علاقة الزعتر بالشجاعة والمحاربين

العشبة التي تمنع الكوابيس عن النائمين

علاقة الزعتر بالشجاعة والمحاربين
TT

علاقة الزعتر بالشجاعة والمحاربين

علاقة الزعتر بالشجاعة والمحاربين

يعرف الزعتر أحيانًا باسم المدسنة أو المنطقة التي جاء منها واشتهر بها، مثل الزعتر الأردني، الداكن اللون نسبة إلى الأردن، والزعتر النابلسي نسبة إلى مدينة نابلس، والأشهر بالطبع الزعتر الحلبي نسبة إلى مدينة حلب السورية العريقة.
وقد عرفت هذه المدينة الجميلة والعريقة في مأكلها ومذاقاتها بزعترها الذي توزعه على جميع محافظات وسوريا والعالم العربي والعالم بشكل عام منذ مئات السنين. وعادة ما يكثر في حي الكلاسة والأسواق القديمة وقنسرين وباب الفرج. وهو عادة أحمر اللون مخلوط بالبهارات والمكسرات لتحسن طعمه القوي ومنحه نكهة أخرى، كما يحصل مع خلطات القهوة. ومن الإضافات التي يستخدمها أهل حلب على الزعتر الأخضر المجفف هو السماق والسمسم والكمون والقضامة والشمرة واليانسون وأحيانًا حب الرمان المجفف والفستق السوداني والفستق الحلبي والكزبرة واللوز والبندق المطحونين، وهو ما يعرف عادة باسم «حوايج الزعتر».
وهناك من أنواع الزعتر ما لا تضاف إليه الحوايج، كالزعتر الملوكي الذي يعرف به الأردن، والذي لا يعتمد على إضافات سوى الأساسيات، أي السمس والسماق.
ولأن معظم الحرف في حلب كانت تجارات ومصالح عائلية فقد عرف الزعتر الحلبي بأسماء العائلات، التي تنتجه مثل عالات الناصر والقبرصي وبازر باشي وكسحة كما يقول محمد درويش.
ويقال إن ياسر السرمين أحد تجار الزعتر الحلبي كان «يحمص الزعتر يوميًا قبل أن يبيعه ليشتريه الزبون طازجًا تمامًا، مثل تحميص البن اليومي، ولديه محمص كامل يشتري منه الناس زعترًا محمصًا. وكان هناك شخص من آل قبرصي يلبس لباسا شعبيا مع طربوش وكان يبيع يوميا 20 كيلوغرامًا، من الزعتر ولا يقبل بيع كمية أكبر حتى يبقى محافظًا على جودته وشهرته».
ويقول إسلام الشوملي في هذا الإطار إن «الزعتر البلدي ومصدره عمان وإربد يتميز بأوراقه الكبيرة وله نكهة حارة٬ شأنه شأن الزعتر اللبناني الذي يختلف بأوراقه الصغيرة في حين يتميز الزعتر السوري بحجم ورقته المتوسطة ونكهة أقل حرارة من الزعتر البلدي أو اللبناني».
تاريخيًا، تقول الموسوعة الحرة إن استخدام الزعتر يعود إلى آلاف السنين، إذ كان المصريون القدماء أو الفراعنة يلجأون إلى استخدامه في عمليات التحنيط التي عرفوا بها في الوقت الذي كان يتمتع به أهل اليونان القدماء كبخور يحرق في الحمامات والمعابد لاعتقادهم بأنه يمنح الشجاعة للأفراد. ولهذا السبب أيضًا كانت النساء تعطي الزعتر للفرسان أيام الحروب في أوروبا كهدايا.
ويبدو أن الفضل في انتشار الزعتر في أوروبا وأنحاء المعمورة يعود إلى الرومان الذي استخدموا الزعتر لتنقية الغرف وإضافة النكهات الطيبة إلى أجبانهم وكحولهم. وكما يحصل الآن مع الخزام أو ما يُعرف بالإنجليزية بالليفاندر، كان الأوروبيون في القرون الوسطى يضعونه تحت وسائدهم لحمايتهم من الكوابيس وإبعادها عنهم.
وتضيف الموسوعة أن الناس استخدموا الزعتر أيضًا «كبخور، وكان يوضع في التوابيت أثناء الجنائز، إذ اعتقدوا أنه يضمن العبور الآمن إلى الحياة الآخرة»، أي أنه كان مرغوبًا من الذين كانوا يبحثون عن الاطمئنان في الحياة الآخرة وضمانه.
تعتبر نبتة الزعتر المعمرة من النباتات القوية والمقاومة للبرد والحر. ومع هذا يفضل أن تتم زراعته في الربيع من الفصول وفي المناطق المشمسة والحارة وذات التربة الخصبة الجيدة التصريف. ويمكن زراعته إما عن طريق البذور وإما عن طريق الشتل أو القطع، وأحيانًا عبر الجذور.
