ما تبقى من أوراق كوبلر في ليبيا

لعبة «القط والفأر» بين المبعوث الأممي والميليشيات

ما تبقى من أوراق كوبلر في ليبيا
TT

ما تبقى من أوراق كوبلر في ليبيا

ما تبقى من أوراق كوبلر في ليبيا

شهدت الأيام الأخيرة الماضية مزيدًا من المؤشرات التي توحي بأن التسوية الدولية المعدّة للأزمة الليبية ما زالت تواجه بعض الصعوبات. إذ اضطر ممثل الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر لإلغاء زيارته المقررة إلى طرابلس بهدف «تمهيد الطريق أمام المجلس الرئاسي» الليبي المنبثق عن اتفاق السلام الموقع في ديسمبر (كانون الأول) الماضي في الصخيرات بالمغرب، وذلك بعدما قوبلت هذه الزيارة بالرفض من القوى المسيطرة على العاصمة. وفي المقابل، طالبت هذه القوى ممثلة بمن تصف نفسها بـ«حكومة الإنقاذ» الأمم المتحدة «بفتح تحقيق في سلوك مبعوثها في ليبيا»، واعتبر رئيسها خليفة الغويل أن كوبلر يدير الأزمة الليبية «بطريقة لا تمت بصلة للوضع في ليبيا»، وأن البعثة الأممية أدارت اجتماعات الصخيرات بطريقة الإقصاء.
كل هذا الجدل.. وكل هذه المناورات الجارية حول الطاولة، تشبه إلى حد بعيد لعبة «القط والفأر» بين المبعوث الأممي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، والميليشيات التي تسيطر على العاصمة الليبية طرابلس، إضافة إلى قوى أخرى تظهر وتختفي من المشهد.
الرهان منذ البداية كان يعتمد على أوراق ميليشيات من مدينة مصراتة المجاورة، لمساندة «حكومة الوفاق» المقترحة من الأمم المتحدة، لكن ماذا تبقى من هذه الأوراق اليوم؟ فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي، لم يتمكن حتى الآن من دخول طرابلس، لمباشرة أعماله. كما أن كوبلر نفسه حاول المجيء إلى هنا، لكن تهديدات المسلحين حالت دون ذلك.
رغم كل شيء ما زال هناك أمل. طرابلس مدينة كبيرة. والخطة الجارية على الأرض، والتي يشرف عليها كوبلر والسراج، وأطراف أخرى، تهدف إلى تأمين موقع معين يوجد على شاطئ البحر، يشبه «المنطقة الخضراء» في العاصمة العراقية بغداد، يكون مقرا للحكومة «الشرعية» حسب الاعتراف الدولي.
حتى الآن توجد ثلاثة نطاقات أمنية يجري تحضيرها على قدم وساق، لكي تتولى حراسة مكاتب السراج قبل قدومه من تونس إلى العاصمة. وقد يلحق به كوبلر فيما بعد. هذا أمر محفوف بكثير من المخاطر أيضا. لغة الرفض تبدو حادة وهناك قناصون جرى توزيعهم، قبل عدة أيام، على أسطح عدد من مباني العاصمة؛ في جنزور وقرب فندق المهاري وفي نطاق مستشفى السكري.
* علاقة توتر قديمة
العلاقة المتوترة بين الأمم المتحدة وبعض الميليشيات المسلحة ليست وليدة اليوم. والأمر لا يخص كوبلر كشخص، بل يتعلق بطريقة معالجة المنظمة الدولية للأزمة في ليبيا على ما يبدو. كل طرف في هذا البلد ينظر إلى القضية من زاوية خاصة. غالبا لا أحد يرى الهدف المشترك الذي يمكن أن يوحد الليبيين، ألا وهو إنقاذ الاقتصاد المنهار وحفظ الأمن وبناء الدولة.
لقد دخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة الليبية مجددًا في أواخر عام 2014، أي بعد نحو أربع سنوات من القرارات السريعة التي كانت قد اتخذتها ضد نظام معمّر القذافي في 2011. بما فيها منح حلف شمال الأطلسي «ناتو» الضوء الأخضر للتصرف عسكريا في هذا البلد النفطي.
