المدير التنفيذي بإدارة التجارة والاستثمار البريطانية: بلادنا معدة لتكون أفضل بيئة استثمارية لرجال الأعمال السعوديين

مارتن وار أوضح لـ {الشرق الأوسط} أن قطاعات الطاقة والنقل والمياه خصبة للاستثمار.. والحكومة خصصت 300 مليار إسترليني للفرص الاستثمارية

مارتن وار
مارتن وار
TT

المدير التنفيذي بإدارة التجارة والاستثمار البريطانية: بلادنا معدة لتكون أفضل بيئة استثمارية لرجال الأعمال السعوديين

مارتن وار
مارتن وار

ما زالت المملكة المتحدة واحدة من المناطق التجارية الرائدة حول العالم، كما أنها سوق غنية بالصناعات ذات المستوى العالمي، وتوفر موقعا جاذبا للشركات التي يسهل عليها عملية الوصول إلى العملاء.. هكذا وصفها مارتن وار، المدير التنفيذي بإدارة التجارة والاستثمار البريطانية، ردا على ما إذا كانت بلاده لا تزال وجهة استثمارية لرجال الأعمال الخليجيين.
وتحدث خلال مقابلته مع «الشرق الأوسط» عن زيارة وفد برئاسة توفيق الربيعة، وزير التجارة والصناعة السعودي، تضمنت النتائج الرئيسة منها إنشاء مجموعة عمل تضطلع بمهمة تبسيط عملية إصدار التأشيرات بين البلدين من أجل الحد من الحواجز التي تقف أمام المبادلات التجارية، فضلا عن تعزيز التعاون في مجالات التعليم والرعاية الصحية. وفي ما يلي نص الحوار:

