بكين تتخلى عن تعاليم «ماو».. وتنتهج الجراءة لعلاج الاقتصاد

الصين على طريق ريغان وثاتشر في مواجهة التباطؤ واضطرابات السوق

مصنع للصلب في مدينة هيفي الصينية (نيويورك تايمز)
مصنع للصلب في مدينة هيفي الصينية (نيويورك تايمز)
TT

بكين تتخلى عن تعاليم «ماو».. وتنتهج الجراءة لعلاج الاقتصاد

مصنع للصلب في مدينة هيفي الصينية (نيويورك تايمز)
مصنع للصلب في مدينة هيفي الصينية (نيويورك تايمز)

مع تطلع العالم نحو الصين، في انتظار ضمانات المقدرة على إدارة اقتصادها المتباطئ واضطرابات أسواق الأسهم، شرع الرئيس الصيني شي جين بينغ في الدفع باتجاه حزمة من العلاجات الاقتصادية التي تحمل لمحات من مدرسة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر بأكثر مما تميل نحو تعاليم ماركس وماو الاشتراكية.
ويُطلق السيد شي على مبادرته الاقتصادية الكبرى المقبلة اسم «الإصلاحات الهيكلية على جانب العرض»، وهي تعكس صدى «مقصود» لحلول «التخفيضات الضريبية وتخفيف القيود» الزائفة التي نادى بها قبلا زعماء التيار الغربي المحافظ في ثمانينات القرن الماضي. والشعار الجديد، والمنتظر أن يحظى بزخمه الكبير خلال انعقاد اجتماع الهيئة التشريعية الصينية خلال الأسبوع، يجسد محاولات إعادة صياغة خطط السيد شي المتعثرة لإصلاح الاقتصاد الصيني المتدهور. ولكن الرجل لا يزال في مواجهة الكثير من الشكوك التي يتسع نطاقها حيال التزامه بإعادة الهيكلة الاقتصادية الشاملة، الأمر الذي يستلزم الحد من سلطات مؤسسات الدولة المتضخمة، إلى جانب الملايين من فرص العمل المحلية.
ويقول جيا كانغ الخبير الاقتصادي لدى وزارة المالية الصينية، وهو من أبرز المدافعين عن السياسات الجديدة، «إن ثاتشر وريغان هما الأجدر بالاعتبار والتقدير، نظرا لأن خياراتهما الاقتصادية قد أثبتت صحتها وسلامتها في ظل الضغوط الكبيرة. وكانت رؤيتهما تتمتع بقدر عال من الجرأة على مواجهة التحديات والابتكار، مما يستحق النظر فيها ومحاولة محاكاتها من جانب الشعب الصيني».
و«جانب العرض» الذي يشير إليه السيد شي في مبادرته، يشتمل على، مثالا باقتصاديات ريغان، تخفيض الضرائب وتقليل الأعباء الحكومية على المستثمرين. ويبقى الهدف الرئيسي للمبادرة، رغم ذلك، هو إغلاق أو تقليص حجم المناجم والمصانع العاملة التي تنتج الكثير من الفحم، والصلب، والإسمنت، وغيرها من المنتجات الصناعية، بأكثر من متطلبات السوق، إلى جانب كبح جماح الائتمان والإعانات الأخرى التي تغذي الإفراط الحالي في الإنتاج.
ويشير بعض خبراء الاقتصاد إلى أن شعار «جانب العرض»، في حده الأدنى، هو خطوة في اتجاه التدابير المؤلمة التي يمكن أن تسفر عن انتعاش لنمو أكثر صحة.
ويقول باري نوتن أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا فرع سان دييغو في رسالة بالبريد الإلكتروني: «إنها مبادرة جديدة ومهمة وتهدف إلى تنشيط عملية الإصلاح، فلقد تعثرت خطوات صناع السياسة الصينيون مرارا وتكرارا، وكانت كافة الإنجازات المحققة في الإصلاحات الموجهة نحو السوق هزيلة وغير كافية. وكان يتعين على صناع السياسات الاقتصادية هناك الخروج بمقاربة أخرى لإنقاذ الأوضاع».