وأفضل أنواعه ما يُعثر عليه في المناطق المرتفعة والجبلية أو ما يُطلق عليه المناطق البرية، مثل جنوب لبنان وسوريا والجليل في فلسطين وجنوب أوروبا، مثل المناطق الساحلية المتوسطية الجنوبية الوعرة. وعادة ما تكون التربة في هذه المناطق خصبة وممتازة لتربية وإيجاد الأعشاب والنباتات الصحية والطيبة مثل الزعتر والمريمة أو الجعساس والطرخون وغيره من النباتات التي يتم تجفيفها والاستفادة منها طيلة العام للمآكل وشتى أنواع العلاجات الطبية.
يمكن تناول الزعتر أخضر وطازجًا وهو الأفضل من أنواع الزعتر، وعادة ما يعثر عليه في فصل الصيف إما على شكل ضمم صغيرة أو على شكل ضمم طويلة. وفيما يمكن العثور عليه في لبنان وبعض الدول العربية والأوروبية في محلات الخضار التقليدية والسوبر ماركت، عادة ما يأتي به الفلاحون وسكان الريف أو البدو القريبون من البرية والمناطق الجبلية إلى المدن، يطرحونه على الرصيف لبيعه للسكان كما يحصل في العاصمة اللبنانية بيروت. وبالطبع مع وجود المزارع الزجاجية يمكن العثور عليه على مدار العام، إلا أن المغرمين بالزعتر يفضلون الأصل منه الذي ينمو في البرية والمناطق الصخرية ذات التربة الغنية والخصبة. وعادة ما يتناول الناس الزعتر الأخضر الطازج، وهو أنواع كثيرة، في السلطة أو بالخبز مع اللبنة والزيت والبندورة والجبنة. وتعتبر سلطة الزعتر الأخضر بالبصل والحامض من أشهر السلطات وأطيبها مذاقًا. ويعرف من هذه الأنواع الطيبة الزعتر الفارسي الرفيع والمشابه للرشاد الأخضر. ويلجأ الفلسطينيون واللبنانيون والسوريين وأهل بعض الدول العربية الأخرى إلى شراء الزعتر وتجفيف أوراقه الخضراء بكميات كبيرة للتمون. وبعد تجفيف الأوراق يبقي بعض الناس على العيدان أو السيقان الجافة وطحنها لاستخدامها في الطبخ كبقية البهارات. وتقول الموسوعة الحرة إنه «يمكن نزع الأوراق من السيقان عن طريق كشطه بالجزء الخلفي من السكين أو عن طريق نزعه بالأصابع أو بأسنان الشوكة». وبعد تجفيف الأوراق يتم فركها أو طحنها وإضافة السمسم المحمص والسماق المطحون إليها للحصول على ما يعرف بالزعتر الجاف. وبعد ذلك تكون الإضافات مسألة ذوق إذ إن الكثير من الناس يستخدمونه من دون سمسم، والكثير من الناس كما سبق وذكرنا في حلب، يضيفون شتى أنواع البهارات والمكسرات والمطيبات كاليانسون والحبة السوداء، للحصول على خلطة ذكية وعبقة الرائحة ولذيذة الطعم. وبعد الحصول على خلطة الزعتر الجاف، عادة ما يستخدم الناس الخلطة لتناوله إلى جانب زيت الزيتون حيث ينقعون الخبز بالزيت قبل إضافة الزعتر إليه. ويفضل الكثير من الناس أن يكون مصاحبا للبنة والشاي الساخن وعادة ما يعتبر من مواد الفطور التي يحبها الفقراء من الناس. والأهم من هذا، أن الزعتر الجاف ينتج لإنتاج ما يعرف بالمناقيش، والمناقيش بالزعتر التي يعرف بها اللبنانيون والفلسطينيون هي عبارة عن خليط من الزعتر الجاف مع السمسم والسماق مع زيت الزيتون الذي يوضع على عجينة رقيقة كما هو الحال مع البيتزا وخبزها بالفرن لعدة دقائق. وبكلام آخر فإن المنقوشة سريعة التحضير وطيبة المذاق ورخيصة التكلفة.
وتعتبر المنقوشة أو المناقيش من أشهر الأطباق اللبنانية الصباحية التي يتناولها الناس، العمال والطلاب عند الصباح، وتوجد مطاعم خاصة بها إلى جانب مناقيش من نوع آخر مثل مناقيش الجبنة والاوارما واللحم بعجين وغيره. وعادة ما يتناول البعض منقوشة الزعتر مع النعناع والبندورة والزيتون والخيار.
وهناك الكثير من الناس وخصوصًا الأرمن يتناولون الزعتر مغليًا مع الشاي لفوائد طبية.
علميًا ينتمي الصعتر إلى جنس الصعتر (Thymus) من عائلة النعناع أو ما يعرف بالفصيلة الشفوية (Lamiaceae) التي تضم 210 من الأجناس وأشهرها النعناع والخزامى.
