اكتشافات أثرية مذهلة في سوريا الطبيعية تعيد كتابة التاريخ القديم

المجتمعات والمستوطنات الأولى نشأت في المنطقة العربية

برج غوبكلي تبة
برج غوبكلي تبة
TT

اكتشافات أثرية مذهلة في سوريا الطبيعية تعيد كتابة التاريخ القديم

برج غوبكلي تبة
برج غوبكلي تبة

عندما بدأ فريق ستيفن ميثين، وهو عالم آثار من جامعة ريدينغ في بريطانيا، ورفيقه بالحفر في الصحراء فإنهما لم يكونا ليتوقعا الكثير مما وجداه. وكانت توقعات ميثين تنحصر كما ذكر لزملائه في القيام بالبحث عن بعض آثار العصر الحجري في جنوب الأردن. لكنهم أجابوه أنهم حفروا هناك، ولم يعثروا على أي شيء جدير بالذكر. إلا أنه وجد بقايا قرية بدائية، وكانت كل آماله تنحصر في الحصول على بصيص ولو دقيق من النور للحياة اليومية التي تعود إلى 11 ألف سنة خلت.

آثار مدهشة
وأثناء الحفر ضرب أحد تلامذته على سطح صلب أملس، كما لو أنه صنع من قبل أحد الصناعيين المحترفين، ليكتشف بعد ذلك سلسلة من السطوح والطبقات والمستويات المحفورة برموز متموجة، الأمر الذي زاد من حماسة الفريق المكلف بالتنقيب، الذي فوجئ بأن الآثار هذه شرعت مع الحفر تتسع رقعتها وتزداد مساحة، وبأنها أكثر تعقيدا في خصائصها مما كان متوقعا.
ونقلت مجلة «نيوساينتست» البريطانية عن ميثين قوله: «لم أر آثارا مثل هذه من قبل، جعلت كل أفكاري وتوجهاتي ومخططاتي تتغير».
وشرع ميثين يقارن ما وجده وهو بناء على شكل مسرح يشبه المسارح الرومانية، حيث أماكن مصاطب الجلوس الحجرية الطويلة، موجودة في جانب واحد من ذلك البناء المستدير. وبدا من مظهره أنه مصمم لأغراض الاحتفالات الموسيقية، أو الشعائرية، أو غيرها. وكانت هناك أيضا سلسلة من الأخاديد التي تشق أرضية المكان، قد تكون لتصريف دم الأضاحي التي كانت تقدم كقرابين.
وعلى الرغم مما كان يجري هناك، فإن المكان بات يعرف الآن باسم وادي فيمان، الذي قد يغير من رؤية العالم في التاريخ الذي يعود إلى 11600 سنة مضت، مما يعني أن الناس هناك كانت في ذلك الوقت تشيد المسارح، قبل أن تعرف الزراعة. وهذا الأمر كان من المفترض ألا يحصل مع نظرية ثورة العصر الحجري الحديث، وهي الثورة التي جعلت البشرية تتخلى عن حياة البداوة والترحال التي خدمتهم بشكل جيد لآلاف السنوات، ليحطوا الرحال بعدها ويستقروا في أماكن ثابتة مع حيواناتهم، ليشرعوا في زراعة الأرض، وابتكار حياة جديدة بنمط مختلف.