النتيجة منذ البداية كانت كارثية، وهو أمر تحدث عنه صراحة، في الشهور الماضية، رئيس أكبر دولة مجاورة لليبيا، وهي مصر، كما تطرق إليه رئيس الولايات المتحدة، باراك أوباما.
بعد مقتل معمر القذافي تراجعت الأمم المتحدة خطوات للوراء، إلى أن وقع «الهجوم الإرهابي» على القنصلية الأميركية في بنغازي، ومقتل سفير الولايات المتحدة وثلاثة من رفاقه في مقر القنصلية، في سبتمبر (أيلول) 2012. ومع هذا الحادث، ظهر على السطح اسم أول مبعوث أممي لليبيا، هو الوزير اللبناني السابق الدكتور طارق متري. كما ظهر على المسرح أيضا حقيقة سطوة الميليشيات على حساب الجيش والشرطة. لقد تعرض الجيش الليبي لضربات من الناتو قصمت ظهره وشلت مفاصله. كما تهاوت مؤسسة الشرطة. عقب ذلك بدأ يظهر سؤال عما يمكن أن يصلح حال هذا البلد قبل فوات الأوان. شرع الدكتور علي زيدان، الذي جرى اختياره كرئيس للوزراء في ذلك الوقت، في وضع خطة، بالتعاون مع أطراف دولية، تقضي بنزع سلاح الميليشيات وتعضيد الجيش والشرطة.
لم يكتب لخطط زيدان المرتبكة النجاح، لأسباب كثيرة يطول شرحها، لكن أهمها يكمن في عدم جدية المجتمع الدولي، ودول جوار أيضا، في مواجهة الخطر المتنامي في ليبيا. وفي آخر أيامه في ليبيا كان زيدان في مرمى نيران الميليشيات، حتى اضطر في نهاية المطاف لترك منصبه في ظروف مأساوية.
سطوة المسلحين كانت أكبر بكثير.. أكبر مما يعتقد بعض القادة المحليين وبعض المراقبين الإقليميين والدوليين. ميزات رئيسية حصلت عليها الميليشيات بعد سقوط نظام القذافي، ولم يكن من المحتمل أن تتخلى عنها بسهولة، لا في ذلك الوقت المبكر، ولا اليوم، حيث يحاول كل من السراج وكوبلر، الضغط لحل الأزمة حتى لو وقعت بعض الكسور هنا أو هناك.
* بعد سقوط القذافي
حين سقط نظام القذافي، لم يلتفت الحكام الجدد لبناء المؤسسات التي تمثل العمود الفقري لأي دولة، ألا وهي الجيش والشرطة. في المقابل منح هؤلاء الحكام للميليشيات حق حماية الدُّور الحكومية وحدود الدولة، البرية والبحرية، مقابل مليارات الدولارات سنويا. هنا كشف أمراء الحرب من المنتمين للجماعات المتطرفة عن الوجه الحقيقي للمرحلة الجديدة، خاصة عقب معركة 2014 التي احترق فيها مطار طرابلس الدولي بما فيه من طائرات.
منذ ذلك الوقت اختلط الحابل بالنابل. دخل على الخط جماعات لتهريب السلاح والمقاتلين والمهاجرين غير الشرعيين، لدرجة أصبحت مقلقة لأوروبا وجيران ليبيا الآخرين. ومن جديد بدأ الضغط الدولي يتزايد في محاولة لرأب الصدع. فالبرلمان السابق (المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته في صيف 2014) لا يريد أن يعترف بالبرلمان الجديد، ولا بالقوات المسلحة التي أعاد الفريق أول خليفة حفتر تجميعها لمحاربة الميليشيات المتطرفة انطلاقا من شرق البلاد.
المخاوف من تحول ليبيا، الواقعة على السواحل الجنوبية للبحر المتوسط، إلى دولة فاشلة، جعل المنظمة الدولية تتدخل مرة أخرى، لكن يبدو أنها أمسكت بأوراق لا تحقق مكاسب تذكر على طاولة معقدة. قامت بتسمية ممثل جديد للأمين العام للأمم المتحدة، وهو الإسباني برناردينو ليون. كان ليون يسعى لعقد مصالحة بين البرلمان الجديد ونحو عشرين نائبا ممن يوالون سلطة الميلشيات المدعومة من المؤتمر الوطني العام الذي استمر في عقد جلساته في طرابلس.