وأعاد السيد شي تنظيم المؤسسة العسكرية الصينية، وأدار حملة شرسة ضد الفساد المستشري في البلاد. ولكن التطورات الكبيرة في مجال الاقتصاد كانت عصية عليه، والتي يصفها الكثير من خبراء الاقتصاد بأنها استنزفت الثقة المطلوبة في قطاع الأعمال الصيني.
وخفضت وكالة موديز للتصنيفات الائتمانية، يوم الأربعاء الماضي، من توقعاتها إزاء الصين من مستوى «مستقر» إلى مستوى «سلبي»، في إشارة بارزة إلى «عدم اليقين» حول مقدرة السلطات الصينية على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة.
ويعزو المشككون تلك المشكلة، بصورة جزئية، إلى الصدام المتكرر لأهداف السيد شي الاقتصادية مع أهدافه السياسية. ففي حين أنه أظهر التزاما كبيرا بمركزية السلطة، كما يقولون، إلا أنه كان كثير التردد في كبح جماح التدخل الحكومي في الشؤون الاقتصادية، ولا سيما في الحد من وصول الشركات الحكومية صاحبة الامتيازات، وذات النزعة الاحتكارية في أغلب الأحيان، إلى القروض، والموارد، والعملاء.
وقال نينغ تشو البروفسور في معهد المالية المتقدمة في شنغهاي: «كان حريا بالحكومة أن تحتجب قليلا إذا ما أرادت المزيد من التدخل في مسار الأسواق، ولكن ذلك هو بالضبط ما لم يكونوا يفعلون».
ولا يزال الكثير من الاقتصاديين الليبراليين غير مقتنعين تماما أنه رغم الكلام الكبير فإن الحكومة الصينية سوف تقلل من سلطاتها عن طيب خاطر وتتلقى انتكاسات خطيرة من جانب العمال المشردين عن وظائفهم. وإعادة ضبط الصناعات المدعومة من الدولة بمحاذاة المستويات الحقيقية في الأسواق من شأنه أن يعني قطع الملايين من فرص العمل الحالية.
ووضع السيد شي، في عام 2013، خطة شاملة للإصلاح والتجديد الاقتصادي، بما في ذلك الوعود بإصلاح القطاع العام وتعزيز قوى السوق. ولكن الكثير من خبراء الاقتصاد يقولون إن التوقف في التقدم يعكس تردده في التخلي عن سيطرة الدولة على الأوضاع الاقتصادية. وسببت الإشارات المتضاربة شللا لدى موظفي الدولة، الذين يشعرون بعدم اليقين إلى أي مدى سوف تذهب قرارات التخفيضات مع اعتبار المحافظة على الاستقرار في البلاد.
ويقول ياو يانغ خبير الاقتصاد في جامعة بكين: «تشدد الحكومة المركزية الصينية على إصلاحات جانب العرض. ومن ناحية أخرى، لا تزال تشجع الحكومات المحلية على الاستثمار. وذلك هو الارتباك الذي يواجهه المسؤولون في الحكومات المحلية حاليا، ومن ثم فهم لا يعرفون إلى أي طريق يتجهون».
إلى أي مدى سوف يذهب السيد شي، مع الوضع في الاعتبار صفارات الإنذار الاقتصادية المدوية؟ فسوف يتضح ذلك تماما عقب عرض قادة الحزب الشيوعي الحاكم لخططهم الاقتصادية على اللجنة التشريعية في المؤتمر الشعبي الوطني.
ويقول جورج وتكه، رئيس الغرفة التجارية للاتحاد الأوروبي في الصين: «لا نزال في انتظار أن نرى إذا ما كانوا سيقومون بما يقولون. سوف تكون العواقب رهيبة على الصين إن لم يفعلوا. كما سوف يكون الأمر صعبا لم أنهم فعلوا».
وخلصت دراسة حديثة أجريت مؤخرا إلى أن أكثر من 3 ملايين عامل في صناعات الصلب، والفحم، وغيرها من الصناعات المماثلة معرضون لفقدان وظائفهم خلال العامين المقبلين إذا ما نفذت الحكومة قرارات التخفيضات. وفي يوم الاثنين، أعلنت الحكوم ة أنها تعتزم تسريح 1.8 مليون عامل من عمال الصلب والفحم، وهو ما يقدر بنسبة 15 في المائة من القوى العاملة في تلك الصناعات، غير أنها لم تعلن عن ميعاد التنفيذ.