ومن أنواع الزعتر التي تذكرها الموسوعة الحرة الزعتر الهجين (Thymus citriodorus)، وهو خليط من زعتر الليمون الحامض وزعتر البرتقال. وهناك زعتر الكراوية (Thymus herba - barona) الذي يستخدم خصيصا للطبخ «ويفرش في الأرضية وتظهر فيه رائحة الكراويا القوية نتيجة وجود عنصر الكرفون الكيميائي. وهناك أيضًا ما يطلق عليه الزعتر الصوفي (Thymus pseudolanuginosus) الذي لا يستخدم للطبخ. كما يوجد زعتر ثيمس فيلجاريس (Thymus vulgaris) أو ما يعرف بالزعتر الإنجليزي أو الفرنسي أو زعتر الصيف أو الشتاء أو زعتر الحدائق. ويستخدم هذا النوع من أنواع الزعتر للطهي على نطاق واسع وللغايات الطبية. وهو من أنوع الزعتر المعمرة التي يعثر عليها في مناطق البحر الأبيض المتوسط، ويحب التربة الخصبة والأجواء الحارة والمشمسة. وهذا النوع هو الذي يستخدمه الناس عادة في الدول العربية.
ومن الأنواع المهمة أيضًا الزعتر البري أو ما يطلق عليه اسم الزعتر الزاحف (Thymus serpyllum)، الذي يعتبر من أهم أنواع مصادر رحيق نحل العسل.. ويحب هذا الزعتر التربة الصخرية وتنمو في جنوب أوروبا، ويعرف به اليونان وجنوب أفريقيا ومناطق بيركشاير وجبال الكاتسكيل في الولايات المتحدة الأميركية. ويستخدم هذا النوع من الزعتر أيضًا لتزيين الممرات.
وعلى الرغم من كثرة أنواع الزعتر، فإن المردقوش الشائع أو المردقوش الافريطي الذي يعرف باليونان والعالم باسم الأوريغانو (Oregano)، يعتبر أفضل أنواع الزعتر من ناحية المذاق والفوائد الطبية.
فالأريغانو يحتوي على مادة الكارفاكرول (Carvacrol) التي تقاوم الفيروسات التي تسبب التهاب المعدة والأمعاء.
وحول الاستخدامات الطبية الجمة لهذا النوع من أنواع الزعتر الذي جاء ذكره في الطب العربي باسم الصعتر، يذكر موقع «الطبي» على شبكة الإنترنت، أنه «من أقوى المطهرات ومبيدات البكتريا. وقد استخدمه الأطباء العرب قديمًا لعلاج مجموعة واسعة من الأمراض»، وكان يعتبر ذا مزاج حار يابس. وتضمنت استخداماته لديهم استخدامه كعلاج لغالب السموم والرياح والمغص. كما كان يدرج لهذا السبب في تركيب المسهلات المختلفة. وكان يستخدم مطبوخًا مع التين لعلاج الربو والسعال وعسر النفس، ومع ماء الكرفس للحصى وعسر البول، وكذلك لدفع التخم بعد الوجبات الثقيلة وإخراج الديدان وزيادة الشهية، وتهييج الباه، وعلاج اليرقان كما كان يستخدم موضعيًا مع العسل لتخفيف آلام النساء، والمفاصل، وأوجاع الوركين والظهر. وفي أوروبا، خلال القرون الوسطى، كان يعتبر من النباتات المفيدة وقد زرع في حدائق الأعشاب الخاصة بالرهبان، وكان يستخدم حينها خارجيًا لعلاج الآلام. وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر توسعت استخداماته لتشمل تقوية المعدة والرأس وإزالة القروح المعدية والسعال والسل، وطرد السموم، وعلاج العضات السامة، وكدواء مدر للطمث والبول، وشاف لعجز الطحال والاستسقاء واليرقان.
وفضلاً عن احتواء الزعتر على مضادات الأكسدة التي تحارب الشيخوخة، فإنه يحتوي على نسبة مهمة من مادتي الكافيكول والثيمول اللتين تساعدان «على التخلص من التشنجات العضلية والعصبية» ولذا «ينصح بتناوله لمن يعاني التوتر والأرق». ويساعد الزعتر أو مشروبه على التخلص من الإرهاق واستعادة الحيوية والنشاط الجسدي.
ويستخدم البعض زيت الأوريغانو لمداواة ألم لسعات الحشرات، وتستخدم أوراقه أيضًا «للتخلص من رائحة العرق في القدمين عن طريق وضع القليل من أوراقه داخل الحذاء قبل ارتدائه».
وباختصار يمكن القول إن الزعتر ليس من أطيب النباتات فحسب بل أكثرها فائدة للصحة بشكل عام، ولطالما اعتقد الناس من قديم الزمان أنه مقوٍّ للذاكرة يساعد الطلاب على تحصيلهم العلمي.



