أميركا تتوقع أسعار نفط منخفضة في 2016

روسيا ترى أن الوضع الحالي للأسعار غير مشجع

أميركا تتوقع أسعار نفط منخفضة في 2016
TT

أميركا تتوقع أسعار نفط منخفضة في 2016

أميركا تتوقع أسعار نفط منخفضة في 2016

في الوقت الذي ترى فيه الحكومة الأميركية أن أسعار النفط ستبقى منخفضة في 2016 وسترتفع قليلاً في 2017، ولكن بصورة أقل من التوقعات السابقة، أوضحت الحكومة الروسية على لسان أحد مسؤوليها، أن أسعار النفط ستظل منخفضة لسنوات إن لم تكن عقودا، فيما أوضح مسؤول آخر أن روسيا تستعد لسيناريو للأسعار عند 25 دولارا هذا العام. ودفعت هذه التوقعات المنخفضة لأسعار النفط الجهات الحكومية في البلدين لتوقع انخفاض في إنتاج النفط، لا سيما في روسيا التي كانت تدافع عن إنتاج عند مستوى 10.6 مليون برميل يوميًا من النفط الخام مهما كلف الأمر. أما شركات النفط الصخري الأميركية فقد أظهرت مقاومة شديدة حتى الآن، ولكن الأسعار الحالية لن تسمح لها بالصمود لأكثر من ذلك.
وخفضت إدارة معلومات الطاقة الأميركية التابعة لوزارة الطاقة في تقريرها الشهري أول من أمس توقعاتها لأسعار النفط هذا العام، حيث توقعت أن يسجل خام غرب تكساس نحو 38.5 دولار في المتوسط بدلاً من التوقع السابق عند 51 دولارًا. أما خام برنت فقد خفضت الإدارة الأميركية توقعاتها له إلى 40 دولار هذا العام بدلاً من 55.7 دولار سابقًا. وفي الناحية المقابلة من العالم تحدث المسؤولون الروس بالأمس في مؤتمر اقتصادي تم عقده هناك عن أن الوضع الحالي للأسعار غير مشجع ومن المحتمل أن يدوم لفترة طويلة أكثر من المتوقع.
ونقلت وكالات أنباء روسية عن نائب وزير المالية ماكسيم أورشكين قوله أمس، إن استمرار انخفاض أسعار النفط قد يؤدي لإغلاق بعض الأصول المنتجة للخام في روسيا.
ونقلت وكالة تاس للأنباء عن أورشكين قوله في مقابلة مع تلفزيون «آر بي سي»: «أسعار النفط الحالية قد تقود إلى إغلاقات سريعة ومؤلمة جدا لبعض الأصول المنتجة للنفط في الأشهر القادمة».
كما نقلت «تاس» عن وزير التنمية الاقتصادية الروسي إليكسي يوليكايف أن بلاده تقوم باختبارات تحمل وجهد تحسبًا لوصول أسعار النفط عند 25 دولارا هذا العام.
وتصمد شركات النفط الروسية حتى الآن في مواجهة انخفاض أسعار النفط مدعومة بانخفاض قيمة الروبل بجانب عوامل أخرى وهو ما نتج عنه انخفاض التكلفة. وهبطت أسعار النفط 70 في المائة عن ذروتها في منتصف عام 2014 لتصل إلى ما يزيد قليلا على 30 دولارا للبرميل. وبلغ إنتاج روسيا من النفط أعلى مستوياته في فترة ما بعد الحقبة السوفياتية ليصل إلى أكثر من 10.8 مليون برميل يوميا بفضل الحقول التي دخلت الخدمة حديثا وكذلك إنتاج مكثفات الغاز.
وتستبعد الحكومة حتى الآن إجراء تخفيضات متعمدة في إنتاج النفط الخام الذي يساهم مع إنتاج الغاز الطبيعي بنصف إيرادات الموازنة العامة للدولة قائلة إن الظروف المناخية القاسية لا تسمح بالاستئناف السريع للإنتاج من الآبار بعد إغلاقها. من ناحية أخرى، قال مسؤول لدى شركة «ترانسنفت» الروسية التي تحتكر خطوط أنابيب النفط في البلاد، إن من المتوقع تراجع صادرات النفط الخام الروسية بنسبة ستة في المائة لتصل إلى 215.8 مليون طن في 2016 من 229.6 مليون طن في العام الماضي.

