القومية الإيرانية.. تحديات انفصام الشخصية

ملالي طهران.. من تصدير الثورة إلى المزايدة بالتراث الفارسي

القومية الإيرانية.. تحديات انفصام الشخصية
TT

القومية الإيرانية.. تحديات انفصام الشخصية

القومية الإيرانية.. تحديات انفصام الشخصية

عام 2010، عندما توفي شجاع الدين شفا، الكاتب والأديب ومترجم الآثار الكلاسيكية الغربية، في منفاه بالعاصمة الفرنسية باريس، كان أقرب إلى صوت وحيد في واد.
لما لا يقل عن عقدين من الزمن سبقا «الثورة الخمينية»، كان «شفا» أحد ألمع الكتاب، وكانت أعماله بين الأعمال الأكثر رواجًا. وكشخصية منفية تعيش معزولة عن بيئته وجمهور قرائه، كان أمام شفا خياران: إما كسر قلمه واعتزال الكتابة، أو الاكتفاء بصفوة قليلة من القراء الذين يحنّون إلى «أيام الشاه» الخوالي. ولكن، بعد مرور ست سنوات، يظهر أنه انضم إلى ذلك الصوت الوحيد أصوات كثيرة أخرى من الماضي والحاضر، بل من المستقبل أيضًا، مشكلة جوقة تناوئ عقيدة الملالي الإسلاموية وتشدّد «إيرانية» الهوية عند الإيرانيين.
عودة إلى عام 1984، عندما سأل صحافي فرنسي الكاتب والأديب الإيراني شجاع الدين شفا عن رأيه في «أوضاع الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، جاء رد شفا ملمحًا إلى أنه لا وجود لشيء اسمه «(جمهورية إسلامية)، أما إيران، فهي إيران». هذا حصل عام 1984، أما ما هو مؤكد اليوم، فهو أن «القومية الإيرانية» على طريق العودة، وإن لم يكن بالضرورة بنسختها الراديكالية التي يؤمن بها شفا. وفي أي حال، المهم أن هذه العودة غير مفاجئة.
على امتداد نحو 15 قرنًا من الزمن، عانت إيران من «انفصام الشخصية»، فلا هي قادرة على نسيان «إيرانيتها»، ولا تذويبها في الإسلام الذي تعيشه وتعتنقه. وعلى سبيل المثال، هناك من يؤمن، كالكاتب محمد محيط طباطبائي، بأن «الهوية الإيرانية و(الإسلام) جناحا الطائر الأسطوري (سيمروغ)، المذكور في ملحمة (الشاهنامه)، اللذان يمكنانه من التحليق عاليًا». وفي حين يعد مفكّر كأحمد كسروي، الإسلام «عائقًا يحول دون عودة إيران إلى التاريخ على درب العظمة»، يرفض أمثال الدكتور علي شريعتي مفهوم «القومية الإيرانية»، ويعد أنه كمفهوم «قومي مستورد من أوروبا»، هو العائق الحقيقي، ولذا ينادي بـ«الانغماس الكلّي في الإسلام الشيعي».
مؤشر احتفالات «النوروز»
منذ عهد رضا شاه بهلوي، حاولت الغالبية العلمانية في مؤسسة السلطة والمجتمع، التخفيف من الهوية الدينية وانتماء إيران إلى «أمة إسلامية عريضة»، والعمل على تعزيز الشعور بالانتماء إلى أمة إيرانية. غير أن هذا المنحى انقلب رأسًا على عقب في عصر آية الله روح الله الخميني، على الرغم من أن التطبيق لم يكن متناسقًا، وهدف الملالي إلى «عودة الأسلمة» إلى إيران. غير أن ما يلفت بعض المراقبين أن الأمور تبدو مائلة من جديد إلى شيء من التحوّل باتجاه استنهاض الهوية «القومية الإيرانية»، مما قد يخلّف تبعات بالغة الأهمية على سياسات طهران الداخلية والخارجية على حد سواء. وكان من أبرز المؤشرات التي ظهرت خلال مارس (آذار) الماضي خلال احتفال الإيرانيين بـ«النوروز» (رأس السنة الجديدة)، بصورة غير مسبوقة.
