هادي سليمان.. أمير منقذ أم متمرّد على إرث الماضي

ليس دفاعا عنه.. لكن التاريخ يعيد نفسه

من عرض «سان لوران باريس» الأخير
من عرض «سان لوران باريس» الأخير
TT

هادي سليمان.. أمير منقذ أم متمرّد على إرث الماضي

من عرض «سان لوران باريس» الأخير
من عرض «سان لوران باريس» الأخير

أجمل ما في الموضة أنها موسمية، لا تبقى على حال، تفتح المجال للمتابعين، ليس بتغيير أسلوبهم فحسب، بل آرائهم أيضا. فقد لا تروق لك تشكيلة اليوم، وترى أنها سيئة لا تعبر عن الواقع فتشن عليها حملة شنعاء، لكن ما إن تلمسها بعد يوم أو أسبوع أو أشهر حين تصل إلى المحلات، وتعاين تفاصيلها من قرب حتى تغير رأيك. وليس ببعيد أن تشعر ببعض الخجل وأنك تسرعت وهاجمت مصممها، قبل أن تتأكد من كل التفاصيل والحيثيات. هذا القول ينطبق كثيرا على هادي سليمان، مصمم دار «سان لوران»، الذي كلما توالت المواسم، تتضح رؤيته من جهة، ورغبته الجادة في تطوير الدار ومنحها صبغة عصرية، من جهة ثانية. أمر كلفه الكثير، بالنظر إلى الانتقادات التي وجهت إليه ولا تزال، على أساس أنه تطاول على اسم المؤسس ولم يحترم إرثه. ويبدو أن الأيام، أو المواسم، وحدها كفيلة بتغيير هذه النظرة السلبية عنه. في لقاء خاص مع باميلا غولبين، أمينة متحف الفنون الزخرفية بـ«لو باليه دو لوفر» تطرق الحديث إلى هادي سليمان، وكان رأيها أن سبب الهجوم الشرس الذي تعرضت له في المواسم الماضية، نظرة سطحية وعدم معرفة عميقة بشخصية الدار. وأضافت أن «الغوص في تاريخها يؤكد أن هناك تشابها كبيرا بين إيف سان لوران وهادي سليمان، وكل ما قدمه هذا الأخير وقام به لحد الآن، ما هو إلا امتداد للماضي واحترام للمؤسس. بل، حتى الحملة التي شنت عليه في الموسم الماضي، تشبه إلى حد كبير تلك التي واجهها الراحل إيف سان لوران في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. فأنا أذكر أن الصحافة استنكرت تشكيلة أرسل فيها العارضات بعمامات، في إشارة إلى النساء اللاتي كن يتعرضن لحلق شعرهن لمجرد الشك في تعاملهن مع النازية، مثلا».
وتتابع باميلا: «يجب أن ننظر إلى المدى البعيد، فالمسألة ليست مسألة موسم واحد، بل عدة مواسم مقبلة. صحيح أن سليمان غير بعض الأشياء مثل الاسم والديكور وغيرها من التفاصيل، لكن رؤيته مستقبلية بعيدة المدى بلا شك، وهذا هو المهم، وأنا جد متحمسة لرؤية ما سيقدمه للمرأة في العرض المقبل».
في الأسبوع الماضي، قدم المصمم الشاب عرضه الثالث، وكان يعبق بإيحاءات من الماضي، وتحديدا بعبق الستينات والسبعينات، الحقبتين اللتين شهدت فيهما الدار أوجها. كان أيضا مطبوعا ببعض التحدي، فرغم الديكور العصري والبسيط، كان هناك إحساس بأن المصمم يريد إحداث صدمة وخوض المتعارف عليه غير عابئ بأي شيء آخر. ربما لأنه كان لا يزال منتشيا بما حققه من سبق في حفل توزيع جوائز الأوسكار، حيث اختار الكثير من نجوم هوليوود تصاميم من إبداعه، مثل جاريد ليتو، ومقدمة الحفل إلين دي جينيريز ومارغو روبي. ثلاثي يمكن أن يلخص تنوع أسلوبه من التفصيل الرجالي، على شكل تايورات توكسيدو، إلى الفساتين الطويلة، وهو أسلوب أكد نجاحا تجاريا ملموسا. فـ«سان لوران باريس» حاليا هي أقوى دار في مجموعة «كيرينغ»، التي تملك «غوتشي»، «إلكسندر ماكوين»، «ستيلا ماكارتني» وغيرها من بيوت الأزياء. فقد سجلت في العام الماضي ارتفاعا في المبيعات بنسبة 22 في المائة، بينما شهد الشطر الأخير من العام نفسه ارتفاعا بنسبة 42 في المائة، مما يؤكد أن عشاق أسلوب هادي سليمان في تزايد. والأهم من هذا، أن هناك فرقا بين ما يروق لوسائل الإعلام، وما يروق للزبونات، والمصمم المحظوظ هو الذي يحظى بإعجاب الاثنين، بينما المصمم الذكي هو الذي يحقق الربح من دون أن يتنازل عن رؤيته الخاصة، وهو ما ينطبق على هادي سليمان لحد الآن.