هبوط الإنتاج الأميركي
وتوقعت الحكومة الأميركية استمرار تخمة المعروض في سوق النفط العالمية حتى أواخر 2017 وذلك في تقديرات جديدة تبدد الأمل لتعافٍ في الأمد القصير ينقذ منتجي الطاقة من تداعيات انهيار أسعار الخام إلى أدنى مستوياتها في 12 عاما قرب 30 دولارا للبرميل.
وقالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، إن من المنتظر أن تغذي زيادة في إنتاج النفط الإيراني تخمة المعروض العالمي هذا العام مع الرفع المرتقب للعقوبات الغربية عن صادرات إيران.
وتوقعت الإدارة انخفاضا محدودا في الإمدادات الأميركية العام القادم ونموا مطردا في الطلب العالمي مما يساعد في انحسار التخمة في الربع الثالث من 2017 فيما سيكون أول انخفاض بعد نحو أربع سنوات متتالية من الزيادات.
وفي أولى توقعاتها لعام 2017 قالت الإدارة إن من المرجح أن يرتفع الإنتاج العالمي من النفط إلى نحو 96.7 مليون برميل يوميا مقارنة مع أكثر من 95.9 مليون برميل يوميا هذا العام. وسينمو الطلب 1.4 مليون برميل يوميا فقط في 2017 بمعدل مماثل لعامي 2015 و2016.
وسينخفض إنتاج الولايات المتحدة - الذي من المتوقع الآن أن يتراجع 700 ألف برميل يوميا هذا العام إلى 8.7 مليون برميل يوميا - بوتيرة أبطأ في 2017 ليصل إلى نحو 8.5 مليون برميل يوميا.
وقالت إن إنتاج النفط الخام في الولايات المتحدة من المتوقع أن ينخفض بمقدار 270 ألف برميل يوميا في 2017. وفي تقريرها لتوقعات الطاقة القصيرة الأجل لشهر يناير (كانون الثاني) قالت الإدارة إن إنتاج الخام العام القادم سيهبط إلى 8.46 مليون برميل يوميا. وتوقعت الإدارة أيضًا أن تنمو صادرات النفط الإيرانية في 2017 بمقدار 500 ألف برميل يوميا بعد زيادة قدرها 300 ألف برميل يوميا في 2016 في حال رفع العقوبات.
وأدى استمرار إنتاج قوي من السعودية إلى زيادة تخمة المعروض بينما تضرر منتجو النفط بشدة في الولايات المتحدة. وهبطت أسعار النفط هذا الأسبوع وسط مخاوف بشأن خسائر سوق الأسهم الصينية. وتراجع خام القياس الأميركي لفترة وجيزة في جلسة يوم الثلاثاء عن 30 دولارا للبرميل.

زيادة مخزون النفط الأميركي
وأظهرت بيانات من إدارة معلومات الطاقة الأميركية أمس أن مخزونات البنزين ووقود الديزل في الولايات المتحدة ارتفعت بأكثر من توقعات المحللين مسجلة زيادة للأسبوع الثاني في حين سجلت مخزونات الخام زيادة طفيفة في الأسبوع الماضي.
وزادت مخزونات البنزين 8.4 مليون برميل مقارنة مع توقعات محللين في استطلاع لـ«رويترز» لارتفاع قدره 2.7 مليون برميل. وفي الأسبوع السابق ارتفعت المخزونات بأكثر من عشرة ملايين برميل في أكبر زيادة من نوعها منذ 1993. ودفعت الزيادة العقود الآجلة لزيت التدفئة والبنزين إلى تراجع حاد.
وزادت مخزونات النفط الخام 234 ألف برميل الأسبوع الماضي مقابل توقعات محللين لزيادة قدرها 2.5 مليون برميل. وساهمت هذه الأنباء في خفض أسعار النفط في نيويورك ولندن إلى مستوى 30 دولارًا للبرميل حتى الساعة الثامنة والنصف بتوقيت الرياض.



الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.