لقد بدأت الاحتفالات قبل يوم 20 مارس الماضي بمائة يوم مع احتفال «جشن سده» (احتفال المائة) الموغل في القدم، عندما تجمع عشرات الألوف في تشك تشك، قرب مدينة يزد على أطراف الصحراء الإيرانية الكبرى، حيث يقال إن مهربانو، كبرى بنات يزدجرد الثالث – آخر الملوك الساسانيين – في قلب جبل أجرد. وحسب المرويّات التاريخية، قادت الأميرة جماعة من المقاتلين المتحمسين لقتال جيوش الفتح الإسلامي في مناوشات ومعارك طالت لمدة 15 سنة قبل أن تختفي في الجبل الأجرد. وتذهب المرويّات إلى حد القول إن شجرتين نبتتا لتظليل قبرها، كما تفجّر نبع ليذرف الدموع عليه.
لأكثر من 1400 سنة كان هذا المكان مزارًا للزرادشتيين الآتين من كل أصقاع المعمورة. ولكن بما أنه لم يبقَ في إيران اليوم أكثر من 30 ألف زرادشتي، يفترض المرء أن السواد الأعظم من «الزوّار» – أو «الحجّاج» – من الإيرانيين المسلمين.
المناسبة الثانية كانت «احتفال النار» – أو «تشارشنبه» – في يوم الأربعاء الأخير من السنة، الذي يقفز فيه الإيرانيون فوق النار وينشدون أناشيد من مرحلة ما قبل الفتح الإسلامي. ووفق تقارير وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» كانت احتفالات النار هذه السنة الأضخم في الذاكرة، مما استدعى نشر قوات كبيرة من الشرطة درءًا لأي «حوادث».
حتى مشهد والنجف
أيضًا، وفق «إرنا»، تنقل أكثر من 20 مليون إيراني – أي نحو ربع إجمالي سكان إيران – في أنحاء البلاد وخارجها في إجازة «النوروز» تماشيا مع التقاليد العتيقة. وفي حالات عدة حرص الزوّار على تمضية لحظة إطلالة السنة الجديدة، المعروفة بـ«سال تحويل»، في مقام أو مزار ديني، مما يجسد حالة «انفصام الشخصية» الإيرانية.. بل أمضى نحو مليون ونصف مليون زائر هذه المناسبة اللا إسلامية في مدينة مشهد، مرقد علي الرضا، الإمام الثامن من أئمة الشيعة. وأكثر من 30 ألفًا في النجف الأشرف بالعراق عند مرقد علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، الإمام الأول. غير أن الشرطة العراقية منعت الزوار الإيرانيين من الدخول إلى المرقد، عادّة أنه لا يجوز استعمال مقام إسلامي لطقوس وثنية. وسبب الرفض العراقي غضبًا شديدًا تولى إخماده مكتب آية الله علي السيستاني.
تصاعد المدّ «القومي الإيراني» هذا ظهر كذلك في باسارغاد، إلى الشمال من مدينة شيراز، حيث قبر قورش الأكبر مؤسس الإمبراطورية الأخمينية الفارسية. جموع كبيرة جاءت إلى المكان من مختلف أنحاء إيران تحت شعارات: «لست وحدك يا قورش»، وثمة تقارير غير مؤكدة بأن عدد من وفد إلى هناك لحضور الاحتفال قارب مائة ألف زائر. وكانت هناك زيارات مماثلة قام بها ألوف الزوّار إلى معبد آناهيتا (أناهيد)، آلة الخصب والماء الوثنية، وقبر استير الزوجة اليهودية للملك الأخميني ارتحششتا في مدينة همدان، وقبر فيروز – الشهير بأبي لؤلؤة المجوسي – قاتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
أكثر من هذا، بمناسبة هذا «النوروز»، شارك أكثر من 50 موقعًا في مسابقة وطنية على مستوى البلاد لإعداد طبق «هفت سين» (السينات السبع) الذي تعده كل العائلات الإيرانية بغض النظر عن ديانتها، ويضم سبعة أصناف؛ تبدأ أسماؤها بحرف «السين» بالفارسية. وفازت مدينة كرمنشاه بمسابقة هذه السنة.