لخريف 2014 وشتاء 2015، قدم 54 قطعة تحتفل بالشباب وتخاطب فتاة صغيرة، وطبعا نحيفة، تريد أزياء للنهار، لكن تناسب المساء أيضا في حالة تلقت دعوة مفاجئة إلى ناد ليلي مع صديقاتها. كانت هناك أيضا قطع مفصلة تتوجه لشابة أكثر نضجا، تتمثل في جاكيتات مفصلة على شكل توكسيدو ومعاطف تأخذ أشكال «كابات» واسعة وكل قطعة بياقة تعقد على شكل وردة. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن التنورة القصيرة كانت البطلة بلا منازع، إلى جانب الألوان المعدنية والبراقة بالترتر والخرز والأحذية عالية الرقبة. هذا لا يعني أن هادي سليمان غير أسلوبه، فهو لا يزال يتجاهل شريحة من الزبونات وصلن إلى مرحلة عمرية معينة، ويركز على جيل جديد منهن، يحابي الصغيرات ويغرف بشراهة من ثقافة الشارع وحقبة الستينات، من دون أن ينسى أن يعرج إلى حقبة السبعينات، الفترة التي كانت فيها الدار تريد أن تصدم أكثر من أن تنال الرضا، بينما غابت حقبة الثمانينات التي ظهرت في تشكيلته من قبل، وحلت محلها لمسة «روك آند رول» واضحة يتقنها المصمم الشاب وجعلته واحدا من أهم المصممين الشباب.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن المصمم ليس دخيلا على الدار، بل العكس، فهو يعرفها حق المعرفة، وحصل على فرصته الأولى فيها، وتحديدا في قسم التصميم الرجالي، عندما آثار انتباه بيير بيرجيه، في عام 1996. لم تمر سوى بضعة أشهر، حتى أثبت نفسه وعين مصمما فنيا لهذا الجانب محققا الكثير من النجاح، إلى حد أن سوزي مانكيس، من صحيفة «الهيرالد تريبيون» آنذاك، كتبت أنه حقق ثورة. رغم النجاح، ترك إيف سان لوران في عام 2001 عندما حصل على فرصة أكبر في دار «ديور»، التي تركها في عام 2007 ليتفرغ لهواية التصوير. حينها، أعاد البعض السبب إلى أنه كان يريد أن يطلق خطا نسائيا إلا أن «ديور» رأت في الأمر تضاربا مع خطها النسائي وما كان يقدمه لها جون غاليانو. إذا كان هذا صحيحا، فقد تحقق حلمه في عام 2012. عندما فتحت له دار «إيف سان لوران» أبوابها، خصوصا أن علاقته بها وطيدة، وعاطفية إن صح القول، إذ شهدت بدايته، من جهة، وتعانق مثله ثقافة الشارع وكل ما هو فني وشبابي، من جهة ثانية. بدورها، هللت أوساط الموضة لخبر تعيينه واستبشرت خيرا، لا سيما بعد أن بارك الاختيار بيير بيرجيه، شريك إيف سان لوران وحامي مفاتيح داره. كانت التوقعات كبيرة، وترقب الجميع أن يكتب فصلا جديدا أكثر إثارة وقوة من كل المصممين الذين توالوا على الدار، ليعيد إليها أمجادها حين كان إيف سان لوران يكسر المألوف ويتحدى التابوهات ويقدم تحفا ثورية. بيد أنه عندما قدم عرضه الأول، قوبلت التشكيلة بهدوء، أقرب إلى الفتور المشوب بالإحباط. وعد هؤلاء أنه يحتاج إلى وقت أطول لكي يستقر ويبدع. ثم قدم تشكيلته الثانية، فقامت الدنيا ولم تقعد، ورأى هؤلاء أنه أخذ وقتا كافيا ليظهر إمكاناته، وفي المقابل، لم يحترم جينات الدار ولا اسم مؤسسها، لتنهال الانتقادات على صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت، بل وحتى في الصحف الرزينة. انتقادات على «تويتر» مثل «يا إلهي، هل هذا توقيع (سان لوران) أم هي أزياء فتاة عادية تتسوق من محلات الموضة.. أريد أن أبكي»، أو «بماذا كان يفكر هادي سليمان؟»، أو «ماذا حدث لـ(إيف سان لوران)؟» وانتقادات أخرى مشابهة. وما زاد الطين بلة، قرار سليمان تغيير اسم الدار إلى «سان لوران باريس» من دون إيف، إضافة إلى تجديده ديكورات كل المحلات واضعا بصمته الخاصة عليها. وهكذا، بين ليلة وضحاها تحول المصمم الشاب، من الأمير المنقذ إلى شبه عدو، بالنظر إلى الانتقادات القاسية التي انهالت عليه.