حضارة ما قبل الزراعة
قبل 8300 سنة كان الناس في سوريا الطبيعية التي تشمل الآن بسوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين، وأجزاء من أناضوليا في تركيا، يملكون كل مقومات وتقنيات العصر الحجري الحديث، أو الجديد (غير القديم)، أي كالقرى، والمستوطنات، وصناعة الفخار، وتربية الحيوانات، وزراعة الحبوب، لا بل كانت هناك أولى ناطحات السحاب في العالم قبل 11 ألف سنة عندما قامت مجموعات من الصيادين بتشييد أبراج بارتفاع ثمانية أمتار، مع سلالم محفورة في الحجر لأسباب لم تعرف بعد.
وقد حير برج أريحا على سبيل المثال منذ اكتشافه علماء الآثار. وذكر بعضهم أنه كان منشأة لغرض المراقبة، لكنه قد يكون أيضا أسلوبا لجعل القرويين الأوائل يتحدون وينصهرون في مجتمع صغير. وقد يكون هذا الأمر من أهم التغيرات التي حصلت في التاريخ، كما تقول جينز نوتروف من معهد الآثار في برلين.
وكما يبدو فإن الذين شيدوا وادي فيمان ليسوا من البدو الرحل، كما لم يكونوا من المزارعين أيضا، بمعنى الزراعة الحقيقية، بل كانوا صيادين وجامعين للكلأ والمحاصيل البرية، وما قد يقع في أياديهم. فبدلا من الزراعة، كانت هنالك كما يبدو، دوافع أخرى مختلفة جدا لتجمع هؤلاء القوم سوية، كالشعائر الدينية، والثقافة المشتركة، وأسلوب الحياة، وانعقاد الشمل حول الولائم، وربما وجود مصدر ثابت للغذاء. وقد تكون جذور الحضارات الأولى هذه نتيجة هذه التغيرات الاجتماعية، وهذه كانت أكثر عقلانية مما سبق، وكلنا يدرك أن حضارة القرن الـ20 قامت ربما على تغيرات كهذه، مثل نشوء المزارع، وبعدها تطورت الثقافة بصورة سريعة، ثم الثورة الصناعية.
لكن تلك التغيرات كانت تحصل كما يبدو في سوريا الطبيعية قبل 10 آلاف سنة، مع انتهاء العصر الجليدي، عندما أصبحت هذه المنطقة جرداء، باستثناء بقع ضيقة من الأراضي الخضراء على ضفاف الأنهر وتجمع المياه. وفي مثل هذه المناطق المحصورة تجمع الصيادون الرحل ليجدوا في النهاية أن توفر الشعير، وزراعته بعد ذلك في مكان واحد مثلا، هو أكثر جدوى من التنقل والترحال الدائم، ليبدأ بعد ذلك تكاثر السكان، مع ولادة المزيد من الأطفال الذين يتطلبون غذاء ورعاية مستمرة، والذين سيوفرون لاحقا المزيد من الأيدي العاملة في الحقول.
ومع الزراعة طبعا انتعشت صناعة الحرفيات، والنجارة، وصناعة الفخار والخزفيات، ومعها تطورت النشاطات المختلفة والحياة الاجتماعية.