جدير بالذكر أن بعض القوى الإسلامية الراديكالية الهامشية سعت إلى حظر احتفالات «النوروز» ومحو كل تقاليد وطقوس المرحلة السابقة لدخول الإسلام إيران. كذلك، فكر الخميني بحظر «النوروز» في أول سنة من عمر ثورته، لكنه عدل لاحقًا عن تحدّي ميول غالبية الشعب. إلا أن بعض «خُمينيي الحاضر» طلبوا فتاوى من آيات الله حول «النوروز» وطقوسه، والملاحظ أن أيًا من آيات الله لم يفتِ بالحظر، وإن كان آية الله مكارم شيرازي، وهو أحد أبرز ملالي قُم وكبار رجال الأعمال الأثرياء، كان الأقرب إلى اعتبار «بعض» احتفالات «النوروز» قريبة من الخرافات. أما المرشد علي خامنئي، فتجاوز الموضوع بـ«دبلوماسية» قائلاً في فتواه: «هذه الاحتفالات لا تحمل بعدًا دينيًا»، مثبتًا ما يعرفه الجميع. وردًا على سؤال حول ما إذا كان على النساء خلع الحجاب إبان زياراتهن لأقاربهن خلال «النوروز»، جاءت إجابته على شيء من الغموض؛ إذ قال: «يجوز ذلك، ولكن شرط ألا تحول دون التخلي عن المحظورات».
التقويم الشمسي
موضوع آخر أثار جدلاً بين «القومية الإيرانية» و«الخمينية الإسلاموية»؛ كان اقتراح الكاتب سعيد حجاريان الداعي إلى كف السلطات عن الالتزام بالتقويم القمري الهجري الذي لا تفهمه سوى قلة من الإيرانيين، وبالتالي لا تتبعه. وللعلم، بما أن الإيرانيين كانوا يعتمدون تقويمهم الشمسي («الروزنامة» الشمسية) الخاص قبل الفتح الإسلامي، تقديرًا لإلهة الشمس الأسطورية «ميثرا»، وبموجبه تضم كل سنة 365 يومًا، فإنهم لم يستخدموا التقويم القمري الذي جلبه العرب مع الفتح في القرن السابع الميلادي.
حجاريان، الذي كان كبير المخططين الاستراتيجيين في فريق رئيس الجمهورية الأسبق محمد خاتمي، رأى أنه إذا أمكن تثبيت موعد الحج وشهر رمضان في مرحلة ما وفق التقويم الشمسي، فستنتفي الحاجة إلى التقويم القمري الهجري برمّته. كذلك عدّ ريان، المحسوب من أبرز منظّري «التيار الإصلاحي»، أن الأيام الـ24 المخصّصة كل سنة لأيام مولد أو وفاة «الأئمة المعصومين الـ14» – أي علي (رضي الله عنه)، الأئمة الـ12 – يمكن ضبطها بالتحديد على التقويم الشمسي. ثم ذهب أعد من ذلك مقترحًا جعل يوم «عيد الغدير» – الذي يقول الشيعة إن الرسول (صلى الله عليه وسلّم) سمّى فيها عليًا بن أبي طالب (رضي الله عنه)، في نفس يوم «النوروز» مزجًا للتقاليد الشيعية بالقومية الإيرانية، وكتب: «نحن، الإيرانيين، صرنا مسلمين، لكننا لم نتحوّل إلى عرب، وهذا أمر مهم». اقتراح كهذا يأتي من «التيار الإصلاحي» لافت جدًا، لأنه إبان حكم الشاه لم يكن أحد يجرؤ على الكلام عن تثبيت المناسبات الدينية على التقويم الشمسي. وكان الشاه، إلى حد ما متأثرًا بنصيحة شجاع الدين شفا، أصدر مرسومًا غيّر فيه بداية التقويم الإيراني مرجعًا إياها إلى تأسيس الإمبراطورية قبل 2576 سنة، قبل صرف النظر عنه بعد ثلاث سنوات.