كانت حملة شرسة إلى حد أن البعض شبهها بتلك التي واجهها الفنان ماتيس حين عرض لوحاته في «لوغران باليه» في عام 1905، وقوبلت أعماله بالرفض والاستنكار لاستعماله ألوانا صارخة وغير متناغمة بعضها مع بعض، متهمين إياه بأنه حول المكان إلى «قفص وحوش». في خضم هذه الحملة، ظل سليمان صامتا يرفض أن يجري أي لقاءات صحافية يشرح فيها وجهة نظره الفنية، تاركا للزمن هذه المهمة. وربما هذا ما زاد من حجم الغضب عليه، لأنه كمن يقول لهم «الكلاب تنبح والقافلة تسير»، متسلحا بأن المبيعات لم تتأثر، بل العكس. فرغم كل الانتقادات، كانت تشكيلاته تحقق النجاح على المستوى التجاري. فالمشتريات التقطن بحسهن لغتها العصرية وأنها تخاطب جيلا جديدا من الزبونات، فضلا عن تقنياتها العالية وقوة تصميمها عند معاينتها ولمسها من قرب. بعض وسائل الإعلام وحدها ظلت وفية للماضي، أو بالأحرى لـ«إيف سان لوران»، لا تريد أن تنساه، ولا تقبل أن يمس أحد باسمه. وتعلق باميلا غولبين، أمينة متحف الفنون الزخرفية بباريس على هذا الأمر بقولها: «لو عاد هؤلاء إلى نقطة البداية، حين بزغ نجم شاب اسمه إيف سان لوران في عالم الموضة في الخمسينات من القرن الماضي، لوجدوا عدة قواسم مشتركة بينه وبين خليفته الحالي، وأن الاتهامات الموجهة للمصمم الشاب ظالمة. فالراحل بدوره تعرض لعدة انتقادات ولم تكن كل تشكيلاته مقبولة أو مفهومة لأنها كانت جديدة تخاطب شريحة جديدة من الزبائن في الستينات والسبعينات».
التشكيلة التي قدمها مثلا في يناير (كانون الثاني) من عام 1971 بعنوان «ليبرآسيون دو باريه» (تحرير باريس)، أثارت حفيظة وسائل الإعلام، إلى حد أن صحيفة «الهيرالد تريبيون» وصفتها بالانتحارية، بينما كتبت صحيفة «لوفيغارو» بأن المصمم ارتكب هفوة لا تغتفر. كل هذه التعليقات وردود الفعل تتشابه مع تلك التي وردت في الصحف والمجلات ومواقع الإنترنت حول ما قدمه هادي سليمان في الموسم الماضي، لربيع وصيف 2014.
أما عدم اجتراره لما قدمه المؤسس وغرفه من الأرشيف بشكل حرفي، فيجري في جينات الدار، بدليل أن إيف سان لوران، وعندما وجد نفسه فجأة على رأس دار «ديور» بعد وفاة السيد كريستيان ديور المفاجئ، لم يكرر أسلوبه. بعد فترة وجيزة من مسكه زمامها، اختفى «ذي نيو لوك» الذي حدد فترة الخمسينات، وتميز بخصر مشدود وتنورات مستديرة واسعة، وحلت محله فساتين قصيرة تبتعد عن الخصر وتنسدل عن الجسم بحرية وشقاوة فنية، لم ترق للزبونات القديمات، وحددت موضة الستينات بعد أن عانقتها الشابات. وهذا يعني أنه لم ير أن مهمته تقتصر على العودة إلى الأرشيف وإعادة صياغته في كل مرة بشكل ولون، بل تطويرها حسب تغيرات العصر، وهذا ما يدركه هادي سليمان، أي إن احترام المؤسس هو احترام لأفكاره وفلسفته في العمل ونظرته إلى الإبداع كشكل من أشكال قراءة العصر، وليس التقيد بأسلوبه الخاص وألوانه.