تسببت لقاءات ليون مع الفرقاء الليبيين في حلحلة الكثير من الأمور، وتقريب بعض من وجهات النظر، انتهت إلى الشروع فيما أصبح يعرف بسلسلة مفاوضات «الصخيرات» المسماة على البلدة المغربية التي كانت تعقد فيها. ظهر لأول مرة اقتراح اسم السراج كرئيس لحكومة الوفاق.
منذ البداية كانت هناك علامة استفهام تحتاج لإجابة عن القوة التي سوف تحمي عمل الحكومة المقترحة. هل ستعتمد على الميليشيات المسلحة، وبالتالي العودة إلى المربع صفر، كما كان الحال عقب مقتل القذافي. أم يكون الاعتماد على الجيش بقيادة حفتر. أم ما بين هذا وذاك.
* بعد ليون.. كوبلر
انتهت مدة عمل ليون، وجاء من بعده كوبلر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ليجد نفس علامة الاستفهام وقد تضخمت وأصبحت أكبر من السابق. القوى الفاعلة على الأرض غير موجودة في مفاوضات الصخيرات. واللقاءات التي تعقد مع بعض قادتها، كل على حدة، تعقد في الخفاء.
المقصود بهذه القوى هي تلك التي تملك السلاح والعناصر المقاتلة. هي تكون من ثلاث جبهات.. الأولى قوات الجيش الوطني بقيادة حفتر. والثانية قوات الميليشيات، وأهمها الكتائب الأقرب إلى الشكل النظامي، وهذه موجودة لدى مدينة مصراتة وفي بعض ضواحي طرابلس، وفي منطقة الزنتان أيضا. والثالثة هي قوات ما يعرف باسم «جيش القبائل» وهو عبارة عن جيش تابع للقوات المسلحة الليبية، لكنه ظل لعدة أشهر لا يفضل الحرب تحت راية حفتر.
خيارات البعثة الأممية
لم يكن من بين خيارات البعثة الأممية في ليبيا العودة إلى الوراء لتصويب الأخطاء.. أي أنها فضلت الاستمرار في تجاهل المعادلة الخاصة بالقوات الممسكة بالأرض وكيفية التعامل معها مستقبلا. زار كوبلر الفريق أول حفتر، ونظمت المنظمة الدولية لقاءات مع قادة كتائب وبلديات من عدة مدن، لكن مسألة جمع هذه القوى في «بوتقة نظامية» واحدة، كان أمرا غير قابل للنقاش.
لهذا عاد السؤال مجددا. من سيحمي مسار كوبلر وحكومة التوافق التي اقترحها. الميليشيات أم الجيش؟ أم خليط مشترك وفق تصور جديد؟ وكيف يمكن الوصول إلى مخرج لهذه المعضلة؟ ومع ذلك ظل كوبلر يراهن على أن الجميع سيرضخ في نهاية المطاف لحلول الأمم المتحدة. أولا حكومة وفاق ثم إعادة ترتيب الوضع الأمني وضبطه.
أحيانا يقول أحدهم إن الأمر يشبه محاولة لتمرير فيل من خرم إبرة. هذا ممكن، لكنه يحتاج إلى كثير من الحيل والتربيطات. الفشل قد يتحول إلى كارثة. منذ نحو أربعة أشهر، يوجد مسار يبدو أنه الرهان الوحيد، بل الورقة الأخيرة، في يد ممثل المنظمة الدولية في ليبيا. قادة الميليشيات الرافضة للحكومة تعرف هذا. وكذلك قادة في الجيش. إنه الثقب نفسه.. يبدو أنه أخذ يتسع رويدا رويدا، بسبب الضغوط الدولية والتلويح بمعاقبة معرقلي حكومة الوفاق.
معلوم أن السراج من مواليد طرابلس، ولديه في عضوية مجلسه الرئاسي، قيادات من مصراتة ومن الجنوب، لها بعض السلطة على جانب من كتائب مدينتي طرابلس ومصراتة المجاورة لها. وعلى هذا الأساس جرى تشكيل لجنة أمنية لتهيئة طرابلس لمرحلة جديدة. لكن العاصمة فيها ما لا يقل عن 17 ميليشيا ترفض خطط كوبلر، ومن بين هذه الميليشيات من يوالي المؤتمر الوطني، والحكومة المنبثقة عنه والمعروفة باسم «حكومة الإنقاذ» برئاسة خليفة الغويل. كما توجد ميليشيات توالي الجماعة الليبية المقاتلة وأخرى توالي تنظيم داعش، وغيرها ممن يوالي الجناح الإخواني الرافض لحكومة التوافق أيضا. ولا يوجد تواجد للجيش الوطني بقيادة حفتر داخل طرابلس، لكن حتى هذا الجيش غير متحمس للحكومة المقترحة، ويرى بعض من قادته أنها «مجرد حكومة وصاية».