حياة فكرية غنية
وبدأت هذه المنطقة تجذب إليها الأنظار والمهاجرين لتزدهر أكثر فأكثر. والدليل على ذلك أن المنقبين عثروا على المزيد من أسباب الحياة الفكرية والثقافية المتطورة. كما أن الأبنية التي جرى التنقيب عنها كانت واسعة ومعقدة، رغم قدمها الموغل في التاريخ. كذلك شرع السكان هناك، حتى منذ 11000 سنة خلت، بالتعامل مع الحيوانات والمواشي، وأهمها الغنم وتربيتها، مع الاعتماد أيضا في الوقت ذاته على صيد الحيوانات البرية. وهذا ما حدث في أوروبا، وإن لم يكن قديما جدا كما حصل في الشرق.
وشرع علماء الآثار يعتمدون على هذه المكتشفات التي تمت في الشرق الأدنى لتسليط الأضواء على كيفية نشوء المجتمعات والمدن والحضارات، حتى في العالم الغربي بحيث أخذوا ما وجدوه في الشرق مثالا لدراسة تطور الحياة والمجتمع في الغرب أيضا.
وقرب نهر الفرات في سوريا عثر المكتشفون الفرنسيون على ثلاث من القرى التي يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث، وهي «جا دي»، و«تل عبر»، و«جرف الأحمر». وكان من الواضح أنها مستوطنات دائمة، وليست مواقع مؤقتة، فبيوتها واسعة مزينة، وكأنها نتيجة ثقافة شعائرية متطورة.
ومع الأحداث الحالية حاليا في سوريا، لم يتمكن علماء الآثار من مواصلة التنقيبات والتوسع بها، لكنهم وجدوا في قرية «جرف الأحمر» بقايا متفحمة من الحبوب في قدور للطهي، فضلا عن مواقدها. وكانت هذه الحبوب عبارة عن تشكيلة منوعة من العدس البري وغيره، التي جرى تجميعها، فضلا عن محاصيل جرى استيرادها من النوع الذي لا ينمو عادة في هذه المنطقة، والتي جرى لاحقا زراعتها محليا.
النقطة الأخرى المهمة أيضا إنهم شرعوا في تأسيس مجتمعهم المعقد المتطور هذا حتى قبل زراعة هذه المحاصيل. والمسرح المكتشف في «وادي فيمان» في الأردن الذي نقب عنه ميثين لأول مرة في عام 2010، له قصة مشابهة تقع إلى الجنوب جدا قرب نهر الفرات، حيث تنبسط أرضية اكتشفت أخيرا على مساحة 400 متر مربع، وهي واحدة من أقدم الإنشاءات أيضا إيغالا في التاريخ، ومحاطة أيضا بدائرة من الغرف الأخرى، التي يعتقد ميثين أنها كانت ورش عمل.
وقدر الخبراء أن الموقع يعود إلى 11600 سنة خلت، أي في فجر «العصر الحجري الحديث». وعثر ميثين في الطبقات السفلى القديمة من الموقع هذا على أنواع من التين البري، والشعير، والفستق، مما يعني أن سكانه الأوائل هم من الصيادين. والأمر الذي حير ميثين أن الموقع هذا يقع على مسافة مئات الكيلومترات بعيدا عن المواقع الأخرى، مما يعني أن مجتمعا متطورا تكون هناك أيضا على «شرق» متسع الأرجاء.
وباتت هذه المكتشفات تساعد الباحثين على إعادة كتابة التاريخ الذي نعرفه، وخصوصا ما يتصل بـ«العصر الحجري الحديث»، وإن كانت لا تزال هنالك ثغرات واسعة ينبغي ملؤها، خصوصا وأن العلماء عثروا في تنقيباتهم حول بحيرة طبرية (بحر الجليل سابقا) وفي الأردن، على بقايا أكواخ خشبية وطينية يعود عهدها إلى 20 ألف سنة مضت.



أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية
TT

أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

في خطوة علمية قد تُحدِث تحولاً جذرياً في أبحاث الدماغ طوّر فريق من الباحثين أجهزة استشعار بسيطة ومنخفضة التكلفة قادرة على مراقبة النشاط الكهربائي داخل النماذج الدماغية المصغرة التي يتم زراعتها في المختبر. ولا يَعِد هذا الابتكار فقط بتسريع فهم الاضطرابات الجينية المعقدة، بل قد يجعل أبحاث الدماغ المتقدمة في متناول عدد أكبر من المختبرات حول العالم.

ويظل الدماغ البشري أحد أكثر الأعضاء غموضاً وتعقيداً. وعلى الرغم من الاعتماد الطويل على النماذج الحيوانية، فإنها لم تتمكن من محاكاة التعقيد الحقيقي للدماغ البشري. وقد دفع هذا التحدي العلماء إلى تطوير ما يُعرف بـ«العضيات الدماغية» وهي أنسجة صغيرة تُزرع من الخلايا الجذعية وتحاكي بعض خصائص الدماغ.

وقد فتحت هذه العضيات باباً واسعاً لدراسة الأمراض العصبية الوراثية، مثل متلازمة أنجلمان Angelman syndrome وهي حالة تتميز بتأخر النمو والإعاقات الذهنية واضطرابات النطق وصعوبات الحركة والقدرات التواصلية. ومع ذلك واجهت هذه الأبحاث عقبة كبرى هي ارتفاع تكلفة الأجهزة المستخدمة لمراقبة النشاط الكهربائي داخل هذه العضيات.