وفي مقالة نشرت على صفحة كاملة في يناير (كانون الثاني) على صفحات جريدة الشعب الصينية اليومية تمجد في مبادرة «الإصلاحات الهيكلية على جانب العرض»، تقول: «لا مفر من الآلام، ولكنها قد تكون مفيدة أيضا. ولا يمكن للحكومة أن ترضي الجميع في آن واحد».
ولكن إذا كان تباطؤ الاقتصاد لصيني هو ما يدفع السيد شي إلى التحرك، فإن ذلك التحرك يزيد بالتالي من تكاليف الإجراءات المتخذة.
وخلال الموجة الأولى من إغلاق المصانع المملوكة للدولة، والتي بدأت في عام 1997، ألغيت ما يقرب من 30 مليون وظيفة في أقل من عشر سنوات. ولكن الاقتصاد الصيني شهد طفرة كبيرة، وخصوصا بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، مما أدى إلى خلق فرص العمل التي استوعبت المزيد من العمالة الزائدة في البلاد.
ويلوح فقدان الوظائف في الأفق الصيني اليوم، وفي حين أنه أصغر قليلا مما سبق، ولكنه قد يثير المزيد من الجدل ولا سيما مع تباطؤ الاقتصاد. وهو يهدد بتآكل حالة الاستقرار الداخلي التي يفخر بها السيد شي.
ومنذ الأزمة المالية لعام 2008، أنفقت الحكومة الكثير من الأموال على تحفيز الاقتصاد، مما زاد من الدين الحكومي لمستويات كبيرة. ويقول أنصار مبادرة «جانب العرض» الصينية أن هذا البذخ والإسراف قد بلغ حدودا فوق مستوى التحمل. فإنتاج الصلب الصيني، على سبيل المثال، قد أصبح منعزلا تماما عن الطلب الفعلي في السوق الحقيقي، وهو يرقى إلى أكثر من ضعف الإنتاج المشترك لثاني أكبر أربعة منتجين عالميين بعد الصين وهم: اليابان والهند والولايات المتحدة وروسيا مجتمعين، وفقا للتقرير الجديد حول الطاقة الزائد للإنتاج الصيني الصادر عن الغرفة التجارية للاتحاد الأوروبي في الصين.
وبعيدا عن تصحيح مثل تلك التشوهات الاقتصادية، لا تزال المناقشات مستمرة حول السياسات المحددة المنضوية تحت شعار «مبادرة جانب العرض». ولقد دعا المسؤولون وخبراء الاقتصاد إلى تخفيض الضرائب على الشركات الخاصة ومنح مستثمري القطاع الخاص المزيد من الحصص في الشركات المملوكة للدولة، مع استبعاد فكرة الخصخصة الكاملة تماما. ولكن هذا المفهوم يتسم بالغموض بما فيه الكفاية لدرجة استخدامه للدفع بدور حكومي أكبر في تشجيع الصادرات وتدعيم الشركات الحكومية المتعثرة.
ويحظى الحد من الصناعات غير الكفؤة المدعومة من الدولة، برغم ذلك، بدعم عالمي تقريبي بين مختلف خبراء الاقتصاد وصناع السياسات. والمزيد من التأخير في تنفيذ ذلك من شأنه أن يؤدي إلى قمع النمو الاقتصادي والإضرار بالعمال، كما يقول شينغ هونغ المدير التنفيذي لمعهد يوني - رول الاقتصادي في بكين، والذي يدعو إلى التحرر الاقتصادي.
وأضاف السيد هونغ يقول: «إذا لم تكن هناك إشارات على وجود حلول، خلال هذا العام، فسوف يكون الأمر خطيرا للغاية. ومن دون الإصلاحات سوف تكون هناك مشاكل اقتصادية كبيرة».. ولكن ستصبح مبادرة «الإصلاحات الهيكلية على جانب العرض» وقتئذ إلا مجرد شعار أجوف.

