإيجار» هو الذي حافظ على الخلفية السياسية.
بطله قاتل محترف (ألان لاد) ينفذ مهمّة أسندت إليه ويتقاضى ثمنها، ليكتشف أن من طلب منه تنفيذ المهمّة (ليرد كراجر)، إنما أعطاه ما لا يسهل على البوليس اقتفاء أثره، فيلاحقه ملتقيًا بالمرأة إيلين (فيرونيكا لايك)، التي ستساعده للوصول إلى هدفه، ولو أنها مخطوبة للتحري الرسمي الذي يلاحقه (روبرت برستون). الدمج السياسي آت من أن الشرير الأول ضليع مع شخص أعلى منه في تنفيذ مؤامرة نازية في الولايات المتحدة.
«قبلني للموت» و«هذا المسدس للإيجار» يشتركان في أنهما يصنّفا الأميركي النموذجي، بذلك القوي الواقع على هامش المجتمع. التحري الخاص دائمًا ما كان الشخص الذي تلجأ إليه إذا ما أردت تجنب البوليس، والذي قد يجد نفسه طريد القانون كما لو كان مجرمًا، حتى وإن كان شريفًا يسعى للاقتناص من الأشرار وأعداء الوطن.
زيادة على ذلك أصدقاء مايك هامر هم من الهامشيين. هذا محيطه الاجتماعي: الأسود المقهور (نات كينغ كول) والميكانيكي. في «وداعًا يا حبي» لدك رتشاردس عن رواية رايموند شاندلر نجد أن الصديق الأول للتحري فيليب مارلو هو بائع صحف على الرصيف. أما في «هذا المسدس للإيجار»، فإن البطل نفسه يعيش منزويًا مع قطّته في غرفة فندق حقير.
* حياة بائسة
التحري الخاص في الفيلم نوار لا يمكن له أن يكون فوق مستوى المعيشة. إنه مرتاح ماديًا ويملك بضع سيارات، وأعماله مزدهرة، ومكتبه فيه أكثر من سكرتيرة (وأحيانا من دونه). أسوأ منهم حال أبطال هذا النوع من غير السلك التحري.
خذ مثلاً بطل «ساعي البريد يدق دائمًا مرّتين فقط» المأخوذ عن رواية لأديب بوليسي آخر من الزمرة ذاتها هو جيمس م. كاين. في نسخة 1946 نجد فرانك (جون غارفيلد) جوالاً في البلدات الصغيرة بلا مستقبل لحين وصوله إلى محطة بنزين ودكان يملكهما رجل اسمه نك وزوجته كورا (لانا تيرنر). كورا هي اللعوب التي تعجب بهذا الطارئ وقد بدأ يعمل في خدمتهما قبل أن يتفقا على التخلص من زوجها. هي الوضع ذاته التي تمثّله المرأة النموذجية في تلك الأفلام إذ تجذب.. تلدغ، ثم تترك الرجل متألّمًا.
عندما قام بوب رافلسون سنة 1981 بإعادة «تفليم» الرواية حافظ على كل هذه المعطيات مسندًا البطولة لجاك نيكولسون وجيسيكا لانغ اللذين جسدا الوضع العاطفي كدافع للجريمة جيدًا.
الوضع المعيشي الصعب نجده أيضًا في «استدارة» (Detour) لإدغار ج. أولمر (1945) حيث آل (توم نيل)، في دور رجل لا يملك ثمن عشاء يحاول التقاط ركوب مجاني على الطريق الدولية صوب كاليفورنيا. يتوقف له رجل ثري طيّب، ويواصل الطريق معه. فجأة يموت السائق تبعًا لحادثة، ويجد آل نفسه أمام فرصة استبدال بهويته هوية ذلك الشخص للخلاص من مطارديه.
حين يلتقي بفيرا (آن سافاج) تحت اسمه الجديد تكتشف خداعه لأنها تعرف صاحب الهوية الحقيقية، وها هي تهدده بإفشاء أمره للسلطات. في مشهد حاسم تهرع إلى الهاتف في الغرفة المجاورة لإجراء الاتصال. يمسك «كابل» الهاتف (أرضي فقط في ذلك الحين) ويجذبه ناحيته بغية منعها، غير مدرك أن الشريط التف على عنقها. حين يدرك ما حدث يكون قد قتلها، وبذلك ينتقل من تعاسة وضع إلى آخر.