جهاز استشعار ذكي

لطالما شكّلت التكلفة الباهظة للأجهزة التقليدية عائقاً أمام تقدم الأبحاث العصبية، حيث تعتمد الأدوات الحالية على مواد نادرة وطرق تصنيع معقدة ما يجعل التجارب محدودة بعدد قليل من العينات فقط. ويحرم هذا القيد المالي العلماء من الحصول على بيانات شاملة، ويحد من قدرتهم على فهم التباين البيولوجي بين العينات.

لكنّ فريقاً بحثياً من جامعة ولاية كارولاينا الشمالية في الولايات المتحدة نجح في كسر هذا الحاجز من خلال تطوير جهاز مبتكر يحمل اسم «مصفوفة مطابقة لرصد الفيزيولوجيا الكهربائية للعضيات» Conformal Array for Monitoring Electrophysiology of Organoids (CAMEO) في دراسة نُشرت في مجلة «npj Biosensing» في أبريل (نيسان) 2026.

وقد أوضحت الباحثة نافيا ميشرا المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب في كارولاينا الشمالية أن هذا الجهاز يقدم حلاً عملياً يجمع بين الدقة العالية والتكلفة المنخفضة ما يمهّد لمرحلة جديدة في أبحاث الدماغ تتسم بقدرة أكبر على التوسع، ودقة أعلى في النتائج.

وتعتمد المصفوفه أو CAMEO على تقنية مبتكرة تستخدم أنابيب الكربون النانوية المرنة التي تُرتب على شكل سلة دقيقة. إذ تُوضع العضية الدماغية داخل هذه «السلة»، وتعمل الخيوط النانوية كأنها أقطاب كهربائية تلتقط الإشارات العصبية.

ثم تُنقل هذه الإشارات إلى جهاز تسجيل مما يسمح للعلماء بمراقبة النشاط الكهربائي بدقة عالية وفي الوقت الفعلي تماماً كما تفعل الأجهزة التقليدية ولكن بتكلفة أقل بكثير. وفي الاختبارات الأولية أظهر الجهاز قدرة فائقة على التقاط الإشارات الضعيفة والاستجابة للتغيرات الكيميائية، مما يؤكد كفاءته في التطبيقات البحثية.

شكل تصويري لخلايا حية تزرع مختبريا لتطوير الأنسجة الحية الصغيرة التي تحاكي اعضاء الجسم

أهمية التطوير

• لماذا يُعد هذا التطور مهماً؟ أولاً لأنه يوسّع نطاق الأبحاث بشكل غير مسبوق. كما أن انخفاض التكلفة يعني أن الباحثين يمكنهم دراسة عدد أكبر بكثير من العضيات في تجربة واحدة ما يعزز دقة النتائج، ويقربهم من فهم أعمق للأمراض.

ثانياً لأنه يمهّد لتوحيد طرق البحث، حيث إن وجود نظام بسيط وموحّد يسهل على المختبرات في مختلف أنحاء العالم مقارنة نتائجها وتبادل البيانات، وهو أمر أساسي لتسريع الاكتشافات العلمية.

وثالثاً إتاحة أبحاث الدماغ للمختبرات الصغيرة. فالمختبرات الصغيرة أو الموجودة في دول ذات موارد محدودة لم تعد مستبعدة من هذا المجال المتقدم، بل يمكنها الآن المساهمة فيه بفاعلية.

• آفاق أوسع من مجرد اضطراب واحد. ولا يقتصر تأثير هذا الابتكار على دراسة متلازمة أنجلمان فقط، بل يمتد إلى طيف واسع من الاضطرابات العصبية، مثل التوحد والصرع والأمراض التنكسية مثل ألزهايمر. كما يمكن استخدامه في اختبار الأدوية الجديدة عبر مراقبة كيفية استجابة الخلايا العصبية للعلاجات المختلفة، مما قد يسرّع تطوير علاجات أكثر دقة وفاعلية.

ويرى الباحثون أن هذا الإنجاز ليس سوى البداية. فمع تطور تقنيات زراعة العضيات ستصبح الأدوات مثل CAMEO جزءاً أساسياً من المختبرات، وتساعد في فك أسرار الدماغ بطرق لم تكن ممكنة من قبل.