عمان تحتفي بمهرجان الزيتون للمرة الخامسة

يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)
يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)
TT

عمان تحتفي بمهرجان الزيتون للمرة الخامسة

يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)
يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)

تستعد سلطنة عمان لاستقبال النسخة الخامسة من مهرجان حصاد الزيتون، الذي يُقام من 23 إلى 27 سبتمبر (أيلول) احتفاء بأحد أبرز التقاليد الزراعية في عُمان.

ويُقام المهرجان على ارتفاع يزيد على 2.000 متر فوق سطح البحر، ويمتد على مدى خمسة أيام تجمع بين التراث المحلي والتجارب الأصيلة وفنون الطهي المستوحاة من منطقة البحر الأبيض المتوسط، وسط طبيعة الجبل الأخضر الخلابة.

المعروف عن الجبل الأخضر أنه يتميز بمناخ نادر يشبه مناخ منطقة البحر الأبيض المتوسط، ما يجعله أحد الأماكن القليلة في شبه الجزيرة العربية التي تزدهر فيها أشجار الزيتون. وأصبح موسم الحصاد السنوي رمزاً للإرث الزراعي الغني للمنطقة، حيث ينتج المزارعون المحليون زيوت زيتون استثنائية تعكس الخصائص الفريدة للبيئة الجبلية.

عمان تستقبل مهرجان الزيتون بنسخته الخامسة (الشرق الأوسط)

وينظم منتجع أنانتارا الجبل الأخضر بمناسبة الاحتفال بالمهرجان جولات منظمة لعيش تفاصيل وتقاليد موسم الحصاد من خلال رحلات مخصصة لقطف الزيتون برفقة مرشدين، وتجربة الطهي والأنشطة الثقافية. وتنطلق هذه الفعاليات ابتداء من الثالث والعشرين من سبتمبر (أيلول)، ويقوم الشيف مارتين أريستوندو بإعداد أطباق مستوحاة من مطبخ إقليم الباسك في إسبانيا تعتمد على زيت الزيتون.

تقام في الجبل الأخضر بعمان العديد من الفعاليات بمناسبة مهرجان الزيتون (الشرق الأوسط)

تشمل أبرز فعاليات المهرجان مسابقات قطف الزيتون، وسوق الزيتون وزيت الزيتون التي تستعرض المنتجات المحلية والحرفية، بالإضافة إلى حصص لتعلم الطهي الإسباني في «نقطة ديانا» المطلّة على الوادي، بالإضافة إلى جولات برفقة مرشدين في معاصر الزيتون وجلسات تذوّق بإشراف الدكتور علي الفرقاني. وخلال تجربة «حكايات الزيتون على الفطور»، يتم التعرف على القصص والتقاليد والنكهات المرتبطة بموسم الحصاد في الجبل، من خلال زيت الزيتون المنتجة محلياً والمأكولات التقليدية من المنطقة.

وتتواصل تجارب الطهي طوال أيام المهرجان مع أطباق مستوحاة من مطبخ البحر الأبيض المتوسط تحتفي بتنوّع استخدامات الزيتون. ويحتفي مطعم بيلا فيستا الإيطالي بالمهرجان من خلال ابتكار أطباق يستخدم فيها زيت الزيتون والمنتجات الموسمية التي تصنع في الجبل الأخضر.

يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)

بدأت زراعة أشجار الزيتون في عُمان خلال تسعينات القرن الماضي، مع إدخال أصناف من مختلف أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط ومناطق أخرى، تأقلمت تدريجياً مع مناخ الجبل الفريد. واليوم، يحتفي مهرجان حصاد الزيتون السنوي بهذه المسيرة الزراعية المميّزة، ويقرّب الضيوف من المزارعين والتقاليد والحرفية التي تقف وراء أحد أهم المواسم الزراعية في عُمان.


طهاة عرب يحفرون أسماءهم في عالم ميشلان وموائد عالمية

الأخوة أورفلي (إنستغرام)
الأخوة أورفلي (إنستغرام)
TT

طهاة عرب يحفرون أسماءهم في عالم ميشلان وموائد عالمية

الأخوة أورفلي (إنستغرام)
الأخوة أورفلي (إنستغرام)

لم يكن دخول المطاعم اللبنانية والشرق أوسطية إلى قائمة ميشلان مهمة سهلة، فطريق الوصول إلى هذا التصنيف العالمي المرموق واجه تحديات عديدة مرتبطة بتاريخ هذا المطبخ وطبيعته وانتشاره. وعلى الرغم من غنى المنطقة بتراث غذائي يمتد لقرون، وتنوع هائل في المكونات والوصفات وأساليب الطهي، فإن المطبخ الشرق أوسطي ظل لفترة طويلة خارج دائرة المطاعم الفاخرة التي تحظى باهتمام أدلة التقييم العالمية.

تكمن إحدى الصعوبات الأساسية في الصورة التقليدية التي ارتبطت بالمطبخ العربي، إذ غالباً ما تم تصنيفه ضمن إطار الطعام الشعبي والعائلي، وليس ضمن تجارب الطهي الراقية التي تعتمد على تقنيات دقيقة وعروض مبتكرة. كما أن كثيراً من الأطباق العربية تعتمد على وصفات متوارثة يصعب أحياناً إعادة تقديمها ضمن معايير المطاعم العالمية من دون فقدان هويتها الأصلية.

مازة لبنانية على طريقة الشيف ألان جعم (إنستغرام)

إضافة إلى ذلك، فإن توسع دليل ميشلان تاريخياً ركز على المدن التي تمتلك منظومة قوية من المطاعم الراقية، مثل باريس وطوكيو ولندن ونيويورك، بينما بقي حضور الدليل محدوداً في العديد من مدن الشرق الأوسط لفترة طويلة؛ لذلك كان على كثير من الطهاة العرب أن يخوضوا تجربة مختلفة، عبر الانتقال إلى العواصم العالمية أو تطوير مطاعمهم في مدن دخلت حديثاً ضمن خريطة ميشلان، كما حدث في دبي.

لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً لافتاً، إذ ظهر جيل جديد من الطهاة العرب الذين نجحوا في إعادة تعريف المطبخ اللبناني والشرق أوسطي من خلال المزج بين التراث والتقنيات الحديثة. لم يعد الهدف مجرد الحفاظ على الوصفات رالتقليدية، بل تقديم رؤية جديدة تثبت أن المطبخ العربي قادر على المنافسة في أعلى مستويات الطهي العالمي.

ومن بين هؤلاء الطهاة الذين نجحوا في كسر هذا الحاجز، برزت أسماء حملت نكهات المنطقة إلى موائد عالمية، وأثبتت أن المكونات العربية قادرة على الوقوف إلى جانب أرقى مطابخ العالم.

الشيف ألان جعم (إنستغرام)

آلان جعم... النكهة اللبنانية في قلب باريس وبيروت

يُعد الشيف اللبناني آلان جعم من أبرز الأسماء العربية التي وصلت إلى عالم نجوم ميشلان. فقد حصل مطعمه الذي يحمل اسمه في باريس على نجمة ميشلان واحدة، بعدما نجح في تقديم رؤية معاصرة للمطبخ اللبناني تجمع بين الأصالة والدقة الفرنسية.

تروي أطباق آلان جعم قصة ارتباطه بلبنان وذكرياته الأولى مع الطعام، لكنه يعيد تقديمها بأسلوب راقٍ يناسب الذوق العالمي. فهو لا يكتفي بنقل وصفات تقليدية، بل يعمل على إعادة تفسيرها باستخدام تقنيات الطهي الحديثة، محافظاً في الوقت نفسه على روح المكونات اللبنانية مثل الزعتر والباذنجان والحمضيات والتوابل الشرقية.