رغم كل هذه العراقيل، تمكن السراج، وبتعاون مع البعثة الأممية، من تشكيل «لجنة أمنية» تقوم في الوقت الحالي بالبناء على الموجود.. أي على المؤيدين للحكومة وخطط كوبلر، في كتائب من مصراتة ومن طرابلس. وحين حاول المبعوث الأممي دخول العاصمة، وجرى منعه من قبل المتشددين الرافضين له، كان يبدو أنه استعجل النتائج المتوقعة من «اللجنة الأمنية» المشار إليها.
ومع ذلك تمكنت هذه اللجنة من التوصل إلى وضع خطة تتكون من ثلاثة نطاقات أمنية، لكي تؤمن الحكومة، وتؤمن البعثة الأممية حين تأتي معها برئاسة كوبلر. ووفقا لأحدث معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من مصادر قريبة من قادة طرابلس، فإن المقترح لشغل النطاق الأمني الأول، كتيبة الحلبوص (أساسا من مدينة مصراتة)، على أن يكون في النطاق الأمني الثاني كتائب من طرابلس، بينما تختص قوات «مديرية أمن العاصمة» بالنطاق الأمني الثالث. كما ستشارك قوات من جهاز البحث الجنائي الليبي وقوات (يقال: إنهم مستشارو أمن) من عدة بلدان أوروبية، في تأمين مقر الحكومة.
* الوضع الحالي
الخطة بدأت تطبق على أرض الواقع. ففي اليومين الماضيين جرى مخاطبة 20 معسكرا للميليشيات والكتائب من طرابلس ومن مصراتة، لكي يرسل كل منها 15 عنصرا للتدريب على عملية التأمين، ومن ثم التوزيع على النطاقات الأمنية الثلاثة التي ستشكل طوقا حول مقر الحكومة لحمايته. ويقول مسؤول في هذه اللجنة إن «هذه دفعة أولى.. كل دفعة تتكون من 300 عنصر، وخلال اليومين المقبلين سيكون قد جرى الانتهاء من تدريب نحو ألف رجل لمساعدة باقي القوات على تأمين مقار الحكومة المقرر أن تكون في قرية سياحية قريبة من مقار الأمم المتحدة الأصلية في طرابلس».
ومع ذلك يبدو الوضع صعبا في ظل وجود كتائب وميليشيات وعناصر مسلحة أخرى رافضة للحكومة.. «حتى كتيبة الحلبوص فيها متشددون يرفضون الحكومة.. كما أن كتيبة المحجوب (من مصراتة أيضا) فيها قادة غير متحمسين لخطة كوبلر والسراج»، ناهيك عن قوات طرابلس الأخرى الرافضة لحكومة التوافق منذ البداية، ومنها المجاميع المسلحة الموالية لقيادات في المؤتمر الوطني المنتهية ولايته ولحكومة الإنقاذ وتجمع «لواء الصمود».
دخول السراج إلى طرابلس كرئيس لأعلى سلطة (المجلس الرئاسي) في هذا البلد، له دلالات أخرى مهمة. منها على سبيل المثال أنه سيكون أول حاكم لليبيا منذ مئات السنين يكون من مواليد طرابلس في غرب البلاد. معروف أنه بعد حقبة الحكم القرمنلي (التركي) ثم الإيطالي، جاء الملك إدريس في مطلع خمسينات القرن الماضي، من المنطقة الشرقية، ثم خلفه القذافي من مدينة سرت في الشمال الأوسط من البلاد. هذا، في بعض الأحيان، يتحول لموضوع مثير للحماس في جلسات طرابلس المسائية. من الخلف يواصل كوبلر ضغوطه لإنجاح مخرجات حوار الصخيرات.