في النهاية، لا يمثل هذا الابتكار مجرد تحسين تقني بل سيكون تحولاً جذرياً في طريقة إجراء أبحاث الدماغ ما يجعلها أسرع وأوسع وأكثر شمولاً. وبالنسبة للمرضى وعائلاتهم يحمل هذا التقدم رسالة أمل أن الطريق نحو فهم أفضل للأمراض العصبية وربما علاجها قد أصبح أقصر مما كان عليه بالأمس.

لدراسة الأنسجة الصغيرة التي تحاكي بعض خصائص الدماغ


طريقة علمية توفر المياه والطاقة بالمجمعات السكنية الكبرى في مصر

ألواح شمسية مثبتة على سطح منزل في قرية بمحافظة الشرقية المصرية _رويترز_
ألواح شمسية مثبتة على سطح منزل في قرية بمحافظة الشرقية المصرية _رويترز_
TT

طريقة علمية توفر المياه والطاقة بالمجمعات السكنية الكبرى في مصر

ألواح شمسية مثبتة على سطح منزل في قرية بمحافظة الشرقية المصرية _رويترز_
ألواح شمسية مثبتة على سطح منزل في قرية بمحافظة الشرقية المصرية _رويترز_

مع تصاعد التحديات المرتبطة بندرة المياه وارتفاع تكاليف الطاقة، تتجه الأنظار نحو الحلول التكنولوجية المستدامة التي يمكن أن تعيد تشكيل مستقبل المدن. وفي ظل ازدياد الضغط على البنية التحتية في المجتمعات العمرانية الجديدة، تبرز الحاجة إلى نماذج مبتكرة تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية، بما يضمن استدامة الخدمات الأساسية للأجيال المقبلة.

وفي هذا السياق، قدمت دراسة مصرية نموذجاً نظرياً يقوم على تصميم ومحاكاة نظام متكامل يجمع بين إعادة تدوير المياه الرمادية وتوليد الطاقة الشمسية داخل المجمعات السكنية الكبرى، بهدف تقليل الهدر المائي وخفض استهلاك الكهرباء في آنٍ واحد.

وكشفت النتائج عن إمكانات كبيرة لتحويل المباني السكنية إلى وحدات أكثر كفاءة واستدامة، بما يعزز جدوى تطبيق هذه الحلول على نطاق أوسع داخل المدن المصرية، وفق الدراسة المنشورة في عدد 6 مايو (أيار) 2026 من دورية (Scientific Reports).

حل مستدام

يتمثل الحل المستدام الذي تقترحه الدراسة في دمج منظومتين متكاملتين داخل المجمع السكني؛ الأولى تعتمد على إعادة تدوير المياه الرمادية وإعادة استخدامها في شطف المراحيض وري المساحات الخضراء بدلاً من إهدارها، فيما تقوم الثانية على تركيب ألواح الطاقة الشمسية فوق أسطح المباني لتوليد جزء من الكهرباء المستهلكة محلياً.

والمياه الرمادية هي المياه الناتجة عن الاستخدامات المنزلية مثل المغاسل والاستحمام، التي يمكن معالجتها وإعادة استخدامها في أغراض غير الشرب، مثل الري وشطف المراحيض.

ووفق الدراسة، يمكن للجمع بين الحلين تحقيق وفرة مزدوجة في أكثر الموارد استنزافاً داخل المجمعات السكنية الكبرى، مع تقليل ملموس في البصمة الكربونية والاعتماد على الشبكات المركزية.

أما على صعيد التطبيق، فتُجمع المياه الرمادية من المباني عبر شبكة أنابيب منفصلة، ثم تُضخ إلى محطة معالجة مركزية تمر بثلاث مراحل متتالية تشمل التخثير، ثم الترشيح متعدد الطبقات، وأخيراً التعقيم بالكلور، قبل إعادة ضخها إلى خزانات التخزين وتوزيعها على دورات المياه ومناطق الري.

وبالتوازي، تُثبت الألواح الشمسية على أسطح المباني وتُوصل بمحوّلات تيار وعدادات ذكية ضمن نظام شبكة مصغّرة متصلة بالشبكة الوطنية، بحيث يغطي الإنتاج الشمسي ما بين 29 و30 في المائة من الحمل الكهربائي، بينما يُستكمل باقي الاستهلاك من الشبكة العامة.

وركزت الدراسة على جدوى تطبيق هذا الحل وما يمكن أن يحققه من نتائج داخل مجمع سكني في القاهرة الجديدة يضم 365 مبنى و7512 وحدة سكنية، بهدف تقليل استهلاك المياه الصالحة للشرب وخفض تكاليف الطاقة على نطاق واسع.

واعتمدت الدراسة على تقديرات استهلاك يومية للفرد، أظهرت أن حجم المياه الرمادية الناتجة داخل المجمع يبلغ نحو 6300 متر مكعب يومياً، أي ما يعادل 2.3 مليون متر مكعب سنوياً، في حين تصل احتياجات مياه صناديق الطرد في دورات المياه إلى نحو 2700 متر مكعب يومياً، بما يعادل 985.5 ألف متر مكعب سنوياً.

ووفق تقديرات الدراسة، فإن المياه الرمادية، التي تمثل ما بين 50 و80 في المائة من مياه الصرف المنزلي، يمكن أن تشكل مورداً استراتيجياً مهماً إذا ما أُعيد توظيفها في استخدامات غير الشرب، مثل ري المساحات الخضراء أو شطف المراحيض.

مياه وطاقة

وأوضحت الدراسة أن النظام المقترح يعتمد على محطة معالجة للمياه الرمادية في الموقع بطاقة 6300 متر مكعب يومياً، باستخدام تقنيات المعالجة الفيزيائية والكيميائية التي تشمل التخثير والترشيح متعدد الطبقات والتطهير بالكلور. وباحتساب فاقد غسل المرشحات بنسبة 5 في المائة، يصل معدل استرداد المياه المعالجة إلى نحو 95 في المائة، أي ما يعادل 2.18 مليون متر مكعب سنوياً.

وبيّنت النتائج أن كمية المياه المعالجة المستردة يمكن أن تتجاوز احتياجات استخدامات صناديق الطرد، ما يعني إمكانية تحقيق وفرة كاملة في المياه الصالحة للشرب لهذا الغرض، مع وجود فائض يمكن توجيهه لاستخدامات غير صالحة للشرب أخرى، مثل الري أو أعمال التنظيف.

وفيما يتعلق بالطاقة الشمسية، قدّرت الدراسة أن أنظمة الخلايا الكهروضوئية فوق أسطح المباني يمكنها تغطية ما يصل إلى 30 في المائة من استهلاك الكهرباء داخل المجمع. وقدّرت فترة استرداد تكلفة الاستثمار في هذه الأنظمة بنحو 10 سنوات، مع إمكانية تغيّرها تبعاً لمعدلات الإشعاع الشمسي، ما يعكس الجدوى الاقتصادية للمشروع على المدى الطويل، إلى جانب دوره في تعزيز كفاءة استهلاك الموارد وتقليل الضغط على شبكات المياه والطاقة التقليدية.

تقول الدكتورة داليا سعد الدين أحمد، أستاذة مساعدة بقسم هندسة البيئة في كلية الهندسة بجامعة الزقازيق المصرية والباحثة المشاركة بالدراسة، إن دمج أنظمة إعادة تدوير المياه الرمادية مع الطاقة الشمسية يمثل خياراً استراتيجياً مستداماً، قادراً على تقليل الضغط على الموارد الطبيعية، وتحقيق وفورات اقتصادية ملموسة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن النتائج تشير إلى إمكانية تطبيق هذا النموذج في المدن الجديدة، ليصبح أساساً لمستقبل عمراني أكثر كفاءة واستدامة في مصر والمنطقة.