حتى السلطة والفن

غير أن الميل للتحوّل من الشخصية الإسلامية إلى الهوية الإيرانية، لا يقتصر على مَن هم خارج السلطة اليوم، بل يظهر عند بعض رجال النخبة الحاكمة أيضًا؛ إذ دعا بهمن نامور – مطلق، نائب وزير التراث الثقافي، إلى أن على إيران أن تروّج لها في الخارج صورة «النوروز» بدلاً من كربلائيات الشهادة الإسلامية. وتابع: «..(النوروز) إرث فريد لأجدادنا الذين رأوا في الاعتدال الربيعي علامة من علامات تجدد الطبيعة، والاحتفاء بالحياة والجمال. هذه هي الرسالة التي نستطيع حملها إلى البشرية جمعاء، وسنكون على ثقة من حسن تقبلهم إياها». وخلال الشهر الماضي قرّرت بلدية العاصمة طهران تغيير أسماء عدد من الشوارع ومحطات المترو ملغية أسماء وصفتها بـ«الأجنبية»، بأسماء إيرانية. والطريف أن بين الأسماء التي غيّرت اسم محطة «ولي العصر» (التي تعني الإمام المستور)، أما الاسم الجديد فهو «مسرح المدينة» نسبة إلى مسرح قريب من المحطة.
أضف إلى ما سبق، أنه عندما أزاحت إيران الستار عن أحدث نسخة من الإنسان الآلي (الروبوت) الذي طوّره قسم التصنيع في الحرس الثوري، كانت الاقتراحات الأولى لاسمه محصورة في أسماء عدد من كبار القادة المسلمين الأوائل. ولكن لما تبيّن أن كل أولئك القادة من العرب الذين أسهموا بفتح إيران في القرن السابع، صرف النظر عنها، واختير للروبوت اسم القائد الإيراني القديم سورنا الذي هزمت قواته الفيالق الرومانية بقيادة كراسوس في معركة حرّان (في تركيا اليوم) عام 53ق.م، وقتل كراسوس في تلك المعركة.
عودة إلى بلدية طهران، فإنها دعت مائة فنان إيراني لرسم جداريات على امتداد العاصمة الإيرانية، ومجددًا في سياق تأكيد الرجوع إلى الهوية الإيرانية، استعيض عن مشاهد الاستشهاد الدينية أو منجزات الخميني، كلّف الفنانون بالاستيحاء مما ورد في ملحمة الشاعر فردوسي «الشاهنامة»، التي تتغنى بماضي إيران قبل الإسلام. وكان بين أبرز الجداريات جداريتان للفنان محمد رضا فرزانه، تصوّران مشاهد من مرور الأمير سياواش عبر النار، وتحديات رستم السبعة، والملك الساساني بهرام وهو يتصيد حُمُر الزرد.
تأكيد «القومية» يتجلى اليوم أيضًا في الأفلام والمسرحيات والمؤلفات الموسيقية التي يبدعها الإيرانيون. فالموسيقار لوريس تشكناورايان أطلق سلسة من الإبداعات السيمفونية المستندة إلى المضامين الثقافية الإيرانية. وفي الشعر، المجال الفني الذي أبدعت فيه إيران، تكاد المضامين الإسلامية تختفي إلا من بضعة أعمال لـ«شعراء السلطة» في تمجيد الخميني وخامنئي. وفي المقابل، التوجهات القومية القوية تظهر لدى عدد كبير من الشعراء أبرزهم إسماعيل خوئي ومحمد جلالي.
ثم إن الفكرة القائلة إن تسويق إيران عالميًا سينجح أكثر إذا ركّز على هويتها «الإيرانية» وليس على دورها كـ«بطل الإسلام الراديكالي»، أخذت تشق طريقها حتى إلى الخطاب السياسي الرسمي، وإن مغلفًا بالحيطة الشديدة؛ فخلال مقابلة نشرتها صحيفة «إيران» اليومية التي تصدرها الحكومة، حث محمد سريع الكلام، أحد مستشاري الرئيس حسن روحاني على اعتماد «سياسة خارجية قائمة على المصلحة الوطنية لا الآيديولوجيا». ورأى أن على إيران أن تبيّن للعالم أنها تطوّر تفاهمًا وطنيًا عريضًا على فكرة التصرف كدولة – أمة لا كمطية للتطرف. وفي الاتجاه نفسه، دعا الأستاذ الجامعي صادق زيبا - كلام، وهو مقرّب من الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، إلى التصرف وفق مبدأ «إيران أولاً»، وحض السلطات في طهران على النأي عن أزمات منطقة الشرق الأوسط، قائلاً: «أنا أتفهم أولئك الذين يهتفون: لا غزة ولا لبنان! حياتي فقط فداء إيران؟». وأردف: «بالنسبة لي أيضًا، إيران أولاً وثانيًا وأخيرًا!».