عودة إلى الجذور عبر مطاعم لو غراي في بيروت

لم تكن عودة آلان جعم إلى بيروت مجرد انتقال جغرافي، بل شكلت عودة إلى الجذور وإلى البيئة التي تشكلت فيها هويته الطهوية.

ففي فندق لو غراي في وسط العاصمة اللبنانية، يقدم الشيف اللبناني رؤيته الخاصة للمطبخ اللبناني المعاصر، مستفيداً من خبرته الطويلة في فرنسا ومن تجربته العالمية في عالم المطاعم الفاخرة.

ومن خلال مطعم QASTI، يعيد جعم تقديم المطبخ اللبناني بأسلوب مبتكر يجمع بين الذاكرة والنكهات المحلية والتقنيات الحديثة، فهو يأخذ الأطباق اللبنانية المعروفة ويمنحها قراءة جديدة أكثر تطوراً، مع الحفاظ على روحها الأصلية، كما يقدم مطعم «بادام» تجربة مختلفة تمزج بين التأثيرات الفرنسية والمتوسطية، في انعكاس واضح لمسيرته التي جمعت بين الثقافتين اللبنانية والفرنسية.

ويشكل حضور آلان جعم في لو غراي محطة مهمة في مسيرته، فهو يجمع بين الاعتراف العالمي الذي حققه في باريس ورغبته في إعادة تقديم المطبخ اللبناني من داخل بلده، مؤكداً أن المطبخ العربي ليس مجرد تراث غذائي، بل فن قادر على التطور والمنافسة في عالم الطهي الفاخر.

الأخوة أورفلي... نجاح سوري إلى العالم

صنع ثلاثة أشقاء سوريين قصة نجاح لافتة في عالم الطهي العالمي؛ فقد حصل مطعم Orfali Bros Bistro، الذي يديره الإخوة محمد ووسام ووليد أورفلي، على نجمة ميشلان واحدة ضمن دليل ميشلان.

يعتمد المطعم على مفهوم يجمع بين المطبخ الشرق أوسطي والنكهات العالمية، حيث يقدم الأطباق السورية والمنطقة المحيطة بها بطريقة مبتكرة. ويتميز أسلوب الإخوة أورفلي بالبحث عن التوازن بين الذاكرة الغذائية للمنطقة والتقنيات الحديثة.

لم يكن هدفهم تقديم نسخة فاخرة من الطعام العربي فقط، بل بناء لغة طهي جديدة تعكس ثقافتهم وتجاربهم الشخصية؛ فقد نجحوا في تحويل المكونات المحلية إلى أطباق معاصرة جذبت اهتمام النقاد والذواقة، وجعلت المطعم واحداً من أبرز التجارب الغذائية في المنطقة.

الشيف غريغ مالوف (إنستغرام)

غريغ مالوف... سفير المطبخ الشرق أوسطي في العالم

يُعد الشيف غريغ مالوف، اللبناني الأصل، من الرواد الذين ساهموا في رفع مكانة المطبخ الشرق أوسطي عالمياً. ارتبط اسمه بمطاعم حازت تقديراً كبيراً في أوروبا، كما حصل خلال مسيرته على نجمة ميشلان في أثناء عمله في أحد المطاعم البريطانية.

تميز مالوف بأسلوبه الذي يمزج بين الموروث اللبناني والتقنيات الحديثة، وقدم أطباقاً شرق أوسطية بروح معاصرة جعلتها تحظى باهتمام النقاد والطهاة العالميين.

وقد ساهمت كتبه وتجربته المهنية الطويلة في تعريف جمهور واسع على تنوع المطبخ العربي وقدرته على التطور خارج حدوده الجغرافية، ليصبح أحد الأصوات التي مهدت الطريق أمام الجيل الجديد من الطهاة العرب.


أفكار لمقبلات خفيفة بنكهة البحر

تشكيلة من المقبلات تضم سمك السلمون والجبن والسلامي
تشكيلة من المقبلات تضم سمك السلمون والجبن والسلامي
TT

أفكار لمقبلات خفيفة بنكهة البحر

تشكيلة من المقبلات تضم سمك السلمون والجبن والسلامي
تشكيلة من المقبلات تضم سمك السلمون والجبن والسلامي

في أمسيات الصيف لا تحتاج المائدة إلى أطباق ثقيلة حتى تترك انطباعاً مميزاً لدى الضيوف؛ فغالباً ما تبدأ الحكاية بطبق صغير يحمل ألوان البحر وروائحه المنعشة.