* خدمة «نيويورك تايمز»



المركزي السويسري يُبقي الفائدة عند الصفر وسط صعود الفرنك

صورة لمقر البنك الوطني السويسري في بيرن (رويترز)
صورة لمقر البنك الوطني السويسري في بيرن (رويترز)
TT

المركزي السويسري يُبقي الفائدة عند الصفر وسط صعود الفرنك

صورة لمقر البنك الوطني السويسري في بيرن (رويترز)
صورة لمقر البنك الوطني السويسري في بيرن (رويترز)

أبقى البنك الوطني السويسري سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، يوم الخميس، في ظل صعود قيمة الفرنك السويسري نتيجة الحرب مع إيران، التي أدت أيضاً إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، ما أثار غموضاً بشأن توقعات التضخم.

وحافظ البنك على سعر الفائدة الرئيسي عند صفر في المائة، وهو الأدنى بين البنوك المركزية الكبرى، في خطوة كانت متوقَّعة من قبل غالبية المحللين الذين شملهم استطلاع رأي «رويترز».

جاء هذا القرار في يوم حافل للبنوك المركزية، بعد أن أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير، يوم الأربعاء، مما يعكس حالة عدم اليقين المرتفعة بشكل غير مسبوق، في ظل تقييم صانعي السياسات لتداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وفي بيان له، أشار البنك الوطني السويسري إلى أن «الصراع الدائر في الشرق الأوسط زاد من رغبتنا في التدخل في سوق الصرف الأجنبي». وأضاف: «يساهم هذا الإجراء في الحد من الارتفاع السريع والمفرط لقيمة الفرنك السويسري، الذي قد يهدد استقرار الأسعار في سويسرا».

وسجل الفرنك تراجعاً مؤقتاً بعد الإعلان، قبل أن يستعيد مكاسبه ليُسجل ارتفاعاً طفيفاً مقابل كل من اليورو والدولار، مسجلاً 0.9082 فرنك و0.793 فرنك على التوالي.


آسيا تستعد لاستقبال كميات قياسية من الوقود الروسي هذا الشهر

ناقلات نفط في مضيق سنغافورة في 17 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط في مضيق سنغافورة في 17 مارس 2026 (رويترز)
TT

آسيا تستعد لاستقبال كميات قياسية من الوقود الروسي هذا الشهر

ناقلات نفط في مضيق سنغافورة في 17 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط في مضيق سنغافورة في 17 مارس 2026 (رويترز)

أظهرت بيانات الشحن الصادرة يوم الخميس أن آسيا تتوقع استيراد كميات قياسية من زيت الوقود الروسي خلال مارس (آذار) الحالي، بعد تخفيف الولايات المتحدة العقوبات، تحسباً لانخفاض متوقع في الإمدادات بدءاً من الشهر المقبل نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومن المتوقع أن يسهم هذا التدفق في تخفيف بعض المخاوف المتعلقة بنقص الإمدادات الناجم عن شح زيت الوقود في الشرق الأوسط، بعد أن أدى الصراع إلى توقف شحنات الوقود عبر مضيق هرمز وتعطّل مصافي التكرير في المنطقة، وفق «رويترز».

وتشير بيانات تتبع السفن الصادرة عن شركتي «كبلر» و«إل إس إي جي» إلى أن آسيا ستستقبل أكثر من 3 ملايين طن من زيت الوقود الروسي هذا الشهر (ما يعادل 614500 برميل يومياً)، متجهة بشكل رئيسي إلى جنوب شرق آسيا والصين. ومن المتوقع أن تكون دول جنوب شرق آسيا أكبر المستوردين؛ حيث ستصل الإمدادات إلى نحو 1.7 – 1.9 مليون طن، مع التركيز على سنغافورة وماليزيا، بحسب بيانات تتبع السفن وتقديرات التجار، مع الإشارة إلى أن معظم هذه الكميات ستُستخدم كوقود للسفن.

وتأتي الصين في المرتبة الثانية من حيث حجم المشتريات، باستقبال نحو 1.2 – 1.5 مليون طن هذا الشهر. ويُستخدم زيت الوقود عادة في مصافي التكرير في مقاطعة شاندونغ الشرقية كبديل للنفط الخام، الذي شهد نقصاً كبيراً نتيجة اضطرابات صادرات الشرق الأوسط.

وأشار خافيير تانغ، كبير محللي السوق في شركة «فورتيكسا»، إلى أن انقطاع تدفقات زيت الوقود يؤثر بشدة على إمدادات الزيت عالي الكبريت مقارنة بانخفاض تأثيره على الزيت منخفض الكبريت، مضيفاً أن الحصار أدى أيضاً إلى تقليص تدفقات النفط الخام متوسط وثقيل الكبريت من مضيق هرمز، مما زاد من شح الإمدادات بشكل عام.