وهذا يعني أيضا أن التاريخ يعيد نفسه في الدار التي أتحفت المرأة بقطع من خزانة الرجل وحققت ثورات اجتماعية، فضلا عن دمقرطتها الموضة بتوسعها إلى مجال الأزياء الجاهزة عندما كان الراحل أول من أطلق خطه «سان لوران ريف غوش». الوقت وحده كفيل بأن يصحح الوضوح ويظهر لنا إمكانات هادي سليمان الحقيقية، التي جعلت منه واحدا من أهم المؤثرين في ساحة الموضة الرجالية.
* بين إيف سان لوران وهادي سليمان
* قواسم مشتركة وإبداع يتلخص في قراءة تغيرات العصر
* عندما توفي المصمم كريستيان ديور فجأة إثر سكتة قلبية في عام 1957، كان شاب في بداية العشرينات اسمه إيف سان لوران هو من خلفه. تلقى عالم الموضة خبر تعيينه بالفرح، واستقبل استقبال الملوك عندما ظهر على بلكونة الدار لكي يحيي الناس لأول مرة. بعد مواسم قليلة، أثار حفيظة الزبونات المخلصات، اللاتي رأين أنه بدأ يحيد عن إرث الدار بمعانقته ثقافة الشباب. كان من الصعب عليهن تقبل التصاميم المنسدلة التي تبتعد عن الخصر وتخاطب الشابات، مما أدى إلى استغناء «ديور» عنه واستبدال مارك بوهان به.
- على العكس من الكثير من المصممين الشباب الذين التحقوا ببيوت أزياء عريقة، وحافظوا على إرثها، بالعودة إلى الأرشيف لصياغته وترجمته في كل موسم بطريقة مختلفة، عبر هادي سليمان عن احترامه لإرث إيف سان لوران بقراءة التغيرات الاجتماعية وعدم التقيد بالتفاصيل الصغيرة، تماشيا مع رؤية المؤسس، الذي لم يغرف من إرث «ديور» وفضل أن يحمل الدار إلى المستقبل بطريقته.
- في الستينات، ومع كل التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدتها هذه الحقبة، وكان عنوانها العريض هو الديمقراطية، الشباب والتمرد، شعر المصمم الراحل بحسه بأن الأزياء الجاهزة ستكون أقوى من الـ«هوت كوتير»، فما كان منه إلا أن افتتح محلا خاصا بها في عام 1966 أطلق عليه «سان لوران ريف غوش». ربما هذا ما يحاول هادي سليمان القيام به: مخاطبة جيل جديد من الزبائن واستقطاب شرائح وأسواق جديدة ومن جنسيات مختلفة بلغة عصرية.
- من التغييرات التي قام بها هادي سليمان وأثارت حفيظة البعض، نقله الاستوديو الخاص به إلى لوس أنجليس عوض باريس. وهي نقلة ليست غريبة، كما يتبادر للذهن للوهلة الأولى، لأن الإبداع يمكن أن يولد في أي مكان، وإيف سان لوران أبدع بعض أجمل أعماله في مراكش وليس في باريس. إضافة إلى هذا، فإن الدار بعد أن توقفت عن إصدار خط الـ«هوت كوتير» تحتاج إلى هوليوود ومناسبات السجاد الأحمر كمنصة عرض لا تقدر بثمن لأزيائها.
- أما بالنسبة لإلغائه اسم إيف واكتفائه بـ«سان لوران باريس»، فإن نظرة سريعة إلى تاريخ الدار تؤكد أن خط الأزياء الجاهزة كان يحمل أساسا اسم «سان لوران ريف غوش» في عهد الراحل، مما يجعل التسمية الجديدة مقبولة والتخلص من ريف غوش مفهوم. ثم إن الكثير من بيوت الأزياء تخلت عن الاسم الأول للمؤسس مثل «ديور»، «بالنسياجا»، «شانيل ولانفان». الفكرة من إلغاء الاسم الأول للمؤسس تعني أنها علامة أو مؤسسة قائمة بحد ذاتها يمكن أن تستمر من دون شخص معين. فهذا قد يتقاعد أو يغيبه الموت، لكن الدار تبقى قائمة تعبق بروحه، لكن تتنفس هواء جديدا.



ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.