حين يدخل الذكاء الاصطناعي غرفة العمليات... من يقود الجراحة فعلاً؟

من اداة صامتة الى زميل ذكي
من اداة صامتة الى زميل ذكي
TT

حين يدخل الذكاء الاصطناعي غرفة العمليات... من يقود الجراحة فعلاً؟

من اداة صامتة الى زميل ذكي
من اداة صامتة الى زميل ذكي

في الماضي، كان الجراح يدخل غرفة العمليات بوصفه العقل المركزي الذي تبدأ منه القرارات وتنتهي عنده، بينما تبقى الأجهزة مجرد أدوات صامتة تنفّذ ما تمليه خبرته البشرية.

لكن هذا المشهد بدأ يتغير بهدوء داخل أكثر غرف العمليات تطوراً في العالم. فالأنظمة الذكية لم تعد تكتفي بعرض الصور الطبية أو تشغيل الروبوتات الجراحية، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى أنظمة قادرة على التحليل الفوري، والتنبؤ بالمضاعفات، واقتراح الخطوة التالية أثناء العملية نفسها.

هل ما زالت غرفة العمليات تفهم الإنسان

هنا يظهر سؤال كان يبدو قبل سنوات أقرب إلى الخيال العلمي: هل سيبقى الجراح قائد العملية فعلاً، أم يتحول تدريجياً إلى شريكٍ لنظام يتعلّم أسرع منه؟

من الأداة إلى «الزميل السريري»

في دراسة حديثة نُشرت في مجلة «فرونتيرز إن ساينس» (Frontiers in Science) بتاريخ 7 مايو (أيار) 2026، قاد الباحث الدكتور غاي-هيرفي أزولاي (Guy-Hervé Azoulay) من معهد البحوث في سرطان الجهاز الهضمي بمدينة ستراسبورغ الفرنسية (Institute for Research into Cancer of the Digestive System – IRCAD, Strasbourg, France) فريقاً بحثياً ناقش التحول المتسارع في مفهوم «الفريق الجراحي» مع دخول الذكاء الاصطناعي والروبوتات الطبية إلى قلب العمل السريري.

من يقود العملية: الإنسان أم الخوارزمية

وأشار الباحثون إلى أن غرفة العمليات قد تتحول قريباً إلى منظومة ذكية هجينة يعمل فيها الإنسان والآلة ضمن شراكة معرفية معقدة، حيث لا تعتمد الجراحة فقط على مهارة اليد البشرية، بل على تدفق هائل من البيانات الحية التي تُحلل لحظةً بلحظة أثناء العملية، بما يشمل الصور الطبية، والمؤشرات الحيوية، واحتمالات المضاعفات، والسيناريوهات الجراحية البديلة.

والروبوت الجراحي التقليدي كان يعمل بوصفه امتداداً ليد الجراح، ينفّذ الحركة بدقة أعلى ويقلل الاهتزاز البشري. أما الأنظمة الجديدة، فتتجه نحو ما يشبه «الذكاء التعاوني» (Collaborative Intelligence)، حيث تستطيع الخوارزميات تحليل المشهد الجراحي، والتنبؤ بالمضاعفات المحتملة، وتنبيه الفريق قبل حدوث الخطأ. بمعنى آخر، لم تعد الآلة مجرد أداة... بل بدأت تتحول تدريجياً إلى «زميل سريري» يشارك في فهم العملية نفسها.

هل تصبح الخبرة البشرية أقل مركزية؟

تاريخياً، كان الجراح يتعلم من سنوات التدريب الطويلة، ومن العمليات التي أجراها بنفسه، ومن أخطائه ونجاحاته الشخصية. لكن الذكاء الاصطناعي يعمل بطريقة مختلفة تماماً. فالخوارزمية لا تتعلم من عشرات العمليات، بل من ملايين الحالات المتراكمة عالمياً، ولا تعتمد على الذاكرة البشرية المحدودة، بل على تحليل أنماط دقيقة قد لا تراها العين البشرية أصلاً.

