بعد 5 سنوات.. الصراع السوري يبدل وجه العالم

بروز «داعش».. عودة الروس.. زعزعة أوروبا.. خراب الجوار.. وصعود إيران

الفنان الصيني أي ويوي حمل البيانو خاصته إلى مخيم للاجئين على الحدود بين مقدونيا واليونان، وفي الصورة يحمي البيانو وآخرين من المطر أثناء عزف فتاة من دير الزور السورية (إ.ب.أ)
الفنان الصيني أي ويوي حمل البيانو خاصته إلى مخيم للاجئين على الحدود بين مقدونيا واليونان، وفي الصورة يحمي البيانو وآخرين من المطر أثناء عزف فتاة من دير الزور السورية (إ.ب.أ)
TT

بعد 5 سنوات.. الصراع السوري يبدل وجه العالم

الفنان الصيني أي ويوي حمل البيانو خاصته إلى مخيم للاجئين على الحدود بين مقدونيا واليونان، وفي الصورة يحمي البيانو وآخرين من المطر أثناء عزف فتاة من دير الزور السورية (إ.ب.أ)
الفنان الصيني أي ويوي حمل البيانو خاصته إلى مخيم للاجئين على الحدود بين مقدونيا واليونان، وفي الصورة يحمي البيانو وآخرين من المطر أثناء عزف فتاة من دير الزور السورية (إ.ب.أ)