فعلى مائدتك الصيفية دع الروبيان الذهبي يجاور شرائح السلمون، والكاليماري يعبق برائحة الليمون والكزبرة، والمحار تتوسطه الأعشاب الخضراء والخضراوات الطازجة التي تمنح الطبق حيوية لا تخطئها العين.

وحتى تكتمل التجربة اترك مساحة لمقبلات المأكولات البحرية لا سيما خلال أشهر الصيف؛ إذ إنها تجمع بين خفة القوام وسرعة التحضير وتنوع طرق التقديم، فضلاً عن غناها بالبروتين وأحماض أوميغا 3 والعناصر الغذائية المهمة.

مقبلات بحرية خفيفة سهلة التحضير (الشرق الأوسط)

يرى الشيف المصري عصام راشد أن هذا النوع من المقبلات لم يعد حكراً على المطاعم الراقية، بل أصبح من السهل إعداده في المنزل باستخدام مكونات طازجة ومتوافرة في الأسواق المحلية، وذلك مع الالتزام ببعض القواعد البسيطة التي تحافظ على النكهة الطبيعية للمأكولات البحرية وتبرز أفضل ما فيها.

ويقول راشد لـ«الشرق الأوسط»: «إن المقبلات البحرية تتميز بخفة مذاقها وسرعة تحضيرها، كما أنها تمنح الطاهي مساحة واسعة للإبداع في التقديم»، متصفة بأنها «سواء كانت باردة أو ساخنة، مشوية أو مخبوزة أو مطهية سريعاً في المقلاة، فهي مناسبة تماماً للعزائم العائلية واللقاءات الصيفية على حد سواء» وفق قوله.

الأسماك المحلية

ويؤكد راشد أن نجاح مقبلات المأكولات البحرية لا يرتبط بالضرورة باستخدام أصناف مستوردة مرتفعة الثمن، بل يعتمد في المقام الأول على جودة المنتج وطزاجته.

ويشير إلى أن الأسواق المصرية والعربية تزخر بأنواع متميزة من الأسماك والمأكولات البحرية، مثل الجمبري المصري، والدنيس، والقاروص، والكابوريا، إضافة إلى الكاليماري وبلح البحر، وهي جميعها تصلح لإعداد مقبلات تضاهي ما يقدَّم في المطاعم المتخصصة.

ويضيف أن هذه الأصناف تمتاز بسهولة الحصول عليها، واعتدال أسعار كثير منها مقارنة بالأنواع المستوردة، كما أنها تتحمل طرق طهي متعددة، سواء الشواء أو الخبز أو التشويح السريع، مع احتفاظها بقوامها ونكهتها الطبيعية.

الشيف المصري عصام راشد يعد برجاً من المقبلات البحرية (الشرق الأوسط)

وينصح عند شرائها بملاحظة لمعان القشرة أو الجلد، ورائحة البحر الطبيعية، وتماسك اللحم؛ لأنها مؤشرات أساسية على الطزاجة.

ولا يقتصر تميز هذه المقبلات على مذاقها، حسب راشد، بل يمتد إلى شكلها الجذاب وطريقة تنسيقها والإضافات المختلفة؛ إذ تجعل ألوان الروبيان الزاهية والسلمون الوردي والكاليماري الأبيض مع الخضراوات الطازجة والأعشاب الخضراء؛ الأطباق تنبض بالحيوية، لتصبح جزءاً من تجربة الضيافة قبل أن يتذوقها الضيف؛ لذلك يفضل استخدام أطباق بسيطة تسمح بإبراز ألوان الطعام الطبيعية.

ويرى راشد أن كثيراً من وصفات المأكولات البحرية تفقد تميزها بسبب الإفراط في استخدام التوابل أو الصلصات الثقيلة، بينما تعتمد الوصفات الناجحة على إبراز الطعم الطبيعي للمكون الرئيسي.

ويقول إن القليل من الثوم، وعصير الليمون، وزيت الزيتون، والفلفل الأسود، مع بعض الأعشاب الطازجة مثل الشبت أو الكزبرة أو البقدونس، تكفي لصنع مقبلات متوازنة وغنية بالنكهة، من دون الحاجة إلى إضافات كثيرة.

ويضيف أن تقديم هذه المقبلات إلى جانب السلطات الخضراء أو الخضراوات المشوية يمنح الوجبة توازناً غذائياً، ويجعلها أكثر ملاءمة للأجواء الصيفية التي تميل فيها الشهية إلى الأطعمة الخفيفة والمنعشة.