وهذا قد يقود مستقبلاً إلى ما يمكن وصفه بـ«الخبرة الرقمية الجماعية»، إذ تتحول كل عملية جراحية تُجرى في أي مكان بالعالم إلى جزء من ذاكرة عالمية تتعلم منها الأنظمة الذكية بصورة لحظية. وهنا يظهر السؤال الأكثر حساسية: إذا كانت الخوارزمية ترى احتمالات أكثر، وتقرأ بيانات أوسع، وتتعلّم بسرعة هائلة، فهل يبقى القرار النهائي إنسانياً فعلاً؟

حين ينام الجراح وتبقى الخوارزمية مستيقظة

السلطة الطبية الموزعة

الطب الحديث يدخل اليوم مرحلة يمكن وصفها بـ«السلطة الطبية الموزعة». فالقرار لم يعد يصدر من الطبيب وحده، بل أصبح نتيجة تفاعل معقد بين الإنسان والآلة والبيانات والأنظمة الرقمية.

في غرفة العمليات المستقبلية، قد يقترح النظام الذكي تعديلاً في المسار الجراحي قبل أن ينتبه إليه الفريق البشري، وقد يحذر من احتمال نزف أو مضاعفة اعتماداً على أنماط رقمية غير مرئية للطبيب.لكن المعضلة الأخلاقية تبدأ عندما يختلف الإنسان مع الخوارزمية. فإذا اقترح الذكاء الاصطناعي خطوة جراحية ورفضها الجراح، ثم حدثت مضاعفات، فمن يتحمل المسؤولية؟ وإذا اتبع الطبيب توصية النظام ووقع الخطأ، فهل تصبح الخوارزمية شريكاً في القرار الطبي؟ هذه الأسئلة لم تعد خيالاً فلسفياً، بل أصبحت جزءاً من النقاش العلمي الحقيقي داخل المؤسسات الطبية العالمية.

الخطر ليس في الذكاء...

بل في الطاعة العمياء

المفارقة أن التهديد الحقيقي قد لا يكون في «ذكاء» الأنظمة، بل في ميل البشر إلى الوثوق المفرط بها. فكلما أصبحت الخوارزميات أكثر دقة، زاد احتمال أن يتحول الطبيب تدريجياً من صانع قرار إلى مراقب يعتمد نفسياً على اقتراحات النظام. وهنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته «الوعي الخوارزمي السريري»، أي قدرة الطبيب على فهم حدود الذكاء الاصطناعي، لا الانبهار بنتائجه فقط. فالخوارزمية قد تحلل البيانات بسرعة خارقة، لكنها لا تفهم دائماً السياق الإنساني الكامل للمريض، ولا تشعر بالخوف أو الألم أو التعقيد النفسي والاجتماعي الذي يحيط بالقرار الطبي. ولهذا شدد الباحثون في الدراسة على أن الحكم البشري يجب أن يبقى في مركز العملية الجراحية، حتى مع التطور المتسارع للأنظمة الذكية.

غرفة العمليات القادمة

ما يحدث اليوم ليس مجرد تحديث تقني في الجراحة، بل إعادة تعريف كاملة لمعنى العمل الطبي نفسه. فغرفة العمليات القادمة قد تضم جراحاً بشرياً، وروبوتاً جراحياً، ونظام ذكاء اصطناعي يتعلم لحظياً، وتحليلاً مباشراً للصور والبيانات، وربما «توأماً رقمياً» (Digital Twin) يحاكي حالة المريض قبل اتخاذ القرار. وفي دول مثل المملكة العربية السعودية، التي تستثمر بقوة في الطب الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن رؤية السعودية 2030، قد تصبح هذه النماذج جزءاً من الواقع الطبي خلال سنوات قليلة.

لكن السؤال الأهم سيبقى إنسانياً لا تقنياً: عندما تصبح الآلة قادرة على التفكير داخل غرفة العمليات، هل نحافظ على الطبيب قائداً للقرار؟ أم نجد أنفسنا يوماً داخل غرفة عملياتٍ تتخذ فيها الخوارزميات القرار... بينما يكتفي الإنسان بالمراقبة؟