ترك الصراع الدائر في سوريا تأثيرًا هائلاً على الصعيد السياسي العالمي، وفيما يلي 5 من ملامح هذا التغير الذي طرأ على العالم:
بروز «داعش»
في خضم الفراغ الذي خلقه الصراع المشتعل في سوريا، ظهر فرع جديد شديد العنف لتنظيم «القاعدة»، وترعرع حتى أصبح أخطر جماعة إرهابية على مستوى العالم.
عام 2014، أحكم «داعش» سيطرته على مدينة الرقة الواقعة شرق سوريا، ومضى نحو الاستيلاء على الموصل العراقية. وفي نهاية الأمر، نجح في بسط سيطرته على مساحة ممتدة بين حدود البلدين تعادل مساحة بريطانيا، وفي خضم ذلك استولى على الأسلحة والثروات والأفراد الذين وقعوا بطريقه.
وأثار صعود «داعش» قلقا عارما بمنطقة الشرق الأوسط ومختلف أرجاء العالم، بسبب ذبحه الأقليات، وتكريس سبي النساء لاستغلالهن جنسيًا، وتدمير الجيوش النظامية، وقتل الخصوم على نحو عنيف مروع. كما أقدم «داعش» على تدمير المناطق الأثرية، مثل معابد بمدينة تدمر الأثرية، بجانب التورط في تجارة الآثار غير القانونية عالميًا.
وقد شن «داعش» هجمات إرهابية بدول مختلفة من فرنسا إلى اليمن، وتمكن من إقامة معقل له بشمال ليبيا وقد يفلح في البقاء هناك، حتى بعد تدمير ما يطلق عليها «الخلافة» التي أسسها «داعش» في سوريا والعراق. أما الصدمة الكبرى فتتمثل في تدفق آلاف الشباب من رجال ونساء من أوروبا، لا ينتمون جميعًا لأصول إسلامية، على المنطقة، للانضمام إلى «داعش».
عودة الروس
صرح وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، مؤخرًا، أن «هناك رجلا واحدا على ظهر هذا الكوكب بإمكانه إنهاء الحرب الأهلية الدائرة في سوريا بمجرد القيام بمكالمة هاتفية، وهو بوتين».
بالفعل، نجح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بناء معاقل روسية جديدة بالشرق الأوسط بعد سنوات من مشاهدته الولايات المتحدة وهي تفرض نفوذها على المنطقة. وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، وبعد أن أغدق على بشار الأسد الأسلحة والمستشارين والمساعدات الاقتصادية، لكن من دون تأثير يذكر على الأرض، بعث بوتين بقواته الجوية لسحق معارضي النظام هناك. ويعود التفاقم الأخير في أعمال العنف في معظمه إلى فرض روسيا هذا العنف. ورغم أن الغموض لا يزال يكتنف المخططات الروسية المتعلقة بسوريا، فإن المؤكد أنه بغض النظر عمن سيتولى قيادة سوريا الفترة المقبلة، فإنه سيدين بالفضل الأكبر لبوتين.
قبل سوريا، كانت هناك جورجيا عام 2008 وأوكرانيا عام 2014، اللتان تعدان بمثابة نذر للتدخل الروسي الحالي في سوريا. في كل تلك الحالات، لم يبد بوتين أدنى خوف من إظهار إلى أي مدى يمكنه الذهاب لحماية المصالح الروسية من وجهة نظره. الآن، أصبحت روسيا الوسيط الأكبر داخل المنطقة التي تتمتع بثروات ضخمة على صعيدي النفط والغاز الطبيعي. لذا، فإنه من المتوقع سعي مختلف الحركات السياسية للاستعانة بروسيا للتعرف على السبيل الأمثل لخدمة مصالحها.
زعزعة استقرار أوروبا
عندما أقرت أوروبا اتفاقيات الحدود المفتوحة فيما بين دولها أواخر القرن الماضي، لم يرد بمخيلتها أن يفد إليها ما يزيد على مليون مهاجر، أغلبهم لاجئون من سوريا، خلال عام واحد فقط، مثلما حدث عام 2015. كما لقي الآلاف حتفهم خلال محاولتهم اجتياز البحر، مما خلق تحديًا أخلاقيًا أمام القارة الأوروبية. وقد استثار هذا الوضع، الذي لا يزال قائمًا، مشاعر الكرم، وكراهية الأجانب، في الوقت ذاته، وتسبب في نهاية الأمر في إحداث هزة عنيفة بترتيبات الحدود المفتوحة بين دول القارة.
الآن، شرع أوروبيون في بناء حواجز على امتداد طريق البلقان الذي يسلكه المهاجرون من اليونان لألمانيا، بعد أن سمح بادئ الأمر بدخول مئات الآلاف منهم. وتعيش أعداد ضخمة من اللاجئين تحت وطأة ظروف مروعة بجنوب شرقي أوروبا. كما يواجه كثيرون منهم حالة من التيه القانوني بمختلف أرجاء القارة، حيث ينتظرون النظر في طلبات اللجوء التي تقدموا بها أو يقيمون بالفعل من دون تصاريح.
وقد أثارت الهجمات التي شنها «داعش» داخل باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ورغم أن منفذيها ينتمون في معظمهم إلى فرنسا وبلجيكا، حالة من تبادل الاتهامات الأمنية، وقويت شوكة السياسيين القوميين. وقد تركت هذه الهجمات أصداءً واسعة وصلت للولايات المتحدة، حيث وصل الأمر بالمرشح الجمهوري الأوفر حظًا للتنافس في الانتخابات الرئاسية، دونالد ترامب، لاقتراح حظر دخول المسلمين الولايات المتحدة.
وتدرس أوروبا اتفاقا لإعادة جميع المهاجرين الذين يصلون لليونان إلى تركيا، مقابل السماح بدخول لاجئين سوريين يتم اختيارهم مسبقًا. وفي ظل أزمة عملة اليورو التي تعانيها أوروبا، فإن مشكلة اللاجئين فرضت على عاتقها ضغطًا هائلاً شكل اختبارا قاسيًا لوحدتها.
تخريب الجوار
تتضاءل أزمة اللاجئين التي تعانيها أوروبا مقارنة بموجة المشردين من منازلهم التي تعرضت لها الدول المجاورة لسوريا. وتشير الأرقام إلى أن تركيا ولبنان والأردن تستضيف وحدها قرابة 4.4 مليون لاجئ من سوريا. وداخل لبنان، يعادل اللاجئون السوريون خمس السكان. داخل الدول المضيفة، حمل اللاجئون السوريون معهم رؤوس أموال وأيدي عاملة، مما أثمر نتائج مختلطة داخل هذه الدول، حسب طبيعة الأرقام التي يجري النظر إليها. أيضًا، انجذبت إلى الصراع السوري ميليشيات وجماعات تابعة لدول بمختلف أرجاء المنطقة، مما تسبب في زعزعة استقرار دول مجاورة هشة بالفعل، مثل لبنان، وإعادة إحياء توترات طائفية داخل تركيا، حيث أثار الصراع السوري المخاوف مع التورط في حرب أهلية في مواجهة الأكراد.

صعود إيران

أدى الصراع السوري إلى إحداث إعادة توازن بين محاور القوة الإقليمية، حيث أصبح نطاق نفوذ إيران التي يغلب على سكانها المذهب الشيعي ممتدًا من بيروت إلى طهران، مع اعتماد حكومتي بغداد ودمشق عليها.
يذكر أن قائد «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، زار روسيا، وكثيرًا ما ظهر وهو يوجه عمليات نشر القوات في سوريا والعراق. وتوجد ميليشيات داخل سوريا والعراق تتلقى أوامرها من إيران وتعمل خارج إطار القيادة العسكرية الوطنية. داخل لبنان، يجري تمثيل إيران بقوة من جانب «حزب الله»، وقد أرسل «حزب الله» الآلاف من مقاتليه لدعم الأسد في سوريا.
من جانبها، تراقب إسرائيل بتوجس تدرب خصمها على استخدام المدفعية الحديثة إلى جانب قوات روسية وإيرانية، وتعمل على تعزيز وجودها على امتداد الحدود الشمالية للدولة اليهودية.
*خدمة واشنطن بوست
خاص بـ {الشرق الأوسط}



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.