وفي 12 مارس، أصدرت واشنطن إعفاءً لمدة 30 يوماً للدول لشراء النفط والمنتجات البترولية الروسية الخاضعة للعقوبات والمعلقة في البحر. وكانت دول جنوب شرق آسيا من أكبر مستوردي زيت الوقود الروسي قبل الإعفاء، إلا أن وتيرة الشراء تباطأت بعد فرض عقوبات على كبار المنتجين الروس في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

انخفاض مؤقت في الأسعار

أدى ارتفاع الكميات الروسية إلى تراجع أسعار زيت الوقود عالي الكبريت بعد ارتفاعها الأخير، رغم أن المحللين حذروا من أن توقعات الإمدادات لا تزال محدودة. وأظهرت بيانات من مصادر تجارية أن علاوة سعر النفط عالي الكبريت (HSFO) في آسيا، عند سعر 380 سنتي ستوك، بلغت مستوى قياسياً تجاوز 76 دولاراً للطن المتري الأسبوع الماضي، قبل أن تنخفض إلى نحو 70 دولاراً بعد إصدار الإعفاء الأميركي.

وأفاد وسطاء بأن هيكل سوق النفط عالي الكبريت دخل أيضاً في حالة تراجع حاد من الآن وحتى نهاية العام؛ حيث تشير أسعار البيع الفوري، الأعلى من أسعار العقود المستقبلية في سوق متراجعة، إلى شح في المعروض.

وقال إمريل جميل، كبير المحللين في مجموعة بورصة لندن، إن التدفقات الروسية المرتفعة غير كافية لتعويض نقص الإمدادات من الشرق الأوسط في حال استمرار الأزمة.

وأكد رويستون هوان، كبير محللي المنتجات النفطية في شركة «إنرجي أسبيكتس»، أن الإمدادات الروسية قد تخفف الضغط على السوق مؤقتاً، إلا أن انخفاض الإنتاج في المصافي بالشرق الأوسط وآسيا سيؤدي إلى شح المعروض. وأضاف: «لا يزال مضيق هرمز مغلقاً، ولا يزال توفر النفط الخام مصدر قلق، مما يعني أن السوق ستظل متوترة بشكل عام خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة».


تجنباً لتجربة 2022... «المركزي الأوروبي» يلوّح بالتشدد مع تصاعد مخاوف التضخم

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

تجنباً لتجربة 2022... «المركزي الأوروبي» يلوّح بالتشدد مع تصاعد مخاوف التضخم

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

من شبه المؤكد أن يبقي البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة الرئيسي عند 2 في المائة يوم الخميس، لكنه سيؤكد استعداده لرفعه في حال أدى الصراع في إيران إلى زيادة مستمرة في التضخم بمنطقة اليورو.

وارتفعت أسعار النفط والغاز منذ بدء الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، مما يزيد من خطر دفع تكاليف الطاقة الأعلى لارتفاع أسعار المستهلكين في كتلة العملة المكونة من 21 دولة، التي تعتمد بشكل كبير على الوقود المستورد.

وتتوقع الأسواق المالية الآن أن يرتفع التضخم فوق 3 في المائة خلال العام المقبل، وأن يعود ببطء إلى هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة خلال السنوات الأربع التالية. ويراهن المتداولون على رفع سعر الفائدة مرتين بحلول ديسمبر (كانون الأول)، على الرغم من أن غالبية الاقتصاديين لا يتوقعون أي تغيير، وفق «رويترز».

وحذر مصرفيو البنوك المركزية في جميع أنحاء منطقة اليورو من أن الحرب سترفع التضخم وتخفض النمو، إلا أن حجم الأثر يعتمد على مدة الصراع – وهو عامل يعترفون بعدم وضوحه حالياً.

وبالتالي، من المرجح أن تلتزم رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد وزملاؤها بالإشارة أكثر من اتخاذ الإجراءات، موفرين طمأنة بأنهم سيتصرفون عند الحاجة دون الالتزام بأي قرارات مبكرة.

وقال إبراهيم رحباري، رئيس استراتيجية الفائدة في شركة «أبسلوت ستراتيجيا»: «البنك المركزي الأوروبي لا يتوقع رفع الفائدة في أي وقت قريب، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يظهر اليقظة».

وأرسل بنك اليابان رسالة مماثلة في وقت مبكر من يوم الخميس، وكان من المتوقع أن تتبع بنوك إنجلترا، والبنك المركزي السويدي، والبنك الوطني السويسري النهج ذاته لاحقاً خلال اليوم.

وترك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي اجتمع في وقت متأخر يوم الأربعاء، أسعار الفائدة دون تغيير، مع إبقاء خيار خفض الفائدة في وقت لاحق هذا العام مطروحاً.

لكن البنك رفع توقعاته للتضخم، وأكد رئيسه جيروم باول أن البنك يملك قناعة منخفضة بتوقعاته الخاصة نظراً للغموض الاستثنائي حول تكاليف الطاقة ومدى استمرار الحرب.

وتراجعت الأسهم الأميركية بعد ما اعتبر المستثمرون تصريحات باول متشددة، بالإضافة إلى هجوم على حقل غاز رئيسي في إيران.

سابقة مؤلمة تركت أثرها

تشير كتب الاقتصاد إلى أن البنوك المركزية يجب أن تتجاهل القيود المؤقتة في الإمدادات، مثل الإغلاق الحالي لمضيق هرمز – وهو أمر أكده هذا الأسبوع بنك التسويات الدولية.

لكن بالنسبة للعديد من صانعي السياسة في البنك المركزي الأوروبي، ستعيد حرب إيران إلى الأذهان زيادة التضخم المدفوعة بالطاقة التي أعقبت غزو روسيا لأوكرانيا في 2022، والتي اعتبرها البنك آنذاك مؤقتة.

ومع بنوك مركزية أخرى في الدول المتقدمة، اضطر البنك بعد ذلك إلى رفع تكاليف الاقتراض بشكل حاد وسط انتقادات لتأخره في الاستجابة.

وقال الاقتصادي في «إتش إس بي سي» فابيو بالبوني: «تجربة أزمة الطاقة عام 2022، وتوقعات المستهلكين المتأثرة بتلك الحلقة، قد تجعل البنك المركزي الأوروبي أسرع في رفع الفائدة إذا استمرت ضغوط الطاقة».

وحذرت إيزابيل شنايبل، أحد أبرز «الصقور» المناهضين للتضخم في البنك، من «الندوب» التي تركتها تلك التجربة على الأسر والشركات، مشيرة إلى فرق مهم هذه المرة: السياسات النقدية والمالية ليست متساهلة، ما قد يحد من الضغوط التضخمية.

ويبلغ سعر الفائدة الرئيسي للبنك المركزي الأوروبي 2 في المائة، وهو تقريباً يعادل معدل التضخم في فبراير (شباط)، الذي يسبق أولى الهجمات على إيران في 28 فبراير.

«المركزي الأوروبي» يرسم سيناريوهات للنمو والتضخم

سيصدر البنك، الخميس، توقعاته الفصلية المحدثة للنمو والتضخم، رغم أن هذه التوقعات لن تعكس بالكامل تأثير حرب إيران على أسعار الطاقة.

الأهم من ذلك، من المتوقع أن ينشر البنك سيناريوهات توضح كيف يمكن أن يتطور الاقتصاد إذا انتهى الصراع سريعاً أو إذا استمر.

وقال اقتصاديون في «باركليز» إن البنك سيرفع أسعار الفائدة في سيناريو يستقر فيه خام برنت عند نحو 100 دولار للبرميل، كما هو مستواه الحالي تقريباً، والغاز الطبيعي عند 70 يورو لكل ميغاواط/ساعة، أي بزيادة نحو 15 يورو عن مستواه يوم الأربعاء.

وأضافوا: «يمكن أن يرتفع التضخم العام والجوهر إلى نقطة يصبح فيها تجاوز الهدف من البنك المركزي الأوروبي كبيراً ومزمناً، ما يدفع البنك إلى رفع سعر الفائدة لاحقاً هذا العام. ومع ذلك، سيعتمد الأفق الاقتصادي والنقدي أيضاً على الاستجابة المالية لهذه الأزمة».

المزيد من الإنفاق المالي المتوقع؟

تستعد أسواق السندات بالفعل لزيادة الاقتراض الحكومي استجابة لأزمة إيران – وهو تحول يضاف إلى خطط ألمانيا لتعزيز الإنفاق العسكري والبنية التحتية.

من المرجح أن يؤدي ارتفاع عوائد السندات الحكومية إلى رفع تكاليف الاقتراض على شركات وأسر منطقة اليورو حتى قبل أي رفع للفائدة من البنك المركزي الأوروبي. ومع ذلك، من المتوقع أن يتسامح البنك مع هذا التضييق في شروط الائتمان في الوقت الحالي.

وقال سبيروس أندريوبولوس، مؤسس شركة «ثن آيس ماكرو إيكونوميكس» للاستشارات الاقتصادية: «الهدف في هذه المرحلة يجب أن يكون منع الآثار الثانوية – أي ارتفاع توقعات التضخم، خصوصاً ظهورها في الأجور».