وصفات بسيطة بطابع احترافي

ومن الوصفات التي يرشحها راشد لفائف السلمون المدخن مع الخضراوات الطازجة، وهي من المقبلات الباردة التي تناسب أيام الصيف.

وتُحضَّر باستخدام شرائح السلمون المدخن مع أصابع الخيار والجزر والفلفل الملون والخس، ثم تُلفّ بإحكام وتُقدَّم مع صوص خفيف من الزبادي والليمون والشبت.ويشير إلى أن هذه الوصفة تجمع بين المذاق المنعش والشكل الأنيق، كما يمكن تجهيزها قبل موعد التقديم بساعات وحفظها في الثلاجة.

أما لعشاق النكهات الشرقية، فيقترح الكاليماري بالكزبرة والليمون، وهي وصفة تعتمد على الطهي السريع للحفاظ على طراوة الكاليماري؛ إذ تُقطَّع الحلقات إلى شرائح رفيعة، ثم تُشوح في القليل من زيت الزيتون على نار مرتفعة لمدة لا تتجاوز دقيقتين، ويضاف إليها الثوم المفروم والبصل الأخضر، ثم تُتبَّل بعصير الليمون الطازج والفلفل الأسود ورشة من الملح، وتزين بالكزبرة الخضراء المفرومة قبل التقديم مباشرة.ويظل الروبيان أحد أكثر أنواع المأكولات البحرية قبولاً لدى الكبار والصغار، ويمكن تحويله إلى مقبل فاخر في دقائق معدودة.وينصح الشيف المصري بإعداد خبز الروبيان بالشبت والليمون، من خلال تقطيع الروبيان المسلوق إلى قطع متوسطة وخلطه مع قليل من المايونيز وعصير الليمون والشبت المفروم، مع إضافة رشة فلفل أسود، ثم يوضع الخليط فوق شرائح خبز باغيت أو توست محمص، ويزين بشرائح الليمون وأوراق الشبت.

المحار... نكهة البحر على مائدتك

ويؤكد راشد أن المحار المشوي من أكثر المقبلات التي تعكس الطعم الحقيقي للبحر، موضحاً أن تحضيره لا يحتاج سوى دقائق قليلة؛ إذ يوضع المحار بعد تنظيفه على الشواية أو في فرن ساخن حتى تبدأ القشرة في الانفتاح، ثم يضاف إليه خليط من الزبدة المذابة والثوم والبقدونس وعصير الليمون، ويعاد إلى الحرارة لدقيقة واحدة فقط قبل تقديمه ساخناً.يضيف أن هذه الطريقة تمنح المحار نكهة طبيعية مع لمسة خفيفة من الدخان، دون الحاجة إلى صلصات قوية قد تخفي مذاقه الأصلي.

أكواب السلمون... لمسة عصرية

ومن الوصفات التي يرى راشد أنها تناسب الولائم والمناسبات العائلية أكواب السلمون المخبوزة، وهي وصفة مستوحاة من نكهات السوشي، ولكن بمكونات بسيطة ومتوافرة.وتحضَّر بوضع أرز مطهو في قوالب صغيرة مبطنة بشرائح رقيقة من ورق النوري - لمن يتوافر لديه، أو يمكن الاستغناء عنه - ثم يوزَّع فوقه خليط من مكعبات السلمون الطازج مع البصل الأخضر وقليل من المايونيز وعصير الليمون والفلفل الأسود، وتُخبز في الفرن حتى ينضج السلمون، ثم تزين بالسمسم المحمص والبصل الأخضر وتُقدم دافئة، ويمكن استبدال السلمون بسمك فيليه طازج إذا رغب البعض في تقليل التكلفة.

برج المأكولات البحرية

ومن الأفكار التي يرشحها الشيف راشد للمناسبات الخاصة «برج المأكولات البحرية»، الذي يعتمد على ترتيب أصناف مختلفة من المأكولات البحرية فوق الثلج المجروش بطريقة جذابة.ويضم البرج الروبيان المسلوق، وبلح البحر، والمحار، وقطع السلطعون أو أصابع الكابوريا، مع شرائح الليمون والخس والصلصات الخفيفة، ليصبح قطعة فنية تتوسط المائدة قبل أن يكون طبقاً للطعام.وانتهى راشد إلى أن تجهيز معظم المكونات مسبقاً يوفر الوقت والجهد، ولا يبقى سوى ترتيبها قبل وصول الضيوف مباشرة، وهو ما يجعله مناسباً للعزائم الكبيرة.