هناك تلويح بفرض عقوبات دولية على رئيس المؤتمر الوطني وعلى حكومة الإنقاذ، وعلى البرلمان، وعلى قادة آخرين. كما يوجد عامل آخر مساعد يمكن أن يعجل بإنجاح مهمة كوبلر، وهو الواقع الاقتصادي السيئ الذي مسَّ بمرارته عموم الليبيين.. رغيف الخبز من الحجم الكبير ارتفع سعره خلال فترة قصيرة من ربع دينار إلى أربعة دنانير، كما أن الدولار ارتفع سعره في السوق السوداء من 1.28 دينار إلى أكثر من 3 دنانير، واليورو من 1.40 دينار إلى نحو 4 دنانير. وبينما يخشى قادة الميليشيات من انتفاضة في طرابلس ضد التدهور الاقتصادي والانفلات الأمني، وضد المسلحين، يواصل أمراء الحرب الرافضين للسراج تحدي المجتمع الدولي، ورفض دعوات كوبلر بمنح الحكومة فرصة.. حتى بعض الأطراف التي أيدت مخرجات الحوار، يوجد لديها تعاون من وراء الستار مع بعض المتطرفين، خوفا من المستقبل. فقد أعلنت حكومة الغويل النفير العام، بالتزامن مع تعليمات من قادة تنظيم داعش للتجمع في طرابلس لمنع دخول السراج للعاصمة.
**محطات كوبلر
* منذ تعيينه في موقع المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا في الرابع من نوفمبر الماضي، وقفت التنظيمات المتطرفة وغالبية الميليشيات المسلحة في طرابلس ضد مهمة مارتن كوبلر لإيجاد حكومة وفاق وطني. لكن الدبلوماسي الألماني المولود عام 1953 في شتوتغارت، أبدى تحديا لكي يخرج بليبيا إلى بر الأمان.
* أطراف ليبية شاركت في حوار بلدة الصخيرات المغربية طيلة نحو 18 شهرا، توصلت برعاية كوبلر للتوقيع على «اتفاق نهائي» في منتصف ديسمبر (كانون الأول) لتشكيل حكومة الوفاق، ومنذ ذلك الوقت بدا المبعوث الأممي متفائلا، خاصة بعد حضور ممثلين عن مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام ومجالس بلدية وأحزاب سياسية، لكن تغير مواقف البعض أصاب كوبلر بالغضب.
* يفترض أن تحظى حكومة السراج بثقة البرلمان الحالي الذي يعقد جلساته في طبرق، لكن هذه الخطوة تأخرت كثيرا فيما عده بعض المراقبين مماطلات، خاصة فيما يتعلق بمادة الاتفاق الخاصة بوضع القوات المسلحة، والدعوة لتعديلها. وقال كوبلر بعد توقيع اتفاق الصخيرات بنحو أربعين يوما، إن أي تعديل «يجب أن يكون متماشيا مع الآلية التي وضعها الاتفاق».
* بادر كوبلر بالترحيب بأول إعلان من المجلس الرئاسي الليبي لوزراء حكومة التوافق، في منتصف الشهر الماضي، وعده إنجازا كبيرا لبداية جديدة، وقال: إن أنظار الشعب الليبي تتجه صوب حكومة الوفاق لممارسة سلطاتها والعمل بإصرار من أجل إعادة توحيد مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار والأمن، إلا أنه، بعد ذلك، لم ينكر العقبات التي تواجه العملية برمتها.
* أول تحرك عملي ضد البعثة الأممية كان من جانب معارضي حكومة السراج في طرابلس، في الأسبوع الأول من هذا الشهر، وذلك حين جرى احتجاز ثلاثة من أعضاء اللجنة الأمنية المؤقتة في العاصمة. وأعرب كوبلر عن قلقه من هذا الاحتجاز الذي استمر لفترة وجيرة، وطالب «كافة الأطراف» و«السلطات المعنية على الأرض» إلى التعاون الكامل مع اللجنة الأمنية المؤقتة المنبثقة عن الحوار السياسي.
* قبل يومين كان كوبلر يعتزم زيارة طرابلس لتمهيد الطريق أمام وصول السراج وفريقه، لكن الحكومة المدعومة من الميليشيات في العاصمة (وغير المعترف بها دوليا) أعلنت عن منع طائرة المبعوث الأممي من الهبوط في طرابلس وإلغاء زيارته.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.