* قام وزير التجارة والصناعة السعودي بزيارة إلى لندن مؤخرا على رأس وفد من قطاع الأعمال، ما هو هدف الزيارة وكيف رأيتها؟
- هدفت هذه الزيارة التي قام بها الوزير السعودي مع وفد رفيع المستوى ضم 45 من المسؤولين السعوديين لاستكمال أعمال اللجنة الوزارية السعودية البريطانية المشكلة للاتفاق حول أطر تنمية التجارة والاستثمار بينهما، بما في ذلك تبادل الخبرات في القطاعات ذات الأولية. والحقيقة أن مجلس الأعمال المشترك قد نجح في الاتفاق على تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص في كلا البلدين، وتطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة خاصة في المجالات المعرفية.
* ما هي المشاريع التي تم تسليط الضوء عليها أثناء الزيارة؟
- لقد قام الوفد السعودي بزيارة إلى مانشستر، حيث التقى مع مسؤولين من وكالة تنمية الاستثمارات وغرفة التجارة ومطار مدينة مانشستر. كما اطلع الوفد عن قرب على المشروعات المتعلقة بمجالات التقنية والإعلام والرعاية الصحية هناك. وكما علمت فإن «الخطوط الجوية العربية السعودية» تعمل على فتح مسار لرحلات الطيران بين جدة ومانشستر في شهر أبريل (أبريل) وهو ما سيوفر فرصا كبيرة لمشاريع اقتصادية أكبر مستقبلا.
* هل لك أن تطلعنا على أهم ما تم الاتفاق عليه في هذه الاجتماعات؟
- شملت النتائج الرئيسة لهذه الزيارة إنشاء مجموعة عمل تضطلع بمهمة تبسيط عملية إصدار التأشيرات بين البلدين من أجل الحد من الحواجز التي تقف أمام المبادلات التجارية، فضلا عن تعزيز التعاون في مجالات التعليم والرعاية الصحية بما في ذلك تطوير برنامج التدريب الطبي لما بعد التخرج للأطباء السعوديين، وكذلك خطة التدريب للخريجين السعوديين في المملكة المتحدة.
وضمت قائمة الاتفاقات المبرمة بعد سلسلة من الاجتماعات أيضا الاتفاق على العمل معا لزيادة الاستثمارات المتبادلة بين البلدين، ودعم نية الهيئة العامة للاستثمار بالسعودية لاستضافة مؤتمر حول الفرص الاستثمارية بلندن، والمخصص لتسليط الضوء على فرص الشركات والعائلات السعودية للاستثمار هناك، كما قدم الجانب البريطاني شرحا حول توسيع الخدمات الاستثمارية التي تقدمها الحكومة البريطانية للشركات السعودية لمساعدتها في الاستثمار بالمملكة المتحدة. كما أكد الوفد البريطاني على مشاركة خبرته في إدارة وتنفيذ المشاريع الكبرى لجميع الوزارات في المملكة العربية السعودية، وقد لمسنا الاهتمام الكبير الذي أبداه وزير التجارة والصناعة السعودي للاستفادة من تجربة تطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة وفرص التعليم.
* برأيك، لماذا تعد المملكة المتحدة الوجهة المفضلة بالنسبة للمستثمرين من دول الخليج خاصة السعوديين؟
- المملكة المتحدة هي بكل تأكيد واحدة من المناطق التجارية الرائدة حول العالم، كما أنها سوق غنية بالصناعات ذات المستوى العالمي، وتوفر موقعا جاذبا للشركات التي يسهل عليها عملية الوصول إلى العملاء ومبتكري المنتجات ومورديها فيها، وعلى هذا النحو تحتفظ بمكانتها كوجهة أولى للاستثمارات الخليجية، ويرجع ذلك جزئيا إلى العلاقات التاريخية الطويلة، التي بنيت على مشتركات تجارية. وبوجه عام فإن المملكة المتحدة خاصة لندن غالبا ما تعتبر البلد الثاني لكثير من رجال وسيدات الأعمال من منطقة الخليج، فالعديد منهم يمتلكون عقارات واستثمارات فيها، بالإضافة إلى أنها مركز للأعمال التجارية، ويرجع ذلك لموقعها الاستراتيجي الذي يتوسط الأسواق الرئيسة في الولايات المتحدة وآسيا، وتوفيرها للخدمات التجارية على مدار الساعة.
* هل هناك أي حوافز تقدمها المملكة المتحدة للمستثمرين من دول مجلس التعاون الخليجي؟
- بالنظر إلى المملكة المتحدة كمقصد للاستثمار بالنسبة للخليجيين فإن هناك عددا من الحوافز، منها جودة النظام التعليمي ذي المستوى العالمي وخدمات الرعاية الصحية المميزة، وازدهار سوق العقارات وتوفير كل وسائل النقل من وإلى وداخل المملكة المتحدة، كل هذه العوامل أسهمت في تعزيز مكانة المملكة المتحدة كوجهة رائدة للعيش والعمل معا. ونحن لا نزال نعمل بشكل وثيق مع عدد من دول الخليج بما فيها المملكة العربية السعودية على برنامج الإعفاء من التأشيرات، وذلك لتسهيل إجراءات الدخول إلى البلد. ومن حيث ترتيب المملكة المتحدة مع نظيراتها في ما يتعلق بالضرائب فإن الحكومة تسعى لإيجاد نظام ضريبي يكون الأكثر تنافسية بين دول مجموعة العشرين، وإصلاح نظام الضريبة على الشركات لجعله أكثر جاذبية للشركات الدولية. وقد تم بالفعل خفض معدل الضريبة على الشركات من 28 في المائة إلى 23 في المائة، وسيتم خفضه إلى 21 في المائة هذا العام وإلى 20 في المائة عام 2015. وبناء على ذلك فالمعدل الضريبي يعتبر الأقل بين دول مجموعة السبع وأحد الأكثر انخفاضا في مجموعة العشرين ككل.
* ما هي أهم القطاعات التي تتوافر فيها الفرص الاستثمارية بالنسبة للخليجيين؟
- تعتبر قطاعات الخدمات المالية وتكنولوجيا المعلومات والتقنية والعقار والشراكات بين القطاعين العام والخاص والبنية التحتية وعلوم الحياة الأكثر ثراء بالفرص بالنسبة للمستثمرين الخليجيين في المملكة المتحدة.