أما الأمر الأكثر إثارة للدهشة، فهو أن علي أكبر محتشمي – بور، الملا الذي أسس الفرع اللبناني لـ«حزب الله» ونظّم قياداته، يأخذ الآن موقفًا مشابهًا؛ إذ قال محتشمي – بور أخيرًا: «هؤلاء القوم (أي جماعة حزب الله والقوى التي تموّلها طهران) يهموننا فقط ما داموا يخدمون مصالحنا القومية. ليست علينا التزامات لأحد، بل التزامنا الوحيد لإيران».
في هذه الأثناء، يقول فريدون عبد اللهيان إن «بطاقة غيران الرابحة» هي ثقافتها العريقة، مضيفًا: «صواريخنا لن تبلغ واشنطن أبدًا، لكن أطباق الـ(هفت سين) كانت في البيت الأبيض يوم (النوروز)، وحازت إعجاب الرئيس الأميركي وعائلته؛ بل إن إيران كانت الدولة الوحيدة التي تلقت رسائل معايدة وتهاني بمناسبة السنة الجديدة من أكثر من 140 ملكًا ورئيس دولة في العالم، بينهم الرئيس الأميركي».
ثم إنه في حين قد يفرّق الدين الإيرانيين، فإن مفهوم «القومية الإيرانية» يوحدهم بصرف النظر عن خلفياتهم، ومنهم مسيحيون مثل إدوارد جوزيف وهومر إبراهيميان وزافين هاكوبيان، ويهود مثل مشفق همداني وسيمون فرزمي، وزرادشتيون مثل بهرام شاهرخ وآردشير وَرجاوند.
ولكن كل هذا قد لا يقود إلى شيء، ذلك أن الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد تحدّث قبل نحو عشر سنوات عن «الإسلام الإيراني»، وحاول لعب الورقة القومية عبر استعارة «أسطوانة قورش» التي يُقال إنها تحتوي أول إعلان لحقوق الإنسان، من المتحف البريطاني.. وشاهدها بالفعل أكثر من ثلاثة ملايين إيراني.
للعلم، أحمدي نجاد من أتباع حسن يعقوبي، العالِم والباحث الديني الذي يزعم أنه يطرح «إعادة قراءة» للإسلام من منطلق إيراني. ويعقوبي يعد قورش «موازيًا للأنبياء»، ويدّعي أنه «ذو القرنين» المذكور في القرآن الكريم. (طبعًا هناك من يقولون إن المقصود الإسكندر المقدوني الشهير بهذا اللقب). ومن ثم، استغل أحمدي نجاد «القومية» تكتيكا لاستعادة جزء من شرعية النظام التي كان قد فقدها في أعقاب الانتخابات الرئاسية المشكوك في نزاهتها عام 2009.
واليوم، من المحتمل أن يكون هاشمي رفسنجاني يحاول الآن تكتيكًا مشابهًا لتوسيع قاعدته الشعبية في خضم صراع النفوذ الدائر بينه وبين الخمينيين المتشددين. ولكن، مهما كانت حصيلة الفورة الحالية لـ«القومية الإيرانية»، فإن ثمة حقيقة لا جدال فيها، ألا وهي: أن محاولة نزع الهوية الإيرانية من إيران باسم الإسلام محكومة بالفشل بمقدار السعي في سالف الأيام لإلغاء الإسلام في إيران باسم القومية.
إن ما تحتاجه إيران حقًا، وما احتاجته دائمًا، طريقة ذكية وإنسانية «لإدارة» التناقض الجوهري في وجودها كأمة ودولة. إنه تناقض كان وراء معظم مشكلاتها، بالتوازي، مع كونه محفّزًا لكثير من إنجازاتها.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.