كان من الغريب أن توم نيل نفسه عاش حياة تعسة بعد ذلك الفيلم (الثالث بينه وبين آن سافاج)، ففي الستينات حكم عليه بالسجن عشر سنوات بتهمة قتل زوجته. أمضى منها ست سنوات وأطلق سراحه لحسن سلوكه. بعد ثمانية أشهر مات بأزمة قلبية سنة 1972.
الغرفة الكئيبة في الفندق الحقير الذي أوى إليها بطل «هذا المسدس للإيجار» يتكرر ظهورها في فيلم «وداعًا يا حبي». روبرت ميتشوم في تشخيص رائع للتحري فيليب مارلو يعيش في تلك الغرفة المطلّة على شارع وسط هوليوود ينقل لنا ما يشعر به من تعب الأيام.
نساء الكاتب مارلو كن على قسمين: ثَريّات لعوبات وخادعات، كما في هذا الرواية ونصف رواياته الأخرى على الأقل، ونساء مهملات وقعن تحت العوز وانضممن إلى المهمّشين في الحياة وبعضهن ينتهين قتلى، كما في هذا الفيلم.
شخصيات «الغابة الإسفلتية» لجون هيوستون أيضًا (1950) يشتركون في أنهم يحتاجون إلى الجريمة لحل معضلات وأزمات الحياة المعيشية أكثر من حاجتهم لارتكاب جناية السرقة. أحدهم (سترلينغ هايدن) يحاول الحفاظ على حلمه بامتلاك مزرعة فيها خيول حتى الرمق الأخير حيث يسقط في مزرعة ما وتلتف حوله الخيول كما لو كانت تحييه.. أو تودّعه.
هو سترلينغ هايدن أيضًا في فيلم ستانلي كوبريك «القتل» (1956) الذي يرأس مجموعة مماثلة من الشخصيات غير الإجرامية التي تدرك أن السرقة هي منفذها من الوضع المدقع. في نهاية ذلك الفيلم يفوز سترلينغ بالغنيمة التي تضيع هباءً، عندما تسقط الحقيبة التي تحمل المال في أرض المطار و«يندلق» منها المال مع مرور طائرة ذات محركات (آنذاك) مما يجعل المال والأحلام تطير في الهواء في نهاية بالغة الحزن.
في هذين الفيلمين الكلاسيكيين، المرأة الأولى (جين هاغن في «الغابة الإسفلتية» وكورين غراي في «القتل») نموذج متعاطف ومخلص ومحب. في الثاني هناك شكل آخر للمرأة (ماري وندسور) التي تخون زوجها (إليشا كوك)، لكنها تظهر الحب له عندما علمت بأنه سيشترك في سرقة سباق الخيل.
طبعًا ليس كل فيلم بوليسي ذي دكانة وضع ويحمل تشخيصًا لتحر خاص أو مجرم لا يمكن إلا الوقوع في حبّه، هو «فيلم نوار». التسمية تتضمن التقاط أنفاس المدينة الداكنة والشخصيات الأكثر دكانة، والسلوكيات القاتمة الناتجة عن الوجع الشخصي والاجتماعي معًا. هذا ما يفرض على المخرجين المتعاملين معها قدرة فائقة على منح السوداوية دورًا ينطق بما تقدم.
وفي السنوات الأخيرة شاهدنا أفلامًا عدّة تحاول التقليد، وبعضها أنجح من البعض الآخر وأكثر صدقًا ومنها «دارك سيتي» لأليكس بروياس و«بلايد رانر» لريدلي سكوت اللذان يحافظان على النموذج وينقلان الزمن إلى المستقبل في الوقت ذاته، و«مولهولاند درايف» لديفيد لينش (2001) و«مومنتو» لكريستوفر نولان (2000) كما «الداليا السوداء» لبرايان دي بالما (2006). «رذيلة متوارثة» لبول توماس أندرسون في مطلع العام الماضي كان آخر حلقات هذا النوع قبل وصول «اقتلني.. موتًا» الذي يحيي النوع ويسخر منه في الوقت ذاته.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».