* وما المشاريع الأهم بين تلك القطاعات التي يمكن الاستثمار فيها؟
- تقدم الخطة الوطنية للبنية التحتية في المملكة المتحدة 330 مليار جنيه إسترليني من الفرص الاستثمارية ذات العوائد المضمونة على مدى السنوات الـ20 المقبلة، في قطاعات الطاقة والنقل والمياه وفي الأصول الخاضعة للتنظيم. وتشمل المشاريع إنشاءات السكة الحديد التي ستربط لندن بعدد من المدن الأخرى. كما أن هناك أيضا مشاريع استثمارية عديدة في إعادة التوليد بقيمة إجمالية تزيد على 100 مليار جنيه إسترليني. بالإضافة إلى أمثلة على مشاريع أخرى تتضمن تنمية 9 مناطق في لندن وفي الحديقة الأولمبية فيها.
* كيف تقيم وضع التبادل التجاري بين المملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية في المرحلة الحالية؟
- هو في تصاعد مستمر، فكما تعلم فالمملكة العربية السعودية هي أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، إذ إن أكثر من ستة آلاف شركة من المملكة المتحدة تصدر منتجاتها إلى السعودية. كما أن المملكة المتحدة تعتبر ثاني أكبر مستثمر أجنبي في السعودية بعد الولايات المتحدة، وذلك في وجود ما يقرب من 200 مشروع مشترك بين البلدين. وخلال عام 2012 بلغ حجم التجارة الثنائية بين المملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية 10 مليارات جنيه إسترليني في السلع والخدمات–باستثناء قطاع الدفاع–كانت 75 في المائة منها صادرات من المملكة المتحدة، مع توازن في الصادرات السعودية إلى المملكة المتحدة. وخلال العام التالي قفزت صادرات المملكة المتحدة إلى السعودية بنسبة 25 في المائة عما كانت عليه من قبل.
وتركز الحكومة السعودية في جزء كبير من خطط إنفاقها على تطوير البنية التحتية الاجتماعية والعمل على استراتيجية طموحة للتنويع الصناعي، تشمل إنشاء مدن اقتصادية وتجمعات صناعية جديدة. وقد وفر هذا الاستثمار فرصا للمشاريع ذات القيمة العالية في مجموعة من القطاعات؛ كالبنية التحتية للنقل، والرعاية الصحية، والنفايات والمياه، والبتروكيماويات، مما أتاح الفرصة للشركات البريطانية للدخول في هذا المجال، ولا يمكن أن ننسى أن مدينة لندن المالية هي إحدى أكبر مدن العالم في تلقي الاستثمارات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.
* هل ترى أنه من الوجاهة القول بأن الفرص الاستثمارية في المملكة المتحدة موجودة في لندن فقط، أم أن هناك فرص لا تصل إليها عيون المستثمرين في بقية أنحاء المملكة المتحدة؟
- صحيح أن لندن تحتل مرتبة عالية دائما وذلك باعتبارها مركزا ماليا رائدا حول العالم وموقعا للنشاط الدولي، فالعاصمة بطبيعتها تتمتع بسهولة الوصول إلى الأسواق، مما يجعلها تقدم الدعم للشركات الخليجية مع خدمات مهنية ومساندة عالية الجودة، وتوفر مقرات عمل ضخمة وحديثة وبنية تحتية فعالة في قطاع الاتصالات.. ومع ذلك فإنه يجدر القول إن أماكن أخرى مثل أدنبرة ومانشستر وليدز وبريستول وكارديف أصبحت أيضا مراكز رائدة تختص في تقديم خدمات الأعمال المالية والمهنية لتسهم في جعل المملكة المتحدة ككل وجهة للاستثمار الأجنبي المباشر، وبوجودها تتوافر خيارات أوسع من المواقع التي تشتهر عالميا كمراكز خبرة في مختلف الصناعات أمام المستثمرين.
* ما هي أهم شريحة تستهدفها هيئة التجارة والاستثمار البريطانية من المستثمرين الخليجيين.. أهي الصناديق السيادية، الشركات العائلية أم الشركات؟
- المملكة المتحدة مفتوحة دائما للأعمال التجارية، ولها تاريخ طويل في التبادل التجاري ليس فقط مع المملكة العربية السعودية ولكن مع جميع بلدان الخليج. وسواء كان المستثمرون من الشركات العائلية، الشركات الكبرى، أو الصناديق السيادية للدول، فإننا نتيح كل استثماراتنا في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والزراعة والخدمات المالية والرعاية الصحية والبنية التحتية والعقار أمامها جميعا متى توافرت لديها الرغبة في ذلك.



التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.


«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)

وقّع «صندوق النقد الدولي» مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي»، على هامش «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»؛ بهدف تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، وقد وقّعتها المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي» الدكتورة كريستالينا غورغييفا، والمدير العام لـ«صندوق النقد العربي» الدكتور فهد التركي.

تهدف مذكرة التفاهم إلى «تعزيز التنسيق في مجالات السياسات الاقتصادية والمالية، بما يشمل التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض، وتبادل البيانات والأعمال التحليلية، وبناء القدرات، وتقديم المساندة الفنية، دعماً للاستقرار المالي والاقتصادي في المنطقة».

وأكد الجانبان أن هذه المذكرة تمثل خطوة مهمة نحو «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين، والإسهام في دعم شبكة الأمان المالي الإقليمي؛ بما يخدم الدول الأعضاء، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية».